قام “منتدى حلب عاصمة الثقافة الإسلامية” بحلب بالاشتراك مع “المركز السوري لبحوث السياسات” بعقد حلقة نقاشية حول “النمو الاقتصادي المستدام وعدالة التوزيع”، حاضر فيها الباحث في المركز السوري لبحوث السياسات ربيع نصر.
سلطت الجلسة، التي عُقدت في 22 أيار 2026، الضوء على ملامح السياسات الاقتصادية الحالية من عدسة الاقتصاد السياسي وارتباطها بالسلطة والحوكمة ومسألة العدالة، مع التركيز على تشخيص الاختلالات الراهنة وطرح بدائل حقيقية تعتمد على الاقتصاد التضامني الاجتماعي.
أبرز محاور الجلسة:
- حجم الخسائر وسياسات تفكيك التنمية: أوضح الباحث أن تقديرات المركز لخسائر الاقتصاد السوري تقارب تريليون دولار خلال 15 عاماً، مع خسارة فادحة في رأس المال البشري بلغت 45 مليون سنة دراسية. ووصف السياسات المتبعة حالياً بأنها “سياسات تفكيك التنمية”، محذراً من التخلي عن الدور التنموي للدولة في الاستثمار العام بحجة إفساح المجال للقطاع الخاص، وهو ما يعتبر أمراً غير منطقي في دول تخرج من نزاعات وتحتاج للاستثمار في قطاعات غير مدرة للربح.
- الاقتصاد الغنائمي والتفاوت الصارخ: حذر الباحث من تشظي المالية العامة عبر وجود مسارات متعددة، منتقداً “الصندوق السيادي” لافتقاره للشفافية. وسلط الضوء على التفاوت الممنهج في الأجور، إضافة إلى نظام ضريبي يعتمد بنسبة 90 بالمئة على الضرائب غير المباشرة التي تزيد العبء على الفقراء.
- انهيار سعر الصرف والسياسات التجارية الخاطئة: انتقد المحاضر السياسات التي تقود لانهيار سعر الصرف وتعميق عجز الميزان التجاري، موضحاً أنه لا يمكن الاستمرار بنموذج تكون فيه الصادرات 10 بالمئة فقط من حجم الواردات. كما استنكر الاستهتار بالموارد وتوجيهها نحو السلع الكمالية، مشيراً إلى التفاخر باستيراد سيارات رفاهية بقيمة 5 مليارات دولار في وقت تحتاج فيه البلاد لهذه الأموال من أجل إعادة الإعمار، مؤكداً أن الاقتصاد هو خيارات وتحديد أولويات (كالتعليم والصحة).
- الاقتصاد البديل والتضامني: خصص الباحث مساحة واسعة للحديث عن “الاقتصاد البديل”، مشدداً على أن الربح هو هدف مشروع لكنه ليس الهدف الوحيد. وأكد أن أولوية سوريا في المرحلة الحالية كدولة خارجة من نزاع يجب أن تكون لـ التشغيل وبناء التضامن الاجتماعي قبل النمو الاقتصادي المطلق الذي قد يعزز الانقسام أو يخدم أمراء الحرب. وطرح نماذج وآليات عملية للاقتصاد التضامني، منها:
- التعاونيات المحلية (رؤية تضامنية لحلب): اقترح نموذجاً مستوحى من تجارب إسبانيا وأمريكا اللاتينية، يعتمد على تأسيس “تعاونية حلب” بمشاركة آلاف المواطنين مالياً وبخبراتهم لإعادة إعمار مدينتهم. هذا النموذج يضمن بقاء العوائد والأرباح داخل الاقتصاد المحلي لخدمة الصالح العام والبنية التحتية والمشافي، بدلاً من تكليف شركات خارجية بتكاليف مضاعفة تخرج عوائدها من البلد.
- المشاريع العابرة للقطاعات غير الربحية: أشار إلى نماذج السيادة الغذائية التي تربط الفلاح بالمستهلك مباشرة، مستشهداً بتجربة “مدينة التل” المحلية التي أسست مجلساً تنموياً تعود عوائده لدعم المدارس والخدمات الأساسية كالمياه، مما أعاد الثقة ودفع الميسورين لإعادة أبنائهم إلى المدارس العامة المدعومة مجتمعياً.
- حماية العاملين (التجربة الهندية): استعرض تجربة الهند كمثال على تنظيم العمالة غير المنظمة، حيث أسست النساء العاملات جمعية لإنتاج الحليب ضمت مليون امرأة، مما مكنهن من فرض شروط عمل عادلة، وتحقيق حماية اجتماعية لأنفسهن ولأطفالهن، وأجبر القطاع الخاص على تحسين شروطه.
- دور المجتمع المدني: أكد أنه في ظل تقاعس الدولة عن تقديم سياسات حماية اجتماعية أو إنتاج مسوحات حقيقية للفقر، يجب على المجتمع المدني أن يأخذ زمام المبادرة لسد هذا الفراغ عبر إجراء المسوحات وبناء البدائل التنموية على الأرض.
مداخلات ونقاشات الحضور: شهدت الجلسة تفاعلاً كبيراً من المشاركين الذين طرحوا عدة قضايا مفصلية:
- إضعاف العملة الوطنية عبر مؤسسات الدولة: استنكر المداخلون قيام المنافذ البرية وهيئة الجمارك التابعة للدولة بتسعير واستيفاء الرسوم والغرامات بالدولار الأمريكي، مؤكدين أن رفض استلام الليرة السورية على الحدود يساهم بشكل مباشر في إضعافها، وأن الدول ذات السيادة لا تتعامل بهذا المنطق مع عملتها الوطنية.
- تدمير القطاع الزراعي (أزمة القمح): شكل موضوع رفع الدعم عن القمح نقطة إجماع بين المتدخلين الذين اعتبروا هذا القرار “ضربة قاصمة” للفلاح السوري وللاقتصاد الوطني بأسره. وأشاروا إلى أن تخلي الدولة عن دعم الزراعة حول سوريا من بلد منتج إلى مستورد للقمح (من روسيا أو أوكرانيا أو مصر)، مؤكدين أنه كان من الأجدى للدولة أن تستدين لدعم زراعتها المحلية بدلاً من استيراد القمح بالعملة الصعبة.
- الشرخ الاجتماعي وحالة “شيطنة الفقر”: قدم متدخلون من مدينة حلب مقاربة اجتماعية عميقة، محذرين من “الشرخ الهائل” الذي أصاب المدينة (خاصة بين أحياء حلب الشرقية والغربية). وانتقدوا الخطاب العام الذي يعمد إلى “شيطنة الفقر”، حيث يتم تصوير أصحاب البسطات والمتسولين على أنهم “عصابات إجرامية” بدلاً من الاعتراف بحجم العوز. وأشاروا إلى بروز حالة من “انعدام التعاطف” وتسليع الخدمات العامة، حيث بات تحسين الخدمات في أي حي رهنٌ بقدرة سكانه على الدفع.
- غياب الشفافية، البنية الرقمية، وتهميش الخبراء: طالت الانتقادات افتقار السلطة الحالية للبيانات والإحصائيات، وغياب البنية التحتية الرقمية، مما يجعل عملية التخطيط عشوائية . واستشهد المتدخلون بعدم قدرة السلطة على إصدار موازنة عامة واضحة لعام 2026 وتوضيح النفقات والإيرادات، مما يخلق بيئة خصبة لتراكم الفساد. كما استنكر الحضور اتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن مشاركة أصحاب المصلحة والمختصين، متسائلين عن سبب تغييب العلماء السوريين الذين أفنوا أعمارهم في الأبحاث لصالح قرارات “غوغائية”.
- نقل التجارب من “الزراعة” إلى “الحصاد”: في الجانب العملي، طالب ممثلو المجتمع المدني بضرورة تجاوز مرحلة التوعية الشعبية والانتقال إلى التطبيق الملموس. ودعوا المراكز البحثية إلى تقديم نماذج الاقتصاد البديل (كالتجربة الهندية للتعاونيات) ووضعها بين يدي المجتمع بخطوات عملية ومفصلة بدءاً من “مرحلة الزراعة والتأسيس” وصولاً إلى “مرحلة الحصاد”، لتكون بمثابة أدلة توجيهية تمكن المجتمع من أخذ زمام المبادرة وبناء بدائله التنموية الخاصة.
خلاصة: اختُتمت الجلسة النقاشية بتأكيد حاسم على أن الإصلاح الاقتصادي والبدائل التنموية “تُنتزع انتزاعاً” من خلال التحدي والمشاركة والتأثير، ولا تُمنح كعطايا، خاصة إذا كان التوجه العام للسلطة لا يسير باتجاه بناء “دولة تنموية” حقيقية. وقد تبلورت الخلاصة حول عدة محددات استراتيجية وعملية لخروج سوريا من أزمتها الراهنة:
- الحوكمة كشرط مسبق ومطلق للنمو: أجمع الباحث والمشاركون على قاعدة ذهبية مفادها أنه “بدون حوكمة لا يوجد نمو مستدام”. وتم التشديد على أن أي نمو اقتصادي في العالم يتطلب اتفاقاً على مبادئ (الشفافية، والحوكمة، والمساءلة)، وأن الاستمرار في نهج الخصخصة والمشاريع الاستثمارية دون هذه القواعد يكرس ما يُعرف بـ “رأسمالية المحاسيب” التي تخدم النخبة المستفيدة وتطرد الاستثمارات الحقيقية.
- صياغة عقد اجتماعي لكل مشروع: دعا المنتدى إلى ضرورة ارتباط أي مشروع (سواء كان للقطاع الخاص، أو العام، أو المدني) بـ “عقد اجتماعي” واضح يضمن حماية حقوق المواطنين وتحقيق الصالح العام. وأُشير إلى أن إعادة البناء لا يمكن أن تتم على مجتمع منقسم، وأن تجاهل بناء التضامن الاجتماعي والمشاركة المحلية سيجعل أي اقتصاد مبنياً على “خراب”.
- إمكانية التغيير الفوري بالموارد المتاحة: وجهت الجلسة رسالة بأن الحلول قابلة للتطبيق الفوري متى ما توفرت الإرادة؛ حيث يمكن، “بنفس الإيرادات الحالية”، صياغة قوانين استثمار تخدم المجتمع بدلاً من النخبة، وتعديل النظام الضريبي ليكون عادلاً وتصاعدياً، دون الحاجة لانتظار معجزات مالية خارجية.
- دور المواطن الفاعل وكسر احتكار المعلومات: ركزت التوصيات الختامية على ضرورة خلق بيئة تعتمد على “المواطن الفعال” و”الإعلام الحقيقي” المزود بالمعلومات والإحصائيات الشفافة، لمواجهة محاولات السلطة الاستخفاف بعقول الناس عبر حجب الأرقام أو تقديم بيانات متضاربة تجعل من عملية التخطيط بيئة خصبة لتراكم الفساد.
الفئات: الحدث الماضي, الفعاليات
النمو الاقتصادي المستدام وعدالة التوزيع
سوريا- حلب – 22 أيار/ مايو 2025
قام “منتدى حلب عاصمة الثقافة الإسلامية” بحلب بالاشتراك مع “المركز السوري لبحوث السياسات” بعقد حلقة نقاشية حول “النمو الاقتصادي المستدام وعدالة التوزيع”، حاضر فيها الباحث في المركز السوري لبحوث السياسات ربيع نصر.
سلطت الجلسة، التي عُقدت في 22 أيار 2026، الضوء على ملامح السياسات الاقتصادية الحالية من عدسة الاقتصاد السياسي وارتباطها بالسلطة والحوكمة ومسألة العدالة، مع التركيز على تشخيص الاختلالات الراهنة وطرح بدائل حقيقية تعتمد على الاقتصاد التضامني الاجتماعي.
أبرز محاور الجلسة:
- حجم الخسائر وسياسات تفكيك التنمية: أوضح الباحث أن تقديرات المركز لخسائر الاقتصاد السوري تقارب تريليون دولار خلال 15 عاماً، مع خسارة فادحة في رأس المال البشري بلغت 45 مليون سنة دراسية. ووصف السياسات المتبعة حالياً بأنها “سياسات تفكيك التنمية”، محذراً من التخلي عن الدور التنموي للدولة في الاستثمار العام بحجة إفساح المجال للقطاع الخاص، وهو ما يعتبر أمراً غير منطقي في دول تخرج من نزاعات وتحتاج للاستثمار في قطاعات غير مدرة للربح.
- الاقتصاد الغنائمي والتفاوت الصارخ: حذر الباحث من تشظي المالية العامة عبر وجود مسارات متعددة، منتقداً “الصندوق السيادي” لافتقاره للشفافية. وسلط الضوء على التفاوت الممنهج في الأجور، إضافة إلى نظام ضريبي يعتمد بنسبة 90 بالمئة على الضرائب غير المباشرة التي تزيد العبء على الفقراء.
- انهيار سعر الصرف والسياسات التجارية الخاطئة: انتقد المحاضر السياسات التي تقود لانهيار سعر الصرف وتعميق عجز الميزان التجاري، موضحاً أنه لا يمكن الاستمرار بنموذج تكون فيه الصادرات 10 بالمئة فقط من حجم الواردات. كما استنكر الاستهتار بالموارد وتوجيهها نحو السلع الكمالية، مشيراً إلى التفاخر باستيراد سيارات رفاهية بقيمة 5 مليارات دولار في وقت تحتاج فيه البلاد لهذه الأموال من أجل إعادة الإعمار، مؤكداً أن الاقتصاد هو خيارات وتحديد أولويات (كالتعليم والصحة).
- الاقتصاد البديل والتضامني: خصص الباحث مساحة واسعة للحديث عن “الاقتصاد البديل”، مشدداً على أن الربح هو هدف مشروع لكنه ليس الهدف الوحيد. وأكد أن أولوية سوريا في المرحلة الحالية كدولة خارجة من نزاع يجب أن تكون لـ التشغيل وبناء التضامن الاجتماعي قبل النمو الاقتصادي المطلق الذي قد يعزز الانقسام أو يخدم أمراء الحرب. وطرح نماذج وآليات عملية للاقتصاد التضامني، منها:
- التعاونيات المحلية (رؤية تضامنية لحلب): اقترح نموذجاً مستوحى من تجارب إسبانيا وأمريكا اللاتينية، يعتمد على تأسيس “تعاونية حلب” بمشاركة آلاف المواطنين مالياً وبخبراتهم لإعادة إعمار مدينتهم. هذا النموذج يضمن بقاء العوائد والأرباح داخل الاقتصاد المحلي لخدمة الصالح العام والبنية التحتية والمشافي، بدلاً من تكليف شركات خارجية بتكاليف مضاعفة تخرج عوائدها من البلد.
- المشاريع العابرة للقطاعات غير الربحية: أشار إلى نماذج السيادة الغذائية التي تربط الفلاح بالمستهلك مباشرة، مستشهداً بتجربة “مدينة التل” المحلية التي أسست مجلساً تنموياً تعود عوائده لدعم المدارس والخدمات الأساسية كالمياه، مما أعاد الثقة ودفع الميسورين لإعادة أبنائهم إلى المدارس العامة المدعومة مجتمعياً.
- حماية العاملين (التجربة الهندية): استعرض تجربة الهند كمثال على تنظيم العمالة غير المنظمة، حيث أسست النساء العاملات جمعية لإنتاج الحليب ضمت مليون امرأة، مما مكنهن من فرض شروط عمل عادلة، وتحقيق حماية اجتماعية لأنفسهن ولأطفالهن، وأجبر القطاع الخاص على تحسين شروطه.
- دور المجتمع المدني: أكد أنه في ظل تقاعس الدولة عن تقديم سياسات حماية اجتماعية أو إنتاج مسوحات حقيقية للفقر، يجب على المجتمع المدني أن يأخذ زمام المبادرة لسد هذا الفراغ عبر إجراء المسوحات وبناء البدائل التنموية على الأرض.
مداخلات ونقاشات الحضور: شهدت الجلسة تفاعلاً كبيراً من المشاركين الذين طرحوا عدة قضايا مفصلية:
- إضعاف العملة الوطنية عبر مؤسسات الدولة: استنكر المداخلون قيام المنافذ البرية وهيئة الجمارك التابعة للدولة بتسعير واستيفاء الرسوم والغرامات بالدولار الأمريكي، مؤكدين أن رفض استلام الليرة السورية على الحدود يساهم بشكل مباشر في إضعافها، وأن الدول ذات السيادة لا تتعامل بهذا المنطق مع عملتها الوطنية.
- تدمير القطاع الزراعي (أزمة القمح): شكل موضوع رفع الدعم عن القمح نقطة إجماع بين المتدخلين الذين اعتبروا هذا القرار “ضربة قاصمة” للفلاح السوري وللاقتصاد الوطني بأسره. وأشاروا إلى أن تخلي الدولة عن دعم الزراعة حول سوريا من بلد منتج إلى مستورد للقمح (من روسيا أو أوكرانيا أو مصر)، مؤكدين أنه كان من الأجدى للدولة أن تستدين لدعم زراعتها المحلية بدلاً من استيراد القمح بالعملة الصعبة.
- الشرخ الاجتماعي وحالة “شيطنة الفقر”: قدم متدخلون من مدينة حلب مقاربة اجتماعية عميقة، محذرين من “الشرخ الهائل” الذي أصاب المدينة (خاصة بين أحياء حلب الشرقية والغربية). وانتقدوا الخطاب العام الذي يعمد إلى “شيطنة الفقر”، حيث يتم تصوير أصحاب البسطات والمتسولين على أنهم “عصابات إجرامية” بدلاً من الاعتراف بحجم العوز. وأشاروا إلى بروز حالة من “انعدام التعاطف” وتسليع الخدمات العامة، حيث بات تحسين الخدمات في أي حي رهنٌ بقدرة سكانه على الدفع.
- غياب الشفافية، البنية الرقمية، وتهميش الخبراء: طالت الانتقادات افتقار السلطة الحالية للبيانات والإحصائيات، وغياب البنية التحتية الرقمية، مما يجعل عملية التخطيط عشوائية. واستشهد المتدخلون بعدم قدرة السلطة على إصدار موازنة عامة واضحة لعام 2026 وتوضيح النفقات والإيرادات، مما يخلق بيئة خصبة لتراكم الفساد. كما استنكر الحضور اتخاذ قرارات مصيرية بمعزل عن مشاركة أصحاب المصلحة والمختصين، متسائلين عن سبب تغييب العلماء السوريين الذين أفنوا أعمارهم في الأبحاث لصالح قرارات “غوغائية”.
- نقل التجارب من “الزراعة” إلى “الحصاد”: في الجانب العملي، طالب ممثلو المجتمع المدني بضرورة تجاوز مرحلة التوعية الشعبية والانتقال إلى التطبيق الملموس. ودعوا المراكز البحثية إلى تقديم نماذج الاقتصاد البديل (كالتجربة الهندية للتعاونيات) ووضعها بين يدي المجتمع بخطوات عملية ومفصلة بدءاً من “مرحلة الزراعة والتأسيس” وصولاً إلى “مرحلة الحصاد”، لتكون بمثابة أدلة توجيهية تمكن المجتمع من أخذ زمام المبادرة وبناء بدائله التنموية الخاصة.
خلاصة: اختُتمت الجلسة النقاشية بتأكيد حاسم على أن الإصلاح الاقتصادي والبدائل التنموية “تُنتزع انتزاعاً” من خلال التحدي والمشاركة والتأثير، ولا تُمنح كعطايا، خاصة إذا كان التوجه العام للسلطة لا يسير باتجاه بناء “دولة تنموية” حقيقية. وقد تبلورت الخلاصة حول عدة محددات استراتيجية وعملية لخروج سوريا من أزمتها الراهنة:
- الحوكمة كشرط مسبق ومطلق للنمو: أجمع الباحث والمشاركون على قاعدة ذهبية مفادها أنه “بدون حوكمة لا يوجد نمو مستدام”. وتم التشديد على أن أي نمو اقتصادي في العالم يتطلب اتفاقاً على مبادئ (الشفافية، والحوكمة، والمساءلة)، وأن الاستمرار في نهج الخصخصة والمشاريع الاستثمارية دون هذه القواعد يكرس ما يُعرف بـ “رأسمالية المحاسيب” التي تخدم النخبة المستفيدة وتطرد الاستثمارات الحقيقية.
- صياغة عقد اجتماعي لكل مشروع: دعا المنتدى إلى ضرورة ارتباط أي مشروع (سواء كان للقطاع الخاص، أو العام، أو المدني) بـ “عقد اجتماعي” واضح يضمن حماية حقوق المواطنين وتحقيق الصالح العام. وأُشير إلى أن إعادة البناء لا يمكن أن تتم على مجتمع منقسم، وأن تجاهل بناء التضامن الاجتماعي والمشاركة المحلية سيجعل أي اقتصاد مبنياً على “خراب”.
- إمكانية التغيير الفوري بالموارد المتاحة: وجهت الجلسة رسالة بأن الحلول قابلة للتطبيق الفوري متى ما توفرت الإرادة؛ حيث يمكن، “بنفس الإيرادات الحالية”، صياغة قوانين استثمار تخدم المجتمع بدلاً من النخبة، وتعديل النظام الضريبي ليكون عادلاً وتصاعدياً، دون الحاجة لانتظار معجزات مالية خارجية.
- دور المواطن الفاعل وكسر احتكار المعلومات: ركزت التوصيات الختامية على ضرورة خلق بيئة تعتمد على “المواطن الفعال” و”الإعلام الحقيقي” المزود بالمعلومات والإحصائيات الشفافة، لمواجهة محاولات السلطة الاستخفاف بعقول الناس عبر حجب الأرقام أو تقديم بيانات متضاربة تجعل من عملية التخطيط بيئة خصبة لتراكم الفساد.



