البودكاست

الدور التنموي للدولة في ظل السياسات النيوليبرالية

     الحلقة 19                –                14 سبتمبر، 2025
الاقتصاد التضامني

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة نفتح نقاشًا صريحًا حول دور الدولة التنموي في فترات النزاع وما بعده، وكيف أثّرت السياسات النيوليبرالية على تنمية قوة الإنتاج والعدالة الاجتماعية في سوريا والمنطقة. نستضيف الباحث د. جوزيف ظاهر للحديث عن الفروق بين الدولة التنموية والنهج النيوليبرالي، مسارات التحوّل منذ التسعينات والألفينات، آثار الحرب والعسكرة والخصخصة، ودور المساعدات الإنسانية، وصولًا إلى خيارات بديلة تركّز على المشاركة الديمقراطية من الأسفل، إصلاح ضريبي تقدّمي، وتمويل موجّه للقطاعات المنتِجة (الصناعة/الزراعة/المشروعات الصغيرة والمتوسطة)، مع حوكمة الاستثمارات الأجنبية وعدالة انتقالية تشمل الجرائم الاقتصادية.

المحاور الأساسية:
– ما هي الدولة التنموية؟ ولماذا تراجع دورها؟
– النيوليبرالية: من “لا بديل” إلى نمو بلا تنمية واتساع اللامساواة
– الحالة السورية: من لبرلة الألفينات إلى اقتصاد الحرب وما بعدها
– المساعدات الإنسانية بين النقد ودعم الإنتاج المحلي
– سياسات الحكومة الانتقالية: الخصخصة، الطاقة، القدرة الشرائية
-من المتضرّر ومن المستفيد؟
-البدائل: ديمقراطية من الأسفل، ضرائب تصاعدية، تمويل المنتجين، حوكمة الاستثمارات، عدالة انتقالية

عن الضيف:
د. جوزيف ظاهر، باحث في الاقتصاد السياسي، حاصل على دكتوراه في دراسات التنمية (SOAS – لندن) ودكتوراه في العلوم السياسية (جامعة لوزان)، وله مؤلفات وأبحاث عن سوريا والمنطقة تركز على علاقة النخب الاقتصادية بالسلطة وتحولات الدولة في سياقات النزاع.

يحاوره ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.


أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا حوارات بديلة”. في هذه السلسلة التي نخصصها هذا الموسم لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت، سيكون نقاشنا اليوم مركّزاً على فكرة دور الدولة التنموي في فترات النزاع وما بعد النزاع. بشكل رئيسي، سنحاول مناقشة مسألة تقلّص دور الدولة – خاصة كما شهدنا بعد التسعينات مع توسّع السياسات النيوليبرالية – وتقليص الدور التنموي للدولة تحت ذرائع مختلفة؛ ذرائع منها أنها غير كفؤة أو فاسدة أو غير قادرة على مجاراة سرعة الاقتصاد والتكنولوجيا، أو بسبب مركزية الدولة وحصر القرارات في السلطة الحاكمة. فكان هناك نقاش كبير حول تقليص دور الدولة.

طبعاً، هذه السياسات النيوليبرالية قلّصت هذا الدور لفتح فرص استثمارية وفرص للربح، بما فيها سحب أدوار مثل دور الدولة في البنية التحتية أو حتى في الخدمات العامة. وطبعاً هذا نقاش مركّب جداً يتعلق بدور الدولة في السيادة، ودورها في إنفاذ القانون، وصولاً إلى التمكين وتكافؤ الفرص للأفراد كمواطنين.

سوريا مرّت بعدة مراحل في تحول الدور التنموي للدولة، بما فيها سياسات نيوليبرالية بدأت في الثمانينات وتوسّعت بشكل كبير جداً في الألفية الجديدة. وقد أكدت دراسات كثيرة على الربط بين هذه السياسات النيوليبرالية وزيادة التفاوت الذي حصل في سوريا واستمر بأشكال مختلفة خلال فترة النزاع. نحن اليوم في فترة توجد فيها حكومة انتقالية، وهناك حديث واسع جداً عن عملية “التحرير الاقتصادي”، أي تقليص الدور التنموي للدولة وتوسيع الأدوار للقطاع الخاص في القطاعات الاقتصادية، وللمجتمع المدني في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية.

لفهم هذه القضايا ومعرفة ما معنى سياسات نيوليبرالية وكيف يمكن أن يكون الدور التنموي للدولة في فترة ما بعد النزاع، يُشرّفنا أن نستضيف صديقاً وزميلاً عزيزاً جداً، الأكاديمي والباحث الدكتور جوزيف ظاهر. د. جوزيف حاصل على دكتوراه في دراسات التنمية من معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن عام 2015، وعلى دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لوزان في سويسرا. درّس في عدة جامعات، منها جامعة لوزان ومعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا.

للدكتور جوزيف مجموعة كبيرة جداً من الأبحاث المميزة (ستجدون روابطها في وصف الحلقة). يركّز في أبحاثه على الاقتصاد السياسي في سوريا والمنطقة، مع اهتمام بعلاقة النخب الاقتصادية بالسلطة، وتحولات الدولة في سياقات النزاع. من مؤلفاته كتاب “الاقتصاد السياسي لحزب الله”وكتاب “سوريا بعد الانتفاضة: الدولة والاقتصاد والسياسة”. سعداء جداً بوجودك معنا، دكتور جوزيف. أهلاً وسهلاً بك.

جوزيف ضاهر:
أهلاً بك ربيع، شكراً على الدعوة، والشرف لي طبعاً.

ربيع نصر:  جوزيف، كما ترى هناك جدل كبير – ليس في سوريا فقط طبعاً – حول ما هو الدور التنموي للدولة. البعض فوراً يستحضر النموذج الاشتراكي أو الشيوعي، عندما نتحدث بأي شكل عن تدخل الدولة أو دور الدولة في الاقتصاد. ولكن كما نعلم، الدور التنموي للدولة أوسع بكثير من مجرد فكرة التدخل الاقتصادي. فكيف تشرح لنا الإطار النظري للدور التنموي للدولة؟ وأين يتقاطع هذا الدور مع الفكر النيوليبرالي؟

جوزيف ضاهر:
شكراً مرة أخرى، ربيع. بالنسبة لسؤالك، أول شيء يجب أن نتذكر أن هناك نظريات تنموية مختلفة، وقد بدأت أغلبها بعد الحرب العالمية الثانية في سياق سياسي معيّن. لكن يمكننا القول إن هناك أهداف أساسية للدولة التنموية بشكل عام، وهي تنمية قوة الإنتاج (أي التصنيع والزراعة، إلى آخره). ثم بحسب النموذج التنموي، هناك سياسات لدعم القطاع العام والعدالة الاجتماعية، إلخ. هذا يختلف حسب كل نموذج.

أما الفروقات الرئيسية بين المشروع التنموي – مثلاً – والمشروع النيوليبرالي (أو غيره)، فهي أن المشروع التنموي يركّز على تنمية قوة الإنتاج وتوزيع الدخل والثروة بين السكان، وتحسين الظروف المعيشية وفرص العمل للعمال بشكل عام، وللطبقات العاملة والشعبية بشكل عام. كذلك، كما قلت لك، تنمية قوة الإنتاج، خاصة في الصناعة والزراعة.

أما في المشروع النيوليبرالي، فالهدف الرئيسي – إلى جانب السعي لتراكم رأس المال – هو توسيع ديناميكيات السوق لتشمل جميع قطاعات الاقتصاد دون استثناء. هذا فرق أساسي مثلاً عن الدور التنموي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، حتى في الدول الغربية: معظم المجالات الاجتماعية (لنقل التعليم، الصحة، إلخ) كانت بيد الدولة. مع توسّع الديناميكيات النيوليبرالية، أصبح أغلب هذه القطاعات – أو جزء كبير منها – تحت يد القطاع الخاص أو مفتوحاً للقطاع الخاص. هكذا شاهدنا أيضاً في سوريا بعد عام 2000 خاصة.

مثلاً، النظام الريعي يختلف أيضاً عن النموذج التنموي: في النظام الريعي لا يوجد إعادة توزيع حقيقي للربح أو الريع. مثلاً في دول الخليج – النفط نموذجاً – يكون هناك توزيع قليل جداً للدخل، يبقى بيد أقلية نخبوية ضمن السلطة الحاكمة، وليس لمصلحة الطبقات الشعبية وأغلبية السكان.

الفروقات الرئيسية بين المشروع التنموي والمشروع النيوليبرالي، أن الأول يركّز على تنمية قوة الإنتاج وتوزيع الدخل والثروة بين السكان، وتحسين الظروف المعيشية وفرص العمل للعمال بشكل عام، أما الثاني فالهدف الرئيسي – إلى جانب السعي لتراكم رأس المال – هو توسيع ديناميكيات السوق لتشمل جميع قطاعات الاقتصاد دون استثناء.

كذلك، كما ذكرت، درجة تدخل الدولة عامل مهم. تاريخياً، إذا نظرنا إلى دور الدولة التنموي على المستوى الدولي مثلاً:

  • في شرق آسيا في الستينات والسبعينات، دعمت الدول قطاعات معينة من قوى الإنتاج عبر التصنيع، كأن تدعم الأسعار أو تقدم خدمات بأسعار معقولة، إلخ.
  • في أمريكا اللاتينية (ليس تماماً بنفس العمق، ولكن بشكل عام)، دعمت الدولة قطاع التصنيع بشكل عام، ودعمت أيضاً ما يسمى سياسات إحلال الواردات.
  • وفي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل سوريا ومصر، شهدنا أيضاً نمطًا من رأسمالية الدولة؛ إذ تلعب الدولة دوراً أساسياً كمحرك للاقتصاد بدل القطاع الخاص، عبر استثمارات في قطاعات متعددة من الاقتصاد، خاصة في التصنيع والزراعة.

شاهدنا ذلك مثلاً في سوريا في الستينات: في إطار رأسمالية الدولة، كان للدولة دور أساسي محرك عبر مؤسساتها – تم توسيع القطاع العام، وتوزيع الدخل، وحتى توزيع ملكية الأراضي الزراعية إلى آخره لأغلبية الفلاحين أو للبرجوازية الصغيرة. بشكل عام، نستطيع القول إن الدور التنموي الأساسي هو دعم تنمية قوة الإنتاج. بعد ذلك، إذا نتحدث عن دور تنموي أكبر مثل رأسمالية الدولة، فهنا يكون دور أساسي لمؤسسات الدولة .

ربيع نصر:
تماماً. بالنسبة لهذا التحول الذي حدث عالمياً: يمكننا القول إن النظريات الاقتصادية شهدت هيمنة للنموذج النيوليبرالي. أغلب الدول – حتى في جنوب شرق آسيا التي اعتمدت على دور كبير للدولة، وفي أمريكا اللاتينية، وطبعاً في دول أوروبا الشرقية – حصل تحول نحو تقليص هذا الدور لصالح ما يُسمّى “توسيع الفرص” للقطاع الخاص. والقطاع الخاص المقصود هنا هو غالباً القطاع الخاص الكبير أو النافذ أو النخبوي. برأيك، كيف حدث هذا التحول في الفترة الأخيرة؟ الآن مثلاً بعد جائحة كوفيد هناك حديث عن أهمية دور الدولة، وهناك حديث أيضاً بعد الأزمة البيئية التي نعيشها. هل تعتقد أن هناك استعادة للنقاش حول دور تنموي جديد للدولة يختلف عن مرحلة النيوليبرالية، أو توسّع للدور التنموي للدولة؟

جوزيف ضاهر:
أتذكر أنه بعد أزمة كوفيد – لا أدري إن كنت تذكر أيضاً، ربيع – ظهرت عناوين في مجلتي إيكونوميست وفاينانشال تايمز تتحدث عن عودة للنموذج الكينزي، أي عودة دور الدولة كمحرّك للاقتصاد. للأسف، خلال أزمة كوفيد رأينا تعزيز دور الدولة في الاقتصاد، لكن لصالح من؟ غالباً لصالح الشركات الكبيرة والشركات الدولية، إلخ. وبعد سنتين أو أكثر عدنا للأسف إلى سياسات التقشف وديناميات السوق المهيمنة.

إذا نظرنا إلى التطورات التاريخية لهيمنة النيوليبرالية، يمكن القول إنها بدأت في السبعينات من القرن الماضي، بمشاريع سياسية قادها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وفي بريطانيا بقيادة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر – المعروفة بمقولة “لا يوجد بديل” عن الاقتصاد الليبرالي. ورأينا… ويجب أن نفهم أمراً: المشروع النيوليبرالي ليس مجرد مشروع اقتصادي بمعنى توسيع ديناميات السوق في كل المجالات الاقتصادية ضمن المجتمع، بل هو مشروع سياسي أيضاً؛ بمعنى شنّ هجوم سياسي على الطبقات العمالية والتنظيمات العمالية المنظمة في المجتمع (مثل النقابات، والأحزاب السياسية اليسارية، إلخ).

المشروع النيوليبرالي ليس مجرد مشروع اقتصادي بمعنى توسيع ديناميات السوق في كل المجالات الاقتصادية ضمن المجتمع، بل هو مشروع سياسي أيضاً؛ بمعنى شنّ هجوم سياسي على الطبقات العمالية والتنظيمات العمالية المنظمة في المجتمع

وأكيد مع نهاية الاتحاد السوفييتي – الذي بالمناسبة لم يكن نموذجاً إيجابياً أبداً، ولا اشتراكياً ولا يسارياً، بل نظاماً استبدادياً سيطرت عليه بيروقراطية معينة على الاقتصاد مع استغلال للعمال – بعد التسعينات… وهنا نتذكر أيضاً العبارة الشهيرة للمؤرخ والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما: “لا يوجد بديل للنظام النيوليبرالي الديمقراطي”. شاهدنا توسّع هذا النموذج النيوليبرالي في جميع أنحاء العالم.

وفي الوقت نفسه ظهرت – وبعكس ذلك تماماً – نظريات دراسية وأكاديمية في التسعينات تقول إنه مع الانفتاح الاقتصادي ستصبح المجتمعات (سواء العربية أو بشكل عام) أكثر ديمقراطية؛ لأنه ببناء طبقة وسطى أو برجوازية مستقلة عن الطبقات الحاكمة ستطالب بحقوق ديمقراطية. ولكن ما رأيناه كان العكس تماماً: تعزيز الديناميكيات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، ليس فقط في الشرق الأوسط بل حتى في الدول الليبرالية الغربية، حيث شهدنا ازدياداً في النزعات الاستبدادية. نرى اليوم في فرنسا وفي دول غربية وفي أمريكا تعزيزاً لهذه السلطات الاستبدادية.

بكل تأكيد، إذا أردنا الحديث عن نوع من البديل عن النظام النيوليبرالي المهيمن عالمياً، فعلينا أن نبني بديلاً اقتصادياً تقدمياً لصالح “99%” من السكان (كما يُقال في أوروبا). ولكن تحقيق ذلك يعتمد على توازن القوى في سوريا وغيرها. حتى اليوم، فإن أغلبية الاقتصاديين – حتى المعارضين للنموذج النيوليبرالي الإقصائي – لا يطرحون بديلاً حقيقياً خارج هذا النموذج للأسف. من الصعب جداً الخروج من السياق والإطار النيوليبرالي.

نعود إلى سؤالك: موضوع دور الدولة في الزمن الحالي. ما هو دور الدولة في الاستثمار ضمن أي مجتمع، في المجالات الاجتماعية مثل التعليم والصحة، إلخ، وكذلك بالتأكيد في قوى الإنتاج من تصنيع وزراعة؟ هذا سؤال مفتوح، وعدد قليل من الاقتصاديين المنتقدين للنظام النيوليبرالي اليوم، للأسف، لديهم تصوّر واضح خارج هذا الإطار.

ربيع نصر:
إذا انتقلنا إلى الحالة السورية تحديداً: مرت سوريا بفترة شهدت تحولاً كبيراً نحو النيوليبرالية في الاقتصاد. في التسعينات كان هناك توسع كبير جداً، لكن في الألفينات أصبح الأمر نموذجاً صارخاً لفكرة تقليص الدور التنموي للدولة مقابل توسّع الاستثمارات الأجنبية أو توسع القطاع الخاص النخبوي (مثل شركة “شام كابيتال” وغيرها). بدأنا نرى تحويل الموارد الاقتصادية باتجاه فئة جديدة – حتى ضمن القطاع الخاص نفسه. برأيك، هل كان هذا التغيير في دور الدولة أحد عوامل انفجار الحراك المجتمعي في 2011؟

جوزيف ضاهر : بكل تأكيد، ربيع. هذا سؤال مهم جداً.

بلا شك، وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد مثّل نوعاً من القطيعة في مسار الاقتصاد السوري. قطيعة ليس بمعنى تغيير جذري تام، ولكن تعميق لعمليات لبرلة الاقتصاد التي كانت قد بدأت. حتى بعد وصول حافظ الأسد للسلطة في السبعينات – نتذكر أنه قبل ذلك كان هناك نموذج جذري بقيادة حزب البعث في أواخر الستينات (فترة صلاح جديد) ثم بدأ الانفتاح الاقتصادي – لكن خلال عقود حكم حافظ الأسد ظلت الدولة تلعب دوراً أساسياً في الاقتصاد. حتى المنظمات الشعبية (بين قوسين) مثل النقابات والجمعيات الفلاحية، كانت لها أدوار مرتبطة بالدولة.

هذا تغير تماماً بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة. حصل تحالف جديد ضمن السلطة الحاكمة لصالح الطبقة الوسطى الليبرالية والعليا في المدن (خاصة دمشق وحلب) والطبقة البرجوازية داخل البلد وخارجه (من مستثمرين عرب وأتراك وأوروبيين).

كيف شهدنا هذا التحول؟ أولاً، بخلاف والده حافظ الأسد، بدأ بشار الأسد بالعمل مع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما. ثانياً، معروف أنه – رسميًا – اعترف النظام بدور القطاع الخاص كمحرك أساسي للاقتصاد السوري. حتى عام 1991، في القانون رقم 10، اعترف النظام السوري بالتعددية الاقتصادية. ولكن بعد 2000، أصبح المحرك الأساسي والدور التنموي الأساسي في الاقتصاد السوري هو القطاع الخاص. ولكن أي قطاع خاص نتحدث عنه هنا؟ هذه نقطة مهمة. فنحن لا نتحدث عن قطاع خاص ضخم وقوي مستقل؛ الأغلبية – مثلاً في قطاع التصنيع – هي من المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، حوالي 99% من الشركات. هذه المشاريع كانت تفتقر إلى التكنولوجيا وإلى الدعم المالي من البنوك (العامة والخاصة). لأن – مثل معظم البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – البنوك المحلية(وحتى البنوك العامة) لم تلعب دوراً تنموياً أبداً. كانت تشجّع الديناميكيات الاستهلاكية أكثر من الإنتاجية.

إذا نظرنا إلى فترة الألفينات، شجّعت البنوك الخاصة مثلاً على القروض الاستهلاكية؛ كأن يحصل الشخص على قرض لشراء سيارة جديدة أو منزل، ولم تكن تمنح مثلاً تسهيلات ائتمانية كافية للشركات الصغيرة والمتوسطة. ثم إن الديناميكيات الاقتصادية حينها كانت بمعظمها تجارية أو مرتكزة على قطاع البناء. شاهدنا مثلاً توسعاً في استثمارات البناء (المجمّعات التجارية “المولات” الكبيرة على نموذج دول الخليج) بتمويل واستثمارات خليجية. لا ننسى أن أكبر المستثمرين في سوريا بالألفينات كانوا من دول الخليج وتركيا. وأغلب الاستثمارات تركزت في قطاعات غير منتجة للاقتصاد، مع استثمارات قليلة جداً باتجاه التصنيع والزراعة.

هذا على العكس تماماً مما تتطلبه التنمية: سياسات التقشف وتحرير التجارة التي اتُّبعت أضرّت بقطاع التصنيع بشكل خاص. على سبيل المثال، اتفاقيات التجارة الحرة والاتفاقيات التجارية بين الدول العربية وتركيا أضرّت بالشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة؛ كثير من تلك الشركات أُغلق في أواخر العقد الأول من الألفينات لأنها لم تستطع المنافسة. وهذه نقطة مهمة جداً لأننا نرجع لنفس الأمر حالياً مع الحكومة الحالية: تكرار نفس الأخطاء – بل وأسوأ – بحق الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعاني من نقص في كل شيء (تكنولوجيا، عمالة مدرَّبة، تمويل، إلخ) بعد 14 سنة حرب ودمار ونقص في البنية التحتية، مما يجعلها عاجزة عن منافسة الشركات الأجنبية حتى في القطاعات الزراعية.

سياسات التقشف وتحرير التجارة التي اتُّبعت أضرّت بقطاع التصنيع بشكل خاص. على سبيل المثال، اتفاقيات التجارة الحرة والاتفاقيات التجارية بين الدول العربية وتركيا أضرّت بالشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة؛ كثير من تلك الشركات أُغلق في أواخر العقد الأول من الألفينات لأنها لم تستطع المنافسة.

تاريخياً، كانت سوريا غنية بالقطاع الزراعي، ومناطق مختلفة اعتمدت على الزراعة اقتصادياً واجتماعياً. في الألفينات أيضاً شهدنا نوعاً من خصخصة الأراضي المملوكة للدولة – ليس بمستوى ما حدث في مصر مثلاً، لكنه كان ذا أثر سلبي. شهدنا انخفاضاً كبيراً في القوى العاملة في القطاع الزراعي، ولم يكن ذلك بسبب الجفاف بين 2007 و2009 فقط؛ بل بدأ الانخفاض منذ 2002 إلى 2008. الكثير من العمال والمزارعين تركوا أراضيهم نتيجة سياسات وقف الدعم وسياسات التقشف، وكذلك سياسات الخصخصة التي صبّت في صالح المزارعين الكبار أو كبار ملاّك الأراضي المرتبطين جميعاً بالطبقة الحاكمة.

وهنا لا بد أن نشير إلى نقطة أساسية: السياسات النيوليبرالية وعمليات الانفتاح الاقتصادي (دون انفتاح سياسي) في أغلب الدول العربية، ومنها سوريا، استفادت منها نخبة اقتصادية صغيرة من رجال الأعمال، معظمهم مرتبطون بالطبقة الحاكمة. في سوريا كانت هذه النخبة مرتبطة بعائلة الأسد الحاكمة – وكان رامي مخلوف رمزاً لهذا الانفتاح الفاسد في الألفينات، إذ مثّل المصالح الاقتصادية لعائلة الأسد.

نرى أن هذه الديناميكيات أولاً كان لها تأثير سلبي على القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد السوري. وثانياً، أغلب هذه الديناميكيات الاستثمارية كانت في قطاعات غير منتجة (كالبناء والسياحة والخدمات المالية والخدمات عامة). وكما نقول دائماً، كان هناك نمو اقتصادي بدون تنمية حقيقية. وهذا حدث في سوريا وفي المنطقة بشكل عام. ففي النموذج النيوليبرالي قد يحدث نمو – مثلاً 3 إلى 5% سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي – وقد ارتفع الناتج المحلي في سوريا من أقل من 30 مليار دولار في بداية الألفينات إلى أكثر من 60 مليار دولار عام 2010. ولكن لمن ذهبت هذه الثروة؟ استفادت منها نسبة صغيرة من السوريين والسوريات، غالباً مرتبطة بالأسرة الحاكمة أو بطبقة اجتماعية معينة (طبقة عالية نخبوية كما قلت).

وبالتزامن مع ذلك شهدنا تفاوتاً اجتماعياً كبيراً: نسبة الفقر ارتفعت من حوالي 15% في بداية الألفينات إلى أكثر من 33% عام 2010. هذا هو النموذج النيوليبرالي: نمو بدون تنمية، بل على العكس تفاوت اجتماعي متزايد.


ربيع نصر:
أيضاً، على سبيل المثال، لم يكن الاقتصاد يولّد فرص عمل جديدة رغم النمو؛ فالكثير من الناس خرجوا من سوق العمل – نساءً ورجالاً على حد سواء. هذا هو التفاوت الذي حصل.

دعنا الآن ننتقل إلى ما بعد 2011: بعد 2011 انحصرت الدولة في شخص السلطة، وأصبحت السلطة تؤدي دور العدو للتنمية أو العدو للشعب. وبالتالي تم تخصيص الموارد نحو العسكرة والأمن. وفي المقابل، صار هناك انخفاض دائم في الاستثمار بالبنية التحتية وفي الدعم المقدم للقطاعات الاجتماعية (الصحة، التعليم، الطاقة). كنا نرى باستمرار دوامة من تخفيض الدعم بشكل متواتر… لكن أيضاً رأينا تجارب لجهات غير دولتيّة، مثل **”حكومة الإنقاذ” في إدلب أو الإدارة الذاتية (قسد) في الشمال الشرقي. هناك أيضاً في تلك المناطق تم تقليص الدور التنموي للدولة وفتح المجال لنخب – محلية أحياناً وإقليمية أحياناً – لتلعب هذا الدور. برأيك، كيف تغيّر الدور التنموي للدولة خلال السنوات الـ14 الماضية من النزاع؟ ماذا حصل لطبيعة هذا الدور ووظيفته فيما يخص التنمية من جهة، وفيما يخص تغذية النزاع أو مواجهته من جهة أخرى؟ كيف تصفه؟

جوزيف ضاهر:
شكراً، ربيع. سأعود أولاً إلى نقطة مهمة ذكرتها أنت قبل قليل بخصوص فرص العمل. بالفعل، في التحولات الاقتصادية الجديدة خلال الألفينات، كان القطاع الخاص نظرياً يلعب دوراً أساسياً في خلق فرص عمل. لكن هذا لم يحدث أبداً. بل بالعكس، رأينا الدولة توقفت عن توظيف الخريجين الجدد مثلاً، فزاد معدل البطالة. وكذلك ازدادت الهجرة من السوريين والسوريات إلى خارج البلد بحثاً عن فرص عمل. وفي الوقت نفسه، انخفضت الأجور الحقيقية مع ارتفاع التضخم… نرى هنا أن تراجع الدور التنموي للدولة، وغياب دور قوي أو محرّك يقابله من القطاع الخاص، أدى إلى زيادة الفقر والبطالة وقلّة فرص العمل، خاصة للشباب السوري. في الوقت نفسه، رأينا أيضاً تنامي اقتصاد “الذل”في سوريا – وهو نتاج السياسات النيوليبرالية – حيث كان هذا الاقتصاد يستوعب بالدرجة الأولى شباباً تحت سن 30. وكل هذا يبين السلبيات التي أفرزتها الديناميكيات الاقتصادية النيوليبرالية.

الآن، بالنسبة لسؤالك: إذا نظرنا إلى كافة سلطات الأمر الواقع المختلفة التي حكمت أجزاء من سوريا بعد 2011، نجد أن لديها تقريباً نفس النموذج الاقتصادي الذي ذكرناه، أي ديناميكيات تجارية. طبعاً الحرب لها تأثير كبير في هذه الظروف، ولكن نشأت أيضاً نخب جديدة مرتبطة بالسلطات الحاكمة في كل المناطق. وبالتأكيد، في المناطق التي ظلت تحت سيطرة النظام البائد (نظام الأسد)، وهنا رأينا تركيزاً للاستثمارات في الجيش وديناميكيات عسكرية وحتى ضمن الميليشيات، بالإضافة إلى توجيه التمويل نحو أمراء الحرب أو رجال الأعمال المرتبطين بالأسرة الحاكمة.

لا شك أن للعقوبات أثراً سلبياً أيضاً. ويمكن أن نعود لهذه النقطة – فأنت وأنا كان لنا دائماً موقف واضح منها: نحن بالتأكيد ضد هذا النظام، ومع فرض عقوبات معينة مركّزة على مؤسسات وشخصيات محددة، ولكن لسنا مع عقوبات شاملة ضد الدولة والمجتمع، لأنها تؤثر سلباً على عموم الناس وما زال تأثيرها مستمراً حتى اليوم.

وبالتأكيد هناك عوامل خارجية لها تأثير سلبي على سوريا أيضاً، مثل جائحة كوفيد أو الحرب الروسية الأوكرانية، وغيرها. لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا القول إن هذه التطورات حصلت بمعزل عن دور الدولة في تعميق المشاكل الداخلية. لأنه في وضع كارثي كهذا، من المفترض بأي حكومة أن تركز على الخدمات الاجتماعية وعلى هموم الناس… لكن ما رأيناه بعد 2011 كان عكس ذلك تماماً: تعميق للسياسات النيوليبرالية السابقة، خصخصة لممتلكات الدولة، وفرص اقتصادية تركزت بالكامل تقريباً بيد النظام الأسدي ولصالحه.

إذا تذكر، ربيع، في عام 2016 كانت هناك استراتيجية اقتصادية جديدة في سوريا تحت عنوان “الشراكة الوطنية”. ضمن هذه الاستراتيجية، لا يكون القطاع الخاص مجرد شريك رئيسي في أي عملية إعادة إعمار مستقبلية، بل القائد لها. وكل مجالات الاقتصاد فُتحت للقطاع الخاص ما عدا قطاع النفط. هكذا كان المشهد عام 2016. ورأينا، على سبيل المثال، تحريراً وانفتاحاً اقتصادياً في مجالات كانت مربحة للدولة: تحرير تجارة التبغ، وفتح مجال الاستثمار الخاص والأجنبي في قطاع الكهرباء، وقطاع الإسمنت أيضاً فُتح للاستثمار الخاص…

وفي الوقت نفسه، استمرت سياسات التقشف، خاصة في موضوع الخبز والمحروقات. بشكل عام – وهنا سأتوقف عند هذه النقطة، صحيح أن وقف دعم المشتقات النفطية يخفف عبئاً عن ميزانية الدولة (وقد تقلصت فعلاً ميزانية الدولة من حوالي 17 مليار دولار قبل الحرب إلى نحو 3 مليارات فقط مؤخراً)، لكن ما نراه هو الأثر السلبي لذلك على الاقتصاد ككل، وليس فقط على المواطنين. لأن دعم المشتقات النفطية ضروري للقطاعات الإنتاجية. فمثلاً، تكلفة الإنتاج في سوريا هي الأعلى في المنطقة حالياً، بسبب موضوع الطاقة والكهرباء؛ المولدات الكهربائية في سوريا تعمل على الوقود النفطي، وهذا يرفع الكلفة جداً. رأينا التأثير السلبي لهذا على القطاعات المنتجة.

وطبعاً هناك دمار الحرب الذي حدث – والمسؤولية الأولى فيه على النظام البائد – لكن هناك أيضاً فاعلين سياسيين لعبت دوراً سلبياً –  مثلا: النخب الجديدة في الحكومة الحالية مثل هيئة تحرير الشام، وجهات أخرى كـالجيش الوطني السوري… وكذلك العقوبات كما قلنا. لكن أيضاً كان هناك دور للدولة خلال السنوات الـ14 الأخيرة، باستمرار نفس السياسات النيوليبرالية والخصخصة لصالح طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالأسرة الحاكمة. نتيجة ذلك تركزت الثروة بشكل غير طبيعي في يد عائلة الأسد. حتى أنه في الألفينات كان هناك نوع من النمو يتيح لهامش أكبر قليلاً من رجال الأعمال أن يستفيدوا؛ أما بعد 2011، انخفضت الفرص الاقتصادية بشدة، وانحصرت تقريباً ضمن الأسرة الحاكمة. استحوذوا على كل الفرص الاقتصادية. حتى رجال الأعمال الذين كانوا مرتبطين بالنظام سابقاً أو كانت لديهم علاقات معه تأثروا بذلك – لم يعد هناك مجال لأي قطاع خاص خارج دائرة الأسرة الحاكمة أن ينمو أو يخلق وظائف للناس، إلخ.

باختصار، بالتأكيد هناك آثار الحرب، لكن ليس هذا وحده السبب؛ هناك أيضاً دور الدولة السابقة في تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل البلد. وللأسف وصلنا اليوم إلى أن 90% من سكان البلد تحت خط الفقر، وهناك أكثر من 15 أو 16 مليون سوري بين نازح ولاجئ، إلخ. وهذا أيضاً تتحمل الدولة السابقة مسؤوليته.

ربيع نصر:
كما تفضلت، سأضيف هنا بضعة أمثلة أيضاً للتأكيد على أن كثيراً من هذه السياسات كانت خياراً متعمداً وليست كلها مفروضة بالكامل. على سبيل المثال، في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة تحت النفوذ التركي: كانت السيطرة تركية تماماً، ومع ذلك مُنع السوريون من الإنتاج والتصدير إلى تركيا؛ تركيا أغلقت أسواقها، إلا إذا احتاجت شيئاً محدداً (مثل الفستق الحلبي) فتسمح لك بالتصدير. فحتى الدول الإقليمية التي أثرت في المشهد لم تساعد في نمو هذه القطاعات أو الإنتاج المحلي.

أما في موضوع المساعدات الإنسانية: أصرت الأمم المتحدة – ووراءها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة – على عدم تنفيذ أي شيء تنموي. كان لدينا كل سنة توزيع مساعدات بطريقة غير مستدامة، بحيث يبقى الناس محتاجين لهذا النوع من المساعدات، وغير قادرين على بناء مشروع أو تطوير حوكمة لعملية بناء قاعدة اقتصادية أو تنموية تخرجهم من الحرب أو من عقلية الحرب، أو تمكّن الفئات المهمَّشة. أي أنه، كما قلنا، هناك أكثر من فاعل وأكثر من عامل، وكان لدى كل منهم خيارات، لكن اختاروا ربما الخيار الأسهل من ناحية الاستغلال: أن تستفيد فئة صغيرة وتستغل فترة الحرب.

جوزيف ضاهر:
ربيع، بخصوص نقطة المساعدات الإنسانية التي ذكرتها: بالفعل، منذ بداية التسعينات – كما تحدثنا قبل قليل – أثرت هيمنة النيوليبرالية أيضاً على المشاريع الإنسانية. رأينا مثلاً أنه ضمن المشاريع الإنسانية بات دور القطاع الخاص – لا أقول رئيسياً – لكن أساسياًفي أي مشروع إنساني “تنموي” (بين قوسين). وأصبحت الديناميكيات تركّز غالباً على الجانب الاستهلاكي للأفراد بدون إطار شامل لدور تنموي للمجتمع. أي يركزون مثلاً: إذا قدّمنا مساعدات، ستساعد أفراداً معينين، أو تخلق مجرد ديناميكيات استهلاكية.

حتى في سوريا في السنوات الأخيرة، رأينا توسع مشاريع توزيع الأموال النقدية مباشرة. وما المنطق وراء ذلك؟ المنطق المطروح هو أن المستهلك يستطيع أن يختار ما يريد ضمن السوق، بدل أن نساعد – مثلاً – الإنتاج المحلي. لماذا لا ندعم الإنتاج المحلي؟ بهذا نخلق ديناميكية “تنموية” (بين قوسين). لأنه إذا ركزنا على الإنتاج المحلي فنحن نتحدث عن توظيف الناس، ونتحدث أيضاً عن أثر إيجابي في مجالات اقتصادية أخرى. أما إذا ركزنا فقط على الديناميكيات الاستهلاكية، فهذا كما تفضلتِ يخدم الديناميكيات التجارية والاستيراد؛ تأتي البضائع من الخارج لأن المنتج المحلي لا يستطيع منافسة البضائع الخارجية.

لذلك أنا متفق 100% مع ما قلته. حتى ضمن المشاريع الإنسانية، نجد أن الديناميكية النيوليبرالية حاضرة وتؤثر بشكل سلبي على أي دور تنموي مستقبلي. وهناك أمثلة متعددة على ذلك في جميع أنحاء العالم منذ التسعينات، وحتى في منطقتنا. الدور كان سلبياً بكل هذه الحالات.

ربيع نصر:
النقاش ممتعاً جداً وهناك الكثير من الأسئلة التي يمكن أن نبحث فيها. لكن أود أن نركز قليلاً الآن على الحكومة الانتقالية الحالية في سوريا. والتي مضى على وجودها حوالي سبعة أشهر، ورأينا توجهاً واضحاً منذ اليوم الأول فيما يخص دور الدولة: دولة تركز بشكل كبير على تركيز السلطة السياسية – إذ عدنا إلى القصر الجمهوري وهيمنة الهيئة السياسية (وزارة الخارجية) عليه. إذاً هناك تركيز سياسي في هذه البنية.

ولكن عندما نتحدث عن الدور التنموي للدولة، نلاحظ أن الطرح دائماً هو الخصخصة؛ أي أننا “لا نريد أن تدخل الدولة في استثمارات لأنها لا تعرف كيف تستثمر”، والأفضل أن يأتي القطاع الخاص. وقد بدأوا فعلاً بطرح مشاريع الأبراج أو نموذج أشبه بنموذج دبي – أي نموذج ريعي عملياً – لكنه يوفّر فرصاً استثمارية لأجانب يأتون إلى سوريا ويعمرون.

طبعاً هذا من جهة. من جهة أخرى، لو نظرنا إلى تجارب الدول بعد النزاع، نجد أننا نكرر كل ما فعلته تلك الدول من أخطاء على سبيل المثال: عدم مشاركة القطاعات والناس في المشاريع؛ لدينا تقليص للدعم من الخبز إلى الطاقة، مما ضرب أجزاء كبيرة من الاقتصاد والمستهلكين؛ ولدينا دولة تتجه نحو فئة جديدة صغيرة هي التي تتحكم بالاقتصاد الآن.

الحجة المطروحة أنهم يقولون: هذا جزء من الحرّيات المتاحة للناس كأفراد ليستثمروا ويتخلصوا من مركزية الدولة. والحجة الثانية: أن أمراء الحرب لديهم أموال، فلنستقطب هذه الأموال؛ هناك نوع من التصالح مع فكرة أن أمراء الحرب يقومون بتسويات ويستمرون في ممارسة نفوذهم الاقتصادي.

فكأننا ضمن مسار مستمر لكن متسارع. سؤالي الأول: كيف تقرأ هذا التوجّه السريع؟ ما سلبياته المحتملة على فكرة تجاوز النزاع كمرحلة؟ ومن الطبقات الاجتماعية الأكثر تضرراً من هذه السياسات الحالية؟

جوزيف ضاهر:
في الحقيقة، ربيع، لقد كفيت ووفيت في طرح السؤال (يبتسم). سأحاول أن أضيف وأحلل.

بكل تأكيد، أولاً يجب أن نعترف: أي سلطة تأتي بعد سقوط النظام البائد (نظام الأسد)، وبعد 14 سنة حرب – مع ما رافقها من عقوبات – وبعد 50 سنة دكتاتورية، ستكون أمام تحديات هائلة.

مع هذا الاعتراف بهذا الواقع يمكننا أيضاً تحليل سياسات الحكومة الجديدة أو السلطة الحاكمة الجديدة. وبكل تأكيد، هذه السياسات لم تشهد أي قطيعة مع الماضي؛ بل هناك استمرارية وتعميق للسياسات السابقة. خلافاً لما يصرّح به الوزراء والحكومة الجديدة عن تغيير النهج، نرى استمرار الديناميكيات الاقتصادية نفسها ضمن الاقتصاد السوري. لكن الفرق الأساسي في شبكات رأسماليين مختلفة عن القديمة لحد ما  – ليست كلها طبعاً. كما ذكرتَ، بعض رجال الأعمال سوّوا أوضاعهم مع الحكومة الجديدة، لكن ظهرت إلى حد ما شبكات جديدة. ومع ذلك، نحن ضمن نفس النموذج الاقتصادي النيوليبرالي يقوم على: انخفاض الدعم، سياسات تقشف، تقليص دور الدولة… إلخ.


لم تشهد سياسات الحكومة الجديدة أي قطيعة مع الماضي؛ بل هناك استمرارية وتعميق للسياسات السابقة. خلافاً لما يصرّح به الوزراء والحكومة الجديدة عن تغيير النهج، نرى استمرار الديناميكيات الاقتصادية نفسها ضمن الاقتصاد السوري. لكن الفرق الأساسي في شبكات رأسماليين مختلفة عن القديمة لحد ما.

ربما أوضح رمز لهذه التطورات كان زيارة وزير الخارجية (شيباني) إلى منتدى دافوس في سويسرا. وهذا المنتدى يمثل مصالح الطبقة الحاكمة الغربية والعالمية. ورأينا مشاركته في نقاش أيضاً مع المجرم توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، المسؤول عن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق).

نعود إلى سؤالك: من هي الفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً في ظل هذه السياسات؟ بكل تأكيد، عندما نرفع أسعار الخبز والوقود مثلاً – صحيح أنه كانت هناك مشاكل سابقاً في التوزيع بسبب “البطاقة الذكية” والفساد وعدم الكفاية، لكن كان هناك نوع من التحكم بالأسعار في السوق المحلية – الآن انتهى هذا التحكم بالكامل. وقد تحدثنا عن الآثار: عدم التحكم بأسعار المحروقات له تأثير سلبي على عموم السوريين (مثلاً، أسعار المازوت والغاز…) ولكنه يؤثر أيضاً على الاقتصاد المنتج. وهذه نقطة أود تأكيدها: القطاعات المنتجة في الاقتصاد مثل الصناعة والزراعة تتضرر بشدة.

هناك انتقادات كثيرة – مثلاً من المزارعين والصناعيين – لسياسات الحكومة الجديدة. هؤلاء ليسوا بالضرورة من الفئات المهمشة في المجتمع، لكنهم ينتقدون بوضوح ويقولون: إذا استمر هذا التوجه، لن يبقى هناك أي صناعة سورية في المستقبل، لأنه لا مجال للمنافسة. كذلك هناك فتح الأسواق بشكل كبير أمام البضائع المستوردة وتعزيز للطابع التجاري على حساب الإنتاجي. شهدنا مثلاً في أول خمسة أشهر من هذه السنة أن الواردات من تركيا وصلت إلى حوالي مليار دولار – وهذا الرقم أعلى بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي. فكيف ستستطيع الصناعات السورية أن تنافس في ظل هذه الديناميكية التجارية؟ الشيء نفسه ينطبق على الزراعة.

إذن هنا نرى أثراً سلبياً على الفئات المهمشة، وعلى الشعب السوري بشكل عام. وبرأيي، الأمر أخطر بالنسبة لمستقبل سوريا ولمستقبل قدرتها الإنتاجية. بسبب ما تحمله هذه السياسيات

أولاً، فلنسأل: من يستفيد من هذه الفرص الاقتصادية في الوضع الراهن؟ نرى أن المستفيد الأساسي هم كبار رجال الأعمال السوريين وبعض المستثمرين الأجانب (خاصة من دول الخليج أو تركيا). وهذا تعكسه جميع اجتماعات الرئيس الجديد أحمد الشرع مع الفاعلين الاقتصاديين: أغلبيتهم ممثلون لدول وشركات أجنبية، أو رجال أعمال سوريون من الداخل ومن الخارج. لا نجد مثلاً اجتماعات مع النقابات العمالية، أو مع الجمعيات المهنية، أو مع المجتمعات المحلية. هناك غياب كامل لمشاركة هذه الأطراف. وهذا يعني، بكل معنى الكلمة، أن السياسات المتبعة سلبية بحق أغلبية الناس – خاصة بعد 13 سنة من الحرب، حيث من المفترض أن تركز الدولة على أغلبية السكان السوريين المتضررين. لكن الواقع في سوريا أن 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومع ذلك السياسات الجديدة ليست لصالحهم.

لأنه حتى لو تحدثنا عن إيقاف الدعم: نعم، أُوقف دعم الخبز والمحروقات، إلخ، وتم رفع الرواتب بنسبة تقارب 200%. ولكن مع رفع أسعار كل السلع الأساسية في السوق، تصبح هذه الزيادة في الراتب بلا قيمة. بالعكس تماماً، تكلفة المعيشة ارتفعت منذ بداية السنة. الآن، الحد الأدنى للأجور في سوريا يقارب 70 إلى 80 دولاراً في القطاع العام (وربما أعلى قليلاً في القطاع الخاص حسب القطاعات). لكن حد الكفاف لعائلة من خمسة أشخاص في دمشق يتجاوز 600 دولار شهرياً. لهذا السبب، وباستمرار لما كان عليه الحال في ظل النظام السابق، يعتمد أغلبية السوريين والسوريات على تحويلات مالية من ذويهم في الخارج أو من الجاليات السورية. على الرغم من أنه لا توجد تقديرات رسمية لهذه التحويلات – لأنها غالباً تتم عبر قنوات غير رسمية – لكن يمكننا تقديرا تتراوح بين 4 إلى 7 مليارات دولار سنوياً. وسبعة مليارات رقم كبير بالتأكيد لسببين:

أولاً، بالنسبة للناتج المحلي: هذه التحويلات تمثل نحو 30% من الناتج اليوم. وهنا – مع احترامنا لجيراننا في لبنان – أصبح الاقتصاد السوري شبيهاً أكثر فأكثر بالاقتصاد اللبناني: لا نكاد ننتج شيئاً. على سبيل المثال، انخفضت قيمة الصادرات السورية من حوالي 12 مليار دولار عام 2010 إلى نحو مليار دولار فقط الآن. وهذا يعكس بشكل عام تدهور القوة الإنتاجية داخل البلد، خاصة في الصناعة والزراعة. أغلبية السوريين يعتمدون على التحويلات المالية من الخارج، وهذه أيضاً ديناميكية ريعية تعتمد على مصادر خارجية.

المشكلة الأخرى أن هذه الحكومة تفتقر أيضاً إلى الشرعية الديمقراطية – لم نصل لهذه النقطة لكن من المهم ذكرها – فليس لدينا تصور لتحسّن اقتصادي (وبالتأكيد لتحسن اجتماعي) بدون تحسين المشاركة من الأسفل في المجتمع السوري. كيف ستسمع الحكومة مشاكل الناس إذا لم يكن هناك مشاركة؟ كيف ستلحظ مشاكل الصناعيين والمزارعين إذا لم يكن هناك دور لممثلي هذه القطاعات؟ على العكس تماماً، ما حدث هو استمرار السياسات القديمة في تعيين قيادات جديدة للاتحادات ولغرف التجارة والصناعة تكون مرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة. هذا تكرار لنفس ديناميكيات النظام السابق.

ختاماً، أقول إن هناك تحديات كبيرة – ونعترف كلنا بذلك. وبالمناسبة، أنا شخصياً سررت كثيراً برفع العقوبات مؤخراً… وكما ذكرنا، نحن كنا ضد العقوبات لأنها أثّرت على الشعب، لكن مشاكل الاقتصاد السوري البنيوية ليست بسبب العقوبات فقط، بل بسبب بنية الاقتصاد نفسها والتحديات في القطاعات المنتجة. ومع ذلك، هذه الحكومة تعمّق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لأغلبية السوريين والسوريات. وأخيراً أؤكد: لا يمكن أن يحدث أي تحسّن بدون سياسات موجّهة لصالح 99% من السوريين والسوريات، وبدون مشاركة حقيقية من الأسفل.

ربيع نصر:
هناك أيضاً قضية مهمة جداً تُثار هنا. أنت ذكرت الاعتماد الكبير على المساعدات، وهذه المساعدات دولياً في تراجع كبير جداً؛ وهناك أيضاً تضخم في المديونية العالمية. وبالتالي يجب أن نتوقع أن هذه الموارد ستتناقص.

لكن يُطرح الأمر حالياً وكأن الدولة غير قادرة على الاستثمار بفعالية في البنية التحتية، وبنفس الوقت القطاع الخاص السوري ضعيف ولا يستطيع القيام باستثمارات كبرى في البنية التحتية. فيصبح الحل المطروح: أن تأتي دولة خليجية أو شركات خليجية وتستثمر بتكاليف لا يستطيع الاقتصاد السوري تحمّلها. بمعنى أن المشهد الاقتصادي الحالي يرفع التكلفة، ولا يوجد طلب محلي قادر على الاستيعاب. فكأن الرهان هو على طلب خارجي وليس طلباً داخلياً. وهذا يعني أننا سننشئ جُزراً معزولة عن أغلبية المجتمع – إذا توفر هذا الطلب الخارجي أصلاً.

وهذه السلطة (الحكومة الانتقالية) تقدّم نفسها بعد سقوط الطغيان على أنها ستعوّض أغلبية المجتمع المتضرر. فكيف ترى هذا التناقض؟ كيف سيُصالِحون بين قولهم “جئنا بعد الطغيان لنعوّض أغلبية المجتمع” وبين أن السياسات المطروحة بعيدة تماماً عن مصلحة الأغلبية؟

جوزيف ضاهر:
متفق معك 100%، ربيع. أولاً، دعنا ننظر: ما طبيعة الاستثمارات الخارجية في الاقتصاد السوري حتى الآن؟ باستثناء بعض المشاريع في البنية التحتية (مثل إعادة بناء شبكة الكهرباء، أو استثمارات في مرفأي طرطوس واللاذقية)، فإن أغلبية الاستثمارات التي شهدناها كانت في قطاعات غير منتجة للاقتصاد. مثلاً: بناء مول تجاري في الشام، أو نشاطات تجارية هنا وهناك…

هنا يجب أن يكون دور الدولة حاضراً فعلاً. إذا كانت هناك استثمارات خارجية قادمة، فينبغي توجيهها نحو قوى الإنتاج. نحن بحاجة إلى دور للدولة يركز على تشجيع الاستثمار في القطاعات المنتجة للاقتصاد. أي سياسات توجه نحو التصنيع، وسياسات توجه نحو الزراعة. هذا شيء أساسي. وحتى اليوم، لا نرى سياسات محددة موجَّهة نحو هذين القطاعين.

ثانياً، نلاحظ أيضاً الآن – إذا استمعنا لتصريحات أغلب رجال الأعمال، سواء كانوا مرتبطين بالحكومة الجديدة أم لا – ماذا يقولون للمستثمرين في الخارج؟ يقولون: “لدينا يد عاملة رخيصة، تفضلوا عندنا”. هذا يعني أن التركيز على تشجيع التصدير، وليس على تشجيع الاستهلاك المحلي أو الاستثمار المحلي. بمعنى: يريدون نموّاً اقتصادياً بدون تنمية حقيقية. نمو بأي معنى؟ يريدون أن نصدر أكثر، ولكن من سيستفيد؟ رجل الأعمال ضمن هذه الحلقة أو الشبكة المرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة.

وقد رأينا مثالاً: موضوع استيراد السيارات من تركيا – الذي توقّف مؤخراً – لكن خلال فترة سمحه أحدث أثراً سلبياً على البنية الاقتصادية؛ لأنه استنزف العملة الصعبة إلى الخارج بينما نحن بحاجة لها لاستيراد المواد الأساسية. ومن كان المستفيد من تلك الديناميكية التجارية، وخاصة مع تركيا؟ شبكات من رجال الأعمال الجدد المنحدرين من إدلب، كانوا سابقاً مرتبطين بهيئة تحرير الشام، والآن مرتبطون بالسلطة الحاكمة الجديدة.

وبشكل عام، نرى أنه في السياسات الجديدة لا يوجد أي أفق إيجابي للأغلبية الساحقة من السوريين؛ بالعكس تماماً. نرى سياسات ذات أثر سلبي على الوضع الاجتماعي، وعلى مستوى المعيشة اليومي. ولها أثر سلبي أيضاً على الرواتب. لأنه إذا كنا نشجع ديناميكيات تجارية بهدف التصدير أكثر، فأين نصيب المعيشة من هذه العملية؟ الذي يحصل هو أن رجال الأعمال يحققون الأرباح. ولا توجد بالمقابل أي سياسة مثلاً لجعل الرواتب تواكب التضخم، أو لضبط الأسعار في السوق الداخلية.

الآن، بدلاً من أن يتحكم رجال أعمال أو القطاع الخاص بالاستيراد، لماذا لا تقوم الدولة بهذا الدور؟ هنا لن يكون لدينا ديناميكيات احتكارية أو اندفاع محموم لتحقيق ربح سريع. ولو كان هناك ضبط حكومي لعملية الاستيراد والتجارة، فسيكون ذلك في صالح أغلبية السوريين والسوريات؛ لأنه يشجع – لنقل – نوعاً من الرقابة الاجتماعية الحميدة على الاقتصاد.

نقطة أخرى كما قلت: لا توجد مشاركة من الأسفل في هذه الديناميكيات. ولدينا أمثلة في المنطقة يجب أن نتذكرها. مثلاً، دول عانت من حروب: لنأخذ لبنان في التسعينات. أول ما استهدفه القمع في لبنان خلال عملية إعادة الإعمار كان الحركة النقابية، لأن النقابات اللبنانية آنذاك كان لها دور قوي في المجتمع. وحتى خلال الحرب الأهلية لعبت النقابات هناك دوراً – لنقل – مؤثراً إلى حد ما ضد الميليشيات، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من حقوق العمال اللبنانيين (كالأجور) وموظفي القطاع العام. أي أنها كانت بمثابة فاعل اجتماعي سياسي بديل في عملية إعادة الإعمار مقابل مشروع رفيق الحريري والطبقة الحاكمة اللبنانية. ورأينا نتيجة ذلك المشروع في الانهيار الاقتصادي عام 2019.

كذلك الأمر في العراق بعد الغزو الأمريكي: ركزت الطبقة الحاكمة العراقية أيضاً على قمع النقابات العمالية هناك، لأن النقابات كانت تطرح بديلاً فيما يخص مشروع إعادة الإعمار. هنا نرى هذين العنصرين (غياب المشاركة من الأسفل، والتركيز على النيوليبرالية) لهما أثر سلبي على أغلبية المجتمع السوري.

ربيع نصر:
إذا تحدثنا عن الخيارات أو البدائل المتاحة الآن: أين ترى النقطة المركزية أو الأولوية التي يمكن العمل عليها، أو ما الأولويات العديدة التي يمكن أن تغيّر الاتجاه الحالي فيما يتعلق بدور الدولة التنموي؟

جوزيف ضاهر: سأحاول أن أوجز ركائز رئيسية أراها ضرورية.

أولاً: لا بد من وجود نوع من الديمقراطية ومشاركة من الأسفل. لن يكون هناك أي انتعاش اقتصادي حقيقي بدون مشاركة شعبية من القاعدة – بدون مشاركة النقابات، والاتحادات المهنية، والمجتمع المدني. وبالطبع تعريف المجتمع المدني الذي أعنيه ليس فقط المنظمات غير الحكومية والدولية، بل المجتمع ككل – كل الهيئات والتنظيمات خارج مؤسسات الدولة. بدون هذه المشاركة من الأسفل، من الصعب جداً بناء قوة مضادة تفرض على السلطة الحاكمة تقديم تنازلات لصالح المجتمع. حتى في أي بلد في العالم، لن تقدم السلطة الحاكمة تنازلات من تلقاء نفسها بدون ضغط وقوة مضادة؛ أي بدون حركات اجتماعية فعالة، وما شابه. هذه برأيي الركيزة الأساسية: الديمقراطية من أجل إنعاش اقتصادي واجتماعي.


لا بد من وجود نوع من الديمقراطية ومشاركة من الأسفل. لن يكون هناك أي انتعاش اقتصادي حقيقي بدون مشاركة شعبية من القاعدة – بدون مشاركة النقابات، والاتحادات المهنية، والمجتمع المدني.

ثانياً: إصلاحات في النظام المالي والضريبي. لأن أغلبية دول المنطقة – ومنها سوريا – تعتمد على الضرائب غير المباشرة (كضريبة القيمة المضافة) وليس على ضرائب مباشرة تصاعدية. إيرادات الدولة عموماً منخفضة جداً في هذه الدول، وهذه مشكلة أساسية. ومن أهم أدوات إعادة توزيع الثروة ورأس المال في المجتمع هي الضرائب التصاعدية. هنا أيضاً – وباستمرار لنهج النظام السابق – لا يوجد تركيز على إصلاح النظام الضريبي بما يفيد أغلبية الناس. فإذا قمنا بإصلاح مالي، وإصلاح للنظام الضريبي، يمكننا استخدام هذه الإيرادات مثلاً في الاستثمار بالقطاع العام التعليمي والصحي – وهما قطاعان أساسيان لأي انتعاش اقتصادي.

إضافة لذلك، يمكننا استخدام الإيرادات الضريبية أيضاً للاستثمار عبر الدولة في قوى الإنتاج (أي التصنيع والزراعة بشكل عام). لأن المشكلة الأساسية – كما ذكرت سابقاً – أن القطاع الخاص (ليس فقط في سوريا بل في عموم المنطقة) لا يستثمر في القطاعات المنتجة؛ بل يفضل القطاعات غير المنتجة ذات الربح السريع. وهذا رأيناه في الألفينات ونراه الآن أيضاً. أغلبية الاستثمارات ليست في تنمية قوى الإنتاج لأنها لا تعطي ربحاً سريعاً، بل تتطلب بنية تحتية قوية، وتحتاج سنوات طويلة من الانتظار. هنا يمكن أن نرى دور الدولة عبر الاستثمار المباشر، أو عبر سياسات مالية تشجّع البنوك (الخاصة والعامة) على إعطاء قروض وتسهيلات للشركات الصغيرة والمتوسطة.

على سبيل المثال، الكثير من الدول الأوروبية اقتصادها قوي لأنها تمتلك شبكات قوية من الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكّل البنية التحتية الأساسية لأي اقتصاد متين.

إذن النقطة الأولى: الديمقراطية والمشاركة الشعبية. النقطة الثانية: إصلاح النظام المالي والضريبي وتعزيز الإيرادات العامة. النقطة الثالثة: التركيز على القطاعات المنتجة في الاقتصاد، وتوسيع دور القطاع العام.

وهنا أعود للسؤال الأساسي لهذا البودكاست: ما هو الدور التنموي للدولة؟ مثلاً، أريد أن أذكر شيئاً فاتني طرحه سابقاً: هناك أيضاً مشكلة في بيئة الاستثمارات الأجنبية وفي الانفتاح الاقتصادي المتسارع ضمن مجالات كانت تاريخياً تحت سيطرة الدولة.

على سبيل المثال، انظر إلى الاتفاق بين الدولة السورية وشركة قطرية حول إعادة بناء محطة كهرباء. النموذج هنا غير واضح تماماً. نحن نتحدث عن إعادة إعمار، لكن أيضاً عن بناء محطة كهربائية جديدة ستصبح تحت سيطرة شركة خاصة. ليس لدينا نموذج واضح يضمن نقل الملكية لاحقاً للدولة (Build-Operate-Transfer مثلاً) بعد استرداد الكلفة. هذا أمر خطير للمستقبل: من الذي سيحدد أسعار الكهرباء؟ وكيف سيكون التوزيع؟ موضوع الكهرباء أساسي لأي انتعاش اقتصادي، وهنا إذا لم يكن هناك تحكم مباشر أو غير مباشر للدولة عبر مؤسساتها، فإن ذلك يشكّل عقبة برأيي أمام الانتعاش الاقتصادي.

هذه هي النقاط الأساسية بالنسبة لي لأي انتعاش اقتصادي وضرورية لعودة الدور التنموي للدولة. لأنه كما ذكرنا، هناك تحديات كبيرة وإيرادات الدولة انخفضت كثيراً. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نرى اتفاقيات مع كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق؟ ماذا سيحدث لأموالهم ورؤوس أموال شركاتهم؟ لماذا لا يتم تحويل ملكية هذه الشركات إلى الدولة؟ لماذا لا نستخدم رأس مال هؤلاء الرجال في استثمارات منتجة تعود بالنفع على المجتمع؟ بمعنى آخر، ينبغي أن تشمل العدالة الانتقالية ليس فقط الجرائم ضد الأشخاص، بل أيضاً الجرائم الاقتصادية؛ مثل ممتلكات الدولة التي استفادت منها شريحة نخبوية ضيقة. نحن بحاجة إلى نظام شامل يتعامل مع ذلك.

ولكن لماذا لا تريد السلطة الحاكمة الجديدة تطبيق سياسات من هذا النوع؟ لأنها حريصة على الحفاظ على ديناميكيات رأس المال كما هي، وعلى استمرار الديناميكيات النيوليبرالية. تخيّل مثلاً، ربيع، لو أننا غداً قمنا بتأميم بعض الشركات الكبرى التي يملكها رجال أعمال كانوا مرتبطين بالنظام القديم؛ سيتخوّف المستثمرون من الخارج – وحتى من الداخل – وقد يعزفون عن الاستثمار خشيةً من هذا الأمر. ولكن لو تم ذلك ضمن إطار عدالة انتقالية وضمانات قانونية، فلن يكون هناك تحدٍّ للاستثمارات على المدى البعيد.

هذا بالضبط ما ينقص سياسات الحكومة الجديدة والسلطة الحاكمة: فهي لا تخدم – كما بيّنا خلال النقاش – إلا فئة صغيرة نخبوية، وبشكل معاكس تماماً لمصالح أغلبية الشعب السوري. وعلينا أن نتذكر جذور الثورة السورية 2011: غياب الديمقراطية، وأيضاً غياب التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهذه الحكومة والسلطة تسير على نفس النهج.

ربيع نصر:
مثلاً، بخصوص ما قلته حول الضرائب: هم يريدون التحول من ضريبة القيمة المضافة إلى ضريبة المبيعات؛ أي جعل النظام الضريبي أكثر رجعية وأقل عدالة. كذلك الطرح الحالي لمشروع قانون ضريبة الدخل هو معدل ثابت (Flat Tax) غير تصاعدي. للأسف… وهذا أمر شديد الخطورة؛ لأن القضايا الضريبية كهذه تحتاج إلى مجلس شعب أو برلمان، وتحتاج إلى سلطة قضائية؛ أي إلى دولة مستقرة بالفعل. لكن القرارات التي تُتخذ الآن – خلال فترة انتقالية – كلها تؤثر على العشرين أو الثلاثين سنة القادمة.

هناك استعجال في اتخاذ قرارات تمس جوهر العملية الديمقراطية مستقبلاً. فمثلاً، في كل دول العالم يُعتبر القانون الضريبي في صلب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي صلب التمثيل السياسي والتوزيع الطبقي: من الذي يستفيد ومن الذي يخسر. هذا موضوع جدلي كبير ولا يمكن البت فيه خلال أسابيع قليلة. لكن ما حصل أنهم أعدّوا القانون خلال ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، ويطرحونه الآن للنقاش – وعلى الأغلب سيمر بشكل عابر سريع، دون حوار مجتمعي كافٍ.

جوزيف ضاهر:
للتذكير فقط، ربيع: بعد الحرب العالمية الثانية، كان مستوى الضرائب في أوروبا مرتفعاً جداً – نحن نتحدث عن ضرائب تصل إلى 90% على الأرباح – وذلك ضمن إطار عملية إعادة الإعمار. وكما تعرف هناك دائماً خطاب عن “برجوازية وطنية”. لنضع مصطلح البرجوازية الوطنية جانباً، سواء كان واقعياً أم لا، لكن بالفعل إذا كان لدينا برجوازية وطنية حقيقية فالأجدر أن نفرض ضرائب عالية لصالح أغلبية المجتمع.

ربيع نصر:
هذا هو المقصود: فكرة أن الاستثمار العام الذي يعمل بتكاليف منخفضة من أجل المصلحة العامة هو الآن ضروري. لدينا ملايين من ذوي الإعاقة بسبب الحرب، ولدينا ملايين المنازل المدمّرة. لا يمكنك معالجة هذا الدمار فقط بآليات الربح الخاصة. يجب أن يكون هناك عنصر من التضامن هدفه إعادة البناء الاجتماعي، ويجب أن تكون الديمقراطية في صلب عملية إعادة البناء. وإلا فستستمر آثار الحرب معنا لعقود طويلة.

لا أدري إن كنت تحب أن تضيف شيئاً أخيراً، جوزيف. الحوار ثري جداً، وبالتأكيد أتمنى أن نواصل النقاش في فرص قادمة. هل لديك أي فكرة أخيرة تحب أن تختم بها أو تضيفها؟

جوزيف ضاهر:
شكراً مرة أخرى على الدعوة، ربيع. ربما الفكرة الأخيرة التي أود التأكيد عليها: يجب علينا أن نتعلم من تجارب الدول الأخرى التي عانت من حروب وعقوبات وحُكم ديكتاتوري استبدادي، لكي نطرح بدائل عن المنظور النيوليبرالي المهيمن. هذا المنظور النيوليبرالي موجود ليس فقط في منطقتنا، بل للأسف في جميع أنحاء العالم، ومع آثار كارثية على أغلبية الدول والمجتمعات.

أعود إلى مثال جيراننا مرة أخرى: إذا نظرنا إلى لبنان بعد الحرب الأهلية، نجد أنه اتّبع سياسات نيوليبرالية ركزت على قطاعات غير منتجة من الاقتصاد (الخدمات، القطاع المصرفي، البناء…) بدون أي استثمار حقيقي أو تركيز على القوى الإنتاجية (أي الصناعة والزراعة). فجذور الأزمة الاقتصادية عام 2019 في لبنان تعود إلى تلك السياسات.

كذلك العراق: الأزمة الاقتصادية والسياسية فيه ما زالت مستمرة. جذورها تعود لما بعد الاحتلال والغزو الأمريكي، وأيضاً إلى السياسات النيوليبرالية التي اعتمدت هناك.

علينا أن ننتبه من أجل مستقبل السوريين. لدينا اليوم إلى حد ما فرصة ذهبية بوجود هامش ديمقراطي لنبني مجتمع مدني مضاد للطبقة الحاكمة وربما لن يكون هذا الهامش موجوداً غداً. يجب أن نغتنم هذه الفرصة. لأن ما حدث في السويداء مؤخراً – من قمع وجرائم على يد بقيادة السلطة الحاكمة – أمر في غاية الخطورة، ليس فقط على السويداء بل على المجتمع السوري ومستقبل سوريا ككل.

وهنا أرى ارتباطاً وثيقاً بين المجالين الاقتصادي والسياسي. إذا استمررنا في السياسات النيوليبرالية والخصخصة والتقشف التي تؤثر سلباً على أغلبية السوريين – ولدينا أصلاً 90% من السوريين تحت خط الفقر – فلن يكون هناك مجال لمشاركة أغلبية الناس في الشأن العام، لأنهم ببساطة سيكونون منشغلين بتأمين لقمة عيشهم ولا يفكرون بالسياسة. سيفكرون: كيف سأعيش غداً؟ كيف سأحصل على الخبز؟…

وهنا أرى ارتباطاً وثيقاً بين المجالين الاقتصادي والسياسي. إذا استمررنا في السياسات النيوليبرالية والخصخصة والتقشف التي تؤثر سلباً على أغلبية السوريين – ولدينا أصلاً 90% من السوريين تحت خط الفقر – فلن يكون هناك مجال لمشاركة أغلبية الناس في الشأن العام، لأنهم ببساطة سيكونون منشغلين بتأمين لقمة عيشهم ولا يفكرون بالسياسة.

لذلك من الضروري أن نعمل على بناء مجتمع مدني قوي. وليس المقصود فقط المنظمات غير الحكومية والدولية، بل أيضاً النقابات والاتحادات العمالية والمهنية. علينا أن نستثمر في هذه الهيئات وفي تمكينها. ويجب أن نركز على الحقوق الديمقراطية والاجتماعية معاً – فلا يمكن فصل إحداها عن الأخرى. لا يمكننا أن نتصور مستقبلاً ديمقراطياً في سوريا بدون عدالة اجتماعية.

ربيع نصر: إذاً إعادة توزيع عادلة للثروة وللسلطة.
دكتور جوزيف ظاهر، شكراً جزيلاً على هذا النقاش الغني والرائع. كالعادة، أفكارك نيرة وتفتح آفاقاً واسعة للنقاش. أتمنى أن نواصل هذا الحوار في مناسبات قريبة. وأتمنى أيضاً من المشاهدين أو المستمعين الاطلاع على الروابط في وصف الحلقة لمزيد من الأبحاث الغنية التي نشرها الدكتور جوزيف – وبإمكانكم التواصل معه بشكل مباشر أيضاً. تحياتي لكم جميعاً، وشكراً جزيلاً.

جوزيف ضاهر: شكراً جزيلاً، ربيع.

كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا حوارات بديلة”، ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة.
أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

مراجع الحلقة:
Episode references:


Publications by Joseph Daher:

– Daher, Joseph (2016). Hezbollah: The Political Economy of Lebanon’s Party of God. Pluto Press.
https://www.plutobooks.com/9780745336893/hezbollah/

– Daher, Joseph (2019). Syria After the Uprisings: The Political Economy of State Resilience. Pluto Press.
https://www.plutobooks.com/9781786804648/syria-after-the-uprisings/

– Daher, Joseph (2018). “The political economic context of Syria’s reconstruction: a prospective in light of a legacy of unequal development.” Middle East Directions, European University Institute (EUI).
https://cadmus.eui.eu/entities/publication/686f20db-82d3-5002-80aa-6c8397e042d7

– Daher, Joseph (2025). “Three Requisites for Syria’s Reconstruction Process.” Carnegie Endowment for International Peace.
https://carnegieendowment.org/research/2025/05/three-requisites-for-syrias-reconstruction-process?lang=en

– Daher, Joseph (2025). “The Threats Ahead of a Democratic and Progressive Syria.” SyriaUntold.
https://syriauntold.com/2025/01/04/understanding-the-threats-ahead-of-a-democratic-and-progressive-syria/

– Additional articles by Joseph Daher on:

– International Viewpoint
https://internationalviewpoint.org/spip.php?auteur866

– Jacobin Magazine
https://jacobin.com/author/joseph-daher

–  Tempest Magazine
https://tempestmag.org/?s=Joseph+Daher

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

     البودكاست
     الحلقة 19                –                14 سبتمبر، 2025
     البودكاست

الدور التنموي للدولة في ظل السياسات النيوليبرالية

     الحلقة 19                –                14 سبتمبر، 2025
                     –                هذه الحلقة باللغة العربية

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة نفتح نقاشًا صريحًا حول دور الدولة التنموي في فترات النزاع وما بعده، وكيف أثّرت السياسات النيوليبرالية على تنمية قوة الإنتاج والعدالة الاجتماعية في سوريا والمنطقة. نستضيف الباحث د. جوزيف ظاهر للحديث عن الفروق بين الدولة التنموية والنهج النيوليبرالي، مسارات التحوّل منذ التسعينات والألفينات، آثار الحرب والعسكرة والخصخصة، ودور المساعدات الإنسانية، وصولًا إلى خيارات بديلة تركّز على المشاركة الديمقراطية من الأسفل، إصلاح ضريبي تقدّمي، وتمويل موجّه للقطاعات المنتِجة (الصناعة/الزراعة/المشروعات الصغيرة والمتوسطة)، مع حوكمة الاستثمارات الأجنبية وعدالة انتقالية تشمل الجرائم الاقتصادية.

المحاور الأساسية:
– ما هي الدولة التنموية؟ ولماذا تراجع دورها؟
– النيوليبرالية: من “لا بديل” إلى نمو بلا تنمية واتساع اللامساواة
– الحالة السورية: من لبرلة الألفينات إلى اقتصاد الحرب وما بعدها
– المساعدات الإنسانية بين النقد ودعم الإنتاج المحلي
– سياسات الحكومة الانتقالية: الخصخصة، الطاقة، القدرة الشرائية
-من المتضرّر ومن المستفيد؟
-البدائل: ديمقراطية من الأسفل، ضرائب تصاعدية، تمويل المنتجين، حوكمة الاستثمارات، عدالة انتقالية

عن الضيف:
د. جوزيف ظاهر، باحث في الاقتصاد السياسي، حاصل على دكتوراه في دراسات التنمية (SOAS – لندن) ودكتوراه في العلوم السياسية (جامعة لوزان)، وله مؤلفات وأبحاث عن سوريا والمنطقة تركز على علاقة النخب الاقتصادية بالسلطة وتحولات الدولة في سياقات النزاع.

يحاوره ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.


أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا حوارات بديلة”. في هذه السلسلة التي نخصصها هذا الموسم لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت، سيكون نقاشنا اليوم مركّزاً على فكرة دور الدولة التنموي في فترات النزاع وما بعد النزاع. بشكل رئيسي، سنحاول مناقشة مسألة تقلّص دور الدولة – خاصة كما شهدنا بعد التسعينات مع توسّع السياسات النيوليبرالية – وتقليص الدور التنموي للدولة تحت ذرائع مختلفة؛ ذرائع منها أنها غير كفؤة أو فاسدة أو غير قادرة على مجاراة سرعة الاقتصاد والتكنولوجيا، أو بسبب مركزية الدولة وحصر القرارات في السلطة الحاكمة. فكان هناك نقاش كبير حول تقليص دور الدولة.

طبعاً، هذه السياسات النيوليبرالية قلّصت هذا الدور لفتح فرص استثمارية وفرص للربح، بما فيها سحب أدوار مثل دور الدولة في البنية التحتية أو حتى في الخدمات العامة. وطبعاً هذا نقاش مركّب جداً يتعلق بدور الدولة في السيادة، ودورها في إنفاذ القانون، وصولاً إلى التمكين وتكافؤ الفرص للأفراد كمواطنين.

سوريا مرّت بعدة مراحل في تحول الدور التنموي للدولة، بما فيها سياسات نيوليبرالية بدأت في الثمانينات وتوسّعت بشكل كبير جداً في الألفية الجديدة. وقد أكدت دراسات كثيرة على الربط بين هذه السياسات النيوليبرالية وزيادة التفاوت الذي حصل في سوريا واستمر بأشكال مختلفة خلال فترة النزاع. نحن اليوم في فترة توجد فيها حكومة انتقالية، وهناك حديث واسع جداً عن عملية “التحرير الاقتصادي”، أي تقليص الدور التنموي للدولة وتوسيع الأدوار للقطاع الخاص في القطاعات الاقتصادية، وللمجتمع المدني في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية.

لفهم هذه القضايا ومعرفة ما معنى سياسات نيوليبرالية وكيف يمكن أن يكون الدور التنموي للدولة في فترة ما بعد النزاع، يُشرّفنا أن نستضيف صديقاً وزميلاً عزيزاً جداً، الأكاديمي والباحث الدكتور جوزيف ظاهر. د. جوزيف حاصل على دكتوراه في دراسات التنمية من معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن عام 2015، وعلى دكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لوزان في سويسرا. درّس في عدة جامعات، منها جامعة لوزان ومعهد الجامعة الأوروبية في فلورنسا.

للدكتور جوزيف مجموعة كبيرة جداً من الأبحاث المميزة (ستجدون روابطها في وصف الحلقة). يركّز في أبحاثه على الاقتصاد السياسي في سوريا والمنطقة، مع اهتمام بعلاقة النخب الاقتصادية بالسلطة، وتحولات الدولة في سياقات النزاع. من مؤلفاته كتاب “الاقتصاد السياسي لحزب الله”وكتاب “سوريا بعد الانتفاضة: الدولة والاقتصاد والسياسة”. سعداء جداً بوجودك معنا، دكتور جوزيف. أهلاً وسهلاً بك.

جوزيف ضاهر:
أهلاً بك ربيع، شكراً على الدعوة، والشرف لي طبعاً.

ربيع نصر:  جوزيف، كما ترى هناك جدل كبير – ليس في سوريا فقط طبعاً – حول ما هو الدور التنموي للدولة. البعض فوراً يستحضر النموذج الاشتراكي أو الشيوعي، عندما نتحدث بأي شكل عن تدخل الدولة أو دور الدولة في الاقتصاد. ولكن كما نعلم، الدور التنموي للدولة أوسع بكثير من مجرد فكرة التدخل الاقتصادي. فكيف تشرح لنا الإطار النظري للدور التنموي للدولة؟ وأين يتقاطع هذا الدور مع الفكر النيوليبرالي؟

جوزيف ضاهر:
شكراً مرة أخرى، ربيع. بالنسبة لسؤالك، أول شيء يجب أن نتذكر أن هناك نظريات تنموية مختلفة، وقد بدأت أغلبها بعد الحرب العالمية الثانية في سياق سياسي معيّن. لكن يمكننا القول إن هناك أهداف أساسية للدولة التنموية بشكل عام، وهي تنمية قوة الإنتاج (أي التصنيع والزراعة، إلى آخره). ثم بحسب النموذج التنموي، هناك سياسات لدعم القطاع العام والعدالة الاجتماعية، إلخ. هذا يختلف حسب كل نموذج.

أما الفروقات الرئيسية بين المشروع التنموي – مثلاً – والمشروع النيوليبرالي (أو غيره)، فهي أن المشروع التنموي يركّز على تنمية قوة الإنتاج وتوزيع الدخل والثروة بين السكان، وتحسين الظروف المعيشية وفرص العمل للعمال بشكل عام، وللطبقات العاملة والشعبية بشكل عام. كذلك، كما قلت لك، تنمية قوة الإنتاج، خاصة في الصناعة والزراعة.

أما في المشروع النيوليبرالي، فالهدف الرئيسي – إلى جانب السعي لتراكم رأس المال – هو توسيع ديناميكيات السوق لتشمل جميع قطاعات الاقتصاد دون استثناء. هذا فرق أساسي مثلاً عن الدور التنموي الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية، حتى في الدول الغربية: معظم المجالات الاجتماعية (لنقل التعليم، الصحة، إلخ) كانت بيد الدولة. مع توسّع الديناميكيات النيوليبرالية، أصبح أغلب هذه القطاعات – أو جزء كبير منها – تحت يد القطاع الخاص أو مفتوحاً للقطاع الخاص. هكذا شاهدنا أيضاً في سوريا بعد عام 2000 خاصة.

مثلاً، النظام الريعي يختلف أيضاً عن النموذج التنموي: في النظام الريعي لا يوجد إعادة توزيع حقيقي للربح أو الريع. مثلاً في دول الخليج – النفط نموذجاً – يكون هناك توزيع قليل جداً للدخل، يبقى بيد أقلية نخبوية ضمن السلطة الحاكمة، وليس لمصلحة الطبقات الشعبية وأغلبية السكان.

الفروقات الرئيسية بين المشروع التنموي والمشروع النيوليبرالي، أن الأول يركّز على تنمية قوة الإنتاج وتوزيع الدخل والثروة بين السكان، وتحسين الظروف المعيشية وفرص العمل للعمال بشكل عام، أما الثاني فالهدف الرئيسي – إلى جانب السعي لتراكم رأس المال – هو توسيع ديناميكيات السوق لتشمل جميع قطاعات الاقتصاد دون استثناء.

كذلك، كما ذكرت، درجة تدخل الدولة عامل مهم. تاريخياً، إذا نظرنا إلى دور الدولة التنموي على المستوى الدولي مثلاً:

  • في شرق آسيا في الستينات والسبعينات، دعمت الدول قطاعات معينة من قوى الإنتاج عبر التصنيع، كأن تدعم الأسعار أو تقدم خدمات بأسعار معقولة، إلخ.
  • في أمريكا اللاتينية (ليس تماماً بنفس العمق، ولكن بشكل عام)، دعمت الدولة قطاع التصنيع بشكل عام، ودعمت أيضاً ما يسمى سياسات إحلال الواردات.
  • وفي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثل سوريا ومصر، شهدنا أيضاً نمطًا من رأسمالية الدولة؛ إذ تلعب الدولة دوراً أساسياً كمحرك للاقتصاد بدل القطاع الخاص، عبر استثمارات في قطاعات متعددة من الاقتصاد، خاصة في التصنيع والزراعة.

شاهدنا ذلك مثلاً في سوريا في الستينات: في إطار رأسمالية الدولة، كان للدولة دور أساسي محرك عبر مؤسساتها – تم توسيع القطاع العام، وتوزيع الدخل، وحتى توزيع ملكية الأراضي الزراعية إلى آخره لأغلبية الفلاحين أو للبرجوازية الصغيرة. بشكل عام، نستطيع القول إن الدور التنموي الأساسي هو دعم تنمية قوة الإنتاج. بعد ذلك، إذا نتحدث عن دور تنموي أكبر مثل رأسمالية الدولة، فهنا يكون دور أساسي لمؤسسات الدولة .

ربيع نصر:
تماماً. بالنسبة لهذا التحول الذي حدث عالمياً: يمكننا القول إن النظريات الاقتصادية شهدت هيمنة للنموذج النيوليبرالي. أغلب الدول – حتى في جنوب شرق آسيا التي اعتمدت على دور كبير للدولة، وفي أمريكا اللاتينية، وطبعاً في دول أوروبا الشرقية – حصل تحول نحو تقليص هذا الدور لصالح ما يُسمّى “توسيع الفرص” للقطاع الخاص. والقطاع الخاص المقصود هنا هو غالباً القطاع الخاص الكبير أو النافذ أو النخبوي. برأيك، كيف حدث هذا التحول في الفترة الأخيرة؟ الآن مثلاً بعد جائحة كوفيد هناك حديث عن أهمية دور الدولة، وهناك حديث أيضاً بعد الأزمة البيئية التي نعيشها. هل تعتقد أن هناك استعادة للنقاش حول دور تنموي جديد للدولة يختلف عن مرحلة النيوليبرالية، أو توسّع للدور التنموي للدولة؟

جوزيف ضاهر:
أتذكر أنه بعد أزمة كوفيد – لا أدري إن كنت تذكر أيضاً، ربيع – ظهرت عناوين في مجلتي إيكونوميست وفاينانشال تايمز تتحدث عن عودة للنموذج الكينزي، أي عودة دور الدولة كمحرّك للاقتصاد. للأسف، خلال أزمة كوفيد رأينا تعزيز دور الدولة في الاقتصاد، لكن لصالح من؟ غالباً لصالح الشركات الكبيرة والشركات الدولية، إلخ. وبعد سنتين أو أكثر عدنا للأسف إلى سياسات التقشف وديناميات السوق المهيمنة.

إذا نظرنا إلى التطورات التاريخية لهيمنة النيوليبرالية، يمكن القول إنها بدأت في السبعينات من القرن الماضي، بمشاريع سياسية قادها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وفي بريطانيا بقيادة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر – المعروفة بمقولة “لا يوجد بديل” عن الاقتصاد الليبرالي. ورأينا… ويجب أن نفهم أمراً: المشروع النيوليبرالي ليس مجرد مشروع اقتصادي بمعنى توسيع ديناميات السوق في كل المجالات الاقتصادية ضمن المجتمع، بل هو مشروع سياسي أيضاً؛ بمعنى شنّ هجوم سياسي على الطبقات العمالية والتنظيمات العمالية المنظمة في المجتمع (مثل النقابات، والأحزاب السياسية اليسارية، إلخ).

المشروع النيوليبرالي ليس مجرد مشروع اقتصادي بمعنى توسيع ديناميات السوق في كل المجالات الاقتصادية ضمن المجتمع، بل هو مشروع سياسي أيضاً؛ بمعنى شنّ هجوم سياسي على الطبقات العمالية والتنظيمات العمالية المنظمة في المجتمع

وأكيد مع نهاية الاتحاد السوفييتي – الذي بالمناسبة لم يكن نموذجاً إيجابياً أبداً، ولا اشتراكياً ولا يسارياً، بل نظاماً استبدادياً سيطرت عليه بيروقراطية معينة على الاقتصاد مع استغلال للعمال – بعد التسعينات… وهنا نتذكر أيضاً العبارة الشهيرة للمؤرخ والمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما: “لا يوجد بديل للنظام النيوليبرالي الديمقراطي”. شاهدنا توسّع هذا النموذج النيوليبرالي في جميع أنحاء العالم.

وفي الوقت نفسه ظهرت – وبعكس ذلك تماماً – نظريات دراسية وأكاديمية في التسعينات تقول إنه مع الانفتاح الاقتصادي ستصبح المجتمعات (سواء العربية أو بشكل عام) أكثر ديمقراطية؛ لأنه ببناء طبقة وسطى أو برجوازية مستقلة عن الطبقات الحاكمة ستطالب بحقوق ديمقراطية. ولكن ما رأيناه كان العكس تماماً: تعزيز الديناميكيات الاستبدادية في جميع أنحاء العالم، ليس فقط في الشرق الأوسط بل حتى في الدول الليبرالية الغربية، حيث شهدنا ازدياداً في النزعات الاستبدادية. نرى اليوم في فرنسا وفي دول غربية وفي أمريكا تعزيزاً لهذه السلطات الاستبدادية.

بكل تأكيد، إذا أردنا الحديث عن نوع من البديل عن النظام النيوليبرالي المهيمن عالمياً، فعلينا أن نبني بديلاً اقتصادياً تقدمياً لصالح “99%” من السكان (كما يُقال في أوروبا). ولكن تحقيق ذلك يعتمد على توازن القوى في سوريا وغيرها. حتى اليوم، فإن أغلبية الاقتصاديين – حتى المعارضين للنموذج النيوليبرالي الإقصائي – لا يطرحون بديلاً حقيقياً خارج هذا النموذج للأسف. من الصعب جداً الخروج من السياق والإطار النيوليبرالي.

نعود إلى سؤالك: موضوع دور الدولة في الزمن الحالي. ما هو دور الدولة في الاستثمار ضمن أي مجتمع، في المجالات الاجتماعية مثل التعليم والصحة، إلخ، وكذلك بالتأكيد في قوى الإنتاج من تصنيع وزراعة؟ هذا سؤال مفتوح، وعدد قليل من الاقتصاديين المنتقدين للنظام النيوليبرالي اليوم، للأسف، لديهم تصوّر واضح خارج هذا الإطار.

ربيع نصر:
إذا انتقلنا إلى الحالة السورية تحديداً: مرت سوريا بفترة شهدت تحولاً كبيراً نحو النيوليبرالية في الاقتصاد. في التسعينات كان هناك توسع كبير جداً، لكن في الألفينات أصبح الأمر نموذجاً صارخاً لفكرة تقليص الدور التنموي للدولة مقابل توسّع الاستثمارات الأجنبية أو توسع القطاع الخاص النخبوي (مثل شركة “شام كابيتال” وغيرها). بدأنا نرى تحويل الموارد الاقتصادية باتجاه فئة جديدة – حتى ضمن القطاع الخاص نفسه. برأيك، هل كان هذا التغيير في دور الدولة أحد عوامل انفجار الحراك المجتمعي في 2011؟

جوزيف ضاهر : بكل تأكيد، ربيع. هذا سؤال مهم جداً.

بلا شك، وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 بعد وفاة والده حافظ الأسد مثّل نوعاً من القطيعة في مسار الاقتصاد السوري. قطيعة ليس بمعنى تغيير جذري تام، ولكن تعميق لعمليات لبرلة الاقتصاد التي كانت قد بدأت. حتى بعد وصول حافظ الأسد للسلطة في السبعينات – نتذكر أنه قبل ذلك كان هناك نموذج جذري بقيادة حزب البعث في أواخر الستينات (فترة صلاح جديد) ثم بدأ الانفتاح الاقتصادي – لكن خلال عقود حكم حافظ الأسد ظلت الدولة تلعب دوراً أساسياً في الاقتصاد. حتى المنظمات الشعبية (بين قوسين) مثل النقابات والجمعيات الفلاحية، كانت لها أدوار مرتبطة بالدولة.

هذا تغير تماماً بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة. حصل تحالف جديد ضمن السلطة الحاكمة لصالح الطبقة الوسطى الليبرالية والعليا في المدن (خاصة دمشق وحلب) والطبقة البرجوازية داخل البلد وخارجه (من مستثمرين عرب وأتراك وأوروبيين).

كيف شهدنا هذا التحول؟ أولاً، بخلاف والده حافظ الأسد، بدأ بشار الأسد بالعمل مع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما. ثانياً، معروف أنه – رسميًا – اعترف النظام بدور القطاع الخاص كمحرك أساسي للاقتصاد السوري. حتى عام 1991، في القانون رقم 10، اعترف النظام السوري بالتعددية الاقتصادية. ولكن بعد 2000، أصبح المحرك الأساسي والدور التنموي الأساسي في الاقتصاد السوري هو القطاع الخاص. ولكن أي قطاع خاص نتحدث عنه هنا؟ هذه نقطة مهمة. فنحن لا نتحدث عن قطاع خاص ضخم وقوي مستقل؛ الأغلبية – مثلاً في قطاع التصنيع – هي من المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، حوالي 99% من الشركات. هذه المشاريع كانت تفتقر إلى التكنولوجيا وإلى الدعم المالي من البنوك (العامة والخاصة). لأن – مثل معظم البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – البنوك المحلية(وحتى البنوك العامة) لم تلعب دوراً تنموياً أبداً. كانت تشجّع الديناميكيات الاستهلاكية أكثر من الإنتاجية.

إذا نظرنا إلى فترة الألفينات، شجّعت البنوك الخاصة مثلاً على القروض الاستهلاكية؛ كأن يحصل الشخص على قرض لشراء سيارة جديدة أو منزل، ولم تكن تمنح مثلاً تسهيلات ائتمانية كافية للشركات الصغيرة والمتوسطة. ثم إن الديناميكيات الاقتصادية حينها كانت بمعظمها تجارية أو مرتكزة على قطاع البناء. شاهدنا مثلاً توسعاً في استثمارات البناء (المجمّعات التجارية “المولات” الكبيرة على نموذج دول الخليج) بتمويل واستثمارات خليجية. لا ننسى أن أكبر المستثمرين في سوريا بالألفينات كانوا من دول الخليج وتركيا. وأغلب الاستثمارات تركزت في قطاعات غير منتجة للاقتصاد، مع استثمارات قليلة جداً باتجاه التصنيع والزراعة.

هذا على العكس تماماً مما تتطلبه التنمية: سياسات التقشف وتحرير التجارة التي اتُّبعت أضرّت بقطاع التصنيع بشكل خاص. على سبيل المثال، اتفاقيات التجارة الحرة والاتفاقيات التجارية بين الدول العربية وتركيا أضرّت بالشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة؛ كثير من تلك الشركات أُغلق في أواخر العقد الأول من الألفينات لأنها لم تستطع المنافسة. وهذه نقطة مهمة جداً لأننا نرجع لنفس الأمر حالياً مع الحكومة الحالية: تكرار نفس الأخطاء – بل وأسوأ – بحق الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعاني من نقص في كل شيء (تكنولوجيا، عمالة مدرَّبة، تمويل، إلخ) بعد 14 سنة حرب ودمار ونقص في البنية التحتية، مما يجعلها عاجزة عن منافسة الشركات الأجنبية حتى في القطاعات الزراعية.

سياسات التقشف وتحرير التجارة التي اتُّبعت أضرّت بقطاع التصنيع بشكل خاص. على سبيل المثال، اتفاقيات التجارة الحرة والاتفاقيات التجارية بين الدول العربية وتركيا أضرّت بالشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة؛ كثير من تلك الشركات أُغلق في أواخر العقد الأول من الألفينات لأنها لم تستطع المنافسة.

تاريخياً، كانت سوريا غنية بالقطاع الزراعي، ومناطق مختلفة اعتمدت على الزراعة اقتصادياً واجتماعياً. في الألفينات أيضاً شهدنا نوعاً من خصخصة الأراضي المملوكة للدولة – ليس بمستوى ما حدث في مصر مثلاً، لكنه كان ذا أثر سلبي. شهدنا انخفاضاً كبيراً في القوى العاملة في القطاع الزراعي، ولم يكن ذلك بسبب الجفاف بين 2007 و2009 فقط؛ بل بدأ الانخفاض منذ 2002 إلى 2008. الكثير من العمال والمزارعين تركوا أراضيهم نتيجة سياسات وقف الدعم وسياسات التقشف، وكذلك سياسات الخصخصة التي صبّت في صالح المزارعين الكبار أو كبار ملاّك الأراضي المرتبطين جميعاً بالطبقة الحاكمة.

وهنا لا بد أن نشير إلى نقطة أساسية: السياسات النيوليبرالية وعمليات الانفتاح الاقتصادي (دون انفتاح سياسي) في أغلب الدول العربية، ومنها سوريا، استفادت منها نخبة اقتصادية صغيرة من رجال الأعمال، معظمهم مرتبطون بالطبقة الحاكمة. في سوريا كانت هذه النخبة مرتبطة بعائلة الأسد الحاكمة – وكان رامي مخلوف رمزاً لهذا الانفتاح الفاسد في الألفينات، إذ مثّل المصالح الاقتصادية لعائلة الأسد.

نرى أن هذه الديناميكيات أولاً كان لها تأثير سلبي على القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد السوري. وثانياً، أغلب هذه الديناميكيات الاستثمارية كانت في قطاعات غير منتجة (كالبناء والسياحة والخدمات المالية والخدمات عامة). وكما نقول دائماً، كان هناك نمو اقتصادي بدون تنمية حقيقية. وهذا حدث في سوريا وفي المنطقة بشكل عام. ففي النموذج النيوليبرالي قد يحدث نمو – مثلاً 3 إلى 5% سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي – وقد ارتفع الناتج المحلي في سوريا من أقل من 30 مليار دولار في بداية الألفينات إلى أكثر من 60 مليار دولار عام 2010. ولكن لمن ذهبت هذه الثروة؟ استفادت منها نسبة صغيرة من السوريين والسوريات، غالباً مرتبطة بالأسرة الحاكمة أو بطبقة اجتماعية معينة (طبقة عالية نخبوية كما قلت).

وبالتزامن مع ذلك شهدنا تفاوتاً اجتماعياً كبيراً: نسبة الفقر ارتفعت من حوالي 15% في بداية الألفينات إلى أكثر من 33% عام 2010. هذا هو النموذج النيوليبرالي: نمو بدون تنمية، بل على العكس تفاوت اجتماعي متزايد.


ربيع نصر:
أيضاً، على سبيل المثال، لم يكن الاقتصاد يولّد فرص عمل جديدة رغم النمو؛ فالكثير من الناس خرجوا من سوق العمل – نساءً ورجالاً على حد سواء. هذا هو التفاوت الذي حصل.

دعنا الآن ننتقل إلى ما بعد 2011: بعد 2011 انحصرت الدولة في شخص السلطة، وأصبحت السلطة تؤدي دور العدو للتنمية أو العدو للشعب. وبالتالي تم تخصيص الموارد نحو العسكرة والأمن. وفي المقابل، صار هناك انخفاض دائم في الاستثمار بالبنية التحتية وفي الدعم المقدم للقطاعات الاجتماعية (الصحة، التعليم، الطاقة). كنا نرى باستمرار دوامة من تخفيض الدعم بشكل متواتر… لكن أيضاً رأينا تجارب لجهات غير دولتيّة، مثل **”حكومة الإنقاذ” في إدلب أو الإدارة الذاتية (قسد) في الشمال الشرقي. هناك أيضاً في تلك المناطق تم تقليص الدور التنموي للدولة وفتح المجال لنخب – محلية أحياناً وإقليمية أحياناً – لتلعب هذا الدور. برأيك، كيف تغيّر الدور التنموي للدولة خلال السنوات الـ14 الماضية من النزاع؟ ماذا حصل لطبيعة هذا الدور ووظيفته فيما يخص التنمية من جهة، وفيما يخص تغذية النزاع أو مواجهته من جهة أخرى؟ كيف تصفه؟

جوزيف ضاهر:
شكراً، ربيع. سأعود أولاً إلى نقطة مهمة ذكرتها أنت قبل قليل بخصوص فرص العمل. بالفعل، في التحولات الاقتصادية الجديدة خلال الألفينات، كان القطاع الخاص نظرياً يلعب دوراً أساسياً في خلق فرص عمل. لكن هذا لم يحدث أبداً. بل بالعكس، رأينا الدولة توقفت عن توظيف الخريجين الجدد مثلاً، فزاد معدل البطالة. وكذلك ازدادت الهجرة من السوريين والسوريات إلى خارج البلد بحثاً عن فرص عمل. وفي الوقت نفسه، انخفضت الأجور الحقيقية مع ارتفاع التضخم… نرى هنا أن تراجع الدور التنموي للدولة، وغياب دور قوي أو محرّك يقابله من القطاع الخاص، أدى إلى زيادة الفقر والبطالة وقلّة فرص العمل، خاصة للشباب السوري. في الوقت نفسه، رأينا أيضاً تنامي اقتصاد “الذل”في سوريا – وهو نتاج السياسات النيوليبرالية – حيث كان هذا الاقتصاد يستوعب بالدرجة الأولى شباباً تحت سن 30. وكل هذا يبين السلبيات التي أفرزتها الديناميكيات الاقتصادية النيوليبرالية.

الآن، بالنسبة لسؤالك: إذا نظرنا إلى كافة سلطات الأمر الواقع المختلفة التي حكمت أجزاء من سوريا بعد 2011، نجد أن لديها تقريباً نفس النموذج الاقتصادي الذي ذكرناه، أي ديناميكيات تجارية. طبعاً الحرب لها تأثير كبير في هذه الظروف، ولكن نشأت أيضاً نخب جديدة مرتبطة بالسلطات الحاكمة في كل المناطق. وبالتأكيد، في المناطق التي ظلت تحت سيطرة النظام البائد (نظام الأسد)، وهنا رأينا تركيزاً للاستثمارات في الجيش وديناميكيات عسكرية وحتى ضمن الميليشيات، بالإضافة إلى توجيه التمويل نحو أمراء الحرب أو رجال الأعمال المرتبطين بالأسرة الحاكمة.

لا شك أن للعقوبات أثراً سلبياً أيضاً. ويمكن أن نعود لهذه النقطة – فأنت وأنا كان لنا دائماً موقف واضح منها: نحن بالتأكيد ضد هذا النظام، ومع فرض عقوبات معينة مركّزة على مؤسسات وشخصيات محددة، ولكن لسنا مع عقوبات شاملة ضد الدولة والمجتمع، لأنها تؤثر سلباً على عموم الناس وما زال تأثيرها مستمراً حتى اليوم.

وبالتأكيد هناك عوامل خارجية لها تأثير سلبي على سوريا أيضاً، مثل جائحة كوفيد أو الحرب الروسية الأوكرانية، وغيرها. لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا القول إن هذه التطورات حصلت بمعزل عن دور الدولة في تعميق المشاكل الداخلية. لأنه في وضع كارثي كهذا، من المفترض بأي حكومة أن تركز على الخدمات الاجتماعية وعلى هموم الناس… لكن ما رأيناه بعد 2011 كان عكس ذلك تماماً: تعميق للسياسات النيوليبرالية السابقة، خصخصة لممتلكات الدولة، وفرص اقتصادية تركزت بالكامل تقريباً بيد النظام الأسدي ولصالحه.

إذا تذكر، ربيع، في عام 2016 كانت هناك استراتيجية اقتصادية جديدة في سوريا تحت عنوان “الشراكة الوطنية”. ضمن هذه الاستراتيجية، لا يكون القطاع الخاص مجرد شريك رئيسي في أي عملية إعادة إعمار مستقبلية، بل القائد لها. وكل مجالات الاقتصاد فُتحت للقطاع الخاص ما عدا قطاع النفط. هكذا كان المشهد عام 2016. ورأينا، على سبيل المثال، تحريراً وانفتاحاً اقتصادياً في مجالات كانت مربحة للدولة: تحرير تجارة التبغ، وفتح مجال الاستثمار الخاص والأجنبي في قطاع الكهرباء، وقطاع الإسمنت أيضاً فُتح للاستثمار الخاص…

وفي الوقت نفسه، استمرت سياسات التقشف، خاصة في موضوع الخبز والمحروقات. بشكل عام – وهنا سأتوقف عند هذه النقطة، صحيح أن وقف دعم المشتقات النفطية يخفف عبئاً عن ميزانية الدولة (وقد تقلصت فعلاً ميزانية الدولة من حوالي 17 مليار دولار قبل الحرب إلى نحو 3 مليارات فقط مؤخراً)، لكن ما نراه هو الأثر السلبي لذلك على الاقتصاد ككل، وليس فقط على المواطنين. لأن دعم المشتقات النفطية ضروري للقطاعات الإنتاجية. فمثلاً، تكلفة الإنتاج في سوريا هي الأعلى في المنطقة حالياً، بسبب موضوع الطاقة والكهرباء؛ المولدات الكهربائية في سوريا تعمل على الوقود النفطي، وهذا يرفع الكلفة جداً. رأينا التأثير السلبي لهذا على القطاعات المنتجة.

وطبعاً هناك دمار الحرب الذي حدث – والمسؤولية الأولى فيه على النظام البائد – لكن هناك أيضاً فاعلين سياسيين لعبت دوراً سلبياً –  مثلا: النخب الجديدة في الحكومة الحالية مثل هيئة تحرير الشام، وجهات أخرى كـالجيش الوطني السوري… وكذلك العقوبات كما قلنا. لكن أيضاً كان هناك دور للدولة خلال السنوات الـ14 الأخيرة، باستمرار نفس السياسات النيوليبرالية والخصخصة لصالح طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بالأسرة الحاكمة. نتيجة ذلك تركزت الثروة بشكل غير طبيعي في يد عائلة الأسد. حتى أنه في الألفينات كان هناك نوع من النمو يتيح لهامش أكبر قليلاً من رجال الأعمال أن يستفيدوا؛ أما بعد 2011، انخفضت الفرص الاقتصادية بشدة، وانحصرت تقريباً ضمن الأسرة الحاكمة. استحوذوا على كل الفرص الاقتصادية. حتى رجال الأعمال الذين كانوا مرتبطين بالنظام سابقاً أو كانت لديهم علاقات معه تأثروا بذلك – لم يعد هناك مجال لأي قطاع خاص خارج دائرة الأسرة الحاكمة أن ينمو أو يخلق وظائف للناس، إلخ.

باختصار، بالتأكيد هناك آثار الحرب، لكن ليس هذا وحده السبب؛ هناك أيضاً دور الدولة السابقة في تفاقم الأزمة الاقتصادية داخل البلد. وللأسف وصلنا اليوم إلى أن 90% من سكان البلد تحت خط الفقر، وهناك أكثر من 15 أو 16 مليون سوري بين نازح ولاجئ، إلخ. وهذا أيضاً تتحمل الدولة السابقة مسؤوليته.

ربيع نصر:
كما تفضلت، سأضيف هنا بضعة أمثلة أيضاً للتأكيد على أن كثيراً من هذه السياسات كانت خياراً متعمداً وليست كلها مفروضة بالكامل. على سبيل المثال، في مناطق سيطرة الحكومة المؤقتة تحت النفوذ التركي: كانت السيطرة تركية تماماً، ومع ذلك مُنع السوريون من الإنتاج والتصدير إلى تركيا؛ تركيا أغلقت أسواقها، إلا إذا احتاجت شيئاً محدداً (مثل الفستق الحلبي) فتسمح لك بالتصدير. فحتى الدول الإقليمية التي أثرت في المشهد لم تساعد في نمو هذه القطاعات أو الإنتاج المحلي.

أما في موضوع المساعدات الإنسانية: أصرت الأمم المتحدة – ووراءها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة – على عدم تنفيذ أي شيء تنموي. كان لدينا كل سنة توزيع مساعدات بطريقة غير مستدامة، بحيث يبقى الناس محتاجين لهذا النوع من المساعدات، وغير قادرين على بناء مشروع أو تطوير حوكمة لعملية بناء قاعدة اقتصادية أو تنموية تخرجهم من الحرب أو من عقلية الحرب، أو تمكّن الفئات المهمَّشة. أي أنه، كما قلنا، هناك أكثر من فاعل وأكثر من عامل، وكان لدى كل منهم خيارات، لكن اختاروا ربما الخيار الأسهل من ناحية الاستغلال: أن تستفيد فئة صغيرة وتستغل فترة الحرب.

جوزيف ضاهر:
ربيع، بخصوص نقطة المساعدات الإنسانية التي ذكرتها: بالفعل، منذ بداية التسعينات – كما تحدثنا قبل قليل – أثرت هيمنة النيوليبرالية أيضاً على المشاريع الإنسانية. رأينا مثلاً أنه ضمن المشاريع الإنسانية بات دور القطاع الخاص – لا أقول رئيسياً – لكن أساسياًفي أي مشروع إنساني “تنموي” (بين قوسين). وأصبحت الديناميكيات تركّز غالباً على الجانب الاستهلاكي للأفراد بدون إطار شامل لدور تنموي للمجتمع. أي يركزون مثلاً: إذا قدّمنا مساعدات، ستساعد أفراداً معينين، أو تخلق مجرد ديناميكيات استهلاكية.

حتى في سوريا في السنوات الأخيرة، رأينا توسع مشاريع توزيع الأموال النقدية مباشرة. وما المنطق وراء ذلك؟ المنطق المطروح هو أن المستهلك يستطيع أن يختار ما يريد ضمن السوق، بدل أن نساعد – مثلاً – الإنتاج المحلي. لماذا لا ندعم الإنتاج المحلي؟ بهذا نخلق ديناميكية “تنموية” (بين قوسين). لأنه إذا ركزنا على الإنتاج المحلي فنحن نتحدث عن توظيف الناس، ونتحدث أيضاً عن أثر إيجابي في مجالات اقتصادية أخرى. أما إذا ركزنا فقط على الديناميكيات الاستهلاكية، فهذا كما تفضلتِ يخدم الديناميكيات التجارية والاستيراد؛ تأتي البضائع من الخارج لأن المنتج المحلي لا يستطيع منافسة البضائع الخارجية.

لذلك أنا متفق 100% مع ما قلته. حتى ضمن المشاريع الإنسانية، نجد أن الديناميكية النيوليبرالية حاضرة وتؤثر بشكل سلبي على أي دور تنموي مستقبلي. وهناك أمثلة متعددة على ذلك في جميع أنحاء العالم منذ التسعينات، وحتى في منطقتنا. الدور كان سلبياً بكل هذه الحالات.

ربيع نصر:
النقاش ممتعاً جداً وهناك الكثير من الأسئلة التي يمكن أن نبحث فيها. لكن أود أن نركز قليلاً الآن على الحكومة الانتقالية الحالية في سوريا. والتي مضى على وجودها حوالي سبعة أشهر، ورأينا توجهاً واضحاً منذ اليوم الأول فيما يخص دور الدولة: دولة تركز بشكل كبير على تركيز السلطة السياسية – إذ عدنا إلى القصر الجمهوري وهيمنة الهيئة السياسية (وزارة الخارجية) عليه. إذاً هناك تركيز سياسي في هذه البنية.

ولكن عندما نتحدث عن الدور التنموي للدولة، نلاحظ أن الطرح دائماً هو الخصخصة؛ أي أننا “لا نريد أن تدخل الدولة في استثمارات لأنها لا تعرف كيف تستثمر”، والأفضل أن يأتي القطاع الخاص. وقد بدأوا فعلاً بطرح مشاريع الأبراج أو نموذج أشبه بنموذج دبي – أي نموذج ريعي عملياً – لكنه يوفّر فرصاً استثمارية لأجانب يأتون إلى سوريا ويعمرون.

طبعاً هذا من جهة. من جهة أخرى، لو نظرنا إلى تجارب الدول بعد النزاع، نجد أننا نكرر كل ما فعلته تلك الدول من أخطاء على سبيل المثال: عدم مشاركة القطاعات والناس في المشاريع؛ لدينا تقليص للدعم من الخبز إلى الطاقة، مما ضرب أجزاء كبيرة من الاقتصاد والمستهلكين؛ ولدينا دولة تتجه نحو فئة جديدة صغيرة هي التي تتحكم بالاقتصاد الآن.

الحجة المطروحة أنهم يقولون: هذا جزء من الحرّيات المتاحة للناس كأفراد ليستثمروا ويتخلصوا من مركزية الدولة. والحجة الثانية: أن أمراء الحرب لديهم أموال، فلنستقطب هذه الأموال؛ هناك نوع من التصالح مع فكرة أن أمراء الحرب يقومون بتسويات ويستمرون في ممارسة نفوذهم الاقتصادي.

فكأننا ضمن مسار مستمر لكن متسارع. سؤالي الأول: كيف تقرأ هذا التوجّه السريع؟ ما سلبياته المحتملة على فكرة تجاوز النزاع كمرحلة؟ ومن الطبقات الاجتماعية الأكثر تضرراً من هذه السياسات الحالية؟

جوزيف ضاهر:
في الحقيقة، ربيع، لقد كفيت ووفيت في طرح السؤال (يبتسم). سأحاول أن أضيف وأحلل.

بكل تأكيد، أولاً يجب أن نعترف: أي سلطة تأتي بعد سقوط النظام البائد (نظام الأسد)، وبعد 14 سنة حرب – مع ما رافقها من عقوبات – وبعد 50 سنة دكتاتورية، ستكون أمام تحديات هائلة.

مع هذا الاعتراف بهذا الواقع يمكننا أيضاً تحليل سياسات الحكومة الجديدة أو السلطة الحاكمة الجديدة. وبكل تأكيد، هذه السياسات لم تشهد أي قطيعة مع الماضي؛ بل هناك استمرارية وتعميق للسياسات السابقة. خلافاً لما يصرّح به الوزراء والحكومة الجديدة عن تغيير النهج، نرى استمرار الديناميكيات الاقتصادية نفسها ضمن الاقتصاد السوري. لكن الفرق الأساسي في شبكات رأسماليين مختلفة عن القديمة لحد ما  – ليست كلها طبعاً. كما ذكرتَ، بعض رجال الأعمال سوّوا أوضاعهم مع الحكومة الجديدة، لكن ظهرت إلى حد ما شبكات جديدة. ومع ذلك، نحن ضمن نفس النموذج الاقتصادي النيوليبرالي يقوم على: انخفاض الدعم، سياسات تقشف، تقليص دور الدولة… إلخ.


لم تشهد سياسات الحكومة الجديدة أي قطيعة مع الماضي؛ بل هناك استمرارية وتعميق للسياسات السابقة. خلافاً لما يصرّح به الوزراء والحكومة الجديدة عن تغيير النهج، نرى استمرار الديناميكيات الاقتصادية نفسها ضمن الاقتصاد السوري. لكن الفرق الأساسي في شبكات رأسماليين مختلفة عن القديمة لحد ما.

ربما أوضح رمز لهذه التطورات كان زيارة وزير الخارجية (شيباني) إلى منتدى دافوس في سويسرا. وهذا المنتدى يمثل مصالح الطبقة الحاكمة الغربية والعالمية. ورأينا مشاركته في نقاش أيضاً مع المجرم توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، المسؤول عن الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق).

نعود إلى سؤالك: من هي الفئات الاجتماعية الأكثر تضرراً في ظل هذه السياسات؟ بكل تأكيد، عندما نرفع أسعار الخبز والوقود مثلاً – صحيح أنه كانت هناك مشاكل سابقاً في التوزيع بسبب “البطاقة الذكية” والفساد وعدم الكفاية، لكن كان هناك نوع من التحكم بالأسعار في السوق المحلية – الآن انتهى هذا التحكم بالكامل. وقد تحدثنا عن الآثار: عدم التحكم بأسعار المحروقات له تأثير سلبي على عموم السوريين (مثلاً، أسعار المازوت والغاز…) ولكنه يؤثر أيضاً على الاقتصاد المنتج. وهذه نقطة أود تأكيدها: القطاعات المنتجة في الاقتصاد مثل الصناعة والزراعة تتضرر بشدة.

هناك انتقادات كثيرة – مثلاً من المزارعين والصناعيين – لسياسات الحكومة الجديدة. هؤلاء ليسوا بالضرورة من الفئات المهمشة في المجتمع، لكنهم ينتقدون بوضوح ويقولون: إذا استمر هذا التوجه، لن يبقى هناك أي صناعة سورية في المستقبل، لأنه لا مجال للمنافسة. كذلك هناك فتح الأسواق بشكل كبير أمام البضائع المستوردة وتعزيز للطابع التجاري على حساب الإنتاجي. شهدنا مثلاً في أول خمسة أشهر من هذه السنة أن الواردات من تركيا وصلت إلى حوالي مليار دولار – وهذا الرقم أعلى بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي. فكيف ستستطيع الصناعات السورية أن تنافس في ظل هذه الديناميكية التجارية؟ الشيء نفسه ينطبق على الزراعة.

إذن هنا نرى أثراً سلبياً على الفئات المهمشة، وعلى الشعب السوري بشكل عام. وبرأيي، الأمر أخطر بالنسبة لمستقبل سوريا ولمستقبل قدرتها الإنتاجية. بسبب ما تحمله هذه السياسيات

أولاً، فلنسأل: من يستفيد من هذه الفرص الاقتصادية في الوضع الراهن؟ نرى أن المستفيد الأساسي هم كبار رجال الأعمال السوريين وبعض المستثمرين الأجانب (خاصة من دول الخليج أو تركيا). وهذا تعكسه جميع اجتماعات الرئيس الجديد أحمد الشرع مع الفاعلين الاقتصاديين: أغلبيتهم ممثلون لدول وشركات أجنبية، أو رجال أعمال سوريون من الداخل ومن الخارج. لا نجد مثلاً اجتماعات مع النقابات العمالية، أو مع الجمعيات المهنية، أو مع المجتمعات المحلية. هناك غياب كامل لمشاركة هذه الأطراف. وهذا يعني، بكل معنى الكلمة، أن السياسات المتبعة سلبية بحق أغلبية الناس – خاصة بعد 13 سنة من الحرب، حيث من المفترض أن تركز الدولة على أغلبية السكان السوريين المتضررين. لكن الواقع في سوريا أن 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومع ذلك السياسات الجديدة ليست لصالحهم.

لأنه حتى لو تحدثنا عن إيقاف الدعم: نعم، أُوقف دعم الخبز والمحروقات، إلخ، وتم رفع الرواتب بنسبة تقارب 200%. ولكن مع رفع أسعار كل السلع الأساسية في السوق، تصبح هذه الزيادة في الراتب بلا قيمة. بالعكس تماماً، تكلفة المعيشة ارتفعت منذ بداية السنة. الآن، الحد الأدنى للأجور في سوريا يقارب 70 إلى 80 دولاراً في القطاع العام (وربما أعلى قليلاً في القطاع الخاص حسب القطاعات). لكن حد الكفاف لعائلة من خمسة أشخاص في دمشق يتجاوز 600 دولار شهرياً. لهذا السبب، وباستمرار لما كان عليه الحال في ظل النظام السابق، يعتمد أغلبية السوريين والسوريات على تحويلات مالية من ذويهم في الخارج أو من الجاليات السورية. على الرغم من أنه لا توجد تقديرات رسمية لهذه التحويلات – لأنها غالباً تتم عبر قنوات غير رسمية – لكن يمكننا تقديرا تتراوح بين 4 إلى 7 مليارات دولار سنوياً. وسبعة مليارات رقم كبير بالتأكيد لسببين:

أولاً، بالنسبة للناتج المحلي: هذه التحويلات تمثل نحو 30% من الناتج اليوم. وهنا – مع احترامنا لجيراننا في لبنان – أصبح الاقتصاد السوري شبيهاً أكثر فأكثر بالاقتصاد اللبناني: لا نكاد ننتج شيئاً. على سبيل المثال، انخفضت قيمة الصادرات السورية من حوالي 12 مليار دولار عام 2010 إلى نحو مليار دولار فقط الآن. وهذا يعكس بشكل عام تدهور القوة الإنتاجية داخل البلد، خاصة في الصناعة والزراعة. أغلبية السوريين يعتمدون على التحويلات المالية من الخارج، وهذه أيضاً ديناميكية ريعية تعتمد على مصادر خارجية.

المشكلة الأخرى أن هذه الحكومة تفتقر أيضاً إلى الشرعية الديمقراطية – لم نصل لهذه النقطة لكن من المهم ذكرها – فليس لدينا تصور لتحسّن اقتصادي (وبالتأكيد لتحسن اجتماعي) بدون تحسين المشاركة من الأسفل في المجتمع السوري. كيف ستسمع الحكومة مشاكل الناس إذا لم يكن هناك مشاركة؟ كيف ستلحظ مشاكل الصناعيين والمزارعين إذا لم يكن هناك دور لممثلي هذه القطاعات؟ على العكس تماماً، ما حدث هو استمرار السياسات القديمة في تعيين قيادات جديدة للاتحادات ولغرف التجارة والصناعة تكون مرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة. هذا تكرار لنفس ديناميكيات النظام السابق.

ختاماً، أقول إن هناك تحديات كبيرة – ونعترف كلنا بذلك. وبالمناسبة، أنا شخصياً سررت كثيراً برفع العقوبات مؤخراً… وكما ذكرنا، نحن كنا ضد العقوبات لأنها أثّرت على الشعب، لكن مشاكل الاقتصاد السوري البنيوية ليست بسبب العقوبات فقط، بل بسبب بنية الاقتصاد نفسها والتحديات في القطاعات المنتجة. ومع ذلك، هذه الحكومة تعمّق المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لأغلبية السوريين والسوريات. وأخيراً أؤكد: لا يمكن أن يحدث أي تحسّن بدون سياسات موجّهة لصالح 99% من السوريين والسوريات، وبدون مشاركة حقيقية من الأسفل.

ربيع نصر:
هناك أيضاً قضية مهمة جداً تُثار هنا. أنت ذكرت الاعتماد الكبير على المساعدات، وهذه المساعدات دولياً في تراجع كبير جداً؛ وهناك أيضاً تضخم في المديونية العالمية. وبالتالي يجب أن نتوقع أن هذه الموارد ستتناقص.

لكن يُطرح الأمر حالياً وكأن الدولة غير قادرة على الاستثمار بفعالية في البنية التحتية، وبنفس الوقت القطاع الخاص السوري ضعيف ولا يستطيع القيام باستثمارات كبرى في البنية التحتية. فيصبح الحل المطروح: أن تأتي دولة خليجية أو شركات خليجية وتستثمر بتكاليف لا يستطيع الاقتصاد السوري تحمّلها. بمعنى أن المشهد الاقتصادي الحالي يرفع التكلفة، ولا يوجد طلب محلي قادر على الاستيعاب. فكأن الرهان هو على طلب خارجي وليس طلباً داخلياً. وهذا يعني أننا سننشئ جُزراً معزولة عن أغلبية المجتمع – إذا توفر هذا الطلب الخارجي أصلاً.

وهذه السلطة (الحكومة الانتقالية) تقدّم نفسها بعد سقوط الطغيان على أنها ستعوّض أغلبية المجتمع المتضرر. فكيف ترى هذا التناقض؟ كيف سيُصالِحون بين قولهم “جئنا بعد الطغيان لنعوّض أغلبية المجتمع” وبين أن السياسات المطروحة بعيدة تماماً عن مصلحة الأغلبية؟

جوزيف ضاهر:
متفق معك 100%، ربيع. أولاً، دعنا ننظر: ما طبيعة الاستثمارات الخارجية في الاقتصاد السوري حتى الآن؟ باستثناء بعض المشاريع في البنية التحتية (مثل إعادة بناء شبكة الكهرباء، أو استثمارات في مرفأي طرطوس واللاذقية)، فإن أغلبية الاستثمارات التي شهدناها كانت في قطاعات غير منتجة للاقتصاد. مثلاً: بناء مول تجاري في الشام، أو نشاطات تجارية هنا وهناك…

هنا يجب أن يكون دور الدولة حاضراً فعلاً. إذا كانت هناك استثمارات خارجية قادمة، فينبغي توجيهها نحو قوى الإنتاج. نحن بحاجة إلى دور للدولة يركز على تشجيع الاستثمار في القطاعات المنتجة للاقتصاد. أي سياسات توجه نحو التصنيع، وسياسات توجه نحو الزراعة. هذا شيء أساسي. وحتى اليوم، لا نرى سياسات محددة موجَّهة نحو هذين القطاعين.

ثانياً، نلاحظ أيضاً الآن – إذا استمعنا لتصريحات أغلب رجال الأعمال، سواء كانوا مرتبطين بالحكومة الجديدة أم لا – ماذا يقولون للمستثمرين في الخارج؟ يقولون: “لدينا يد عاملة رخيصة، تفضلوا عندنا”. هذا يعني أن التركيز على تشجيع التصدير، وليس على تشجيع الاستهلاك المحلي أو الاستثمار المحلي. بمعنى: يريدون نموّاً اقتصادياً بدون تنمية حقيقية. نمو بأي معنى؟ يريدون أن نصدر أكثر، ولكن من سيستفيد؟ رجل الأعمال ضمن هذه الحلقة أو الشبكة المرتبطة بالسلطة الحاكمة الجديدة.

وقد رأينا مثالاً: موضوع استيراد السيارات من تركيا – الذي توقّف مؤخراً – لكن خلال فترة سمحه أحدث أثراً سلبياً على البنية الاقتصادية؛ لأنه استنزف العملة الصعبة إلى الخارج بينما نحن بحاجة لها لاستيراد المواد الأساسية. ومن كان المستفيد من تلك الديناميكية التجارية، وخاصة مع تركيا؟ شبكات من رجال الأعمال الجدد المنحدرين من إدلب، كانوا سابقاً مرتبطين بهيئة تحرير الشام، والآن مرتبطون بالسلطة الحاكمة الجديدة.

وبشكل عام، نرى أنه في السياسات الجديدة لا يوجد أي أفق إيجابي للأغلبية الساحقة من السوريين؛ بالعكس تماماً. نرى سياسات ذات أثر سلبي على الوضع الاجتماعي، وعلى مستوى المعيشة اليومي. ولها أثر سلبي أيضاً على الرواتب. لأنه إذا كنا نشجع ديناميكيات تجارية بهدف التصدير أكثر، فأين نصيب المعيشة من هذه العملية؟ الذي يحصل هو أن رجال الأعمال يحققون الأرباح. ولا توجد بالمقابل أي سياسة مثلاً لجعل الرواتب تواكب التضخم، أو لضبط الأسعار في السوق الداخلية.

الآن، بدلاً من أن يتحكم رجال أعمال أو القطاع الخاص بالاستيراد، لماذا لا تقوم الدولة بهذا الدور؟ هنا لن يكون لدينا ديناميكيات احتكارية أو اندفاع محموم لتحقيق ربح سريع. ولو كان هناك ضبط حكومي لعملية الاستيراد والتجارة، فسيكون ذلك في صالح أغلبية السوريين والسوريات؛ لأنه يشجع – لنقل – نوعاً من الرقابة الاجتماعية الحميدة على الاقتصاد.

نقطة أخرى كما قلت: لا توجد مشاركة من الأسفل في هذه الديناميكيات. ولدينا أمثلة في المنطقة يجب أن نتذكرها. مثلاً، دول عانت من حروب: لنأخذ لبنان في التسعينات. أول ما استهدفه القمع في لبنان خلال عملية إعادة الإعمار كان الحركة النقابية، لأن النقابات اللبنانية آنذاك كان لها دور قوي في المجتمع. وحتى خلال الحرب الأهلية لعبت النقابات هناك دوراً – لنقل – مؤثراً إلى حد ما ضد الميليشيات، وفي الحفاظ على الحد الأدنى من حقوق العمال اللبنانيين (كالأجور) وموظفي القطاع العام. أي أنها كانت بمثابة فاعل اجتماعي سياسي بديل في عملية إعادة الإعمار مقابل مشروع رفيق الحريري والطبقة الحاكمة اللبنانية. ورأينا نتيجة ذلك المشروع في الانهيار الاقتصادي عام 2019.

كذلك الأمر في العراق بعد الغزو الأمريكي: ركزت الطبقة الحاكمة العراقية أيضاً على قمع النقابات العمالية هناك، لأن النقابات كانت تطرح بديلاً فيما يخص مشروع إعادة الإعمار. هنا نرى هذين العنصرين (غياب المشاركة من الأسفل، والتركيز على النيوليبرالية) لهما أثر سلبي على أغلبية المجتمع السوري.

ربيع نصر:
إذا تحدثنا عن الخيارات أو البدائل المتاحة الآن: أين ترى النقطة المركزية أو الأولوية التي يمكن العمل عليها، أو ما الأولويات العديدة التي يمكن أن تغيّر الاتجاه الحالي فيما يتعلق بدور الدولة التنموي؟

جوزيف ضاهر: سأحاول أن أوجز ركائز رئيسية أراها ضرورية.

أولاً: لا بد من وجود نوع من الديمقراطية ومشاركة من الأسفل. لن يكون هناك أي انتعاش اقتصادي حقيقي بدون مشاركة شعبية من القاعدة – بدون مشاركة النقابات، والاتحادات المهنية، والمجتمع المدني. وبالطبع تعريف المجتمع المدني الذي أعنيه ليس فقط المنظمات غير الحكومية والدولية، بل المجتمع ككل – كل الهيئات والتنظيمات خارج مؤسسات الدولة. بدون هذه المشاركة من الأسفل، من الصعب جداً بناء قوة مضادة تفرض على السلطة الحاكمة تقديم تنازلات لصالح المجتمع. حتى في أي بلد في العالم، لن تقدم السلطة الحاكمة تنازلات من تلقاء نفسها بدون ضغط وقوة مضادة؛ أي بدون حركات اجتماعية فعالة، وما شابه. هذه برأيي الركيزة الأساسية: الديمقراطية من أجل إنعاش اقتصادي واجتماعي.


لا بد من وجود نوع من الديمقراطية ومشاركة من الأسفل. لن يكون هناك أي انتعاش اقتصادي حقيقي بدون مشاركة شعبية من القاعدة – بدون مشاركة النقابات، والاتحادات المهنية، والمجتمع المدني.

ثانياً: إصلاحات في النظام المالي والضريبي. لأن أغلبية دول المنطقة – ومنها سوريا – تعتمد على الضرائب غير المباشرة (كضريبة القيمة المضافة) وليس على ضرائب مباشرة تصاعدية. إيرادات الدولة عموماً منخفضة جداً في هذه الدول، وهذه مشكلة أساسية. ومن أهم أدوات إعادة توزيع الثروة ورأس المال في المجتمع هي الضرائب التصاعدية. هنا أيضاً – وباستمرار لنهج النظام السابق – لا يوجد تركيز على إصلاح النظام الضريبي بما يفيد أغلبية الناس. فإذا قمنا بإصلاح مالي، وإصلاح للنظام الضريبي، يمكننا استخدام هذه الإيرادات مثلاً في الاستثمار بالقطاع العام التعليمي والصحي – وهما قطاعان أساسيان لأي انتعاش اقتصادي.

إضافة لذلك، يمكننا استخدام الإيرادات الضريبية أيضاً للاستثمار عبر الدولة في قوى الإنتاج (أي التصنيع والزراعة بشكل عام). لأن المشكلة الأساسية – كما ذكرت سابقاً – أن القطاع الخاص (ليس فقط في سوريا بل في عموم المنطقة) لا يستثمر في القطاعات المنتجة؛ بل يفضل القطاعات غير المنتجة ذات الربح السريع. وهذا رأيناه في الألفينات ونراه الآن أيضاً. أغلبية الاستثمارات ليست في تنمية قوى الإنتاج لأنها لا تعطي ربحاً سريعاً، بل تتطلب بنية تحتية قوية، وتحتاج سنوات طويلة من الانتظار. هنا يمكن أن نرى دور الدولة عبر الاستثمار المباشر، أو عبر سياسات مالية تشجّع البنوك (الخاصة والعامة) على إعطاء قروض وتسهيلات للشركات الصغيرة والمتوسطة.

على سبيل المثال، الكثير من الدول الأوروبية اقتصادها قوي لأنها تمتلك شبكات قوية من الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكّل البنية التحتية الأساسية لأي اقتصاد متين.

إذن النقطة الأولى: الديمقراطية والمشاركة الشعبية. النقطة الثانية: إصلاح النظام المالي والضريبي وتعزيز الإيرادات العامة. النقطة الثالثة: التركيز على القطاعات المنتجة في الاقتصاد، وتوسيع دور القطاع العام.

وهنا أعود للسؤال الأساسي لهذا البودكاست: ما هو الدور التنموي للدولة؟ مثلاً، أريد أن أذكر شيئاً فاتني طرحه سابقاً: هناك أيضاً مشكلة في بيئة الاستثمارات الأجنبية وفي الانفتاح الاقتصادي المتسارع ضمن مجالات كانت تاريخياً تحت سيطرة الدولة.

على سبيل المثال، انظر إلى الاتفاق بين الدولة السورية وشركة قطرية حول إعادة بناء محطة كهرباء. النموذج هنا غير واضح تماماً. نحن نتحدث عن إعادة إعمار، لكن أيضاً عن بناء محطة كهربائية جديدة ستصبح تحت سيطرة شركة خاصة. ليس لدينا نموذج واضح يضمن نقل الملكية لاحقاً للدولة (Build-Operate-Transfer مثلاً) بعد استرداد الكلفة. هذا أمر خطير للمستقبل: من الذي سيحدد أسعار الكهرباء؟ وكيف سيكون التوزيع؟ موضوع الكهرباء أساسي لأي انتعاش اقتصادي، وهنا إذا لم يكن هناك تحكم مباشر أو غير مباشر للدولة عبر مؤسساتها، فإن ذلك يشكّل عقبة برأيي أمام الانتعاش الاقتصادي.

هذه هي النقاط الأساسية بالنسبة لي لأي انتعاش اقتصادي وضرورية لعودة الدور التنموي للدولة. لأنه كما ذكرنا، هناك تحديات كبيرة وإيرادات الدولة انخفضت كثيراً. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نرى اتفاقيات مع كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق؟ ماذا سيحدث لأموالهم ورؤوس أموال شركاتهم؟ لماذا لا يتم تحويل ملكية هذه الشركات إلى الدولة؟ لماذا لا نستخدم رأس مال هؤلاء الرجال في استثمارات منتجة تعود بالنفع على المجتمع؟ بمعنى آخر، ينبغي أن تشمل العدالة الانتقالية ليس فقط الجرائم ضد الأشخاص، بل أيضاً الجرائم الاقتصادية؛ مثل ممتلكات الدولة التي استفادت منها شريحة نخبوية ضيقة. نحن بحاجة إلى نظام شامل يتعامل مع ذلك.

ولكن لماذا لا تريد السلطة الحاكمة الجديدة تطبيق سياسات من هذا النوع؟ لأنها حريصة على الحفاظ على ديناميكيات رأس المال كما هي، وعلى استمرار الديناميكيات النيوليبرالية. تخيّل مثلاً، ربيع، لو أننا غداً قمنا بتأميم بعض الشركات الكبرى التي يملكها رجال أعمال كانوا مرتبطين بالنظام القديم؛ سيتخوّف المستثمرون من الخارج – وحتى من الداخل – وقد يعزفون عن الاستثمار خشيةً من هذا الأمر. ولكن لو تم ذلك ضمن إطار عدالة انتقالية وضمانات قانونية، فلن يكون هناك تحدٍّ للاستثمارات على المدى البعيد.

هذا بالضبط ما ينقص سياسات الحكومة الجديدة والسلطة الحاكمة: فهي لا تخدم – كما بيّنا خلال النقاش – إلا فئة صغيرة نخبوية، وبشكل معاكس تماماً لمصالح أغلبية الشعب السوري. وعلينا أن نتذكر جذور الثورة السورية 2011: غياب الديمقراطية، وأيضاً غياب التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهذه الحكومة والسلطة تسير على نفس النهج.

ربيع نصر:
مثلاً، بخصوص ما قلته حول الضرائب: هم يريدون التحول من ضريبة القيمة المضافة إلى ضريبة المبيعات؛ أي جعل النظام الضريبي أكثر رجعية وأقل عدالة. كذلك الطرح الحالي لمشروع قانون ضريبة الدخل هو معدل ثابت (Flat Tax) غير تصاعدي. للأسف… وهذا أمر شديد الخطورة؛ لأن القضايا الضريبية كهذه تحتاج إلى مجلس شعب أو برلمان، وتحتاج إلى سلطة قضائية؛ أي إلى دولة مستقرة بالفعل. لكن القرارات التي تُتخذ الآن – خلال فترة انتقالية – كلها تؤثر على العشرين أو الثلاثين سنة القادمة.

هناك استعجال في اتخاذ قرارات تمس جوهر العملية الديمقراطية مستقبلاً. فمثلاً، في كل دول العالم يُعتبر القانون الضريبي في صلب العلاقة بين الدولة والمجتمع، وفي صلب التمثيل السياسي والتوزيع الطبقي: من الذي يستفيد ومن الذي يخسر. هذا موضوع جدلي كبير ولا يمكن البت فيه خلال أسابيع قليلة. لكن ما حصل أنهم أعدّوا القانون خلال ثلاثة أسابيع أو نحو ذلك، ويطرحونه الآن للنقاش – وعلى الأغلب سيمر بشكل عابر سريع، دون حوار مجتمعي كافٍ.

جوزيف ضاهر:
للتذكير فقط، ربيع: بعد الحرب العالمية الثانية، كان مستوى الضرائب في أوروبا مرتفعاً جداً – نحن نتحدث عن ضرائب تصل إلى 90% على الأرباح – وذلك ضمن إطار عملية إعادة الإعمار. وكما تعرف هناك دائماً خطاب عن “برجوازية وطنية”. لنضع مصطلح البرجوازية الوطنية جانباً، سواء كان واقعياً أم لا، لكن بالفعل إذا كان لدينا برجوازية وطنية حقيقية فالأجدر أن نفرض ضرائب عالية لصالح أغلبية المجتمع.

ربيع نصر:
هذا هو المقصود: فكرة أن الاستثمار العام الذي يعمل بتكاليف منخفضة من أجل المصلحة العامة هو الآن ضروري. لدينا ملايين من ذوي الإعاقة بسبب الحرب، ولدينا ملايين المنازل المدمّرة. لا يمكنك معالجة هذا الدمار فقط بآليات الربح الخاصة. يجب أن يكون هناك عنصر من التضامن هدفه إعادة البناء الاجتماعي، ويجب أن تكون الديمقراطية في صلب عملية إعادة البناء. وإلا فستستمر آثار الحرب معنا لعقود طويلة.

لا أدري إن كنت تحب أن تضيف شيئاً أخيراً، جوزيف. الحوار ثري جداً، وبالتأكيد أتمنى أن نواصل النقاش في فرص قادمة. هل لديك أي فكرة أخيرة تحب أن تختم بها أو تضيفها؟

جوزيف ضاهر:
شكراً مرة أخرى على الدعوة، ربيع. ربما الفكرة الأخيرة التي أود التأكيد عليها: يجب علينا أن نتعلم من تجارب الدول الأخرى التي عانت من حروب وعقوبات وحُكم ديكتاتوري استبدادي، لكي نطرح بدائل عن المنظور النيوليبرالي المهيمن. هذا المنظور النيوليبرالي موجود ليس فقط في منطقتنا، بل للأسف في جميع أنحاء العالم، ومع آثار كارثية على أغلبية الدول والمجتمعات.

أعود إلى مثال جيراننا مرة أخرى: إذا نظرنا إلى لبنان بعد الحرب الأهلية، نجد أنه اتّبع سياسات نيوليبرالية ركزت على قطاعات غير منتجة من الاقتصاد (الخدمات، القطاع المصرفي، البناء…) بدون أي استثمار حقيقي أو تركيز على القوى الإنتاجية (أي الصناعة والزراعة). فجذور الأزمة الاقتصادية عام 2019 في لبنان تعود إلى تلك السياسات.

كذلك العراق: الأزمة الاقتصادية والسياسية فيه ما زالت مستمرة. جذورها تعود لما بعد الاحتلال والغزو الأمريكي، وأيضاً إلى السياسات النيوليبرالية التي اعتمدت هناك.

علينا أن ننتبه من أجل مستقبل السوريين. لدينا اليوم إلى حد ما فرصة ذهبية بوجود هامش ديمقراطي لنبني مجتمع مدني مضاد للطبقة الحاكمة وربما لن يكون هذا الهامش موجوداً غداً. يجب أن نغتنم هذه الفرصة. لأن ما حدث في السويداء مؤخراً – من قمع وجرائم على يد بقيادة السلطة الحاكمة – أمر في غاية الخطورة، ليس فقط على السويداء بل على المجتمع السوري ومستقبل سوريا ككل.

وهنا أرى ارتباطاً وثيقاً بين المجالين الاقتصادي والسياسي. إذا استمررنا في السياسات النيوليبرالية والخصخصة والتقشف التي تؤثر سلباً على أغلبية السوريين – ولدينا أصلاً 90% من السوريين تحت خط الفقر – فلن يكون هناك مجال لمشاركة أغلبية الناس في الشأن العام، لأنهم ببساطة سيكونون منشغلين بتأمين لقمة عيشهم ولا يفكرون بالسياسة. سيفكرون: كيف سأعيش غداً؟ كيف سأحصل على الخبز؟…

وهنا أرى ارتباطاً وثيقاً بين المجالين الاقتصادي والسياسي. إذا استمررنا في السياسات النيوليبرالية والخصخصة والتقشف التي تؤثر سلباً على أغلبية السوريين – ولدينا أصلاً 90% من السوريين تحت خط الفقر – فلن يكون هناك مجال لمشاركة أغلبية الناس في الشأن العام، لأنهم ببساطة سيكونون منشغلين بتأمين لقمة عيشهم ولا يفكرون بالسياسة.

لذلك من الضروري أن نعمل على بناء مجتمع مدني قوي. وليس المقصود فقط المنظمات غير الحكومية والدولية، بل أيضاً النقابات والاتحادات العمالية والمهنية. علينا أن نستثمر في هذه الهيئات وفي تمكينها. ويجب أن نركز على الحقوق الديمقراطية والاجتماعية معاً – فلا يمكن فصل إحداها عن الأخرى. لا يمكننا أن نتصور مستقبلاً ديمقراطياً في سوريا بدون عدالة اجتماعية.

ربيع نصر: إذاً إعادة توزيع عادلة للثروة وللسلطة.
دكتور جوزيف ظاهر، شكراً جزيلاً على هذا النقاش الغني والرائع. كالعادة، أفكارك نيرة وتفتح آفاقاً واسعة للنقاش. أتمنى أن نواصل هذا الحوار في مناسبات قريبة. وأتمنى أيضاً من المشاهدين أو المستمعين الاطلاع على الروابط في وصف الحلقة لمزيد من الأبحاث الغنية التي نشرها الدكتور جوزيف – وبإمكانكم التواصل معه بشكل مباشر أيضاً. تحياتي لكم جميعاً، وشكراً جزيلاً.

جوزيف ضاهر: شكراً جزيلاً، ربيع.

كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا حوارات بديلة”، ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة.
أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

مراجع الحلقة:
Episode references:


Publications by Joseph Daher:

– Daher, Joseph (2016). Hezbollah: The Political Economy of Lebanon’s Party of God. Pluto Press.
https://www.plutobooks.com/9780745336893/hezbollah/

– Daher, Joseph (2019). Syria After the Uprisings: The Political Economy of State Resilience. Pluto Press.
https://www.plutobooks.com/9781786804648/syria-after-the-uprisings/

– Daher, Joseph (2018). “The political economic context of Syria’s reconstruction: a prospective in light of a legacy of unequal development.” Middle East Directions, European University Institute (EUI).
https://cadmus.eui.eu/entities/publication/686f20db-82d3-5002-80aa-6c8397e042d7

– Daher, Joseph (2025). “Three Requisites for Syria’s Reconstruction Process.” Carnegie Endowment for International Peace.
https://carnegieendowment.org/research/2025/05/three-requisites-for-syrias-reconstruction-process?lang=en

– Daher, Joseph (2025). “The Threats Ahead of a Democratic and Progressive Syria.” SyriaUntold.
https://syriauntold.com/2025/01/04/understanding-the-threats-ahead-of-a-democratic-and-progressive-syria/

– Additional articles by Joseph Daher on:

– International Viewpoint
https://internationalviewpoint.org/spip.php?auteur866

– Jacobin Magazine
https://jacobin.com/author/joseph-daher

–  Tempest Magazine
https://tempestmag.org/?s=Joseph+Daher

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

الإصدارات