التعافي الخطابي والركود الفعلي للناتج المحلي الإجمالي في سوريا
الاقتصاد السياسي للتقديرات الاقتصادية الرسمية
4 دقائق – 24 مارس، 2026
المركز السوري لبحوث السياسات:
تقدم السلطة الانتقالية مؤشرات عن الأداء الاقتصادي توحي بتعافٍ سريع للناتج المحلي الإجمالي وعودة وشيكة إلى
مستويات ما قبل النزاع، من دون نشر منهجية واضحة للحساب، أو التمييز بين الناتج بالأسعار الجارية والناتج بالأسعار الثابتة، أو توضيح أثر تعدد أسعار الصرف والتضخم على القيمة المعلنة. ولا يقتصر الخلل هنا على دقة رقم بعينه، بل يطال بنية الحوكمة الاقتصادية نفسها، إذ تكشف المبالغة في استخدام مؤشرات كلية غير موثقة عن تهميش منظومة البيانات الوطنية، وعن التعامل مع الناتج المحلي الإجمالي كأداة خطاب سياسي أكثر منه أداة قياس علمي تستند إليها السياسات العامة. وبذلك تصبح أزمة البيانات جزءاً من أزمة الحكم الاقتصادي، لا مجرد مشكلة تقنية في الإحصاء.
يقدّر المركز السوري لبحوث السياسات، استناداً إلى منهجيته التراكمية في القياس أثناء النزاع، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 لم يحقق سوى نمو هامشي يقارب 3 بالألف مقارنة بعام 2024، بينما تراجعت حصة الفرد من الناتج الحقيقي بنحو 6 بالمئة مع النمو الكبير للسكان بعودة جزء من اللاجئين. إن حجم الناتج الفعلي في عام 2025 لم يتجاوز نحو 45 بالمئة من مستواه في عام 2010 بالأسعار الثابتة وتؤكد المؤشرات القطاعية هذا الركود، فقد انكمش الإنتاج الزراعي بشدة تحت أثر الجفاف وارتفاع التكاليف، وتراجعت الصناعة التحويلية بفعل نقص المدخلات والطاقة والسيولة وانكشافها أمام الواردات، وانخفضت القيمة الحقيقية للخدمات الحكومية نتيجة سياسات التقشف، بينما تحسنت نسبياً قطاعات أخرى مثل الاتصالات وبعض أنشطة النقل والتجارة والبناء والتشييد، وهو تحسن لا يكفي لقيادة تعافٍ اقتصادي مستدام.
يتطلب تصحيح المسار الاقتصادي البدء بإعادة بناء نظام بيانات وطني مستقل وشفاف بوصفه شرطاً أولياً للتعافي، وذلك عبر تمكين المؤسسات الإحصائية من إنتاج مؤشرات دورية قابلة للتحقق، ونشر المنهجيات والافتراضات المستخدمة في تقدير الناتج والمؤشرات الكلية، وتنفيذ تقييم وطني شامل لآثار النزاع على السكان والإنتاج ورأس المال والثروات العامة. كما يتطلب الأمر الابتعاد عن استخدام الأرقام المبالغ بها أو غير الموثوقة في الخطاب العام، وربط القرار الاقتصادي بالأدلة لا بالدعاية، مع مراجعة السياسات التي قيدت النمو، وفي مقدمتها: التقشف، وتحرير التجارة غير المنضبط، ورفع تكاليف الإنتاج، وحبس السيولة، وتقليص الدور التنموي للدولة، وطرح الأصول العامة بصيغ غير شفافة. إن بناء الثقة في الاقتصاد السوري يبدأ من بناء الثقة في بياناته، لأن أي خطاب غير مسنود بقياس مستقل وشفاف لن يقود إلى نمو حقيقي، بل إلى مزيد من التشوه في السياسات وتآكل الثقة العامة.
– 24 مارس، 2026
التعافي الخطابي والركود الفعلي للناتج المحلي الإجمالي في سوريا
الاقتصاد السياسي للتقديرات الاقتصادية الرسمية
اضغط هنا لقراءة الورقة كاملة:
التعافي الخطابي والركود الفعلي للناتج المحلي الإجمالي في سوريا
الاقتصاد السياسي للتقديرات الاقتصادية الرسمية
4 دقائق – 24 مارس، 2026
المركز السوري لبحوث السياسات:
تقدم السلطة الانتقالية مؤشرات عن الأداء الاقتصادي توحي بتعافٍ سريع للناتج المحلي الإجمالي وعودة وشيكة إلى
مستويات ما قبل النزاع، من دون نشر منهجية واضحة للحساب، أو التمييز بين الناتج بالأسعار الجارية والناتج بالأسعار الثابتة، أو توضيح أثر تعدد أسعار الصرف والتضخم على القيمة المعلنة. ولا يقتصر الخلل هنا على دقة رقم بعينه، بل يطال بنية الحوكمة الاقتصادية نفسها، إذ تكشف المبالغة في استخدام مؤشرات كلية غير موثقة عن تهميش منظومة البيانات الوطنية، وعن التعامل مع الناتج المحلي الإجمالي كأداة خطاب سياسي أكثر منه أداة قياس علمي تستند إليها السياسات العامة. وبذلك تصبح أزمة البيانات جزءاً من أزمة الحكم الاقتصادي، لا مجرد مشكلة تقنية في الإحصاء.
يقدّر المركز السوري لبحوث السياسات، استناداً إلى منهجيته التراكمية في القياس أثناء النزاع، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 لم يحقق سوى نمو هامشي يقارب 3 بالألف مقارنة بعام 2024، بينما تراجعت حصة الفرد من الناتج الحقيقي بنحو 6 بالمئة مع النمو الكبير للسكان بعودة جزء من اللاجئين. إن حجم الناتج الفعلي في عام 2025 لم يتجاوز نحو 45 بالمئة من مستواه في عام 2010 بالأسعار الثابتة وتؤكد المؤشرات القطاعية هذا الركود، فقد انكمش الإنتاج الزراعي بشدة تحت أثر الجفاف وارتفاع التكاليف، وتراجعت الصناعة التحويلية بفعل نقص المدخلات والطاقة والسيولة وانكشافها أمام الواردات، وانخفضت القيمة الحقيقية للخدمات الحكومية نتيجة سياسات التقشف، بينما تحسنت نسبياً قطاعات أخرى مثل الاتصالات وبعض أنشطة النقل والتجارة والبناء والتشييد، وهو تحسن لا يكفي لقيادة تعافٍ اقتصادي مستدام.
يتطلب تصحيح المسار الاقتصادي البدء بإعادة بناء نظام بيانات وطني مستقل وشفاف بوصفه شرطاً أولياً للتعافي، وذلك عبر تمكين المؤسسات الإحصائية من إنتاج مؤشرات دورية قابلة للتحقق، ونشر المنهجيات والافتراضات المستخدمة في تقدير الناتج والمؤشرات الكلية، وتنفيذ تقييم وطني شامل لآثار النزاع على السكان والإنتاج ورأس المال والثروات العامة. كما يتطلب الأمر الابتعاد عن استخدام الأرقام المبالغ بها أو غير الموثوقة في الخطاب العام، وربط القرار الاقتصادي بالأدلة لا بالدعاية، مع مراجعة السياسات التي قيدت النمو، وفي مقدمتها: التقشف، وتحرير التجارة غير المنضبط، ورفع تكاليف الإنتاج، وحبس السيولة، وتقليص الدور التنموي للدولة، وطرح الأصول العامة بصيغ غير شفافة. إن بناء الثقة في الاقتصاد السوري يبدأ من بناء الثقة في بياناته، لأن أي خطاب غير مسنود بقياس مستقل وشفاف لن يقود إلى نمو حقيقي، بل إلى مزيد من التشوه في السياسات وتآكل الثقة العامة.



