البيان الختامي مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا
جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
19 دقائق
الرئيسية / البيان الختامي مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
البيان الختامي
مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا
جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
نظّمت جامعة فيينا والمركز السوري لبحوث السياسات يومي 18 و19 حزيران/يونيو 2026 مؤتمر البحث التشاركي حول سوريا ضمن سياقات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة باحثين وباحثات، وممثلين وممثلات عن منظمات المجتمع المدني، وخبراء وممارسين في مجالات التشاركية السياسية، والمواطنة، والحوكمة، والعدالة، والتنمية، والنزاع.
شكّل المؤتمر المحطة الختامية لمشروع بحثي تشاركي حول التشاركية السياسية والمواطنة في سوريا، نُفذ خلال الفترة 2024–2026 بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات وجامعة فيينا، وبتمويل من مؤسسة كارنيغي. واستندت مناقشاته إلى قاعدة واسعة من الأدلة النوعية، جُمعت من خلال عمل ميداني شمل 110 مقابلات معمقة مع مشاركين نشطين ومشاركين مجتمعيين، وعشر ورشات حوارية لمناقشة النتائج والتحقق منها، إضافة إلى ورشتي بناء سيناريوهات لاستشراف المسارات المستقبلية. ونُفذت هذه الأنشطة في إحدى عشرة محافظة سورية هي: دمشق، وحلب، وإدلب، وحماة، وحمص، واللاذقية، ودير الزور، والرقة، والحسكة، والسويداء، ودرعا. وقد أتاحت هذه الأدوات البحثية النظر إلى التشاركية السياسية من زوايا متعددة: من زاوية البنى السياسية والمؤسسية كما يراها المشاركون النشطون؛ ومن زاوية قابلية المشاركة في الحياة اليومية كما يصفها المشاركون المجتمعيون؛ ومن زاوية المعنى الجماعي والأولويات المشتركة كما برزت في الورشات الحوارية؛ ومن زاوية المستقبل الممكن كما صاغته تمارين السيناريوهات. وفي الوقت ذاته، مثّل المؤتمر انطلاقةً لمسار أوسع يهدف إلى تحويل المعرفة المشتركة إلى حوار عام، وبدائل سياساتية، وممارسات ديمقراطية قابلة للتطوير.
وانطلق المؤتمر من فرضية أساسية مفادها أن المجتمعات المتأثرة بالنزاع ليست موضوعاً للدراسة فحسب، بل شريكاً أساسياً في إنتاج المعرفة، وتحليل الواقع، وصياغة البدائل. ومن هذا المنطلق، لم يتعامل المؤتمر مع البحث التشاركي بوصفه أداة لجمع البيانات، بل بوصفه ممارسة معرفية وسياسية تعيد توزيع سلطة السؤال والتفسير والاستنتاج، وتختبر قدرة البحث نفسه على أن يكون ممارسة ديمقراطية في الإصغاء والحوار والمساءلة وبناء القدرة المجتمعية.
كما طرحت الندوة العامة، التي أقيمت على هامش المؤتمر، سؤالاً أوسع حول معنى التشاركية السياسية في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية ومتأثر بالنزاع. وشددت النقاشات على أن المشاركة ليست إجراءً مؤسسياً ضيقاً، ولا تقتصر على الانتخابات أو التمثيل أو المشاورات العامة، بل هي اشتباك حول السلطة والدولة والمعرفة والذاكرة التاريخية والمواطنية والعدالة الاجتماعية والشروط المادية التي تمكّن الأفراد والجماعات، أو تمنعهم، من المساهمة في تشكيل مستقبلهم الجماعي.
وأكد المؤتمر أهمية المجتمع المدني والحراك المجتمعي، والنقابات، والاتحادات المهنية، والمنصات الشبابية والنسوية، والإعلام المستقل، واللجان المحلية، بوصفها فضاءات وسيطة أساسية تربط المواطنين بمؤسسات الحكم وتسهم في تنظيم المشاركة العامة والدفاع عن المصالح المجتمعية. كما شدد على ضرورة توفير البيئة القانونية والموارد والاستقلالية اللازمة لهذه الفضاءات، وتعزيز قدرتها على التأثير المؤسسي وصنع السياسات. كذلك أبرزت النقاشات أن الكرامة الإنسانية ليست نتيجة لتحولٍ ديمقراطيّ فحسب، بل شرط من شروطه الأساسية، وأن الخوف وانعدام الثقة والإقصاء تمثل عوامل بنيوية تقوض إمكانيات التشاركية والعمل العام. وفي هذا السياق، أكد المؤتمر أن العدالة المعرفية تشكل جزءاً أساسياً من التشاركية السياسية، وأن المعرفة التي ينتجها المواطنون والنساء والشباب والناجون والفئات المهمشة يجب أن تُعامل بوصفها مصدراً مشروعاً لفهم الواقع وصياغة السياسات، لا مجرد مادة أولية يجري جمعها وتحليلها خارج المجتمعات التي أنتجتها. كما شدد المؤتمر على ضرورة صون الدور الرقابي والسياساتي والمعرفي للمجتمع المدني وعدم اختزاله في تنفيذ المشاريع أو تقديم الخدمات فقط.
أولاً: الخلاصات الرئيسية:
- البحث التشاركي كعدالة معرفية وممارسة ديمقراطية: خلص المؤتمر إلى أن البحث التشاركي في السياق السوري هو أداة لإعادة توزيع السلطة المعرفية، وليس مجرد تقنية لجمع البيانات. فقد أظهرت التجربة البحثية أن المشاركين لا يقدمون شهادات أو آراء منفصلة فحسب، بل ينتجون تحليلاً نقدياً لعلاقات القوة ضمن المجتمع والدولة والسلطة، ويميّزون بين السلطة الرسمية والقوة الفعلية، ويحددون الفاعلين القادرين على التمكين أو التعطيل، ويقترحون مسارات بديلة تربط بين الأمان والعدالة والمعيشة والتمثيل والمساءلة. وأظهرت الجلسات أن القيمة المضافة للمنهجية التشاركية تكمن في تنويع مصادر المعرفة لا في زيادة عدد الأدوات فقط. فالمقابلات مع المشاركين النشطين كشفت البنية المؤسسية والسياسات والفاعلين؛ والمقابلات المجتمعية كشفت كيف تُختبر المشاركة عملياً في تفاصيل الخوف والتنقل والموارد والأعراف والسلاح؛ والورشات حوّلت الخبرة الفردية إلى معنى جماعي متفاوض عليه؛ أما السيناريوهات فحوّلت التشخيص إلى مخيال سياسي وخارطة طريق.
وأكد المؤتمر أن اختيار مصطلح «المشارك النشط» بدلاً من «الشخص المفتاحي» ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس تحوّلاً أخلاقياً وسياسياً في علاقة البحث بالمجتمع. ففي سياق سوري مثقل بتاريخ المراقبة والخوف، يصبح بناء الثقة والندية جزءاً من المنهجية، وتصبح حماية المشاركين وحقهم في الصمت أو الكلام شرطاً لإنتاج معرفة مسؤولة لا تعيد إنتاج علاقات الهيمنة. كما أظهرت التجربة أن البحث التشاركي يواجه تحديات حقيقية مثل الخوف، والرقابة الذاتية، وصعوبة الوصول، واختلالات القوة داخل المجتمعات نفسها، وهيمنة بعض الأصوات ومحدودية الوقت، وإشكاليات التمثيل. إلا أن الاعتراف بهذه المحددات لا يضعف قيمة البحث، بل يعزز موثوقيته، لأن المعرفة المنتجة في سياق النزاع لا تكون حيادية أو مكتملة، بل مشروطة بالأمان والثقة والسياق وموقعية الباحثين والمشاركين.
- مفهوم التشاركية السياسية: من الحضور إلى التأثير:
أكدت نتائج البحث ومناقشات المؤتمر أن التشاركية السياسية، كما فهمها المشاركون والمشاركات، لا تعني التصويت وحده، ولا حضور الاجتماعات أو الورشات، ولا الاستشارة الشكلية. إنها قدرة آمنة ومادية ومؤسسية ومعرفية في تحديد الأولويات، وصياغة السياسات، وتوزيع الموارد، ومراقبة التنفيذ، ومساءلة الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. بهذا المعنى، لا يقاس نجاح التشاركية بعدد المدعوين إلى الحوار أو عدد اللقاءات المنعقدة، بل بما إذا كان الصوت يتحول إلى فعل أو يغير سياسة، أو يفتح مسار مساءلة، أو يعيد توزيع الموارد والسلطة والمعرفة. لقد ميّز المشاركون بوضوح بين مشاركة إجرائية تسجل الرأي ولا تتحوّل إلى فعل أو تأثيراً في القرار، وتشاركية تحويلية تتيح للمجتمع أن يعرّف المشكلة، وينتج المعرفة، ويؤثر في القرار، ويتابع التنفيذ، ويطالب بالمساءلة. ومن هنا، شدد المؤتمر على أن المؤسسات لا تصبح تشاركية بمجرد وجودها؛ فقد تكون هناك انتخابات بلا تمثيل فعلي، وحوار وطني بلا أثر ملزم، ومجالس محلية بلا صلاحيات، ومنظمات مجتمع مدني بلا استقلالية، ومشاورات عامة بلا متابعة. لذلك فإن جوهر التشاركية ليس شكل المؤسسة، بل مضمون العلاقة بين المجتمع والمؤسسة: هل يستطيع المواطنون الوصول إلى المعلومات؟ هل يؤثرون في الأجندة؟ هل يراقبون الموارد؟ وهل يملكون أدوات مساءلة القرار؟
- المعيقات البنيوية أمام التشاركية السياسية:
خلصت نتائج البحث ومناقشات الجلسات إلى أن العوائق أمام التشاركية السياسية ليست قانونية أو إجرائية فقط، بل هي منظومة مترابطة من الخوف، والفقر، وضعف الثقة، والمركزية، وتعدد مراكز القرار، وغموض المسؤوليات، والسياسات غير الرسمية، وشبكات النفوذ، واستمرار أثر النزاع والسلطوية. ولذلك فإن فتح المجال العام لا يتحقق بإجراء منفرد، بل بتغيير الشروط التي تجعل المشاركة ممكنة وآمنة ومؤثرة. يشكل الخوف أحد أكثر المحددات حضوراً. فقد انتقل في كثير من السياقات من خوف مركزي مرتبط بالدولة الأمنية السابقة إلى خوف محلي ومتعدد المصادر: الخوف من سلطات الأمر الواقع، ومن السلاح، ومن الوصم الاجتماعي، ومن التفسير الأمني لأي نشاط، ومن الرقابة الذاتية، ومن عدم وضوح الجهة المسؤولة. ويدفع هذا الخوف الناس نحو أشكال مشاركة أقل خطراً، مثل المبادرات الخدمية أو التضامن المحلي، مع تجنب المشاركة السياسية المباشرة. كما أكد المؤتمر أن الفقر وتدهور سبل العيش ليسا مجرد خلفية اجتماعية للمشاركة، بل آلية مباشرة للإقصاء السياسي. فحين ينشغل الناس بتأمين الخبز والمواصلات والعمل والكهرباء والدواء، تصبح المشاركة العامة مكلفة زمنياً ومادياً ونفسياً. وبهذا المعنى، يوضح الاقتصاد السياسي للتشاركية أن من يملك الوقت والدخل والحماية والتنقل والاتصال والمعرفة يمتلك قدرة أكبر على المشاركة، بينما يُدفع الفقراء والنازحون والنساء ذوات أعباء الرعاية وسكان المناطق المقصاة إلى هامش المجال العام. وقد برزت أزمة الثقة أيضاً باعتبارها عائقاً بنيوياً لا يقل أهمية عن الخوف والفقر. فقد عبّر المشاركون عن شك في جدوى المشاورات السابقة، وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة، وفي شفافية اختيار الممثلين، وفي إمكانية تحويل المخرجات إلى سياسات. لذلك فإن استعادة الثقة لا تتم عبر الدعوة إلى حوار جديد فقط، بل عبر آليات متابعة، ونشر معلومات، ومساءلة، ونتائج ملموسة.
- الفاعلون وأداؤهم: بين السلطة الرسمية والقوة الفعلية
أظهرت نتائج المؤتمر أن الفاعلين المؤثرين في التشاركية السياسية لا يقتصرون على مؤسسات الدولة المركزية والمحلية. فالأجهزة الأمنية والجهات المسلحة، والوجهاء والعشائر، والمرجعيات الدينية، والفاعلون الاقتصاديون، وشبكات المحسوبية، والمانحون والقوى الخارجية، كلها تحدد بدرجات متفاوتة حدود التعبير والتنظيم والوصول إلى الموارد والمخاطرة. وتكمن إحدى أهم خلاصات المؤتمر في أن إصلاح النص القانوني وحده لا يكفي إذا بقيت قواعد النفوذ غير الرسمية أقوى من المؤسسات. فقد أظهرت البيانات أن السياسات غير الرسمية والترتيبات الموازية، مثل القرب من السلطة، أو التزكية الفصائلية، أو النفوذ العشائري، أو شبكات المال والسلاح، أو التمويل الخارجي، كثيراً ما تحدد من يستطيع المشاركة ومن يُستبعَد، ومن يحصل على الموارد ومن يبقى خارجها. هكذا يشير أداء الفاعلين الرسميين إلى مفارقة واضحة: قد تفتح السلطات مساحات للخدمات والمبادرات والحوار المحدود، بينما يبقى المجال السياسي والتمثيلي مقيداً بالموافقات والترخيص الانتقائي والتعيين وغياب الأثر الملزم. أما الفاعلون المسلحون والأمنيون، فقد يظهرون في بعض المناطق كقوة حماية مؤقتة، لكنهم يضعفون السياسة المدنية حين لا يخضعون للمساءلة وحين يحلون محل الأحزاب والمجالس والقضاء المستقل. في المقابل، يظل الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية والإعلام المستقل والمنصات الشبابية والنسوية واللجان المحلية فضاءات وسيطة واعدة، قادرة على ربط المواطنين بمراكز النقاش والقرار. إلا أن هذه الفضاءات لا تستطيع أداء دورها التحرري إذا بقيت مراقبة أو خدمية فقط أو تابعة للتمويل والموافقات، أو إذا افتقرت إلى استقلال قانوني ومادي وقدرة تمثيلية ومكانة رقابية واضحة.
- القدرة المجتمعية والمواطنة التحررية
أظهرت جلسة المواطنة وقدرة المجتمع على التأثير أن المجتمع السوري يمتلك حيوية مدنية ملحوظة من خلال مبادرات محلية، وشبكات تضامن، ووساطات أهلية، وعمل تطوعي، وحملات خدمية، وتنظيمات مهنية وشبابية ونسوية، وممارسات يومية للصمود والتعاون. إلا أن هذه الحيوية بقيت في معظم الحالات محصورة في مجالات اجتماعية وخدمية ضيّقة، ولم تتحوّل إلى قدرة اجتماعيّة وسياسية مؤسسية ومنظمة تؤثر فعليّاً في السياسات العامة وصنع القرار. لذلك فإن التحدي لا يتمثل في خلق المجتمع من جديد، بل في تفعيل قدراته الاجتماعية والسياسية وحمايتها وربطها بقنوات مؤسسية للمساءلة والتأثير. فالمبادرات التي ترمم جسراً، أو تُشغل محطة مياه، أو تنظّم تضامناً محلياً، أو تفتح حواراً مجتمعياً، تحمل بذور مواطنة فاعلة، لكنها تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسية تسمح بتحويلها من استجابة بقاء إلى قوة مشاركة ومراقبة وتفاوض.
يطرح المؤتمر مفهوم المواطنة التحررية بوصفها قدرة الأفراد والجماعات على الفعل الجماعي، وإنتاج المعرفة، والمطالبة بالحقوق، ومساءلة السلطة، وتصميم المستقبل. فالمواطنة ليست وضعاً قانونياً فقط، ولا انتماءً رمزياً إلى الدولة، بل قدرة فعلية على التأثير في الشأن العام، خاصة للفئات التي حُرمت من القدرة على التعبير أو التنظيم أو الوصول إلى الموارد. وأكد المؤتمر أن النساء والشباب، والنازحين واللاجئين والعائدين، وذوي وذوات الإعاقة، والفئات الفقيرة، وسكان المناطق الريفية والطرفية، وأسر الضحايا والمعتقلين والمفقودين، من بين أكثر الفئات تأثراً بمحدودية المشاركة. ولا يتحقق إدماج هذه الفئات عبر حضور رمزي في صورة أو جلسة، بل عبر ضمان قدرتها الفعلية للوصول إلى المعلومات وقدرتها على الحشد الاجتماعي وتحديد الأجندات، والتمثيل في المجالس واللجان والأحزاب والنقابات، والمشاركة في مراقبة الموارد والسياسات.
- الفرص الرئيسية والبدائل السياساتية
رغم اتساع المعيقات، كشفت نتائج البحث عن فرص حقيقية لتوسيع التشاركية السياسية إذا جرى التعامل معها كمنظومة لا كإصلاح منفرد. وتتمثل أبرز هذه الفرص في تحويل المبادرات المحلية إلى مؤسسات تشاركية دائمة، وتفعيل البلديات والمجالس المحلية ولجان الأحياء، وإحياء النقابات والأحزاب على أساس استقلالي وديمقراطي، وحماية الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام المستقل، وربط الحوار الوطني بمسارات محلية ومخرجات ملزمة، وتطوير منصات معلومات عامة وشفافة. وشددت الجلسة السادسة على أن البدائل لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قائمة أُمنَيَات، بل بوصفها حزمة مترابطة قابلة للترجمة إلى قوانين ومجالس وآليات مساءلة وحماية للمجال العام. وتشمل هذه الحزمة إصلاحاً دستورياً وقانونياً يحمي التنظيم الاجتماعي والسياسي والمدني، وحكماً محلياً ديمقراطياً بموارد وموازنات منشورة، ومجتمعاً مدنياً ونقابات وأحزاباً وإعلاماً مستقلاً، وأمناً قائماً على حماية الحقوق لا على ضبط المجتمع، وعدالة انتقالية شاملة، وتعافياً اقتصادياً يوسع القدرة المادية على المشاركة، وتضميناً تقاطعياً للنساء والشباب والنازحين وذوي الإعاقة، وشفافية في المعلومات والقرارات والموازنات.
وتظهر السيناريوهات لعام 2029 أن مستقبل التشاركية في سوريا يتوقف على تقاطع محورين: طبيعة الحوكمة بين الإقصاء والتضمين، وقدرة المجتمع بين الانكفاء والفاعلية. ويشير السيناريو التحولي إلى ضرورة التزامن بين حوكمة تضمينية وقدرة مجتمعية فعالة. أما إذا بقي المجتمع نشطاً أمام مؤسسات إقصائية فقد يتحول المسار إلى «حراك مقيد» عالي الكلفة؛ وإذا انفتحت المؤسسات شكلياً دون قدرة مجتمعية كافية فقد تتحول المشاركة إلى شكلية إدارية بلا أثر؛ وإذا اجتمعت حوكمة إقصائية مع مجتمع منهك فقد يتجدد الخوف والصمت.
ثانياً: توصيات المؤتمر
انطلاقاً من نتائج البحث ونقاشات المؤتمر، يدعو المشاركون والمشاركات إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن انتقال التشاركية السياسية من مستوى التعبير والاستشارة إلى مستوى التأثير الفعلي والمساءلة.
- على مستوى الإطار السياسي والدستوري
يدعو المؤتمر إلى حماية الحريات والحقوق، والمساواة في المواطنة، والتعددية السياسية والتنوع الثقافي، وإلى إطلاق مسار لدستورٍ دائم تشاركي وشفاف، يضمن سيادة القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء. كما يدعو إلى إصدار قوانين ديمقراطية للأحزاب والجمعيات والإعلام والنقابات والتجمع السلمي، بما يحوّل التنظيم الاجتماعي والسياسي والمدني من امتياز مرتبط بالموافقة إلى حق عام قابل للحماية والمساءلة.
- على مستوى الحوار الوطني والتمثيل
يدعو المؤتمر إلى إعادة بناء الحوار الوطني بوصفه عملية مستمرة متعددة المستويات، لا مؤتمراً عابراً. وينبغي أن تنطلق هذه العملية بالأساس من المحافظات والمناطق والمجتمعات المحلية، وأن تستند إلى معايير شفافة للتمثيل، وأن تتضمن النساء والشباب والنازحين وذوي الإعاقة والمناطق الطرفية، وأن ترتبط بمخرجات ملزمة وآليات متابعة مستقلة ومعلنة.
- على مستوى الأمن وحكم القانون
انطلاقاً من أنّ الأمن الاجتماعي برز كأولويّة أولى للمشاركين والمشاركات، يشدد المؤتمر على أن الأمن يجب أن يكون إطاراً لحماية الحقوق والحريات لا قيداً عليها. ويتطلب ذلك حصر السلاح ضمن مؤسسات تضمينية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتلتزم بالمساواة وعدم التمييز، وتخضع للمساءلة القانونية والمدنية والرقابة الديمقراطية، وتوضيح المسؤوليات الأمنية والقضائية، وحماية المشاركين في الشأن العام من التهديد والانتقام والتخوين، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض، وضمان حق الناس في الاجتماع والتعبير والتنظيم دون خوف.
- على مستوى الحكم المحلي والديمقراطية من الأسفل
يوصي المؤتمر بتفعيل المجالس المحلية والبلديات ولجان الأحياء والنقابات والاتحادات المهنية بوصفها فضاءات أولية للممارسة الديمقراطية. ويتطلب ذلك انتخابات محلية ونقابية نزيهة، و صلاحيات فعلية، وموارد واضحة، وموازنات منشورة، وآليات تشاور قبل القرارات المحلية، ومؤشرات متابعة للخدمات والتعافي، بما يحوّل المبادرات المتفرقة إلى نهج تشاركي مؤسسي.
- على مستوى الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام والمعرفة
يدعو المؤتمر إلى حماية استقلال الحراك المجتمعي والمجتمع المدني والمنصات الشبابية والنسوية والإعلام المستقل، وتوفير بيئة قانونية ومواردية تسمح لها بأداء أدوارها في التنظيم والمناصرة والرقابة وإنتاج المعرفة. كما يوصي بإنشاء منصات معلومات عامة، وخرائط مجتمع مدني، ومسارات آمنة لتلقي الشكاوى والمقترحات، وربط المنصات الرقمية بردود رسمية وجداول زمنية ومؤشرات متابعة.
- على مستوى العدالة الانتقالية وبناء الثقة
يدعو المؤتمر إلى إطلاق مسار عدالة انتقالية شامل لا ينتقي الضحايا أو الفاعلين، ويضمن مشاركة الضحايا والناجين وأسر المفقودين والمعتقلين في تصميم الأولويات ومراقبة التنفيذ. ويؤكد أن العدالة ليست ملفاً حقوقياً منفصلاً، بل شرط لإعادة بناء الثقة واستعادة المجال العام ومنع تحويل الذاكرة إلى مصدر انتقام أو خوف.
- على مستوى الاقتصاد والمعيشة
يؤكد المؤتمر أن توسيع التشاركية السياسية يتطلب معالجة شروطها المادية. لذلك يدعو إلى ربط برامج المشاركة بالتعافي الاقتصادي المحلي، وفرص العمل، والتدريب المهني، والمنح الصغيرة، ودعم الاقتصاد التضامني، وتمكين النساء والشباب اقتصادياً، وضمان الشفافية في الاستثمار وإعادة الإعمار والعقود العامة، منعاً لإعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب واقتصاد الحرب.
- على مستوى التضمين التقاطعي والمواطنة التحررية
يوصي المؤتمر باعتماد آليات تضمن حضوراً مؤثراً لا رمزياً للنساء والشباب وذوي وذوات الإعاقة والنازحين واللاجئين والعائدين والفئات الفقيرة والمهمشة. ويشمل ذلك حصصاً أو عتبات تمثيل في اللجان والمجالس والنقابات، وترتيبات إتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، ودعماً للمشاركة الآمنة للنساء، وضمان الوثائق والعودة الآمنة والتمثيل المحلي للنازحين والعائدين.
- على مستوى المتابعة وتحويل المعرفة إلى فعل
يوصي المؤتمر بتطوير آلية متابعة لمخرجات البحث والمؤتمر، تشمل تقريراً تحليلياً نهائياً، ومذكرات سياسات موجّهة، وحوارات محلية ووطنية لاحقة، ومنصات نقاش عامة، وأدوات لرصد التقدم في قضايا المشاركة والتمثيل والمساءلة. كما يدعو إلى الحفاظ على العلاقة التشاركية بين الباحثين والمجتمعات والمجتمع المدني والفاعلين السياساتيين، بحيث لا تنتهي العملية بانتهاء المؤتمر، بل تتحول إلى مسار معرفة وفعل مشتركين.
ثالثاً: من نتائج البحث إلى مسار فعل
يدعو المؤتمر إلى إصدار تقرير تحليلي متكامل عن مخرجات البحث التشاركي ووضعه في سياق التشاركية المعرفية، خاصّة بين المعرفة الاجتماعية والاقتصادية وفي الاقتصاد السياسي، وذلك لاستقراء إمكانات الفعل من خلالها. كما يدعو للتعامل مع مخرجات البحث التشاركي بوصفها بداية لمسار مستمر، لا نهاية لمشروع، حيث ينبغي أن تترجم هذه المخرجات إلى حوارات محلية ووطنية، ومذكرات سياسات، وأدوات متابعة، ومنصات نقاش، وشراكات بين الباحثين والمجتمعات والمجتمع المدني والفاعلين السياساتيين. إن التشاركية السياسية التحررية التي دعا إليها المؤتمر لا تعني إضافة الناس إلى مؤسسات قائمة كما هي، بل تعني تغيير قواعد العلاقة بين المجتمع والدولة كمؤسسة والسلطة القائمة: من الإقصاء إلى الشراكة، ومن المشاورة إلى التأثير، ومن الصوت إلى المساءلة، ومن المعرفة الاستخراجية إلى المعرفة المشتركة، ومن المواطنة القانونية الشكلية إلى المواطنة القادرة على الفعل. ويؤكد المؤتمر في ختامه أهمية تكامل المعرفة التشاركية مع التنظيم المجتمعي والتغيير المؤسساتي، بحيث تحمى الحريات من الخوف، وتربط العدالة بالمعيشة، والمواطنة بالمساواة، والحوار بالمخرجات الملزمة، والمستقبل بقدرة المجتمع على تصميمه والمشاركة في صنعه.
اعتمد المشاركون والمشاركات في مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا هذه الوثيقة في ختام أعمال المؤتمر المنعقد في جامعة فيينا يومي 18–19 حزيران/يونيو 2026.
بيانات
البيان الختامي مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا
جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
اضغط هنا لقراءة البيان كاملاً:
بيان
البيان الختامي مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا
جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
19 دقائق
البيان الختامي
مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا
جامعة فيينا، 18–19 حزيران/يونيو 2026
نظّمت جامعة فيينا والمركز السوري لبحوث السياسات يومي 18 و19 حزيران/يونيو 2026 مؤتمر البحث التشاركي حول سوريا ضمن سياقات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة باحثين وباحثات، وممثلين وممثلات عن منظمات المجتمع المدني، وخبراء وممارسين في مجالات التشاركية السياسية، والمواطنة، والحوكمة، والعدالة، والتنمية، والنزاع.
شكّل المؤتمر المحطة الختامية لمشروع بحثي تشاركي حول التشاركية السياسية والمواطنة في سوريا، نُفذ خلال الفترة 2024–2026 بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات وجامعة فيينا، وبتمويل من مؤسسة كارنيغي. واستندت مناقشاته إلى قاعدة واسعة من الأدلة النوعية، جُمعت من خلال عمل ميداني شمل 110 مقابلات معمقة مع مشاركين نشطين ومشاركين مجتمعيين، وعشر ورشات حوارية لمناقشة النتائج والتحقق منها، إضافة إلى ورشتي بناء سيناريوهات لاستشراف المسارات المستقبلية. ونُفذت هذه الأنشطة في إحدى عشرة محافظة سورية هي: دمشق، وحلب، وإدلب، وحماة، وحمص، واللاذقية، ودير الزور، والرقة، والحسكة، والسويداء، ودرعا. وقد أتاحت هذه الأدوات البحثية النظر إلى التشاركية السياسية من زوايا متعددة: من زاوية البنى السياسية والمؤسسية كما يراها المشاركون النشطون؛ ومن زاوية قابلية المشاركة في الحياة اليومية كما يصفها المشاركون المجتمعيون؛ ومن زاوية المعنى الجماعي والأولويات المشتركة كما برزت في الورشات الحوارية؛ ومن زاوية المستقبل الممكن كما صاغته تمارين السيناريوهات. وفي الوقت ذاته، مثّل المؤتمر انطلاقةً لمسار أوسع يهدف إلى تحويل المعرفة المشتركة إلى حوار عام، وبدائل سياساتية، وممارسات ديمقراطية قابلة للتطوير.
وانطلق المؤتمر من فرضية أساسية مفادها أن المجتمعات المتأثرة بالنزاع ليست موضوعاً للدراسة فحسب، بل شريكاً أساسياً في إنتاج المعرفة، وتحليل الواقع، وصياغة البدائل. ومن هذا المنطلق، لم يتعامل المؤتمر مع البحث التشاركي بوصفه أداة لجمع البيانات، بل بوصفه ممارسة معرفية وسياسية تعيد توزيع سلطة السؤال والتفسير والاستنتاج، وتختبر قدرة البحث نفسه على أن يكون ممارسة ديمقراطية في الإصغاء والحوار والمساءلة وبناء القدرة المجتمعية.
كما طرحت الندوة العامة، التي أقيمت على هامش المؤتمر، سؤالاً أوسع حول معنى التشاركية السياسية في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية ومتأثر بالنزاع. وشددت النقاشات على أن المشاركة ليست إجراءً مؤسسياً ضيقاً، ولا تقتصر على الانتخابات أو التمثيل أو المشاورات العامة، بل هي اشتباك حول السلطة والدولة والمعرفة والذاكرة التاريخية والمواطنية والعدالة الاجتماعية والشروط المادية التي تمكّن الأفراد والجماعات، أو تمنعهم، من المساهمة في تشكيل مستقبلهم الجماعي.
وأكد المؤتمر أهمية المجتمع المدني والحراك المجتمعي، والنقابات، والاتحادات المهنية، والمنصات الشبابية والنسوية، والإعلام المستقل، واللجان المحلية، بوصفها فضاءات وسيطة أساسية تربط المواطنين بمؤسسات الحكم وتسهم في تنظيم المشاركة العامة والدفاع عن المصالح المجتمعية. كما شدد على ضرورة توفير البيئة القانونية والموارد والاستقلالية اللازمة لهذه الفضاءات، وتعزيز قدرتها على التأثير المؤسسي وصنع السياسات. كذلك أبرزت النقاشات أن الكرامة الإنسانية ليست نتيجة لتحولٍ ديمقراطيّ فحسب، بل شرط من شروطه الأساسية، وأن الخوف وانعدام الثقة والإقصاء تمثل عوامل بنيوية تقوض إمكانيات التشاركية والعمل العام. وفي هذا السياق، أكد المؤتمر أن العدالة المعرفية تشكل جزءاً أساسياً من التشاركية السياسية، وأن المعرفة التي ينتجها المواطنون والنساء والشباب والناجون والفئات المهمشة يجب أن تُعامل بوصفها مصدراً مشروعاً لفهم الواقع وصياغة السياسات، لا مجرد مادة أولية يجري جمعها وتحليلها خارج المجتمعات التي أنتجتها. كما شدد المؤتمر على ضرورة صون الدور الرقابي والسياساتي والمعرفي للمجتمع المدني وعدم اختزاله في تنفيذ المشاريع أو تقديم الخدمات فقط.
أولاً: الخلاصات الرئيسية:
- البحث التشاركي كعدالة معرفية وممارسة ديمقراطية: خلص المؤتمر إلى أن البحث التشاركي في السياق السوري هو أداة لإعادة توزيع السلطة المعرفية، وليس مجرد تقنية لجمع البيانات. فقد أظهرت التجربة البحثية أن المشاركين لا يقدمون شهادات أو آراء منفصلة فحسب، بل ينتجون تحليلاً نقدياً لعلاقات القوة ضمن المجتمع والدولة والسلطة، ويميّزون بين السلطة الرسمية والقوة الفعلية، ويحددون الفاعلين القادرين على التمكين أو التعطيل، ويقترحون مسارات بديلة تربط بين الأمان والعدالة والمعيشة والتمثيل والمساءلة. وأظهرت الجلسات أن القيمة المضافة للمنهجية التشاركية تكمن في تنويع مصادر المعرفة لا في زيادة عدد الأدوات فقط. فالمقابلات مع المشاركين النشطين كشفت البنية المؤسسية والسياسات والفاعلين؛ والمقابلات المجتمعية كشفت كيف تُختبر المشاركة عملياً في تفاصيل الخوف والتنقل والموارد والأعراف والسلاح؛ والورشات حوّلت الخبرة الفردية إلى معنى جماعي متفاوض عليه؛ أما السيناريوهات فحوّلت التشخيص إلى مخيال سياسي وخارطة طريق.
وأكد المؤتمر أن اختيار مصطلح «المشارك النشط» بدلاً من «الشخص المفتاحي» ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس تحوّلاً أخلاقياً وسياسياً في علاقة البحث بالمجتمع. ففي سياق سوري مثقل بتاريخ المراقبة والخوف، يصبح بناء الثقة والندية جزءاً من المنهجية، وتصبح حماية المشاركين وحقهم في الصمت أو الكلام شرطاً لإنتاج معرفة مسؤولة لا تعيد إنتاج علاقات الهيمنة. كما أظهرت التجربة أن البحث التشاركي يواجه تحديات حقيقية مثل الخوف، والرقابة الذاتية، وصعوبة الوصول، واختلالات القوة داخل المجتمعات نفسها، وهيمنة بعض الأصوات ومحدودية الوقت، وإشكاليات التمثيل. إلا أن الاعتراف بهذه المحددات لا يضعف قيمة البحث، بل يعزز موثوقيته، لأن المعرفة المنتجة في سياق النزاع لا تكون حيادية أو مكتملة، بل مشروطة بالأمان والثقة والسياق وموقعية الباحثين والمشاركين.
- مفهوم التشاركية السياسية: من الحضور إلى التأثير:
أكدت نتائج البحث ومناقشات المؤتمر أن التشاركية السياسية، كما فهمها المشاركون والمشاركات، لا تعني التصويت وحده، ولا حضور الاجتماعات أو الورشات، ولا الاستشارة الشكلية. إنها قدرة آمنة ومادية ومؤسسية ومعرفية في تحديد الأولويات، وصياغة السياسات، وتوزيع الموارد، ومراقبة التنفيذ، ومساءلة الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. بهذا المعنى، لا يقاس نجاح التشاركية بعدد المدعوين إلى الحوار أو عدد اللقاءات المنعقدة، بل بما إذا كان الصوت يتحول إلى فعل أو يغير سياسة، أو يفتح مسار مساءلة، أو يعيد توزيع الموارد والسلطة والمعرفة. لقد ميّز المشاركون بوضوح بين مشاركة إجرائية تسجل الرأي ولا تتحوّل إلى فعل أو تأثيراً في القرار، وتشاركية تحويلية تتيح للمجتمع أن يعرّف المشكلة، وينتج المعرفة، ويؤثر في القرار، ويتابع التنفيذ، ويطالب بالمساءلة. ومن هنا، شدد المؤتمر على أن المؤسسات لا تصبح تشاركية بمجرد وجودها؛ فقد تكون هناك انتخابات بلا تمثيل فعلي، وحوار وطني بلا أثر ملزم، ومجالس محلية بلا صلاحيات، ومنظمات مجتمع مدني بلا استقلالية، ومشاورات عامة بلا متابعة. لذلك فإن جوهر التشاركية ليس شكل المؤسسة، بل مضمون العلاقة بين المجتمع والمؤسسة: هل يستطيع المواطنون الوصول إلى المعلومات؟ هل يؤثرون في الأجندة؟ هل يراقبون الموارد؟ وهل يملكون أدوات مساءلة القرار؟
- المعيقات البنيوية أمام التشاركية السياسية:
خلصت نتائج البحث ومناقشات الجلسات إلى أن العوائق أمام التشاركية السياسية ليست قانونية أو إجرائية فقط، بل هي منظومة مترابطة من الخوف، والفقر، وضعف الثقة، والمركزية، وتعدد مراكز القرار، وغموض المسؤوليات، والسياسات غير الرسمية، وشبكات النفوذ، واستمرار أثر النزاع والسلطوية. ولذلك فإن فتح المجال العام لا يتحقق بإجراء منفرد، بل بتغيير الشروط التي تجعل المشاركة ممكنة وآمنة ومؤثرة. يشكل الخوف أحد أكثر المحددات حضوراً. فقد انتقل في كثير من السياقات من خوف مركزي مرتبط بالدولة الأمنية السابقة إلى خوف محلي ومتعدد المصادر: الخوف من سلطات الأمر الواقع، ومن السلاح، ومن الوصم الاجتماعي، ومن التفسير الأمني لأي نشاط، ومن الرقابة الذاتية، ومن عدم وضوح الجهة المسؤولة. ويدفع هذا الخوف الناس نحو أشكال مشاركة أقل خطراً، مثل المبادرات الخدمية أو التضامن المحلي، مع تجنب المشاركة السياسية المباشرة. كما أكد المؤتمر أن الفقر وتدهور سبل العيش ليسا مجرد خلفية اجتماعية للمشاركة، بل آلية مباشرة للإقصاء السياسي. فحين ينشغل الناس بتأمين الخبز والمواصلات والعمل والكهرباء والدواء، تصبح المشاركة العامة مكلفة زمنياً ومادياً ونفسياً. وبهذا المعنى، يوضح الاقتصاد السياسي للتشاركية أن من يملك الوقت والدخل والحماية والتنقل والاتصال والمعرفة يمتلك قدرة أكبر على المشاركة، بينما يُدفع الفقراء والنازحون والنساء ذوات أعباء الرعاية وسكان المناطق المقصاة إلى هامش المجال العام. وقد برزت أزمة الثقة أيضاً باعتبارها عائقاً بنيوياً لا يقل أهمية عن الخوف والفقر. فقد عبّر المشاركون عن شك في جدوى المشاورات السابقة، وفي قدرة المؤسسات على الاستجابة، وفي شفافية اختيار الممثلين، وفي إمكانية تحويل المخرجات إلى سياسات. لذلك فإن استعادة الثقة لا تتم عبر الدعوة إلى حوار جديد فقط، بل عبر آليات متابعة، ونشر معلومات، ومساءلة، ونتائج ملموسة.
- الفاعلون وأداؤهم: بين السلطة الرسمية والقوة الفعلية
أظهرت نتائج المؤتمر أن الفاعلين المؤثرين في التشاركية السياسية لا يقتصرون على مؤسسات الدولة المركزية والمحلية. فالأجهزة الأمنية والجهات المسلحة، والوجهاء والعشائر، والمرجعيات الدينية، والفاعلون الاقتصاديون، وشبكات المحسوبية، والمانحون والقوى الخارجية، كلها تحدد بدرجات متفاوتة حدود التعبير والتنظيم والوصول إلى الموارد والمخاطرة. وتكمن إحدى أهم خلاصات المؤتمر في أن إصلاح النص القانوني وحده لا يكفي إذا بقيت قواعد النفوذ غير الرسمية أقوى من المؤسسات. فقد أظهرت البيانات أن السياسات غير الرسمية والترتيبات الموازية، مثل القرب من السلطة، أو التزكية الفصائلية، أو النفوذ العشائري، أو شبكات المال والسلاح، أو التمويل الخارجي، كثيراً ما تحدد من يستطيع المشاركة ومن يُستبعَد، ومن يحصل على الموارد ومن يبقى خارجها. هكذا يشير أداء الفاعلين الرسميين إلى مفارقة واضحة: قد تفتح السلطات مساحات للخدمات والمبادرات والحوار المحدود، بينما يبقى المجال السياسي والتمثيلي مقيداً بالموافقات والترخيص الانتقائي والتعيين وغياب الأثر الملزم. أما الفاعلون المسلحون والأمنيون، فقد يظهرون في بعض المناطق كقوة حماية مؤقتة، لكنهم يضعفون السياسة المدنية حين لا يخضعون للمساءلة وحين يحلون محل الأحزاب والمجالس والقضاء المستقل. في المقابل، يظل الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والنقابات والاتحادات المهنية والإعلام المستقل والمنصات الشبابية والنسوية واللجان المحلية فضاءات وسيطة واعدة، قادرة على ربط المواطنين بمراكز النقاش والقرار. إلا أن هذه الفضاءات لا تستطيع أداء دورها التحرري إذا بقيت مراقبة أو خدمية فقط أو تابعة للتمويل والموافقات، أو إذا افتقرت إلى استقلال قانوني ومادي وقدرة تمثيلية ومكانة رقابية واضحة.
- القدرة المجتمعية والمواطنة التحررية
أظهرت جلسة المواطنة وقدرة المجتمع على التأثير أن المجتمع السوري يمتلك حيوية مدنية ملحوظة من خلال مبادرات محلية، وشبكات تضامن، ووساطات أهلية، وعمل تطوعي، وحملات خدمية، وتنظيمات مهنية وشبابية ونسوية، وممارسات يومية للصمود والتعاون. إلا أن هذه الحيوية بقيت في معظم الحالات محصورة في مجالات اجتماعية وخدمية ضيّقة، ولم تتحوّل إلى قدرة اجتماعيّة وسياسية مؤسسية ومنظمة تؤثر فعليّاً في السياسات العامة وصنع القرار. لذلك فإن التحدي لا يتمثل في خلق المجتمع من جديد، بل في تفعيل قدراته الاجتماعية والسياسية وحمايتها وربطها بقنوات مؤسسية للمساءلة والتأثير. فالمبادرات التي ترمم جسراً، أو تُشغل محطة مياه، أو تنظّم تضامناً محلياً، أو تفتح حواراً مجتمعياً، تحمل بذور مواطنة فاعلة، لكنها تحتاج إلى بيئة قانونية ومؤسسية تسمح بتحويلها من استجابة بقاء إلى قوة مشاركة ومراقبة وتفاوض.
يطرح المؤتمر مفهوم المواطنة التحررية بوصفها قدرة الأفراد والجماعات على الفعل الجماعي، وإنتاج المعرفة، والمطالبة بالحقوق، ومساءلة السلطة، وتصميم المستقبل. فالمواطنة ليست وضعاً قانونياً فقط، ولا انتماءً رمزياً إلى الدولة، بل قدرة فعلية على التأثير في الشأن العام، خاصة للفئات التي حُرمت من القدرة على التعبير أو التنظيم أو الوصول إلى الموارد. وأكد المؤتمر أن النساء والشباب، والنازحين واللاجئين والعائدين، وذوي وذوات الإعاقة، والفئات الفقيرة، وسكان المناطق الريفية والطرفية، وأسر الضحايا والمعتقلين والمفقودين، من بين أكثر الفئات تأثراً بمحدودية المشاركة. ولا يتحقق إدماج هذه الفئات عبر حضور رمزي في صورة أو جلسة، بل عبر ضمان قدرتها الفعلية للوصول إلى المعلومات وقدرتها على الحشد الاجتماعي وتحديد الأجندات، والتمثيل في المجالس واللجان والأحزاب والنقابات، والمشاركة في مراقبة الموارد والسياسات.
- الفرص الرئيسية والبدائل السياساتية
رغم اتساع المعيقات، كشفت نتائج البحث عن فرص حقيقية لتوسيع التشاركية السياسية إذا جرى التعامل معها كمنظومة لا كإصلاح منفرد. وتتمثل أبرز هذه الفرص في تحويل المبادرات المحلية إلى مؤسسات تشاركية دائمة، وتفعيل البلديات والمجالس المحلية ولجان الأحياء، وإحياء النقابات والأحزاب على أساس استقلالي وديمقراطي، وحماية الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام المستقل، وربط الحوار الوطني بمسارات محلية ومخرجات ملزمة، وتطوير منصات معلومات عامة وشفافة. وشددت الجلسة السادسة على أن البدائل لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قائمة أُمنَيَات، بل بوصفها حزمة مترابطة قابلة للترجمة إلى قوانين ومجالس وآليات مساءلة وحماية للمجال العام. وتشمل هذه الحزمة إصلاحاً دستورياً وقانونياً يحمي التنظيم الاجتماعي والسياسي والمدني، وحكماً محلياً ديمقراطياً بموارد وموازنات منشورة، ومجتمعاً مدنياً ونقابات وأحزاباً وإعلاماً مستقلاً، وأمناً قائماً على حماية الحقوق لا على ضبط المجتمع، وعدالة انتقالية شاملة، وتعافياً اقتصادياً يوسع القدرة المادية على المشاركة، وتضميناً تقاطعياً للنساء والشباب والنازحين وذوي الإعاقة، وشفافية في المعلومات والقرارات والموازنات.
وتظهر السيناريوهات لعام 2029 أن مستقبل التشاركية في سوريا يتوقف على تقاطع محورين: طبيعة الحوكمة بين الإقصاء والتضمين، وقدرة المجتمع بين الانكفاء والفاعلية. ويشير السيناريو التحولي إلى ضرورة التزامن بين حوكمة تضمينية وقدرة مجتمعية فعالة. أما إذا بقي المجتمع نشطاً أمام مؤسسات إقصائية فقد يتحول المسار إلى «حراك مقيد» عالي الكلفة؛ وإذا انفتحت المؤسسات شكلياً دون قدرة مجتمعية كافية فقد تتحول المشاركة إلى شكلية إدارية بلا أثر؛ وإذا اجتمعت حوكمة إقصائية مع مجتمع منهك فقد يتجدد الخوف والصمت.
ثانياً: توصيات المؤتمر
انطلاقاً من نتائج البحث ونقاشات المؤتمر، يدعو المشاركون والمشاركات إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن انتقال التشاركية السياسية من مستوى التعبير والاستشارة إلى مستوى التأثير الفعلي والمساءلة.
- على مستوى الإطار السياسي والدستوري
يدعو المؤتمر إلى حماية الحريات والحقوق، والمساواة في المواطنة، والتعددية السياسية والتنوع الثقافي، وإلى إطلاق مسار لدستورٍ دائم تشاركي وشفاف، يضمن سيادة القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء. كما يدعو إلى إصدار قوانين ديمقراطية للأحزاب والجمعيات والإعلام والنقابات والتجمع السلمي، بما يحوّل التنظيم الاجتماعي والسياسي والمدني من امتياز مرتبط بالموافقة إلى حق عام قابل للحماية والمساءلة.
- على مستوى الحوار الوطني والتمثيل
يدعو المؤتمر إلى إعادة بناء الحوار الوطني بوصفه عملية مستمرة متعددة المستويات، لا مؤتمراً عابراً. وينبغي أن تنطلق هذه العملية بالأساس من المحافظات والمناطق والمجتمعات المحلية، وأن تستند إلى معايير شفافة للتمثيل، وأن تتضمن النساء والشباب والنازحين وذوي الإعاقة والمناطق الطرفية، وأن ترتبط بمخرجات ملزمة وآليات متابعة مستقلة ومعلنة.
- على مستوى الأمن وحكم القانون
انطلاقاً من أنّ الأمن الاجتماعي برز كأولويّة أولى للمشاركين والمشاركات، يشدد المؤتمر على أن الأمن يجب أن يكون إطاراً لحماية الحقوق والحريات لا قيداً عليها. ويتطلب ذلك حصر السلاح ضمن مؤسسات تضمينية جامعة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتلتزم بالمساواة وعدم التمييز، وتخضع للمساءلة القانونية والمدنية والرقابة الديمقراطية، وتوضيح المسؤوليات الأمنية والقضائية، وحماية المشاركين في الشأن العام من التهديد والانتقام والتخوين، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض، وضمان حق الناس في الاجتماع والتعبير والتنظيم دون خوف.
- على مستوى الحكم المحلي والديمقراطية من الأسفل
يوصي المؤتمر بتفعيل المجالس المحلية والبلديات ولجان الأحياء والنقابات والاتحادات المهنية بوصفها فضاءات أولية للممارسة الديمقراطية. ويتطلب ذلك انتخابات محلية ونقابية نزيهة، و صلاحيات فعلية، وموارد واضحة، وموازنات منشورة، وآليات تشاور قبل القرارات المحلية، ومؤشرات متابعة للخدمات والتعافي، بما يحوّل المبادرات المتفرقة إلى نهج تشاركي مؤسسي.
- على مستوى الحراك الاجتماعي والمجتمع المدني والإعلام والمعرفة
يدعو المؤتمر إلى حماية استقلال الحراك المجتمعي والمجتمع المدني والمنصات الشبابية والنسوية والإعلام المستقل، وتوفير بيئة قانونية ومواردية تسمح لها بأداء أدوارها في التنظيم والمناصرة والرقابة وإنتاج المعرفة. كما يوصي بإنشاء منصات معلومات عامة، وخرائط مجتمع مدني، ومسارات آمنة لتلقي الشكاوى والمقترحات، وربط المنصات الرقمية بردود رسمية وجداول زمنية ومؤشرات متابعة.
- على مستوى العدالة الانتقالية وبناء الثقة
يدعو المؤتمر إلى إطلاق مسار عدالة انتقالية شامل لا ينتقي الضحايا أو الفاعلين، ويضمن مشاركة الضحايا والناجين وأسر المفقودين والمعتقلين في تصميم الأولويات ومراقبة التنفيذ. ويؤكد أن العدالة ليست ملفاً حقوقياً منفصلاً، بل شرط لإعادة بناء الثقة واستعادة المجال العام ومنع تحويل الذاكرة إلى مصدر انتقام أو خوف.
- على مستوى الاقتصاد والمعيشة
يؤكد المؤتمر أن توسيع التشاركية السياسية يتطلب معالجة شروطها المادية. لذلك يدعو إلى ربط برامج المشاركة بالتعافي الاقتصادي المحلي، وفرص العمل، والتدريب المهني، والمنح الصغيرة، ودعم الاقتصاد التضامني، وتمكين النساء والشباب اقتصادياً، وضمان الشفافية في الاستثمار وإعادة الإعمار والعقود العامة، منعاً لإعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب واقتصاد الحرب.
- على مستوى التضمين التقاطعي والمواطنة التحررية
يوصي المؤتمر باعتماد آليات تضمن حضوراً مؤثراً لا رمزياً للنساء والشباب وذوي وذوات الإعاقة والنازحين واللاجئين والعائدين والفئات الفقيرة والمهمشة. ويشمل ذلك حصصاً أو عتبات تمثيل في اللجان والمجالس والنقابات، وترتيبات إتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، ودعماً للمشاركة الآمنة للنساء، وضمان الوثائق والعودة الآمنة والتمثيل المحلي للنازحين والعائدين.
- على مستوى المتابعة وتحويل المعرفة إلى فعل
يوصي المؤتمر بتطوير آلية متابعة لمخرجات البحث والمؤتمر، تشمل تقريراً تحليلياً نهائياً، ومذكرات سياسات موجّهة، وحوارات محلية ووطنية لاحقة، ومنصات نقاش عامة، وأدوات لرصد التقدم في قضايا المشاركة والتمثيل والمساءلة. كما يدعو إلى الحفاظ على العلاقة التشاركية بين الباحثين والمجتمعات والمجتمع المدني والفاعلين السياساتيين، بحيث لا تنتهي العملية بانتهاء المؤتمر، بل تتحول إلى مسار معرفة وفعل مشتركين.
ثالثاً: من نتائج البحث إلى مسار فعل
يدعو المؤتمر إلى إصدار تقرير تحليلي متكامل عن مخرجات البحث التشاركي ووضعه في سياق التشاركية المعرفية، خاصّة بين المعرفة الاجتماعية والاقتصادية وفي الاقتصاد السياسي، وذلك لاستقراء إمكانات الفعل من خلالها. كما يدعو للتعامل مع مخرجات البحث التشاركي بوصفها بداية لمسار مستمر، لا نهاية لمشروع، حيث ينبغي أن تترجم هذه المخرجات إلى حوارات محلية ووطنية، ومذكرات سياسات، وأدوات متابعة، ومنصات نقاش، وشراكات بين الباحثين والمجتمعات والمجتمع المدني والفاعلين السياساتيين. إن التشاركية السياسية التحررية التي دعا إليها المؤتمر لا تعني إضافة الناس إلى مؤسسات قائمة كما هي، بل تعني تغيير قواعد العلاقة بين المجتمع والدولة كمؤسسة والسلطة القائمة: من الإقصاء إلى الشراكة، ومن المشاورة إلى التأثير، ومن الصوت إلى المساءلة، ومن المعرفة الاستخراجية إلى المعرفة المشتركة، ومن المواطنة القانونية الشكلية إلى المواطنة القادرة على الفعل. ويؤكد المؤتمر في ختامه أهمية تكامل المعرفة التشاركية مع التنظيم المجتمعي والتغيير المؤسساتي، بحيث تحمى الحريات من الخوف، وتربط العدالة بالمعيشة، والمواطنة بالمساواة، والحوار بالمخرجات الملزمة، والمستقبل بقدرة المجتمع على تصميمه والمشاركة في صنعه.
اعتمد المشاركون والمشاركات في مؤتمر البحث التشاركي والتشاركية السياسية التحررية في سوريا هذه الوثيقة في ختام أعمال المؤتمر المنعقد في جامعة فيينا يومي 18–19 حزيران/يونيو 2026.



