الحرمان من الخبز والطاقة: سياسات تُعمّق الفقر في سوريا

      16 دقائق

الحرمان من الخبز والطاقة: سياسات تُعمّق الفقر في سوريا

تخلص هذه الورقة إلى أن سياسات تحرير أسعار الخبز والطاقة في سوريا لا تشكل إصلاحاً اقتصادياً بأي معنى تنموي، بل إنها تعمق الفقر وتقوض الأمن الغذائي وتهدد الشرعية الاجتماعية للانتقال. إن التعامل مع القمح والخبز والطاقة كبنود إنفاقية يمكن قطع دعمها ورفع أسعارها يشكل انحرافاً خطراً عن الدلالة الاجتماعية والسياسية للغذاء والإنتاج في سوريا. فعندما يُسعّر القمح بأقل من كلفة الإنتاج، ويُخضع الخبز لمنطق السوق، وتُدار الطاقة وفق معطيات الربح، وتُتوقع الرواتب المنهارة أن تستوعب كل هذه الأوضاع، فإن النتيجة ليست تعافياً، بل مجتمعاً أكثر فقراً وأقل قدرة على الإنتاج. لذلك تدعو المبادرة السورية للحقوق الأساسية إلى اعتماد نهج حماية اجتماعية انتقالي يضمن الحصول على الخبز والطاقة والسكن كحد أدنى من متطلبات العيش الكريم، وربط دعم المنتجين والأجور والخدمات بتكلفة المعيشة الفعلية وخطوط الفقر.

 

يشكّل القمح والخبز والطاقة ركائز أساسية للأمن الغذائي والمعيشي في سوريا، ولا يمكن التعامل معها بوصفها بنود إنفاق يمكن ضبطها عبر رفع الأسعار وتقليص الدعم، بمعزل عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لذلك. تحاجج هذه الورقة بأن سياسات تحرير أسعار الخبز والطاقة ورفع كلفة الإنتاج الزراعي في المرحلة الانتقالية لا تمثل إصلاحاً اقتصادياً بالمعنى التنموي بقدر ما تسهم في تعميق الفقر وتقويض الأمن الغذائي والشرعية الاجتماعية. وتدعو إلى مقاربة حماية اجتماعية انتقالية تضمن الوصول إلى الخبز والطاقة والسكن بوصفها مقومات أساسية للعيش الكريم، وتربط دعم المنتجين والأجور والخدمات بالكلفة الفعلية للمعيشة وخطوط الفقر.

في هذا الإطار، تحذّر المبادرة السورية للحقوق الأساسية من أن التعامل مع القمح والخبز والطاقة بوصفها مجرد بنود إنفاق يمكن خفض الدعم عنها ورفع أسعارها ينطوي على انقطاع خطير عن المعنى الاجتماعي والسياسي للغذاء والإنتاج في سوريا. فالدولة الخارجة من حرب طويلة لا تُقاس شرعيتها بقدرتها على رفع الأسعار أو تحقيق فائض مالي شكلي، بل بقدرتها على توفير الغذاء، وحماية المنتجين، وضمان حد أدنى من الطاقة والسكن والعمل اللائق.

تثير السياسات الراهنة مخاوف جدية من إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر الخبز والطاقة، ليس بوصفهما حقين اجتماعيين ومقوّمين للإنتاج، بل كمدخلين لإعادة توزيع الأعباء على الأسر والمنتجين الصغار. فتحرير الأسعار وإلغاء الدعم وفتح الأسواق، من دون شبكات حماية كافية أو تقييم معلن للآثار الاقتصادية والاجتماعية، يعرّض الفئات الأضعف لأزمات معيشية متلاحقة. كما أن توسيع إسناد العقود والفرص الاستثمارية والخدمات العامة في ظل نقص الشفافية وآليات المساءلة قد يفتح المجال لتركيز المنافع لدى شبكات محدودة من الفاعلين القادرين على الوصول إليها. وينتج عن ذلك سوق بلا حماية اجتماعية كافية، واتجاهات خصخصة من دون ضمانات واضحة، وجباية لا تستند إلى عقد اجتماعي، بما يهدد بإعادة إنتاج بعض السياسات التي أسهمت في تعميق النزاع.

بالنسبة إلى القمح، وهو قوت أساسي للسكان، فقد أضرت السياسات الراهنة بالإنتاج الزراعي عبر قنوات مترابطة: ارتفاع تكاليف الطاقة والري والنقل، وفتح الأسواق من دون حماية كافية للقطاعات الإنتاجية المحلية، وتحديد سعر شراء المحصول من دون ربط واضح بالكلفة الواقعية للإنتاج. فقد حدد قرار وزارة الاقتصاد والصناعة، الصادر في 16 أيار/مايو 2026، سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ4.6 مليون ليرة سورية (تعادل حوالي 337$).[1] وأثار القرار اعتراضات واسعة بين المزارعين الذين اعتبروا أن السعر لا يغطي تكاليف المحروقات والبذور والأسمدة وقطع الغيار والري والحصاد والنقل وتقلب سعر الصرف. ثم صدر المرسوم رقم 120 لعام 2026 بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 900 ألف ليرة سورية عن كل طن يُسلّم إلى المؤسسة السورية للحبوب،[2] ليرتفع السعر الاسمي إلى 5.5 مليون ليرة سورية للطن (حوالي 403$). ورغم هذه الزيادة، بقي السعر أدنى من المستوى الذي طالب به كثير من المزارعين لتغطية التكاليف وتحقيق هامش معقول للاستمرار في الإنتاج.

وتأتي هذه التطورات في سياق زراعي شديد الهشاشة. فقد شهدت البلاد موجة جفاف حادة في موسم 2025، وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إنتاج القمح بين 900 ألف و1.1 مليون طن، وهو من أدنى المحاصيل المسجلة في سوريا. [3] كما أشارت إلى أن نقص المدخلات، وتضرر شبكات الري، وصعوبات الوصول إلى الأسواق، عوامل ما تزال تقيد قدرة الفلاحين على الاستمرار في الزراعة.

ولم تقتصر هشاشة موسم 2026 على التسعير؛ ففي أواخر أيار/مايو تسببت فيضانات نهر الفرات بأضرار واسعة في الأراضي والمحاصيل الزراعية،[4] ولا سيما في ريف دير الزور والرقة، ووقعت في ذروة موسم الحصاد.[5] كما أثيرت شكاوى من مزارعين بشأن معايير استلام بعض الكميات وتصنيف جودتها. وبصرف النظر عن أسباب رفض بعض الكميات، فإن حماية المنتجين تقتضي نشر بيانات تفصيلية عن الكميات المستلمة والمرفوضة وأسباب الرفض، وتعويض المتضررين من الكوارث، وعدم تحميلهم وحدهم خسائر الموسم.

ولا يمكن فصل أزمة القمح عن الطاقة؛ فالمازوت والكهرباء مدخلان مباشران في الري والحصاد والنقل والطحن والخبز والتبريد وتشغيل الورش الصغيرة. يمثل الري أحد القيود الرئيسية على إنتاج القمح، وقد يشكل بين 20 و50 بالمئة من إجمالي تكاليف الإنتاج، فيما ترتفع كلفته بشدة في المناطق التي تعتمد على الضخ العميق أو المولدات. [6] كما أن كلفة إنتاج القمح قد تتجاوز مليوني ليرة سورية للدونم في بعض الحالات، ما يجعل الإنتاج غير مجدٍ اقتصادياً إذا لم يُسعّر المحصول وفق الكلفة الفعلية. وبذلك تتحول سياسة الطاقة من أداة لتمكين الإنتاج إلى عامل يدفع الفلاحين إلى تقليص الزراعة أو الخروج من الأرض. [7]

في المقابل، يتعرض المستهلكون لصدمة موازية عبر الخبز. فقد ارتفع سعر ربطة الخبز بصورة حادة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم خُفّض وزن الربطة مع تثبيت السعر، ما رفع السعر الفعلي للكيلوغرام أكثر من مرة. وتشير بيانات المركز السوري لبحوث السياسات إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد من الخبز ارتفع من 267 ليرة سورية قبل سقوط النظام إلى 4000 ليرة قديمة في حزيران/يونيو 2026، أي بزيادة تراكمية تقارب 1398 بالمئة. ويعني ذلك أن أثر تحرير سعر الخبز لا يقتصر على سعره، بل ينقل جزءاً متزايداً من كلفة الأزمة إلى الأسر، ولا سيما الفقيرة منها.

ويتفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي مع هذه السياسات. فقد أشارت تقديرات أممية إلى أن نحو 14.6 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 ملايين في حالة انعدام أمن غذائي حاد،[8] فيما يظل الخبز مصدراً أساسياً للسعرات الحرارية لدى الأسر الفقيرة. وأظهرت نشرة برنامج الأغذية العالمي أن كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق ارتفعت في أيلول/سبتمبر 2025 بنسبة 7 بالمئة، لتبلغ نحو 2.2 مليون ليرة سورية (حوالي 190$)، مدفوعة بارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية.[9] وبلغ خط الفقر المدقع للأسرة 3.3 ملايين ليرة سورية (حوالي 254$) في نيسان/أبريل 2026، بينما لم يكن أجر الموظف الجامعي في القطاع العام يغطي سوى 33.3 بالمئة من هذا المبلغ.[10] وعند هذه المستويات، يصبح الخبز والطاقة والسكن مؤشرات مباشرة على تراجع قدرة المجتمع على تأمين احتياجاته اليومية وإعادة إنتاج حياته الاقتصادية والاجتماعية.

وتتعمق الأزمة مع رفع أسعار الطاقة والكهرباء. فقد انتقلت الكهرباء من خدمة عامة متدهورة لكنها مدعومة نسبياً إلى مجال لاقتطاع جزء متزايد من دخول الأسر والمنتجين. لقد بلغت التعرفة الفعلية للكهرباء في عام 2025 نحو 1,046 ليرة لكل كيلوواط ساعي، مقابل كلفة فعلية تقديرية بنحو 569 ليرة، بما يشير إلى تحوّل الدعم المحاسبي إلى فائض ضمني يتحمله المستخدمون.[11] ولا يقتصر أثر ذلك على الفاتورة المنزلية؛ فرفع أسعار الكهرباء والمازوت والبنزين والغاز ينتقل مباشرة إلى الغذاء والنقل والإيجارات والخدمات، ويولد آثاراً سعرية متتابعة تطال مجمل كلفة المعيشة.

وتتفاقم الضغوط بفعل المضاربات العقارية وارتفاع الإيجارات واستثمارات الأراضي. فحين ترتفع كلفة الكهرباء والمواد الأولية والنقل، وحين تتحول المدن إلى فضاءات جذب للريع أكثر من الإنتاج، تصبح كلفة السكن نفسها آلية لإفقار الأسر. وقد بلغ متوسط الإيجار الشهري في دمشق في آذار/مارس 2026 نحو 8.16 ملايين ليرة سورية (حوالي 685$)، مقابل 2.25 مليون في طرطوس (حوالي 189$)، و800 ألف ليرة سورية (حوالي 67$) في دير الزور،[12] بما يعكس تفاوتاً حاداً في سوق السكن وارتباطاً مباشراً بين التمركز الحضري والريع العقاري. وعندما تجتمع كلفة السكن مع الخبز والطاقة والنقل، تغدو الحياة خارج قدرة غالبية شرائح المجتمع، لأن الدخل يُستنزف بين السوق والرسوم والريع.

ولا يقف استنزاف دخول الأسر عند حدود تراجع قدرتها الشرائية، بل يتكامل مع مسار مواز يضغط على جانب العرض والإنتاج. فالسياسات التي رفعت كلفة الطاقة والخدمات على المواطنين هي ذاتها التي رفعتها على الفلاحين والورش والمنشآت الإنتاجية. ومع فتح الأسواق دون مراعاة أوضاع القطاعات المحلية،  وتراجع الحماية الفعلية للقمح والصناعات الغذائية، يواجه الصغار ضغوضاً متراكمة قد تدفعهم إلى تقليص نشاطهم أو إيقافه أو التحول إلى وسطاء ومستوردين. كما أن اللجوء إلى الاستيراد لمعالجة الاختناقات من دون تدابير موازية لحماية الإنتاج المحلي يهدد بتفكيك القاعدة الإنتاجية وتقليص مصادر الدخل والعمل.

وعليه، تنطلق هذه الورقة من أطروحة واضحة: فقر الغذاء والطاقة في سوريا ليس نتيجة عجز طبيعي أو نقص موارد فحسب، بل يتصل أيضاً بسياسات تفكك مقومات التنمية. فعندما يوضع القمح تحت سعر الكلفة، والخبز تحت منطق السوق، والطاقة تحت منطق الربح، والسكن تحت منطق المضاربة، والخدمات تحت منطق الاستثمار الخاص، ثم يُطلب من الأجور المنهارة تحمل كل ذلك، لا تكون النتيجة تعافياً، بل مجتمعاً أفقر وفلاحين وورشاً أقل قدرة على العمل ومستهلكين أقل قدرة على الشراء. ومن ثم، فإن الدفاع عن القمح والخبز والطاقة ليس حنيناً إلى دعم غير كفؤ أو اقتصاد مغلق، بل دفاع عن الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية في المرحلة الانتقالية. فالقمح يجب أن يُسعّر وفق كلفة إنتاج عادلة، والخبز يجب أن يبقى محمياً اجتماعياً، والطاقة يجب أن تُدار بوصفها قدرة إنتاجية ومقوّماً للعيش الكريم، لا مصدراً للفائض أو فرصة للاستحواذ.

وقد تحولت معاناة المنتجين والمستهلكين إلى قضية احتجاج اجتماعي مباشر. فقد عبّر مزارعون في الرقة ودير الزور ومناطق إنتاج أخرى عن رفضهم تسعيرة القمح، معتبرين أن شراء المدخلات بأسعار مرتبطة بالدولار وبيع المحصول بالليرة، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والبذار والأسمدة والري والحصاد والنقل، يحملهم خسائر الموسم ويدفعهم إلى تقليص زراعة القمح أو الخروج منها. وفي المدن، اتخذ الاعتراض على رفع أسعار الكهرباء والطاقة أشكالاً متعددة، من الشكاوى والامتناع عن الدفع إلى الاحتجاجات والمطالبات القانونية بربط فواتير الخدمات بالدخل الفعلي للأسر. وتكشف هذه التحركات أن الخبز والطاقة لم يعودا مجرد أسعار، بل أصبحا اختباراً مركزياً لشرعية المرحلة الانتقالية وقدرتها على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنع نشوء مظالم جديدة.

التوصيات

لا يكفي الرد على أزمة الخبز والطاقة بإجراءات جزئية أو مساعدات محدودة، لأن الفقر في سوريا بات بنيوياً ومتعدد الأبعاد. وعليه، توصي المبادرة السورية للحقوق الأساسية الحكومة الانتقالية باعتماد حزمة حماية اجتماعية انتقالية تشمل ما يأتي:

  1. 1. التراجع عن الصدمات السعرية المفاجئة في الخبز والكهرباء والغاز والمازوت، واعتماد تسعير انتقالي تدريجي لا يرفع كلفة الغذاء والطاقة فوق قدرة الأجور وخطوط الفقر.
  2. 2. إعادة بناء الدعم بوصفه أداة حماية اجتماعية وإنتاجية، مع ضمان خبز مدعوم بسعر اجتماعي عادل، واعتماد تعرفة للكهرباء والمياه والغاز تضمن حداً أساسياً منخفض الكلفة لكل أسرة، ومخصصات طاقة للزراعة والمخابز والنقل العام والورش الصغيرة.
  3. 3. ربط سعر شراء القمح والحبوب بتكاليف الإنتاج الفعلية، بما فيها الري والمحروقات والحصاد والنقل، ودفع المستحقات فوراً، وتوفير البذار والأسمدة والمازوت الزراعي والقروض الموسمية الميسرة، مع نشر معايير استلام المحصول ونتائج تصنيفه وتعويض المتضررين من الجفاف والفيضانات وغيرها من الكوارث.
  4. 4. ربط الأجور والتحويلات الاجتماعية دورياً بخطوط الفقر وكلفة المعيشة، بما يشمل الغذاء والسكن والطاقة والنقل، بدلاً من زيادات اسمية متقطعة تمتصها الأسعار قبل وصولها إلى الأسر.
  5. 5. إنشاء برنامج دعم سكني انتقالي يشمل تدابير لضبط الارتفاع غير المنضبط في الإيجارات، ودعم الأسر النازحة والمتضررة، وتمويل ترميم المساكن الصغيرة، والحد من المضاربات العقارية التي ترفع كلفة السكن.
  6. 6. حماية المنتج المحلي والفلاحين والورش الصغيرة عبر طاقة ميسرة وائتمان تشغيلي وحماية ذكية من الإغراق الاستيرادي، ووقف بيع أو تأجير أو خصخصة الأصول العامة في قطاعات الغذاء والطاقة والمطاحن والمخابز والكهرباء من دون شفافية ومنافسة ورقابة مستقلة.
  7. 7. تبني سياسة طاقة عادلة بيئياً واجتماعياً تعطي الأولوية لحلول الطاقة الشمسية اللامركزية الموجهة إلى الري والمخابز والمدارس والمراكز الصحية والورش الصغيرة، بدلاً من المشاريع الكبرى المغلقة التي قد تعيد إنتاج الريع والاحتكار.
  8. تأمين تمويل عادل وشفاف للحماية الاجتماعية من خلال إعادة توجيه فوائض الطاقة والكهرباء، وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الريعية والعقارية والاحتكارية، مع نشر حسابات الدعم والكلفة والفوائض، وإشراك ممثلي الفلاحين والعمال والمستهلكين والبلديات في تصميم السياسات والرقابة على تنفيذها.

   أبرز المؤشرات الاقتصادية والمعيشية   | المؤشر | القيمة | الفترة | | سعر شراء طن القمح القاسي | 4.6 مليون ليرة سورية (تعادل حوالي 337$)، و5.5 مليون بعد المكافأة (حوالي 403$) | أيار/مايو 2026 | | إنتاج القمح المقدر | بين 900 ألف و1.1 مليون طن | موسم 2025 | | حصة الري من تكاليف إنتاج القمح | بين 20% و50% | 2025 | | سعر كيلوغرام الخبز | ارتفع من 267 إلى 4,000 ليرة سورية | حتى حزيران/يونيو 2026 | | الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي | 14.6 مليون شخص، بينهم 9.1 ملايين في حالة حادة | 2025 | | كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق | نحو 2.2 مليون ليرة سورية (حوالي 190$) | أيلول/سبتمبر 2025 | | خط الفقر المدقع للأسرة | 3.3 ملايين ليرة سورية (حوالي 254$) | نيسان/أبريل 2026 | | نسبة تغطية راتب موظف حكومي من حملة الشهادة الجامعية لخط الفقر المدقع | 33.3% | نيسان/أبريل 2026 | | متوسط الإيجار الشهري | 8.16 ملايين في دمشق (حوالي 685$) و2.25 مليون في طرطوس (حوالي 189$) و800 ألف ليرة سورية في دير الزور (حوالي 67$). | آذار/مارس 2026 |

[1] وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا، القرار رقم 94، الصادر في 16 أيار/مايو 2026

[2] المادة 1، المرسوم رقم 120. الصادر في 18 أيار/مايو 2026

[3] Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), The Syrian Arab Republic: Farmers Struggle amid Worst Agricultural Crisis in Decades, 4 September 2025

[4] العدالة من أجل الحياة، بين التسعير والفيضانكيف تتفاقم أزمة مزارعي القمح في شرق سوريا؟، 10 حزيران/يونيو 2026

[5] Oxfam International, Syria: Rapid Needs Assessment – Euphrates River Flood-Affected Farmers: Agricultural Livelihoods Assessment, May–June 2026 (2026)

[6] Oxfam International, From Grain to Table: A Wheat and Bread Scoping Assessment in Aleppo, Deir ez-Zor, and Rural Damascus (2025)

[7] Ibid.

[8] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Response Priorities: Syrian Arab Republic, January–December 2025 (2025)

[9] World Food Programme (WFP), Monthly Market Price Bulletin: Syria, September 2025, Issue No. 129, WFP VAM | Food Security Analysis.

[10] المركز السوري لبحوث السياسات، إعادة هيكلة المرافق العامة ورفع كلفة الخدماتالنشرة الشهرية لمؤشر أسعار المستهلك والتضخم في سوريا – نيسان 2026، العدد 4

[11] المركز السوري لبحوث السياسات، المالية العامة في سوريا الانتقاليةفائض محاسبي، وعجز في الدور التنموي للدولة، وإعادة إنتاج التفاوت، 15 نيسان/أبريل 2026

[12] المركز السوري لبحوث السياسات، تضخم هيكليالأجور التمييزية ومحركات الأسعار: النشرة الشهرية لمؤشر أسعار المستهلك والتضخم في سوريا – آذار 2026، العدد 3

         بيانات

الحرمان من الخبز والطاقة: سياسات تُعمّق الفقر في سوريا

اضغط هنا لقراءة البيان كاملاً:
للتحميل باللغة العربية للتحميل باللغة الإنجليزية
            بيان

الحرمان من الخبز والطاقة: سياسات تُعمّق الفقر في سوريا

      16 دقائق
للتحميل باللغة العربية
للتحميل باللغة الإنجليزية

الحرمان من الخبز والطاقة: سياسات تُعمّق الفقر في سوريا

تخلص هذه الورقة إلى أن سياسات تحرير أسعار الخبز والطاقة في سوريا لا تشكل إصلاحاً اقتصادياً بأي معنى تنموي، بل إنها تعمق الفقر وتقوض الأمن الغذائي وتهدد الشرعية الاجتماعية للانتقال. إن التعامل مع القمح والخبز والطاقة كبنود إنفاقية يمكن قطع دعمها ورفع أسعارها يشكل انحرافاً خطراً عن الدلالة الاجتماعية والسياسية للغذاء والإنتاج في سوريا. فعندما يُسعّر القمح بأقل من كلفة الإنتاج، ويُخضع الخبز لمنطق السوق، وتُدار الطاقة وفق معطيات الربح، وتُتوقع الرواتب المنهارة أن تستوعب كل هذه الأوضاع، فإن النتيجة ليست تعافياً، بل مجتمعاً أكثر فقراً وأقل قدرة على الإنتاج. لذلك تدعو المبادرة السورية للحقوق الأساسية إلى اعتماد نهج حماية اجتماعية انتقالي يضمن الحصول على الخبز والطاقة والسكن كحد أدنى من متطلبات العيش الكريم، وربط دعم المنتجين والأجور والخدمات بتكلفة المعيشة الفعلية وخطوط الفقر.

 

يشكّل القمح والخبز والطاقة ركائز أساسية للأمن الغذائي والمعيشي في سوريا، ولا يمكن التعامل معها بوصفها بنود إنفاق يمكن ضبطها عبر رفع الأسعار وتقليص الدعم، بمعزل عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لذلك. تحاجج هذه الورقة بأن سياسات تحرير أسعار الخبز والطاقة ورفع كلفة الإنتاج الزراعي في المرحلة الانتقالية لا تمثل إصلاحاً اقتصادياً بالمعنى التنموي بقدر ما تسهم في تعميق الفقر وتقويض الأمن الغذائي والشرعية الاجتماعية. وتدعو إلى مقاربة حماية اجتماعية انتقالية تضمن الوصول إلى الخبز والطاقة والسكن بوصفها مقومات أساسية للعيش الكريم، وتربط دعم المنتجين والأجور والخدمات بالكلفة الفعلية للمعيشة وخطوط الفقر.

في هذا الإطار، تحذّر المبادرة السورية للحقوق الأساسية من أن التعامل مع القمح والخبز والطاقة بوصفها مجرد بنود إنفاق يمكن خفض الدعم عنها ورفع أسعارها ينطوي على انقطاع خطير عن المعنى الاجتماعي والسياسي للغذاء والإنتاج في سوريا. فالدولة الخارجة من حرب طويلة لا تُقاس شرعيتها بقدرتها على رفع الأسعار أو تحقيق فائض مالي شكلي، بل بقدرتها على توفير الغذاء، وحماية المنتجين، وضمان حد أدنى من الطاقة والسكن والعمل اللائق.

تثير السياسات الراهنة مخاوف جدية من إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر الخبز والطاقة، ليس بوصفهما حقين اجتماعيين ومقوّمين للإنتاج، بل كمدخلين لإعادة توزيع الأعباء على الأسر والمنتجين الصغار. فتحرير الأسعار وإلغاء الدعم وفتح الأسواق، من دون شبكات حماية كافية أو تقييم معلن للآثار الاقتصادية والاجتماعية، يعرّض الفئات الأضعف لأزمات معيشية متلاحقة. كما أن توسيع إسناد العقود والفرص الاستثمارية والخدمات العامة في ظل نقص الشفافية وآليات المساءلة قد يفتح المجال لتركيز المنافع لدى شبكات محدودة من الفاعلين القادرين على الوصول إليها. وينتج عن ذلك سوق بلا حماية اجتماعية كافية، واتجاهات خصخصة من دون ضمانات واضحة، وجباية لا تستند إلى عقد اجتماعي، بما يهدد بإعادة إنتاج بعض السياسات التي أسهمت في تعميق النزاع.

بالنسبة إلى القمح، وهو قوت أساسي للسكان، فقد أضرت السياسات الراهنة بالإنتاج الزراعي عبر قنوات مترابطة: ارتفاع تكاليف الطاقة والري والنقل، وفتح الأسواق من دون حماية كافية للقطاعات الإنتاجية المحلية، وتحديد سعر شراء المحصول من دون ربط واضح بالكلفة الواقعية للإنتاج. فقد حدد قرار وزارة الاقتصاد والصناعة، الصادر في 16 أيار/مايو 2026، سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ4.6 مليون ليرة سورية (تعادل حوالي 337$).[1] وأثار القرار اعتراضات واسعة بين المزارعين الذين اعتبروا أن السعر لا يغطي تكاليف المحروقات والبذور والأسمدة وقطع الغيار والري والحصاد والنقل وتقلب سعر الصرف. ثم صدر المرسوم رقم 120 لعام 2026 بمنح مكافأة تشجيعية قدرها 900 ألف ليرة سورية عن كل طن يُسلّم إلى المؤسسة السورية للحبوب،[2] ليرتفع السعر الاسمي إلى 5.5 مليون ليرة سورية للطن (حوالي 403$). ورغم هذه الزيادة، بقي السعر أدنى من المستوى الذي طالب به كثير من المزارعين لتغطية التكاليف وتحقيق هامش معقول للاستمرار في الإنتاج.

وتأتي هذه التطورات في سياق زراعي شديد الهشاشة. فقد شهدت البلاد موجة جفاف حادة في موسم 2025، وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إنتاج القمح بين 900 ألف و1.1 مليون طن، وهو من أدنى المحاصيل المسجلة في سوريا. [3] كما أشارت إلى أن نقص المدخلات، وتضرر شبكات الري، وصعوبات الوصول إلى الأسواق، عوامل ما تزال تقيد قدرة الفلاحين على الاستمرار في الزراعة.

ولم تقتصر هشاشة موسم 2026 على التسعير؛ ففي أواخر أيار/مايو تسببت فيضانات نهر الفرات بأضرار واسعة في الأراضي والمحاصيل الزراعية،[4] ولا سيما في ريف دير الزور والرقة، ووقعت في ذروة موسم الحصاد.[5] كما أثيرت شكاوى من مزارعين بشأن معايير استلام بعض الكميات وتصنيف جودتها. وبصرف النظر عن أسباب رفض بعض الكميات، فإن حماية المنتجين تقتضي نشر بيانات تفصيلية عن الكميات المستلمة والمرفوضة وأسباب الرفض، وتعويض المتضررين من الكوارث، وعدم تحميلهم وحدهم خسائر الموسم.

ولا يمكن فصل أزمة القمح عن الطاقة؛ فالمازوت والكهرباء مدخلان مباشران في الري والحصاد والنقل والطحن والخبز والتبريد وتشغيل الورش الصغيرة. يمثل الري أحد القيود الرئيسية على إنتاج القمح، وقد يشكل بين 20 و50 بالمئة من إجمالي تكاليف الإنتاج، فيما ترتفع كلفته بشدة في المناطق التي تعتمد على الضخ العميق أو المولدات. [6] كما أن كلفة إنتاج القمح قد تتجاوز مليوني ليرة سورية للدونم في بعض الحالات، ما يجعل الإنتاج غير مجدٍ اقتصادياً إذا لم يُسعّر المحصول وفق الكلفة الفعلية. وبذلك تتحول سياسة الطاقة من أداة لتمكين الإنتاج إلى عامل يدفع الفلاحين إلى تقليص الزراعة أو الخروج من الأرض. [7]

في المقابل، يتعرض المستهلكون لصدمة موازية عبر الخبز. فقد ارتفع سعر ربطة الخبز بصورة حادة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، ثم خُفّض وزن الربطة مع تثبيت السعر، ما رفع السعر الفعلي للكيلوغرام أكثر من مرة. وتشير بيانات المركز السوري لبحوث السياسات إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد من الخبز ارتفع من 267 ليرة سورية قبل سقوط النظام إلى 4000 ليرة قديمة في حزيران/يونيو 2026، أي بزيادة تراكمية تقارب 1398 بالمئة. ويعني ذلك أن أثر تحرير سعر الخبز لا يقتصر على سعره، بل ينقل جزءاً متزايداً من كلفة الأزمة إلى الأسر، ولا سيما الفقيرة منها.

ويتفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي مع هذه السياسات. فقد أشارت تقديرات أممية إلى أن نحو 14.6 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 ملايين في حالة انعدام أمن غذائي حاد،[8] فيما يظل الخبز مصدراً أساسياً للسعرات الحرارية لدى الأسر الفقيرة. وأظهرت نشرة برنامج الأغذية العالمي أن كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق ارتفعت في أيلول/سبتمبر 2025 بنسبة 7 بالمئة، لتبلغ نحو 2.2 مليون ليرة سورية (حوالي 190$)، مدفوعة بارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية.[9] وبلغ خط الفقر المدقع للأسرة 3.3 ملايين ليرة سورية (حوالي 254$) في نيسان/أبريل 2026، بينما لم يكن أجر الموظف الجامعي في القطاع العام يغطي سوى 33.3 بالمئة من هذا المبلغ.[10] وعند هذه المستويات، يصبح الخبز والطاقة والسكن مؤشرات مباشرة على تراجع قدرة المجتمع على تأمين احتياجاته اليومية وإعادة إنتاج حياته الاقتصادية والاجتماعية.

وتتعمق الأزمة مع رفع أسعار الطاقة والكهرباء. فقد انتقلت الكهرباء من خدمة عامة متدهورة لكنها مدعومة نسبياً إلى مجال لاقتطاع جزء متزايد من دخول الأسر والمنتجين. لقد بلغت التعرفة الفعلية للكهرباء في عام 2025 نحو 1,046 ليرة لكل كيلوواط ساعي، مقابل كلفة فعلية تقديرية بنحو 569 ليرة، بما يشير إلى تحوّل الدعم المحاسبي إلى فائض ضمني يتحمله المستخدمون.[11] ولا يقتصر أثر ذلك على الفاتورة المنزلية؛ فرفع أسعار الكهرباء والمازوت والبنزين والغاز ينتقل مباشرة إلى الغذاء والنقل والإيجارات والخدمات، ويولد آثاراً سعرية متتابعة تطال مجمل كلفة المعيشة.

وتتفاقم الضغوط بفعل المضاربات العقارية وارتفاع الإيجارات واستثمارات الأراضي. فحين ترتفع كلفة الكهرباء والمواد الأولية والنقل، وحين تتحول المدن إلى فضاءات جذب للريع أكثر من الإنتاج، تصبح كلفة السكن نفسها آلية لإفقار الأسر. وقد بلغ متوسط الإيجار الشهري في دمشق في آذار/مارس 2026 نحو 8.16 ملايين ليرة سورية (حوالي 685$)، مقابل 2.25 مليون في طرطوس (حوالي 189$)، و800 ألف ليرة سورية (حوالي 67$) في دير الزور،[12] بما يعكس تفاوتاً حاداً في سوق السكن وارتباطاً مباشراً بين التمركز الحضري والريع العقاري. وعندما تجتمع كلفة السكن مع الخبز والطاقة والنقل، تغدو الحياة خارج قدرة غالبية شرائح المجتمع، لأن الدخل يُستنزف بين السوق والرسوم والريع.

ولا يقف استنزاف دخول الأسر عند حدود تراجع قدرتها الشرائية، بل يتكامل مع مسار مواز يضغط على جانب العرض والإنتاج. فالسياسات التي رفعت كلفة الطاقة والخدمات على المواطنين هي ذاتها التي رفعتها على الفلاحين والورش والمنشآت الإنتاجية. ومع فتح الأسواق دون مراعاة أوضاع القطاعات المحلية،  وتراجع الحماية الفعلية للقمح والصناعات الغذائية، يواجه الصغار ضغوضاً متراكمة قد تدفعهم إلى تقليص نشاطهم أو إيقافه أو التحول إلى وسطاء ومستوردين. كما أن اللجوء إلى الاستيراد لمعالجة الاختناقات من دون تدابير موازية لحماية الإنتاج المحلي يهدد بتفكيك القاعدة الإنتاجية وتقليص مصادر الدخل والعمل.

وعليه، تنطلق هذه الورقة من أطروحة واضحة: فقر الغذاء والطاقة في سوريا ليس نتيجة عجز طبيعي أو نقص موارد فحسب، بل يتصل أيضاً بسياسات تفكك مقومات التنمية. فعندما يوضع القمح تحت سعر الكلفة، والخبز تحت منطق السوق، والطاقة تحت منطق الربح، والسكن تحت منطق المضاربة، والخدمات تحت منطق الاستثمار الخاص، ثم يُطلب من الأجور المنهارة تحمل كل ذلك، لا تكون النتيجة تعافياً، بل مجتمعاً أفقر وفلاحين وورشاً أقل قدرة على العمل ومستهلكين أقل قدرة على الشراء. ومن ثم، فإن الدفاع عن القمح والخبز والطاقة ليس حنيناً إلى دعم غير كفؤ أو اقتصاد مغلق، بل دفاع عن الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية في المرحلة الانتقالية. فالقمح يجب أن يُسعّر وفق كلفة إنتاج عادلة، والخبز يجب أن يبقى محمياً اجتماعياً، والطاقة يجب أن تُدار بوصفها قدرة إنتاجية ومقوّماً للعيش الكريم، لا مصدراً للفائض أو فرصة للاستحواذ.

وقد تحولت معاناة المنتجين والمستهلكين إلى قضية احتجاج اجتماعي مباشر. فقد عبّر مزارعون في الرقة ودير الزور ومناطق إنتاج أخرى عن رفضهم تسعيرة القمح، معتبرين أن شراء المدخلات بأسعار مرتبطة بالدولار وبيع المحصول بالليرة، في ظل ارتفاع تكاليف الوقود والبذار والأسمدة والري والحصاد والنقل، يحملهم خسائر الموسم ويدفعهم إلى تقليص زراعة القمح أو الخروج منها. وفي المدن، اتخذ الاعتراض على رفع أسعار الكهرباء والطاقة أشكالاً متعددة، من الشكاوى والامتناع عن الدفع إلى الاحتجاجات والمطالبات القانونية بربط فواتير الخدمات بالدخل الفعلي للأسر. وتكشف هذه التحركات أن الخبز والطاقة لم يعودا مجرد أسعار، بل أصبحا اختباراً مركزياً لشرعية المرحلة الانتقالية وقدرتها على حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنع نشوء مظالم جديدة.

التوصيات

لا يكفي الرد على أزمة الخبز والطاقة بإجراءات جزئية أو مساعدات محدودة، لأن الفقر في سوريا بات بنيوياً ومتعدد الأبعاد. وعليه، توصي المبادرة السورية للحقوق الأساسية الحكومة الانتقالية باعتماد حزمة حماية اجتماعية انتقالية تشمل ما يأتي:

  1. 1. التراجع عن الصدمات السعرية المفاجئة في الخبز والكهرباء والغاز والمازوت، واعتماد تسعير انتقالي تدريجي لا يرفع كلفة الغذاء والطاقة فوق قدرة الأجور وخطوط الفقر.
  2. 2. إعادة بناء الدعم بوصفه أداة حماية اجتماعية وإنتاجية، مع ضمان خبز مدعوم بسعر اجتماعي عادل، واعتماد تعرفة للكهرباء والمياه والغاز تضمن حداً أساسياً منخفض الكلفة لكل أسرة، ومخصصات طاقة للزراعة والمخابز والنقل العام والورش الصغيرة.
  3. 3. ربط سعر شراء القمح والحبوب بتكاليف الإنتاج الفعلية، بما فيها الري والمحروقات والحصاد والنقل، ودفع المستحقات فوراً، وتوفير البذار والأسمدة والمازوت الزراعي والقروض الموسمية الميسرة، مع نشر معايير استلام المحصول ونتائج تصنيفه وتعويض المتضررين من الجفاف والفيضانات وغيرها من الكوارث.
  4. 4. ربط الأجور والتحويلات الاجتماعية دورياً بخطوط الفقر وكلفة المعيشة، بما يشمل الغذاء والسكن والطاقة والنقل، بدلاً من زيادات اسمية متقطعة تمتصها الأسعار قبل وصولها إلى الأسر.
  5. 5. إنشاء برنامج دعم سكني انتقالي يشمل تدابير لضبط الارتفاع غير المنضبط في الإيجارات، ودعم الأسر النازحة والمتضررة، وتمويل ترميم المساكن الصغيرة، والحد من المضاربات العقارية التي ترفع كلفة السكن.
  6. 6. حماية المنتج المحلي والفلاحين والورش الصغيرة عبر طاقة ميسرة وائتمان تشغيلي وحماية ذكية من الإغراق الاستيرادي، ووقف بيع أو تأجير أو خصخصة الأصول العامة في قطاعات الغذاء والطاقة والمطاحن والمخابز والكهرباء من دون شفافية ومنافسة ورقابة مستقلة.
  7. 7. تبني سياسة طاقة عادلة بيئياً واجتماعياً تعطي الأولوية لحلول الطاقة الشمسية اللامركزية الموجهة إلى الري والمخابز والمدارس والمراكز الصحية والورش الصغيرة، بدلاً من المشاريع الكبرى المغلقة التي قد تعيد إنتاج الريع والاحتكار.
  8. تأمين تمويل عادل وشفاف للحماية الاجتماعية من خلال إعادة توجيه فوائض الطاقة والكهرباء، وفرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الريعية والعقارية والاحتكارية، مع نشر حسابات الدعم والكلفة والفوائض، وإشراك ممثلي الفلاحين والعمال والمستهلكين والبلديات في تصميم السياسات والرقابة على تنفيذها.

   أبرز المؤشرات الاقتصادية والمعيشية   | المؤشر | القيمة | الفترة | | سعر شراء طن القمح القاسي | 4.6 مليون ليرة سورية (تعادل حوالي 337$)، و5.5 مليون بعد المكافأة (حوالي 403$) | أيار/مايو 2026 | | إنتاج القمح المقدر | بين 900 ألف و1.1 مليون طن | موسم 2025 | | حصة الري من تكاليف إنتاج القمح | بين 20% و50% | 2025 | | سعر كيلوغرام الخبز | ارتفع من 267 إلى 4,000 ليرة سورية | حتى حزيران/يونيو 2026 | | الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي | 14.6 مليون شخص، بينهم 9.1 ملايين في حالة حادة | 2025 | | كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق | نحو 2.2 مليون ليرة سورية (حوالي 190$) | أيلول/سبتمبر 2025 | | خط الفقر المدقع للأسرة | 3.3 ملايين ليرة سورية (حوالي 254$) | نيسان/أبريل 2026 | | نسبة تغطية راتب موظف حكومي من حملة الشهادة الجامعية لخط الفقر المدقع | 33.3% | نيسان/أبريل 2026 | | متوسط الإيجار الشهري | 8.16 ملايين في دمشق (حوالي 685$) و2.25 مليون في طرطوس (حوالي 189$) و800 ألف ليرة سورية في دير الزور (حوالي 67$). | آذار/مارس 2026 |

[1] وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا، القرار رقم 94، الصادر في 16 أيار/مايو 2026

[2] المادة 1، المرسوم رقم 120. الصادر في 18 أيار/مايو 2026

[3] Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), The Syrian Arab Republic: Farmers Struggle amid Worst Agricultural Crisis in Decades, 4 September 2025

[4] العدالة من أجل الحياة، بين التسعير والفيضانكيف تتفاقم أزمة مزارعي القمح في شرق سوريا؟، 10 حزيران/يونيو 2026

[5] Oxfam International, Syria: Rapid Needs Assessment – Euphrates River Flood-Affected Farmers: Agricultural Livelihoods Assessment, May–June 2026 (2026)

[6] Oxfam International, From Grain to Table: A Wheat and Bread Scoping Assessment in Aleppo, Deir ez-Zor, and Rural Damascus (2025)

[7] Ibid.

[8] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), Humanitarian Response Priorities: Syrian Arab Republic, January–December 2025 (2025)

[9] World Food Programme (WFP), Monthly Market Price Bulletin: Syria, September 2025, Issue No. 129, WFP VAM | Food Security Analysis.

[10] المركز السوري لبحوث السياسات، إعادة هيكلة المرافق العامة ورفع كلفة الخدماتالنشرة الشهرية لمؤشر أسعار المستهلك والتضخم في سوريا – نيسان 2026، العدد 4

[11] المركز السوري لبحوث السياسات، المالية العامة في سوريا الانتقاليةفائض محاسبي، وعجز في الدور التنموي للدولة، وإعادة إنتاج التفاوت، 15 نيسان/أبريل 2026

[12] المركز السوري لبحوث السياسات، تضخم هيكليالأجور التمييزية ومحركات الأسعار: النشرة الشهرية لمؤشر أسعار المستهلك والتضخم في سوريا – آذار 2026، العدد 3

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

جميع البيانات