البودكاست

أثر السياسات الاقتصادية على الحماية الاجتماعية في مصر

     الحلقة 18                –                27 أغسطس، 2025
الاقتصاد التضامني

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، نستضيف الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في حوار معمّق حول تحولات الحماية الاجتماعية في ظل السياسات النيوليبرالية، انطلاقًا من تجربة مصر كنموذج يمكن قراءته لفهم المسارات المشابهة في سوريا والمنطقة.

نتناول تأثير سياسات رفع الدعم والتقشف على الفئات الأكثر هشاشة، ودور المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي في إعادة تشكيل سياسات الحماية الاجتماعية، من خلال شروط التمويل وفرض أولويات اقتصادية تتقاطع مع مصالح النخب الحاكمة.

كما نناقش العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية، حيث تتحوّل السياسات الاقتصادية إلى أدوات لإعادة إنتاج بنى التسلط، وتعميم الفقر، وحرمان الشرائح الواسعة من الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

تسلّط سلمى الضوء على آليات استهداف الفقراء، كيف تُستخدم كغطاء لسياسات التقشف، وعلى البدائل الممكنة لبناء حماية اجتماعية قائمة على العدالة، الحقوق، والمشاركة الشعبية.

عن ضيفة الحلقة:
باحثة اقتصادية وخبيرة في السياسات العامة، تتمتع بخبرة واسعة في تحليل سياسات الاقتصاد الكلي في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في مصر.
تحمل سلمى درجة الماجستير في السياسة العامة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة.
شاركت العام الماضي بدراسة بعنوان: “الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي ومسارات نحو سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة”، كما ساهمت في تقارير متخصصة حول الحماية الاجتماعية. إلى جانب نشاطها البحثي، قامت بتدريب صحفيين، برلمانيين، وأعضاء منظمات مجتمع مدني في العديد من الدول العربية. كما ساهمت في ترجمة كتاب توماس بيكيتي “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”

يحاورها ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا حوارات بديلة”، وهي حلقة مميزة ضمن الموسم الحالي المخصص لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت. أهلاً وسهلاً بالجميع. نحن اليوم لدينا حلقة مميّزة سنناقش فيها تجربة لبلد عزيز وغالٍ جداً علينا جميعاً – مصر – وذلك مع باحثة مميّزة، الأستاذة سلمى حسين. فأهلاً وسهلاً بكِ سلمى، نوّرتِنا بحضورك.

سلمى حسين:
أهلاً أهلاً، سعيدة جداً بوجودي معكم، وشكراً على الاستضافة.

ربيع نصر:
أهلاً بكِ. في هذا البودكاست نحاول أن نركز على الإنتاج المعرفي في المنطقة وعلاقته بالقضايا التنموية. في ظل الواقع الذي نتحدث فيه في المنطقة – وطبعاً بالإضافة إلى النزاعات والحروب وتضييق المساحات المدنية – هناك أيضاً من الناحية الاقتصادية عدة قضايا تتفاقم أو يُعاد طرحها مجدداً. من هذه القضايا: سياسات الأجور والتشغيل، وقضايا الحماية الاجتماعية ودور الدولة التنموي. نلاحظ أن هذه المعاناة تزيد في المنطقة وتنعكس على أغلبية السكان.
فإذا أردنا أن نتخذ مصر كحالة للدراسة والتحليل في نقاشنا اليوم، أرغب في أن نرى كيف أثّرت مجموعة من العوامل: زيادة الدين العام، وتغيير دور الدولة التنموي، وارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، والاعتماد على المساعدات الخارجية بشكل قد يخلّ أحياناً بالسيادة ويؤثر على رؤية البلد للتنمية المستدامة، الأضرار الهائلة التي تلحق بالبيئة وغيرها من الظواهر التي نراها كل يوم نتيجة السياسات المتّخذة تحت غطاء النيوليبرالية – بمعنى استخدام السياسات الاقتصادية لصالح النخبة في أغلب الأحيان. فهذه جزء من المواضيع التي سنناقشها اليوم معكِ يا سلمى.

طبعاً، يجدر بالذكر أن سلمى حسين باحثة اقتصادية وخبيرة في السياسات العامة، ولديها خبرة واسعة في سياسات الاقتصاد الكلّي في الشرق الأوسط وخاصةً في مصر. حاصلة على ماجستير في السياسة العامة من الجامعة الأمريكية في القاهرة وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة. لها عدة دراسات سنشارك روابطها ليستفيد منها المستمعون، منها على سبيل المثال: “الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي” و “مسارات نحو سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة”. ولديها الكثير من المساهمات في قضايا الحماية الاجتماعية، وبالإضافة إلى نشاطها البحثي فهي تقوم بتدريب صحفيين وبرلمانيين ومنظمات مجتمع مدني في عدة دول عربية. كما ساهمت في ترجمة كتاب توماس بيكيتي الشهير “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”. فأهلاً وسهلاً بكِ مجدداً، سلمى.

سلمى حسين: أهلاً بك.

ربيع نصر:
سلمى، بعد الثورة – وطبعاً مصر دائماً هي التي تقود القاطرة في القضايا الديمقراطية والسياسية – كان هناك تفاؤل كبير رافق الربيع العربي في مرحلته الأولى. كيف تصفين لنا أهم التوجهات التي ظهرت في ذلك الوقت فيما يخص قضايا الحماية الاجتماعية والعدالة؟

سلمى حسين:
بالنسبة لمسار ما بعد الثورة، أود أن أوضح أن قضايا العدالة الاجتماعية دائماً ما تتحقق نجاحاتها عبر مسارات طويلة وملتوية؛ فلا توجد نجاحات تتحقق بضربة قاضية أو بشكل فوري. نجد دائماً نجاحاً هنا يقابله تراجع هناك، وهكذا. وبالتالي فإن النظر إلى الربيع العربي وسعيه نحو العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع هو جزء من معركة متواصلة. لا توجد “جنّة” على هذه الأرض – إن صح التعبير – فدائماً هناك أخذٌ ورد، وانتصارات صغيرة هنا وهناك. لذلك يجب أن نتعامل مع الأمر بسعة صدر حتى لا نصاب بالإحباط بسرعة.

وتعلّمنا خلال السنوات العشر الماضية أن الثورات التي شهدناها في البلدان العربية، سرعان ما انقلبت إلى إحباط وخيبة أمل. والحق أن هذا نمط متكرر عبر التاريخ. فليست الثورة وحدها ما سيخلق التغيير المرجو؛ لا توجد ضربة قاضية تحققها ثورة في مجال العدالة الاجتماعية. بل هو سعي متواصل بين أطراف ليست لديها نفس السلطة والنفوذ – إذ إن الساعين إلى العدالة الاجتماعية عادةً ما يكونون الطرف الأضعف في المعادلة. لذا علينا أن نواصل المشوار برويّة وإصرار، ونستمر بالمطالبة بما هو حق وكيفية الوصول إليه.

في نهاية المطاف – وللأسف – خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الأخيرة تفاقمت التشوّهات الكبرى في الاقتصادات العربية، وخاصةً في الاقتصاد المصري فيما يتعلق بنمط التنمية ونموذجها. ستجد مثلاً تركيزاً شديداً على متابعة تغيّر الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل غياب كامل تقريباً للحديث عن الدخل الإجمالي. علماً أن الاهتمام بالدخل يُعدّ مسألة أساسية جداً في علم الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي. صحيح أن الناتج والدخل رقمان متساويان من ناحية الحساب، ولكن طريقة النظر إليهما مختلفة تماماً.

النظرة إلى الناتج تكون إلى قطاعات إنتاجية مجرّدة: الزراعة، الصناعة، الخدمات المالية، الإنشاء والتعمير، إلى آخره. أما النظرة إلى الدخل فتركّز على من حصل على هذا الناتج: ما نصيب العاملين كأجور؟ وما نصيب أصحاب الملكيات كعوائد؟ وما نصيب المودعين في البنوك كفوائد؟ أي كيف توزّع الناتج على الناس بغض النظر عن القطاعات التي يعملون فيها. هذه النظرة شديدة الأهمية غابت تماماً مع سيادة السردية النيوليبرالية في الاقتصاد.

الأمر الثاني أيضاً أننا لم نعد نهتم بهيكل الناتج. فكما قلتُ، من المهم النظر إلى طريقة التوزيع، ولكن كذلك مهم النظر إلى هيكل الإنتاج: ما نوع الزراعة أو الصناعة أو الخدمات التي تحقق النمو؟ هل هي صناعة استخراجية أم تحويلية؟ للأسف غابت أدوات التحليل التقليدية الكلاسيكية والنيوكلاسيكية عن الحوار الاقتصادي. أصبح لدينا اقتصاد موجّه للتصدير مقابل اقتصاد موجّه للإحلال محل الواردات، ويعامل الأمر وكأن الخيارين متعارضان. علماً بأنه لكي نعظّم الاستفادة من التصدير نحتاج أيضاً لإحلال محل الواردات لفترة معينة لتحقيق تعميق صناعي. لكن في ظل هيمنة السردية النيوليبرالية مقزمة للاقتصاد الكلي تتجاهل هذا التكامل.

الأمر الثالث في رأيي – خاصةً في منطقتنا – هو انعدام الحديث عن التشغيل (خلق فرص العمل). فالهدف المعروف في علم الاقتصاد الكلاسيكي (والنيوكلاسيكي) هو الوصول إلى التشغيل الكامل. منطقتنا تُعاني من أعلى معدلات البطالة في العالم، ومع ذلك لا يُطرح موضوع التشغيل بجدية. الحديث دائماً يتركز على معدلات النمو الاقتصادي؛ حيث تُعتبر كارثة إذا انخفض النمو من 3% إلى 1% مثلاً، لكن قلّما نسأل: كم وظيفة جديدة خُلقت؟ هذا السؤال شبه غائب تماماً عن النقاش.

على سبيل المثال، دعني أشاركك مثالاً من مصر: في عام 2018 تقريباً، بلغ حجم الاقتصاد المصري حوالي 6 تريليونات جنيه مصري (أي نحو 6000 مليار جنيه). هذا الرقم تضاعف حالياً لأسباب منها انخفاض قيمة العملة، لكن لنفترض أنه كان 6 تريليونات آنذاك. في تلك السنة نتج عن هذا الاقتصاد خلق نحو 150 ألف فرصة عمل فقط، وهو رقم ضئيل جداً. والأبشع أننا لا ننظر إلى عدد الوظائف التي فُقدت نتيجة الأزمات الاقتصادية – مثلاً تلك الناجمة عن أول اتفاق مع صندوق النقد الدولي. فقد خرج من سوق العمل في تلك الفترة ما يزيد على 100 ألف وظيفة أُلغيت نتيجة الأزمة. وبالتالي كان صافي التوظيف في تلك السنة حوالي 15 ألف وظيفة جديدة لا غير.

مع ذلك، عندما تستمع إلى خطاب الحكومة أو الصندوق حينها، يقولون لك إن النمو الاقتصادي لم يتأثر كثيراً بسياسات الصندوق قياساً بالناتج الإجمالي. ولكنهم يغفلون باقي الصور: تراجع نصيب الأجور، وعدد الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم، وحجم التشغيل الحقيقي الذي تحقق. فنحن نحتاج إلى خلق نحو نصف مليون وظيفة سنوياً كي نحرّك معدل البطالة بشكل ملموس. هذه كلها من التشوّهات التي حدثت خلال الـ10-15 سنة الماضية. صحيح أنها لم تبدأ في هذه الحقبة فقط، لكنها تكثّفت وتسارعت بشدة خلالها، وأصبحت تلك السردية النيوليبرالية سائدة بشكل مخيف.

التشوّه الرابع أو الخامس – فقد عددتُ عدة اختلالات – يتعلق بتركيبة السلطة والحكم في بلادنا، ومصر نموذج واضح لذلك (وكذلك الأمر في دول عربية أخرى). ما أقصده هنا هو هيمنة أقلية نافذة على السلطة السياسية والاقتصادية. بعد بداية الربيع العربي، أجرى البنك الدولي دراستين تشريحيّتين عن مصر وتونس – وأعتقد أنهما تعكسان تماماً ما يحدث في لبنان، ولقد تحدث باحثون أمثال آدم هنية عن تركيبة الحكم هذه في سوريا أيضاً. نحن نتكلم عن بنية حكم تخدم مصالح أقلية نافذة تضم كبار مالكي الشركات الكبرى، سواء بشراكات مع شركات عالمية أو ككيانات محلية ضخمة.

هذا القطاع الخاص الكبير النافذ تكونت لديه روابط وثيقة جداً مع أي نظام حكم. بالمناسبة، قبل الثورة وبعدها في مصر، ظلت العلاقات بين السلطة وهذه الشبكة من رجال الأعمال قوية ومتينة. دخل بعضهم في شراكات مع النظام الحاكم الجديد بعد الثورة، وبقوا تقريباً بذات الحجم والنفوذ، بل وانضمت إليهم شريحة جديدة من النافذين السياسيين الذين برزوا خلال السنوات العشر الأخيرة. المشكلة مع هؤلاء هي أنهم هياكل احتكارية بامتياز يحصلون على حماية قانونية. هم لا يفعلون أموراً مخالفة للقانون بشكل فاضح – معظم أنشطتهم مقننة – وبالتالي لا يمكن وصفها بالفساد بالمعنى التقليدي. لكنها عبارة عن امتيازات خاصة لا يحصل عليها غيرهم.

سأضرب لك مثالاً من مصر: لدينا شيء اسمه “المناطق الصناعية الخاصة”. تقريباً نحو 40 عائلة نافذة تهيمن على الجزء الأكبر من القطاع الخاص في مصر بمعناه الواسع. يقوم صاحب المصنع (من هذه العائلات النافذة) بوضع سور حول مصنعه ويعلن أن هذه منطقة اقتصادية خاصة أو منطقة صناعية خاصة. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها معفاة من الضرائب والجمارك بالكامل! وهذا طبعاً ليس متاحاً للجميع؛ فلا يستطيع أي شخص شراء قطعة أرض داخل هذه المنطقة وإقامة مصنع جديد ويتمتع بنفس الإعفاءات. المسألة ببساطة أنهم نفس المصانع لكنهم يتهرّبون بشكل قانوني من الضرائب والجمارك، لأن القانون نفسه مفصّل على مقاسهم في الحقيقة.

وهنا يحضرني موضوع دعم الطاقة كمثال آخر للامتيازات. فقد نعود إليه لاحقاً، لكن باختصار: دائماً أقول إن إحدى معايير قياس نجاح أي ثورة تكمن في من المستفيد من دعم الطاقة. في مصر، حتى بعد الثورة، ظلت نفس الشبكة النافذة تحصل على نصيب الأسد من دعم الطاقة. هؤلاء لديهم أيضاً سيطرة تشريعية؛ إذ يترأسون البرلمان أو أهم لجانه التي تمس مصالحهم. وهذا الوضع مستمر منذ عهد مبارك وحتى اليوم تقريباً. قد تتغيّر أحياناً الأسماء، لكن يأتي شخص جديد من نفس العائلة أو الشركة ليشغل الموقع، فتحافظ الشبكة على النفوذ نفسه.

هذه التركيبة الاحتكارية لكبار الرأسماليين هي العنصر الخامس فعلاً في النموذج النيوليبرالي كما نشهده. وأكرر أن هذا ليس مقتصراً على مصر وحدها، لكنه يبدو في مصر مثالاً صارخاً ومكشوفاً يمكن من خلاله قياس تطور النيوليبرالية في العالم. الأمثلة حولنا كثيرة على كيف يستحوذ كبار أصحاب الشركات على عملية صنع القرار، بما يغيّب جوهر الديمقراطية بصورتها التقليدية.

نصل هنا إلى العنصر الأخير الذي أود ذكره، والذي تمثل مصر أيضاً نموذجاً خام وفج، اعتقد أننا سنرى مثله عالمياً: وهو فخ المديونية. لا يمكننا تجاهل دور حرية خروج ودخول رؤوس الأموال في سقوط مصر في فخ المديونية. في كل مرة خلال السنوات الأخيرة وجدنا أنفسنا عاجزين عن سداد الدين الخارجي، كان السبب خروجاً مكثفاً لرؤوس الأموال  بشكل مفاجئ. والغريب أن هذا يحدث غالباً لأسباب سياسية لا اقتصادية.

على سبيل المثال، في عام 2015 شهدت مصر قمعاً شديداً لكل ما له علاقة بثورة 2011، مما أدى إلى انفلات أمني كبير (تبادل إطلاق نار في الشوارع، سقوط طائرة روسية مفاجئة فوق شرم الشيخ…). هذا عدم الاستقرار السياسي تسبب في خروج مليارات الجنيهات من مصر فجأة، محوّلاً ديننا الخارجي الصغير نسبياً واحتياجاتنا المستوردة الأساسية (كالقمح والبترول) إلى أزمة كبيرة. المشكلة لم تكن نقص الأموال الداخلة؛ فقد كانت تدفقات رؤوس الأموال الداخلة خلال تلك الفترة مرتفعة بمستويات قياسية، لكن الأموال الخارجة كانت أكبر بكثير ولم تكن بدوافع اقتصادية بل سياسية.

وتكرر هذا السيناريو مع كل أزمة اقترضنا فيها من صندوق النقد – خمس مرات تاريخياً. لعب الصندوق هنا دوراً أساسياً في تسويق سردية مغايرة عما كان سائداً قبل الربيع العربي وقبل أزمة 2008 المالية العالمية. ظهرت سردية جديدة عندما حلّلناها وجدناها سردية شديدة الضرر.لأنها  تستخدم نفس المفاهيم والشعارات التي ننادي بها نحن دعاة العدالة الاجتماعية، وحتى الاقتصاديون الكينزيون (لن أقول فقط اليساريون) – مفاهيم عن العدالة والحماية الاجتماعية – لتبرير سياسات في غاية السوء.

هذه السردية تتظاهر بتمثّل تجارب تنموية حصلت في أماكن مختلفة من العالم – صحيح أن نتائجها تباينت، لكن العديد منها حقق نجاحات مهمة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا – وذلك بهدف تمرير سياسات شديدة الضرر لدينا. (ربما نتحدث عن أمثلة لاحقاً). لا أعلم إن كنتُ قد أجبتُ بشكل كافٍ عن سؤالك الأول أم لا.

ربيع نصر:
بالعكس يا سلمى، شكراً جزيلاً على هذا العرض الغني جداً. لقد تحدثتِ عن عدة اختلالات. الآن أود أن أحاول فهم إن كانت هذه الاختلالات التي ذكرتِها مرتبطة بالضرورة بالسياسات النيوليبرالية أم لا. على سبيل المثال، تحدّثتِ عن هيكلية الإنتاج وتنوعه وطريقة توزيع الثروة من منظور الاقتصاد السياسي للإنتاج في مصر. فكيف عزّزت السياسات النيوليبرالية هذا الدور، دور النخبة؟ وكيف أصبحت العلاقة وثيقة إلى هذا الحد بين السلطة السياسية وهذه النخبة الاقتصادية بهذا القرب؟

نرى اليوم في بلداننا علاقات مباشرة أكثر فأكثر بين أهل السياسة وكبار رجال الأعمال في اتخاذ القرارات وحتى في صياغة السياسات. إضافةً إلى ذلك، هناك البعد العسكري: القطاع العسكري قطاع ضخم يستهلك قسماً كبيراً من الثروة ويشارك بشكل مباشر في الأنشطة الاقتصادية وهذه حالة استثنائية في مصر إلى حد ما. ورغم أن الدولة تخلّت عن جزء كبير من الدعم الاجتماعي، نرى الإنفاق العسكري لا يتراجع بل يستمر بالارتفاع. إذاً لدينا تركيبة جديدة للاقتصاد تميل لتكون خدمية أكثر، فيما يتآكل القطاع الإنتاجي.

كيف تشرحين لنا أثر هذه السياسات النيوليبرالية على الاقتصاد المصري؟ سواء من خلال الخصخصة، أو عبر تفكيك التنظيم (deregulation)، أو عبر التحرير الاقتصادي.

سلمى حسين:
في الحقيقة، السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية كانت بالفعل مجرد تسريع وتكثيف لما كان يحدث قبلها، وليست انقطاعاً تاماً عن السياسات السابقة – وهذه نقطة مهمة جداً.  السياسات النيوليبرالية بدأت تتبلور وتأخذ طريقها في الاقتصاد المصري منذ التسعينيات. الذي حدث بعد الثورة هو تسارع شديد في تطبيق هذه السياسات وتوسّع نطاقها.

سأعطيك مثالاً لتوضيح الأمر. لننظر إلى الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية: historically كان تحكمه إطار قانوني يهدف لضمان الشفافية والكفاءة. أي يكون هناك مناقصة علنية لأي مشروع كبير، تتضمن عروضاً فنية ومالية. يتقدم للمناقصة أكثر من جهة، وإذا لم يتقدم عدد كافٍ، تعيد الحكومة الطرح وتشجّع المشاركة لضمان المنافسة. الهدف هو أن يُنفَّذ أي مشروع حكومي بأفضل جودة فنية ممكنة وبأقل تكلفة على خزينة الدولة.

ما حدث في السنوات الأخيرة هو أنه تم تعديل هذا القانون ثم تعطيله فعلياً. على سبيل المثال: مشروع المونوريل (القطار الكهربائي المعلّق) – وهو مشروع نقل جماعي جديد. في البداية طُرحت مناقصة له، وتقدم عرضان من  من الشركات (وهذا متوقع لأن مشاريع المونوريل نادرة في منطقتنا وعدد الشركات ذات الخبرة محدود). فاز أحدهم بالتقييم الفني، لكن تم إلغاء النتيجة لاحقاً، ومنح المشروع بالأمر المباشر للتكتل الثاني المنافس الذي لم يفز!

هذا المثال يجسّد عدة أمور أولاً: المشروع يعتمد على الاستدانة الخارجية بشكل كبير، رغم أنه مشروع نقل عام محلي ليس له عائد بالدولار. (هو مشروع مواصلات عامة عالي التكلفة، يستهدف خدمة شرائح ميسورة – موظفين وعاملين سينتقلون يومياً إلى المدن الجديدة على أطراف القاهرة، بما فيها العاصمة الإدارية الجديدة). بالتالي تكلفته ضخمة جداً ولن ينجح دون دعم حكومي استثنائي لتخفيض سعر التذكرة على الركاب – وهذا الدعم غير معلن حتى الآن – أي أن سعر التذكرة سيكون مرتفعاً جداً على الأغلب. استخدام قرض بالدولار لتمويل مشروع محلي كهذا يعني أنك تُدخِل نفسك في أزمة حين يحين سداد القرض بالعملة الصعبة دون وجود عائد دولاري مباشر.

ثانياً: إلغاء المناقصة ومنح العقد مباشرةً يلغي ضمانات اختيار العرض الأقل كلفة والأعلى كفاءة. فمع غياب الرقابة العامة والنقاش العلني حول مشروع بهذا الحجم، هناك احتمال كبير أننا لم نحصل على أفضل جودة بأفضل سعر. وهكذا يتحمل الاقتصاد كلفة أعلى من اللازم لمشروع قد لا يخدم إلا فئة محدودة.

ثالثاً: ظروف العاملين في هذه المشروعات هي نقطة مهمة أيضاً. خلال فترة جائحة كوفيد، شهدنا توسعاً هائلاً في مشروعات البنية التحتية الحكومية في مصر – كلها مشروعات ممولة بالاستدانة الخارجية. قطاع الإنشاءات توسّع بشكل غير مسبوق: طرق وجسور ووسائل نقل ومدن جديدة (حوالي 14 مدينة جديدة أُنشئت).

المنطق الاقتصادي الكينزي المعروف يقول: في فترات الركود العميق، قم بتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة لخلق وظائف ووضع المال في أيدي الناس (خاصة الفقراء وذوي الدخل المحدود) لتحفيز الطلب وتنشيط الاقتصاد. قد يبدو أن الحكومة اتبعت هذا الكتاب حرفياً – ظاهرياً.

لكن الفرق الشاسع يكمن في نوعية الوظائف التي خُلقت. ما حدث أننا خلقنا وظائف مؤقتة وغير لائقة. تم تشغيل الكثير من العمال في قطاع الإنشاءات – وهو قطاع عالي المخاطر جداً من ناحية السلامة والصحة المهنية – دون توفير الضمانات والحقوق الأساسية لهم. كثير من هؤلاء العمال لم يكونوا مؤهلين تماماً (بل لجأوا للعمل اضطراراً)، ولم يحصلوا على التدريب أو معدات الحماية الكافية. لم يتم تأمينهم صحياً بشكل مناسب، ولا توفير رعاية صحية لازمة في حالة الحوادث، ولا تعويضات عادلة.


المنطق الاقتصادي الكينزي المعروف يقول: في فترات الركود العميق، قم بتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة لخلق وظائف ووضع المال في أيدي الناس لتحفيز الطلب وتنشيط الاقتصاد، قد يبدو أن الحكومة المصرية اتبعت هذا الكتاب حرفياً – ظاهرياً، لكن الفرق الشاسع يكمن في نوعية الوظائف التي خُلقت، ما حدث أننا خلقنا وظائف مؤقتة وغير لائقة

فالعامل الذي يتعرض لإصابة عمل (ككسر في ساقه مثلاً) عليه أن يتحمل تكلفة علاجه بنفسه. وغالباً هؤلاء العمال لا يحصلون حتى على الحد الأدنى للأجور. والأسوأ أن أجورهم كثيراً ما تتأخر لشهور نتيجة نظام المقاولين من الباطن المتبع في تنفيذ هذه المشاريع. لدينا سلسلة طويلة: مقاول رئيسي، يليه مقاول من الباطن، ثم آخر وآخر… وصولاً إلى مقاول أنفار (الذي يجمع العمالة اليومية). إذا تأخر الدفع في أي حلقة من هذه السلسلة، فالذي يدفع الثمن في النهاية هو العامل البسيط الذي قد يعمل شهراً كاملاً في عمل شاق ثم يعود إلى بيته بلا أجر، وينتظر شهرين أو ثلاثة حتى يستلم أجر ذلك الشهر.

برأيي هذا الوضع يُجسّد أين الخلل في النموذج الحالي ولماذا نحتاج إلى تغييره. كل ما نتحدث عنه ضمن مفهوم الحماية الاجتماعية ضروري جداً لهؤلاء العمال كي يتمكنوا من العيش بكرامة أثناء العمل المتقطع أو البطالة. يجب أن يكون للعامل الذي يعمل بعقد مؤقت أو عمل موسمي دخل مستقر بشكل من الأشكال. فمثلاً إذا كان عاطلاً، يحصل على بدل بطالة يقيه العوز. وإذا عمل، فيتقاضى أجراً مناسباً يكفي احتياجاته الأساسية. وإذا تعرض لإصابة عمل، يجد رعاية صحية وتعويضات تحميه.

بالمناسبة، هذه الأمور لم تكن أفكاراً نظرية بعيدة المنال – كانت مطبّقة في مصر سابقاً في بعض النواحي. خلال بحثي الميداني (حيث قابلت عمالاً مهَرة وكذلك صغار العمال)، أخبرونا أنه حين كان هناك قطاع عام قوي، حتى العامل باليومية الذي كان يعمل لفترة قصيرة (يوم أو أسبوع مع مقاول)، كان يحصل على عقد يومي يضمن له حقوقه الأساسية، هذا العقد اليومي كان يسمح له بالعلاج المجاني في مستشفيات التأمين الصحي إذا أصيب أثناء العمل.

إذن كان هناك نوع من توزيع المخاطر والمكاسب أكثر عدالة في الماضي. صحيح أن الإنفاق الهائل على مشاريع البنية التحتية مؤخراً رفع الناتج المحلي الإجمالي وزاد معدل النمو بشكل كبير، لكن علينا أن نسأل: كيف توزعت المخاطر والعوائد؟ من استفاد ومن تضرر؟ هذا هو الفيصل عندما نقيم جدوى أي سياسة: هل كانت هذه الطريقة في تحفيز الاقتصاد مناسبة أم لا للتعامل مع ظرف مثل وباء كوفيد؟

ربيع نصر:
 أكمَل معك في نفس السياق، بخصوص التشغيل وفرص العمل: ذكرتِ في البداية أن الاقتصاد المصري لا يخلق وظائف كافية، وإن خلق فهي في مشاريع بنية تحتية متمركزة في المدن الجديدة – التي لا نعلم من سيقطنها حالياً مع ارتفاع الأسعار والتكاليف – وضمن ظروف عمل غير لائقة كما وصفنا.

طيب، نأتي الآن إلى سياسات الحماية الاجتماعية. لدينا تدخلات متعددة مباشرة وغير مباشرة. كما تفضّلتِ، بدأ البنك الدولي يطرح شعارات المساواة والعدالة الاجتماعية لكن من زاوية إلغاء الدعم العام (خاصة على الطاقة والسلع الأساسية) وتحويله إلى دعم موجّه للفئات الأكثر فقراً وحرماناً. نحن نعرف أن تجربة رفع الدعم وتعويضه بالدعم النقدي الموجه فشلت مراراً منذ التسعينيات وحتى العقد الأول من الألفية، لكنهم الآن يعيدون طرحها كأنها أكثر الأدوات فعالية.

سؤالي: هل يمكنك الحديث عن دور المنظمات الدولية (كالبنك الدولي وصندوق النقد) في هذا التحول بسياسات الحماية الاجتماعية؟ وبرأيك، هل أدت سياسات الحماية الاجتماعية المتبعة فعلاً إلى تقليص التفاوت والفقر، أم إلى زيادتهما؟

سلمى حسين:
بدايةً يجب التوضيح أن مفهوم الحماية الاجتماعية أضيق بكثير من مفهوم العدالة الاجتماعية. بالتالي فالحماية الاجتماعية وحدها غير كافية لخلق تكافؤ فرص أو مجتمع تقلّ فيه التفاوتات بالقدر المنشود، سواء تفاوت الثروة  أو غيره. لكنها تبقى مفهوماً شديد الأهمية إذا فهمنا جذوره التاريخية. لقد جاء هذا المفهوم نتيجة نضالات عمّالية وانتفاضات وثورات شعبية عبر عقود طويلة – يمكن القول منذ القرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن العشرين، حتى بدأ يحقق نتائج.


الحماية الاجتماعية وحدها غير كافية لخلق تكافؤ فرص أو مجتمع تقلّ فيه التفاوتات بالقدر المنشود. لكنها تبقى مفهوماً شديد الأهمية إذا فهمنا جذوره التاريخية، لقد جاء هذا المفهوم نتيجة نضالات عمّالية وانتفاضات وثورات شعبية عبر عقود طويلة

الحكومات بطبيعتها أقل نزعة لتحقيق المساواة الاجتماعية، أي ليست على أجندتها. مثلاً، في أعقاب الحربين العالميتين – وطبعاً تحت ضغط الثورة البلشفية في روسيا أيضاً – حصل تحول كبير: تم إنشاء منظمة العمل الدولية (ILO) في 1919 كإحدى نتائج تلك المرحلة المضطربة. وكانت المنظمة ركيزة أساسية وضعت معايير لما نسميه اليوم الحماية الاجتماعية. بعد ذلك توسّع المفهوم أو تقلّص بحسب توجهات الحكومات والمؤسسات الدولية في الفترات المختلفة.

إذا نظرنا إلى تعريفات الحماية الاجتماعية لدى الجهات الدولية، سنجد تفاوتاً كبيراً. أضيق تعريف على الإطلاق هو الذي قدمه صندوق النقد الدولي – وهو تعريف قاصر جداً بل ويمكنني وصفه علمياً بأنه تعريف حقير (هذا وصف علمي وليس شتيمة). يأتي بعده من حيث الضيق تعريف البنك الدولي، رغم أنه قام بتوسيع مفهومه قليلاً بعد 2008 و2011 وخاصة مع أجندة التنمية المستدامة 2015.

والمفارقة أنه حتى المنظمة المنوط بها موضوع الحماية الاجتماعية – أي منظمة العمل الدولية – تغيّر تعريفها بمرور السنين، وفي العقود الأخيرة تقلّص المفهوم تحت تأثير الفكر النيوليبرالي وتصاعد نفوذه. عندما عملتُ على إعداد دليل لبرامج وأدوات الحماية الاجتماعية حول العالم مع التركيز على ما يفيد منطقتنا، اخترتُ أن أعتمد التعريف الذي قدّمته منظمة العمل الدولية عام 2012/2013. في ذلك الوقت، راجع أحد الزملاء ما كتبته فسألني: لماذا لم تأخذي بالتعريف الأحدث (الأكثر معاصرة)؟ – وكان يقصد تعريفاً أدخل التعليم والصحة ضمن الحماية الاجتماعية.

السبب أن التعريفات الأحدث كانت قد استبعدت التعليم والصحة من صلب مفهوم الحماية الاجتماعية، واقتصرتها على شبكات الأمان النقدية مثلاً. تعريف 2012-2013 الذي اعتمدتُه أنا كان شاملاً نسبياً: يتحدث عن دورة حياة الإنسان في ثلاث مراحل – الطفولة، فسن العمل والشباب، ثم الشيخوخة – وكيف يجب أن يكون لدى الإنسان في هذه المراحل دخلٌ مستقِر آمن، وفرص متكافئة وجيدة في التعلم وفي الصحة، واستقرار في الدخل يسمح له بحياة كريمة. إذا فصّلنا ذلك سنجد عناصر مثل حقوق الأمومة والطفولة (إجازات الأمومة ورعاية الطفل)، ورعاية كبار السن (معاشات تقاعد وخدمات), وحماية للمعاقين أيضاً، إلى جانب دعم العاطلين عن العمل وهكذا.

للأسف نحن كثيراً ما نختزل الحماية الاجتماعية في معاشات الشيخوخة فقط، بينما المفهوم أشمل من ذلك بكثير. على سبيل المثال، منطقتنا تعاني من أعلى معدلات بطالة بين الشباب في العالم، ومع ذلك لا تكاد توجد دولة عربية لديها بدل بطالة للشباب العاطلين. النتيجة أن كثيراً من الشابات – ينسحبون تماماً من سوق العمل، ليس رغبةً في الجلوس في البيت ولكن يأساً من العثور على فرصة. الكثير من النساء يتوقفن عن البحث عن عمل (فلا يتم احتسابهن كعاطلات في الإحصاءات) وربما يتجهن إلى الزواج والبقاء في المنزل، وهذا ما نسميه بطالة مقنّعة أو “مختفية”.

وتحاول بعض الحكومات إرجاع انخفاض مشاركة المرأة في العمل إلى عوامل ثقافية أو اجتماعية، لكن الحقيقة مختلفة: فقد كانت معدلات مشاركة النساء العمل ببلداننا أعلى بكثير في الستينيات والسبعينيات عندما كانت هناك حماية اجتماعية معتبرة وأجور متساوية نسبياً بين الرجل والمرأة، ثم تراجعت مشاركة المرأة بشدة مع تقلّص الحماية الاجتماعية في العقود الأخيرة.

مجرد توفير بدل بطالة للشباب القادرين على العمل سيكشف لنا الحجم الحقيقي للبطالة ويظهر الفجوة التي يتسبب فيها غياب الدعم. وستتضح أنها ليست مسألة ثقافية بقدر ما هي اقتصادية.

بالعودة إلى سؤالك حول البنك والصندوق، في الحقيقة أن البنك الدولي مثلاً دفع باتجاه نموذج إلغاء دعم الطاقة بشكل يعتبره “عادلاً”. دعني أوضح: صندوق النقد عندما يتحدث عن رفع دعم الطاقة، فهو لا ينظر إليه كإصلاح هيكلي لحماية الضعفاء؛ بل ينظر له كطريقة سهلة وسريعة لخفض عجز الموازنة. وكذلك الأمر في موضوع الأجور: عندما يطالب بوضع سقف للأجور الحكومية، فهو لا يتحدث عن إعادة هيكلة وإصلاح الإدارة الحكومية، بل هدفه خفض النفقات والعجز. هذا الخطاب – بالمناسبة – مليء بالادعاء، لأن عجز الموازنة بحد ذاته ليس الشغل الشاغل للصندوق كما يزعم. لكن ضمن سرديتهم، الهدف هو السيطرة على العجز المالي.

المفارقة أنه إذا كنا فعلاً نريد إصلاح القطاع الحكومي وتحسين خدماته (في التعليم مثلاً)، فربما نحتاج إلى زيادة الأجور لاستقطاب الكفاءات وضمان جودة الخدمة. في مصر لدينا نقص يتجاوز نصف مليون معلم في المدارس الحكومية، ويزداد كل سنة (كان النقص حوالي 300 ألف قبل بضع سنوات، أصبح الآن 500 ألف مع تطبيق برامج الصندوق، وسيزداد في المستقبل إن استمرت تلك البرامج).

لماذا؟ لأن ضمن الاتفاق مع الصندوق يتم وضع سقف منخفض جداً للأجور وتقليص التوظيف،لأنه ذلك لا يتعامل في إطار تشكيل وبناء ادارة رشيدة تحقق الأهداف التنموية، فبيحصل بشكل قاسي على  على صغار الموظفين، بينما كبار المسؤولين يجدون سُبلاً للالتفاف كما سأشرح.  مثلاً لدينا في مصر ما يسمى “الصناديق الخاصة”، وهي حسابات أموال تقع خارج الموازنة تماماً. عبر هذه الصناديق يتقاضى كبار موظفي الدولة جزءاً كبيراً جداً من دخلهم بعيداً عن الموازنة، وبعيداً عن أي رقابة أو شفافية كيف تتغذى هذه الصناديق؟ من رسوم وموارد متنوعة يدفعها المواطنون نظير خدمات عامة (مثل رسوم في المستشفيات الحكومية وما شابه)، ثم تُحوَّل تلك الأموال إلى صناديق تصرف مكافآت وبدلات ضخمة لكبار المسؤولين (من الوزير إلى مساعديه إلى قيادات المؤسسات).
هذه الطريقة تجعل جزءاً كبيراً من المال العام خارج نطاق الرقابة البرلمانية أو رقابة المجتمع المدني، ويُوزَّع بمعزل عن معايير العدالة أو الكفاءة.

هذه التركيبة في السياسة المالية النيوليبرالية – مع غياب الشفافية، وتركز الأموال في يد فئة نافذة دون رقابة – تؤدي إلى تشوّهات كبيرة.
هناك بالطبع طرق أخرى من هذه السياسات، أذكر مثلاً أن كولومبيا وضعت بنداً في موازنتها يقسم الإنفاق على الأجور إلى جزئين: أجور كبار موظفي الدولة وأجور صغار الموظفين، بحيث يمكن دوماً المقارنة ومعرفة من يتحمل العبء الأكبر في أي تخفيضات. مثال آخر من اليونان خلال أزمتها واتفاقها مع الصندوق: هناك أيضاً طُلب وضع سقف لكتلة الأجور، لكن الحكومة اليونانية قررت أن يساهم كبار الموظفين بنسبة أكبر(اقتطعوا 5% إضافية من دخول كبار المسؤولين) لضمان توزيع أكثر عدالة لأعباء التقشف.

أما منهج الصندوق المعتاد في بلداننا فهو القول: “ليس من العدل أن يحصل الجميع على دعم؛ سنركز الدعم على من هم أفقر الفقراء فقط”. ويفضل الصندوق عادةً أن يكون الدعم نقدياً وليس عينياً في فترات التضخم المرتفع، لأن قيمته الحقيقية ستتراجع،

الحكومة تصبح مثلا غير ملزمة بتوفير مقعد في المدرسة، لكنها توفر لي 100 جنيه، بالتالي فتقديم الدعم النقدي على حساب الخدمة يجعل أفقر الفقراء ليس لديه قدرة على إلحاق أولاده في المدرسة.

شهرياً لأسرة بدل دعم الخبز أو الوقود – لكن مع التضخم بعد سنة لن تكفي الـ100 جنيه لشراء ما كانت تشتريه من خبز أو لتغطية كلفة النقل كما في السابق. هكذا تتحول مسؤولية تأمين الخدمة (مقعد في مدرسة، غذاء أساسي، وقود مدعوم) إلى مجرد مبلغ رمزي يفقد قيمته تدريجياً، فتتنصل الدولة من مسؤولياتها الفعلية.

لقد رأينا نتائج ذلك في مصر مثلاً على الأمن الغذائي. حين رُفع الدعم تدريجياً عن سلع غذائية أساسية وزادت الأسعار، ظهرت مؤشرات صادمة: في الفترة 2020-2022 سجلت منظمة الفاو (FAO) أن واحداً من كل ثلاثة مصريين يعاني من انعدام أمن غذائي بدرجة متوسطة أو شديدة. هذا رقم يقارب المستويات الموجودة في أماكن مثل غزة المحاصرة منذ سنوات طويلة.

هل تتخيل هذا؟ مدى إجحاف السياسات بحق الناس، ولا ترى الاحتياجات الأساسية للمواطنين؟ حتى بالمنطق النيوليبرالي البحت: أنت تريد عاملاً منتجاً في المصنع، فإذا لم يجد ما يكفيه من غذاء فلن يستطيع الإنتاج بكفاءة! أي حتى بأكثر منطق القياس الوحشية النيوليبرالية هذه السياسات غير فعّالة وتأتي بنتائج عكسية.

ربيع نصر:
هم يقولون أنه لا يوجد إرادات، هذه حجتهم، الدولة غير قادرة مالياً على تحمل هذه الأعباء والالتزام بهذه الخدمات وبالتالي “حنجيب الفلوس منين؟”.

سلمى حسين:
دعني اجيبك أولا على هذا السؤال، هو بذاته سؤال سياسي بالدرجة الأولى، الأموال دائماً موجودة – على الأقل بالعملة المحلية – لأن الدولة ببساطة لديها أدوات سيادية (مثل البنك المركزي الذي يمكنه طباعة النقد وضخ الأموال في الاقتصاد). المسألة هي كيف تُدار الموارد وأين تُوجه؟
الحكومة ليست شركة أو بيزنس، لديها إمداد لا نهائي من النقود، فهو خيار سياسي، كم سيكون بيدي من نقود، ولمن سأقدمها؟

على مدى السنوات العشر الماضية مثلاً، تضاعف الإنفاق العام في مصر بأكثر من عشرة أضعاف. كنا نخصص حوالي تريليون جنيه للموازنة، وأصبحنا نخصص 6 أو 7 تريليونات هذه السنة. حتى مع اعتبار التضخم، لا يزال هذا زيادة حقيقية ضخمة في الإنفاق. ليس صحيحاً إذن أن الدولة لا تنفق؛ المشكلة في كيف وأين تنفق هذه الأموال. وبالإضافة للإنفاق داخل الموازنة، هناك أيضاً مبالغ ضخمة خارج الموازنة زادت كذلك وبدرجة رقابتها أقل. أي أننا نتحدث عن توسع هائل في حجم المال العام المستخدم في الاقتصاد.

برأيي المتواضع، العجز في حد ذاته لم يكن عدواً كما يتم تصويره – ربما العكس، أقول بشيء من الاستفزاز إن الإبقاء على عجز ودين مرتفعين أصبح هدفاً غير معلن للتركيبة الحاكمة الحالية، لأنها تستفيد منه. كيف؟ الإنفاق العام الإضافي هذا أين ذهب؟ جزء كبير منه ذهب لخدمة الدين المتفاقم (سداد فوائد وقروض)، وجزء كبير آخر ذهب لمشروعات واستثمارات استفاد منها قلة – كما شرحنا – بينما أضرت بالعديد من الآخرين.

لو نظرنا قطاعياً، سنجد أن ما حدث هو إعادة هيكلة للقطاع العام: تمت إعادة توجيه الأموال من شرائح الشعب ذات الدخل المحدود إلى جيوب الشرائح ذات الدخل الكبير. خذ مثلًا قضية رفع الدعم عن الطاقة التي ذكرتها. من واقع ما درسته، هذه من أكثر الأمور ظلماً التي قلما يجري الحديث عنها بشكل منصف. الدولة حين رفعت أسعار الطاقة (بنزين، كهرباء، غاز…) على المستهلكين بحجة تخفيف عبء الدعم، فعلت ذلك بصورة موحّدة على الجميع – غنيهم وفقيرهم – وقالت: “لا يصح أن يتساوى الغني والفقير في سعر السلعة”. لكنهم تجاهلوا نسبة العبء على كل منهما.
نسبة الدعم لكبار الأغنياء أقل بكثير في دخلهم من نسبة الدعم بالنسبة لقليل الدخل، لو لدي شخص دخله 100 جنيه شهرياً وآخر دخله 1000 جنيه، وكلاهما كان يحصل على دعم قيمته 20 جنيهاً (مثلاً في وقود أو خبز مدعوم). بعد رفع الدعم، وفرّت الدولة 20 جنيهاً من كل منهما. لكن 20 جنيهاً بالنسبة للأول تعادل 20% من دخله – وهذا مبلغ جوهري جداً له – أما بالنسبة للثاني فتعادل 2% من دخله – وهو مبلغ يكاد لا يشعر به. ومع ذلك الخطاب الرسمي يقول: “كلاهما كان يحصل على نفس الدعم، والغني لا يستحق ما يماثل دعم الفقير”. نعم، قد يكون الغني استفاد رقميّاً من الدعم سابقاً، لكن وقع إزالة الدعم عليه مختلف تماماً عن وقعها على الفقير. هذه الزاوية لا يكاد يتحدث عنها أحد في الحكومة ولا الصندوق. بل يكررون فقط أن “فاتورة الدعم كبيرة، والأغنياء كانوا يستفيدون منها أيضاً لذا أزلنا الدعم”. هذه أنصاف حقائق تحجب الجزء الأهم من الصورة.

الأهم من ذلك هو التمييز بين دعم للمستهلك، والدعم للشركات (سواء كانت شركات حكومية أو خاصة). في مصر – وفقاً لدراسات البنك الدولي وبعض المؤسسات – تبيّن أن الجزء الأكبر من دعم الطاقة مثلاً كان يذهب  إلى الشركات والهيئات الكبرى وليس للمستهلكين الأفراد.

ولقد أجرى البنك الدولي دراسات تشريحية على مصر وأوكرانيا لوضع طريقة عادلة اجتماعياً للتخلص من دعم الطاقة. وضعوا كتيّبات إرشادية حول كيفية رفع الدعم الطاقة، بشكل تدريجي وعادل اجتماعياً، يمكنهم سماع رأي البنك في هذا الموضوع.
لدي الكثير من المآخذ لكن بغض النظر، ما حصل أننا بدأنا فعلا في هذا الشكل لكن،  حين بدأت التنفيذ لمدة سنة ونصف خطة البنك لكن انقلبنا عليها حين اتفقنا مع الصندوق.
كان التوصيف أن المبلغ كبير جدا بيستحوز عليه قدر ضئيل جدا من الشركات، وليس عموم الأفراد فهنا لديناPolitical Economy Issue and Dilemma ، لدينا مأزق في اقتصاد السياسي، وليس في الاقتصادي فقط،  يجب فك سيطرة المستفيدين من الدعم، لتتمكن من تخفيض الفاتورة، ونتيجة أننا تجاهلنا هذه الاعتبار بتشجيع من الصندوق وتخاذل من البنك، فما حصل أننا زودنا الأسعار عشرات المرات، بعشرات الاضعاف على المستهلكين،  ونصيب الزياده هذا  طبعا تأثرت به الفئات الأكثر فقراً، ومع ذلك بقي لدينا حجم فاتوره دعم للطاقة ضخم جداً.
مصر ضمن أكبر عشر دول الداعمة للطاقة في العالم، رغم أنها لما تنظر إليهم، هناك 10 من كبار منتجي الطاقة، ونعتبر مستوردين للطاقة يعني اللي بيدعم الطاقة، سهل أن يبيعها لأهل البلد أسعار منخفضة كما في  السعودية، لكننا  لا نقم بذلك،  نحن نستورد لننتج طاقة،  فهنا الدعم يذهب لأقلية من الشركات منها الهيئات الحكومية المنتجة للطاقة، يعني أنا لدي هيئة البترول وهيئه الغاز وغيرهم، هم من يحصل  على الدعم في حقيقة الأمر ومن ثم يوزعوا منه على المصانع وعلى الشركات القطاع الخاص النافذة، التي هي معظم استثماراتها في صناعات كثيفة الطاقة.

ربيع نصر:
طيب رفع هذه التكاليف، مثل ما يتم طرحه  في سوريا مثلا، بل تم تنفيذها مثل تحرير أسعار الطاقة.

سلمى حسين:
هذا بالضبط هو الهدف الخاطئ تماماً هو ما يتم اتباعه: السعي لتقليص دعم الطاقة كرقم في الموازنة دون النظر إلى من المستفيد الحقيقي. كان يجب أولاً رسم من المستفيدين من دعم الطاقة، نوصف الوضع، كما يحدث في وضعنا أن النسبة العظمى من الدعم تذهب لقلة من كبار المنتجين، والفتات فقط لعامة الناس و على سبيل المثال، قُبيل 2013 قُدّر أن 80% من دعم الطاقة كان موجهاً لقطاعات إنتاجية وصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفقط 20% منه يذهب للمستهلكين العاديين (بنزين السيارات، غاز الطبخ، كهرباء المنازل…إلخ).

بالتالي إذا أردتُ عمل إصلاح حقيقي في دعم الطاقة دون الإضرار بالفقراء، فمن المنطقي تجنب المساس بالـ20% الموجهة للمستهلكين (على الأقل في المراحل الأولى)، والتركيز على إصلاح الـ80% الموجهة للقطاع الصناعي، بحيث يتم ترشيده تدريجياً وبصورة لا تضر العملية الإنتاجية ولا العمال في تلك الصناعات.
هذا ممكن عبر فرض إجراءات على الشركات الكبرى لتصبح أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مثلاً، أو تحميلها تدريجياً تكلفة أعلى، مع حماية العمال والمستهلكين الضعفاء.

الخلاصة: يجب ألا يكون تقليص عجز الموازنة هو المعيار الوحيد. الهدف ينبغي أن يكون إعادة توزيع الدعم بشكل عادل لتحقيق التنمية للجميع – سواء منتجين أو مستهلكين .

ربيع نصر:
إضافةً لما ذكرتِ، أود أن أسألك عن قطاعي التعليم والصحة تحديداً في ظل هذه السياسات. في السنوات السبع أو الثماني الأخيرة رأينا ما حدث في هذين القطاعين. ذكرتِ أنتِ بعض الجوانب مثلاً حول قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم المباشرة وغير المباشرة (كالدروس الخصوصية وما يرتبط بها). وفي الصحة أيضًا: لدينا مثلاً مستشفى حكومي عام، لكنه غير قادر على تحمل الضغط والطلب، فيصبح الأمر أشبه بخصخصة غير مباشرة أو دفعٍ باتجاه القطاع الخاص؛ أوكذلك تحرير أسعار الدواء. من منظور التعليم والصحة، برأيك كيف أثرت وتسارعت السياسات النيوليبرالية على هذين القطاعين وعلى الناس؟

سلمى حسين:
جزء من أثر تسارع السياسات النيوليبرالية هو أننا نمرّ بمرحلة عديمة المشاركة المجتمعية. لا أريد أن أسميها “غياب الديمقراطية” فقط، لأن المشاركة أوسع من مجرد الديمقراطية التمثيلية. ما أعنيه هو غياب أي حرية تعبير حقيقية أو مشاركة شعبية صاعدة في رسم السياسات. هذا الأمر سرّع كثيراً تطبيق إجراءات قاسية. عندما أدرس برامج صندوق النقد في الأردن وتونس ومصر، أجد أن الأثر الاجتماعي السلبي في مصر كان أشدَّ قسوة مقارنةً بعَمّان وتونس، والسبب أن مستوى المشاركة الشعبية والتنظيم المجتمعي كان أضعف بكثير في مصر خلال فرض الإجراءات. ملف الطاقة مثال على ذلك: في الأردن وتونس كان هناك حوار ومقاومة مجتمعية أقوى لضبط إيقاع رفع الأسعار. أما في مصر، فاتُّخذت قرارات قاسية بسرعة. مثلًا، البنزين – وهو ملف أدرسه حالياً – يعدّه الصندوق أقل عبئاً على الموازنة قياساً بغيره، ويرى أنه يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء (بحجة أن من يملك سيارة أغنى ممن لا يملك). ومع ذلك، نسبة دعم البنزين من الإنفاق العام كانت صغيرة جداً، لكن آثاره التضخمية عند رفع سعره كبيرة وواسعة النطاق. مع ذلك أصرّ الصندوق على آلية مراجعة شهرية لسعر البنزين – طُبّقت حرفياً في تونس مثلاً – حتى خلال فترات كان فيها تقلب الأسعار العالمية شديداً. النتيجة: تأخذ الحكومة كل الثمن الاجتماعي الباهظ، دون أن تحقق أثراً مالياً يُذكَر على الموازنة. ونفس الأمر حصل في مصر؛ لدينا آلية صندوق النقد لكنها تطبَّق فقط على البنزين، فيتركز كل الضغط الناتج عنها على هذه السلعة. أما بقية أنواع الطاقة التي يستهلكها الاقتصاد (كالديزل للمصانع، أو الغاز الطبيعي للصناعة، واسطوانات الغاز المنزلي)، فلم يطبَّق عليها نفس مبدأ التسعير الشهري المستمر. في الواقع، الحكومة تركت مصانع كثيرة لسنوات لا تدفع مستحقات الغاز مثلًا، وتتراكم عليها الفواتير دون مطالبة أو مساءلة. كل هذه اختيارات سياسية. لماذا أحرّر سعر البنزين الذي يستهلكه الأفراد بدرجة أكبر مما أحرّر سعر السولار أو الغاز الذي تستهلكه المصانع؟ ولماذا أتساهل مع تأخر المصانع في سداد فواتير الغاز والكهرباء مثلاً ولا أتساهل مع استهلاك المواطنين؟ هذا نموذج لكيفية اتخاذ القرار بغياب المشاركة المجتمعية والرقابة: يؤخذ القرار بشكل يميل لمصلحة الجهات الأقوى والنخب الاقتصادية.

ونفس المنطق ينطبق على قطاعات كالتعليم والصحة. لكن لننظر أيضًا إلى الفرق في ردّة الفعل المجتمعية بين البلدان: في تونس مثلاً كانت هناك نقابات قوية وقفت ضد تخفيض أجور العاملين في التعليم والصحة أو ضد أي مساس كبير بموازنتَي هذين القطاعين، وكذلك في الأردن. أما في مصر فلم يوجد هذا النوع من الحراك أو التنظيم – لا نقابات مستقلة فاعلة، ولا إعلام يساند الأطراف الأضعف في المعادلة. والنتيجة حصول قصور رهيب. سأعطيك مثالاً من التعليم: تم تقليص الإنفاق بصورة حادة، ولم تحصل أي زيادات تذكر برغم النمو السكاني. لدينا في مصر دستور ينص على أن لا يقل الإنفاق الحكومي على التعليم عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً للتعليم قبل الجامعي (و6% للتعليم بجميع مراحله تشمل الجامعي). هذه مادة دستورية لم تلتزم بها الحكومات أبداً؛ بل على العكس، ظلت تقلّص نسبة الإنفاق على التعليم. لدرجة أننا حالياً – بحسب آخر الأرقام – ننفق حوالي 1.5% من الناتج فقط على التعليم المدرسي ما قبل الجامعي، تصوّري كم هو العجز. هذا شيء كارثي غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. المتوسط العالمي لدول تماثلنا في المستوى التنموي هو إنفاق 5–6% من ناتجها على التعليم. نحن أقل من ثلث هذا المستوى. هذا النقص نتيجة مزيج من سياسات الصندوق الكارثية التي فُرضت – ليس هنا مجال تفصيل كيف أدت تحديداً إلى هذا الوضع – لكنه أوجد نقصاً في الإنفاق وكذلك سوء توزيع للإنفاق القليل المتاح. بمعنى: نصيب الطالب من الإنفاق في كل محافظة لا يتوافق إطلاقاً مع معدلات الفقر في تلك المحافظة.

المنطق يقول: حين تكون الموارد شحيحة، يجب أن أوجّهها بأفضل شكل ممكن، أي أزيد الإنفاق العام في المحافظات الأكثر احتياجاً حيث نسبة الفقر أعلى وعدد الطلاب الفقراء أكبر. لكن في واقعنا، لا التعليم ولا الصحة لديهما نموذج التوزيع العادل هذا. فمثلاً القاهرة تحظى بأعلى نصيب من الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة، بغض النظر عن عدد الطلبة فيها أو معدلات الفقر فيها. والتفاصيل الدقيقة لتوزيع المخصصات مخيفة؛ إذ حتى داخل القاهرة – التي هي أكثر حظاً نسبياً – نجد انحيازات. على سبيل المثال: إذا كنت أتذكر الرقم صحيحاً، القاهرة فيها حوالي 1.5 مليون طالب في التعليم قبل الجامعي. الميزانية المخصّصة لمكتب وزير التعليم ومعاونيه في القاهرة مساوية تقريباً لميزانية تشغيل المدارس التي تخدم هذا العدد من الطلاب! أي حتى ضمن أكثر المحافظات إنفاقاً، هناك سوء توزيع داخلي: حصة الإداريين الكبار ومن حولهم ضخمة مقارنةً بحصة العملية التعليمية ذاتها.

ربيع نصر
أذكر هنا واقعة: قبل بضع سنوات في لقاء مع كبير اقتصاديي البنك الدولي المعني بمصر، قال ما معناه:”بما أن التعليم العام ضعيف، وبما أن كل الطلاب يذهبون إلى دروس خصوصية، فالأفضل للجميع خصخصة التعليم!” … هذا الطرح تبسيطي ومستهتر للغاية.

سلمى حسين:
قمت في إحدى السنوات بحساب ما أسميته فجوة الاستحقاق الدستوري في تمويل التعليم: أي الفارق بين ما تنفقه الحكومة فعلياً على التعليم وما يجب أن تنفقه وفق الدستور. فوجدتُ أن هذا الفارق يساوي تقريباً ما تنفقه الأسر المصرية على الدروس الخصوصية! بمعنى أنه لو قررت الحكومة اليوم الالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على التعليم الحكومي (حتى دون بناء مدارس جديدة أو تعيين مدرسين إضافيين فوراً)، لسدّت معظم العجز الحالي في العملية التعليمية، ولأمكن الاستغناء بدرجة كبيرة عن ظاهرة الدروس الخصوصية. كذلك حسبتُ أنه لو حُدِّد الحد الأدنى لأجر المدرس بشكل مناسب ودُفع للجميع، فإن عدداً كبيراً من المدرسين سيرتفع دخلهم إلى الحد الأدنى اللائق – لأن معظمهم حالياً يتقاضون أجوراً زهيدة جداً، دون أي مزايا إضافية.

ربيع نصر:
طيب… هذا حديث شيّق، ولدينا قضايا مشتركة كثيرة لم نتطرق لها بالتفصيل مثل الخصخصة أو التحرير التجاري وغيرها. لكني حابب أنتقل معك إلى فكرة الخيارات والطروحات البديلة. بصراحة، هل نكتفي نحن المتخصصين بأن نقوم بالتحليل ونوجّه الانتقادات دون أن يكون لدينا خيارات فعلية قابلة للتطبيق نطرحها كبديل؟ ما هي برأيك الخيارات المتاحة لتعزيز الحماية الاجتماعية وفي نفس الوقت بناء اقتصاد فعّال ومنتج؟

سلمى حسين:
لنأخذ مثالاً مما تحدثنا به قبل التسجيل: تعديلات ضريبة الدخل. قضية الضرائب هي قضية سياسية بامتياز – من الأقوى يحصل على مزايا أكثر – لكنها أيضاً قضية مفصلية. ودائماً ما يميل أصحاب الأعمال والثروات الكبرى يميلوا إلى تخفيض معدل الضريبة عليهم، مثل بقية البشر، لكن الفرق أن بقية الناس يمكن أن يجوعوا حرفياً إذا ارتفعت الضرائب كثيراً عليهم، بينما هؤلاء الأثرياء يتأثر دخلهم فقط دون أن تمسهم الحاجة.

دائماً أعطي هذا المثال للتوضيح: تخيّلي فرض ضريبة موحّدة بنسبة 20% عليَّ وعلى إحدى الأسر فاحشة الثراء – عائلة ساويرس مثلاً (وهي من أغنى العائلات في العالم حسب مجلة فوربس). 20% من دخل شخص دخله 1000 جنيه غير 20% من دخل شخص دخله 10 ملايين جنيه. صحيح أن الحكومة ستحصل مبلغاً كبيراً جداً من صاحب الـ10 ملايين، لكن ما سيتبقى في يد ذلك الثري (8 ملايين مثلاً) لا يزال مبلغا هائلاً. لا يوجد أي منطق اقتصادي رشيد يتطلب أن يتراكم في يد شخص واحد كل عام مبلغ كهذا يُضاف إلى ثروة ضخمة أصلاً. من هنا تأتي أهمية الضريبة التصاعدية – أي زيادة معدل الضريبة كلما ارتفع الدخل – وهذا ليس فقط لتحصيل إيرادات للدولة، بل أيضاً حفاظاً على رشادة الاقتصاد نفسه ومنع تركّز غير منطقي للثروة.

هذا من حيث المبدأ العام. أما في حالة واقعية مثل سوريا اليوم مثلاً، نسمع أن كبار رجال الأعمال يسعون لوضع حد أقصى للضريبة عند 15%. ليتهم يدفعون 15% فعلاً! في مصر الحد الأقصى الحالي 20% ورفَعوه مؤخراً إلى 22 أو 24%. لكن فعلياً نجد أن كبار الشركات في مصر لا يدفعون أكثر من حوالي 1.5% فقط من أرباحهم كضرائب. لماذا؟ لأنهم هم من يضعون القانون ويفصّلونه ليستثني أنواعاً كثيرة جداً من الدخول من وعاء الضريبة، فلا تراها الحكومة أصلاً. بالتالي، قد تربح شركة كبرى 10 مليارات جنيه، لكن القانون لا يعترف إلا بمليار واحد منها كدخل خاضع للضريبة، وبسبب الإعفاءات والثغرات المتعددة ستدفع ربما 2 مليون جنيه فقط! وكلما كبرت الشركة، زادت قدرتها على توظيف أمهر المحامين والمحاسبين لتصميم خطط لتجنّب الضرائب (وأقول تجنّب لا تهرّب، لأنه قانوني تماماً). لذلك أقول: إذا كانوا يريدون 15% كحد أقصى – فليكن، بشرط ألا تكون هناك ثغرات. سدّ الثغرات والمنافذ أهم من نسبة الضريبة العليا نفسها.

ربيع نصر:
الآن، في ظل مستويات الفقر المخيفة، وارتفاع البطالة أيضاً، واتساع التفاوت الاجتماعي – ذلك التفاوت الذي كنا نتحدث عنه في الثمانينات والتسعينات أصبح الآن أشد بكثير، سواء بين المناطق جغرافياً أو بين فئات السكان – برأيك، هل يمكن أن تكون إعادة النظر في السياسة الاقتصادية مخرجاً من هذا الاختناق؟، كيف يمكن أن تكون ملامح السياسة الاقتصادية بشكل يجعلها مخرجاً تنموياً من حالة ازدياد الفقر والتشنج الاجتماعي والتفاوت هذه؟

سلمى حسين:
سأفكّر معك بصوت عالٍ – ليست لدي إجابة جاهزة طبعاً. لكن مما رصدته كمراقبة هو أنه خلال حوالي 30 سنة من موجة التقشف حول العالم (والتقشف هنا يعني تقليص الإنفاق الحكومي على القطاعات الاجتماعية والتنموية مثل التعليم والصحة، وتقليص دور الدولة في إدارة وتشغيل المرافق العامة وتسعير الخدمات العامة…)، لاحظتُ أن وتيرة التقشف – أي سرعة وحجم تقليص الإنفاق على تلك القطاعات – كانت أعلى بكثير كلما كانت الديمقراطية محاصرة أكثر. بمعنى آخر: في البلدان ذات الحريات الديمقراطية المحدودة، سارت إجراءات التقشف بوتيرة أسرع وأقسى. خذي منطقتنا العربية مثالاً: إذا قلنا إن هناك سبع أو ثماني إجراءات تشكل مجتمعةً ما يُسمى سياسة التقشف، فسنجد معظم هذه الإجراءات مطبّقة في بلداننا، وبدرجات كبيرة جداً من التقليص، كما رأينا في مثال التعليم الذي تحدثنا عنه للتو.

في البلدان ذات الحريات الديمقراطية المحدودة، سارت إجراءات التقشف بوتيرة أسرع وأقسى.

أعتقد أن المنطق المضاد يقول: لو وُجدت مثلاً سلطات محلية قوية تدافع عن احتياجات المناطق التي تمثلها، فسوف يُبطئ ذلك من وتيرة تآكل مخصصات تلك المناطق في التعليم والصحة. على سبيل المثال، عندنا في مصر ظاهرة هي بناء الكثير من المستشفيات الحكومية الجديدة، لكنها تبقى مجرد مبانٍ مغلقة لأننا لا نملك المال لتعيين أطباء وطواقم فنية لتشغيلها. هذا النوع من الهدر يمكن تقليصه إذا كان هناك قرار مجتمعي واسع يحدد أولويات إنفاق الأموال العامة. وجود مشاركة محلية حقيقية في القرار من شأنه أن يضمن توجيه الموارد إلى ما يعتبره الناس أولوية فعلية. أنا صراحةً لا أعرف كيف يمكن تحقيق هذا بالضبط – فلا يوجد نموذج ناجح واضح في منطقتنا نستطيع الاقتباس منه. لكن من بعض التجارب العالمية التي نتابعها، مثلاً في الفلبين أو حتى في الصين على طريقتها الخاصة، نجد أن المحليات (الحكومات المحلية) قد تشكّل في لحظات التحول الكبرى خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين الاجتماعية. ربما تكون أكثر أهمية حتى من البرلمانات الوطنية في هذا الصدد وهي مفرخة لسياسات مختلفة. ومن خلال تمكين الحكم المحلي ظهرت تجارب على سبيل المثال تجربة الموازنة التشاركية التي نشأت في إحدى الولايات البرازيلية – هذه التجربة انطلقت من مستوى محلي ولم تكن لتظهر من قمة الهرم دون وجود محليات نشطة وفعّالة. أعتقد أن طريقة خلق سياسات بديلة تبدأ فعلاً بفتح المجال من الأسفل. وبالتالي، كل مجتمع سيتمكن من ابتكار الصيغ المناسبة له بحسب احتياجاته وظروفه.
أنا لدي هنا مدرسة، تحتاج مُدرس، لا يمكن للحكومة المركزية أن ترى احتياجات مدرسة في قرية نائية، الأصل أن يبقى هناك مجتمعات محلية مصغرة ودور الدولة أن توائم مابينهم، بس الأصل هو هكذا، فكرة أن تكون الدولة مركزية قومية متحكمة في كل شيء هي وصفة لعدم النجاح، هي ناجحة في تركيز الثروات، فإذا الهدف خلق لا مساواة وخلق أقلية نافذة لديها الكثير من النقود الحكومة المركزية بهذا الشكل تدعم هذا الشكل من المجتمع.
إذا أردنا تنمية عادلة يجب التفكير في تمكين قواعد مجتمعية تتناقش، وتبحث عن احتياجات المجتمع.

ربيع نصر:
ما تتفضلِ به له علاقة النموذج الاقتصادي الديمقراطي أو ديمقراطية الاقتصاد من جهة المشاركة، ومن جهة أي توزيع فرص عادلة لكن التحدي تبعنا انه الطرح السائد بالعالم وليس فقط منطقتنا هو يعزز العكس يعني يعزز ال الإقصاء.

سلمى حسين:
التقشف لديهم ليس بالقسوة كما عندنا، مثلاً في كوفيد انفضحت الأنظمة الصحية في أوروبا مدى جودتها ونجاحها، ومدى عموميتها وإذا كانت تشمل كل المواطنين، بالتالي التقشف أثر عليهم لكن بمعدل أقل بكثير من النظم التي لم فيها اي شكل من أشكال المساءلة، والديمقراطية، وبالتالي هي مسألة مفتاحية أن يبقى عدد كبير من الناس تشترك في القرارات الكبرى، لذا أن أقول أن نبدأ من الأسفل للأعلى، يبدو عكس المنطق، لكنك توسع دائرة اتخاذ القرار.

ربيع نصر:
أكيد نحن بحاجة لتجارب لنكتشف هي البدائل كي ممكن تشتغل، لكنها تحتاج لجرأة أيضاً لطريقة العمل هذه.

سلمى حسين:
  ما حدث في مصر عام 2013 كان عكس ذلك تماماً. تمت خارطة طريق معكوسة: استفتاء على الدستور ثم انتخابات رئاسية ثم انتخابات تشريعية. وكان هذا بالضبط عكس ما كنا نطمح إليه،  ولم يكن هناك أي ذكر للانتخابات المحلية.
لكي تنجح أي ثورة وتؤتي أُكلها فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية ونموذج ناجح، البداية تبدأ بانتخابات محلية على عيوبها، على الأقل يبقى هناك رأي لفقراء اي منطقة في تسيير شكل منطقتهم.
في تقديري خلال المراحل الانتقالية يجب أن تبدأ العملية السياسية بانتخابات محلية تليها التشريعية ثم الرئاسية – وليس بالعكس. لأن السيطرة الأمنية على قرية أو مدينة صغيرة يوم الانتخاب أسهل كثيراً من السيطرة على بلد بأكمله في يوم واحد. كذلك لأن حماس الناس واستعدادهم للمشاركة يكون في أعلى مستوياته بعد التغيير مباشرةً، فينبغي استثماره محلياً أولاً حيث النتائج مباشرة ومؤثرة في حياتهم اليومية. هذا يمنح الناس شعوراً بجدوى المشاركة ويخلق زخمًا على نطاق ضيق يمكن توسيعه تدريجياً.

ربيع نصر:
لا أبداً، على العكس تماماً. طرح غني جداً. ومن المهم جداً التفكير على المستوى المحلي إلى جانب المركزي كما تفضلتِ، وكيف نزيد مساحة المشاركة الشعبية. فالناس يُصيبها اليأس حين لا يستمع أحد مطالبها وحين لا تتوفر قنوات للتأثير في القرار المركزي. ما تفضلتِ به حول تمكين المحليّات ضروري جداً. قبل أن نختم، هل هناك أي شيء آخر ترغبين في إضافته؟ أي فكرة أخيرة تحبّين التركيز عليها نظرة إلى المستقبل؟

سلمى حسين:
نعم… أود أن أقول إنني أتمنى أن تتجنب سوريا مسار اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وإن كان لا مفرّ من الاقتراض الخارجي، فليكن عبر البنك الدولي وليس الصندوق. في رأيي، مسار الصندوق كارثي على النحو الذي وصفناه. لقد تحوّل الصندوق إلى عرّاب للمقرضين الكبار. ما يمنحه من “شهادة ثقة” يضمن من خلالها لهؤلاء المقرضين – الذين أسميهم “المقرضين الكسالى” – أن أموالهم في أمان. كنا نقول سابقاً إن الصندوق هو ملاذ الاقتراض الأخير؛ أي حين تفشل الدولة في الاقتراض من أي جهة أخرى تضطر للجوء إليه. اليوم الوضع اختلف: الصندوق يبدأ معنا بمبلغ قليل جداً، ثم يأتي بعده هؤلاء المقرضون الكسالى ليقرضوا الدولة بناءً على ثقة أن الصندوق مشارك. وعندما يوافق الصندوق على الإقراض، يُعاد هندسة السياسات الاقتصادية كلها لضمان تعزيز قدرة الدولة على سداد الدين لهؤلاء الدائنين. تُبتكر مؤشرات تبدو براقة – مثلاً نسبة عجز الموازنة إلى الناتج – ويصبح جوهر الاهتمام هو قدرة الدولة على خدمة الدين. فإذا حققت الحكومة تلك المؤشرات وسددت الدين في موعده، يكون الصندوق والمقرضون سعداء… وانتهى الأمر. أما بقية الجوانب – التنمية الحقيقية، مستوى معيشة المواطنين، حتى وضع الحكومة نفسها – فتكون قد خسرت. المشكلة أن هيمنة هذا الخطاب وصلت إلى حكوماتنا نفسها؛ كثير من حكومات المنطقة تبنّت عقلية “إرضاء الصندوق” كهدف بحد ذاته.

أتمنى أن تتجنب سوريا مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإن كان لا مفرّ من الاقتراض الخارجي، فليكن عبر البنك الدولي وليس الصندوق. مسار الصندوق كارثي على النحو الذي وصفناه، لقد تحوّل الصندوق إلى عرّاب للمقرضين الكبار

أتمنى من قلبي أن تتمكن سوريا من تفادي هذا المسار الذي سارت فيه تونس والأردن ومصر وكلها عانت منه (ولبنان أيضاً على الطريق). ما يحدث الآن أن موظفين في البنك الدولي والصندوق (وليسوا صغاراً فقط بل مسؤولين كبار أيضاً) يلتحقون بحكومات دولنا، فيصبح لدينا ما نسمّيه “رجل الصندوق بالداخل”. حتى لو افترضنا حسن النية لديهم، فهم يحملون تحيّزات عميقة ومتجذرة في تفكيرهم لصالح سياسات الصندوق. لذا، بالفعل مسار الصندوق خطر جداً. فهو عبارة عن حزمة سياسات تجمع بين تعويم العملة وتحرير الأسعار (خصوصاً أسعار الطاقة) مما يرفع التضخم بشدة، ثم يقول الصندوق لمواجهة التضخم لا بد من رفع سعر الفائدة، وينتهي الأمر بــتقشف انتقائي في الاقتصاد. أسميه انتقائيًا لأنه يختار أن يبقى العجز كبيراً ويبقى الدين الحكومي كبيراً – والنتيجة إثراء فئة صغيرة جداً من مقرضي الحكومات على حساب بقية الناس. إنني حقاً أرى هذا المسار خطيراً ومؤذياً للغاية، ويجب التحذير منه بكل قوة.

ربيع نصر:
رائع… شكراً جزيلاً لكِ سلمى على هذا النقاش الثري. أتصوّر أن كل هذه المعلومات الغنية التي قدمتِها تستدعي أن تكون لنا لقاءات مستقبلية لنخوض في التفاصيل بشكل أعمق.


سلمى حسين:
وأنا أيضاً لدي فضول أن أسمع منك أكثر عن مقارنات مع الحالة السورية في المرات القادمة.

ربيع نصر: بكل تأكيد، إن شاء الله، سنحرص على فتح نقاشات تفصيلية، وأن يكون تطوير السياسات والخيارات مشتركاً وعابراً للحدود. شكراً جزيلاً لكِ على كل ما قدمتِه لنا اليوم – معلومات غنية وخبرة واسعة – ونتمنى أن نستفيد منها جميعاً.

سلمى حسين: شكراً جزيلاً لكم.

ربيع نصر: شكراً جزيلاً أيضاً لجميع المستمعين والمشاهدين. نراكم قريباً في حلقة جديدة.

Episode references:
Publications by Salma Hussein:

– الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي وسبل الوصول إلى سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة – تعديل سلمى حسين

https://s3.eu-central-1.amazonaws.com/storage.arab-reform.net/ari/2024/04/17124011/2024-04-AR-1-Egypts-Successive-Economic-Crises-The-IMFs-Impact.pdf

– Uncovered: The Role of the IMF in Shrinking the Social Protection” (2022)

مجموعة دراسات حررتها سلمى ضمن سلسلة منظمة فريدريش إيبرت، تتناول أثر صندوق النقد الدولي في تقليص أنظمة الحماية الاجتماعية في عدد من الدول العربية.

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/tunesien/19560.pdf

–  Spill of Flaws: Egypt’s IMF‑Backed Energy Subsidy Plan (2018)

ورقة بحثية نشرت عبر شبكة ANND، تنتقد سياسات رفع دعم الطاقة في مصر وتأثيرها على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

https://annd.org/en/publications/details/a-spill-of-flaws-egypts-imf-backed-energy-subsidy-plan

– Building Resilience Blocks: How to Improve the Quality of Work for the Egyptian Construction Precariat? (2022)

https://www.euromesco.net/wp-content/uploads/2022/01/Paper-N%C2%BA50.pdf

–  A Guide for Social Protection Tools and Programmes (Umbrellas for All)

دليل شامل يحتوي على تصنيفات وبرامج الحماية الاجتماعية حول العالم، صدر ضمن سلسلة FES.

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/tunesien/19560.pdf

–  “Rhetorical Hypocrisy and Ideological Rigidity at the IMF”
Author: Salma Hussein
Date: 16 May 2025

https://www.annd.org/en/publications/details/rhetorical-hypocrisy-and-ideological-rigidity-at-the-imf-salma-hussein

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

     البودكاست
     الحلقة 18                –                27 أغسطس، 2025
     البودكاست

أثر السياسات الاقتصادية على الحماية الاجتماعية في مصر

     الحلقة 18                –                27 أغسطس، 2025
                     –                هذه الحلقة باللغة العربية

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، نستضيف الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في حوار معمّق حول تحولات الحماية الاجتماعية في ظل السياسات النيوليبرالية، انطلاقًا من تجربة مصر كنموذج يمكن قراءته لفهم المسارات المشابهة في سوريا والمنطقة.

نتناول تأثير سياسات رفع الدعم والتقشف على الفئات الأكثر هشاشة، ودور المؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي في إعادة تشكيل سياسات الحماية الاجتماعية، من خلال شروط التمويل وفرض أولويات اقتصادية تتقاطع مع مصالح النخب الحاكمة.

كما نناقش العلاقة بين الاستبداد والنيوليبرالية، حيث تتحوّل السياسات الاقتصادية إلى أدوات لإعادة إنتاج بنى التسلط، وتعميم الفقر، وحرمان الشرائح الواسعة من الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

تسلّط سلمى الضوء على آليات استهداف الفقراء، كيف تُستخدم كغطاء لسياسات التقشف، وعلى البدائل الممكنة لبناء حماية اجتماعية قائمة على العدالة، الحقوق، والمشاركة الشعبية.

عن ضيفة الحلقة:
باحثة اقتصادية وخبيرة في السياسات العامة، تتمتع بخبرة واسعة في تحليل سياسات الاقتصاد الكلي في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في مصر.
تحمل سلمى درجة الماجستير في السياسة العامة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة.
شاركت العام الماضي بدراسة بعنوان: “الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي ومسارات نحو سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة”، كما ساهمت في تقارير متخصصة حول الحماية الاجتماعية. إلى جانب نشاطها البحثي، قامت بتدريب صحفيين، برلمانيين، وأعضاء منظمات مجتمع مدني في العديد من الدول العربية. كما ساهمت في ترجمة كتاب توماس بيكيتي “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”

يحاورها ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.

تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا حوارات بديلة”، وهي حلقة مميزة ضمن الموسم الحالي المخصص لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت. أهلاً وسهلاً بالجميع. نحن اليوم لدينا حلقة مميّزة سنناقش فيها تجربة لبلد عزيز وغالٍ جداً علينا جميعاً – مصر – وذلك مع باحثة مميّزة، الأستاذة سلمى حسين. فأهلاً وسهلاً بكِ سلمى، نوّرتِنا بحضورك.

سلمى حسين:
أهلاً أهلاً، سعيدة جداً بوجودي معكم، وشكراً على الاستضافة.

ربيع نصر:
أهلاً بكِ. في هذا البودكاست نحاول أن نركز على الإنتاج المعرفي في المنطقة وعلاقته بالقضايا التنموية. في ظل الواقع الذي نتحدث فيه في المنطقة – وطبعاً بالإضافة إلى النزاعات والحروب وتضييق المساحات المدنية – هناك أيضاً من الناحية الاقتصادية عدة قضايا تتفاقم أو يُعاد طرحها مجدداً. من هذه القضايا: سياسات الأجور والتشغيل، وقضايا الحماية الاجتماعية ودور الدولة التنموي. نلاحظ أن هذه المعاناة تزيد في المنطقة وتنعكس على أغلبية السكان.
فإذا أردنا أن نتخذ مصر كحالة للدراسة والتحليل في نقاشنا اليوم، أرغب في أن نرى كيف أثّرت مجموعة من العوامل: زيادة الدين العام، وتغيير دور الدولة التنموي، وارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع معدلات البطالة، والاعتماد على المساعدات الخارجية بشكل قد يخلّ أحياناً بالسيادة ويؤثر على رؤية البلد للتنمية المستدامة، الأضرار الهائلة التي تلحق بالبيئة وغيرها من الظواهر التي نراها كل يوم نتيجة السياسات المتّخذة تحت غطاء النيوليبرالية – بمعنى استخدام السياسات الاقتصادية لصالح النخبة في أغلب الأحيان. فهذه جزء من المواضيع التي سنناقشها اليوم معكِ يا سلمى.

طبعاً، يجدر بالذكر أن سلمى حسين باحثة اقتصادية وخبيرة في السياسات العامة، ولديها خبرة واسعة في سياسات الاقتصاد الكلّي في الشرق الأوسط وخاصةً في مصر. حاصلة على ماجستير في السياسة العامة من الجامعة الأمريكية في القاهرة وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة. لها عدة دراسات سنشارك روابطها ليستفيد منها المستمعون، منها على سبيل المثال: “الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي” و “مسارات نحو سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة”. ولديها الكثير من المساهمات في قضايا الحماية الاجتماعية، وبالإضافة إلى نشاطها البحثي فهي تقوم بتدريب صحفيين وبرلمانيين ومنظمات مجتمع مدني في عدة دول عربية. كما ساهمت في ترجمة كتاب توماس بيكيتي الشهير “رأس المال في القرن الحادي والعشرين”. فأهلاً وسهلاً بكِ مجدداً، سلمى.

سلمى حسين: أهلاً بك.

ربيع نصر:
سلمى، بعد الثورة – وطبعاً مصر دائماً هي التي تقود القاطرة في القضايا الديمقراطية والسياسية – كان هناك تفاؤل كبير رافق الربيع العربي في مرحلته الأولى. كيف تصفين لنا أهم التوجهات التي ظهرت في ذلك الوقت فيما يخص قضايا الحماية الاجتماعية والعدالة؟

سلمى حسين:
بالنسبة لمسار ما بعد الثورة، أود أن أوضح أن قضايا العدالة الاجتماعية دائماً ما تتحقق نجاحاتها عبر مسارات طويلة وملتوية؛ فلا توجد نجاحات تتحقق بضربة قاضية أو بشكل فوري. نجد دائماً نجاحاً هنا يقابله تراجع هناك، وهكذا. وبالتالي فإن النظر إلى الربيع العربي وسعيه نحو العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع هو جزء من معركة متواصلة. لا توجد “جنّة” على هذه الأرض – إن صح التعبير – فدائماً هناك أخذٌ ورد، وانتصارات صغيرة هنا وهناك. لذلك يجب أن نتعامل مع الأمر بسعة صدر حتى لا نصاب بالإحباط بسرعة.

وتعلّمنا خلال السنوات العشر الماضية أن الثورات التي شهدناها في البلدان العربية، سرعان ما انقلبت إلى إحباط وخيبة أمل. والحق أن هذا نمط متكرر عبر التاريخ. فليست الثورة وحدها ما سيخلق التغيير المرجو؛ لا توجد ضربة قاضية تحققها ثورة في مجال العدالة الاجتماعية. بل هو سعي متواصل بين أطراف ليست لديها نفس السلطة والنفوذ – إذ إن الساعين إلى العدالة الاجتماعية عادةً ما يكونون الطرف الأضعف في المعادلة. لذا علينا أن نواصل المشوار برويّة وإصرار، ونستمر بالمطالبة بما هو حق وكيفية الوصول إليه.

في نهاية المطاف – وللأسف – خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الأخيرة تفاقمت التشوّهات الكبرى في الاقتصادات العربية، وخاصةً في الاقتصاد المصري فيما يتعلق بنمط التنمية ونموذجها. ستجد مثلاً تركيزاً شديداً على متابعة تغيّر الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل غياب كامل تقريباً للحديث عن الدخل الإجمالي. علماً أن الاهتمام بالدخل يُعدّ مسألة أساسية جداً في علم الاقتصاد الكلاسيكي والنيوكلاسيكي. صحيح أن الناتج والدخل رقمان متساويان من ناحية الحساب، ولكن طريقة النظر إليهما مختلفة تماماً.

النظرة إلى الناتج تكون إلى قطاعات إنتاجية مجرّدة: الزراعة، الصناعة، الخدمات المالية، الإنشاء والتعمير، إلى آخره. أما النظرة إلى الدخل فتركّز على من حصل على هذا الناتج: ما نصيب العاملين كأجور؟ وما نصيب أصحاب الملكيات كعوائد؟ وما نصيب المودعين في البنوك كفوائد؟ أي كيف توزّع الناتج على الناس بغض النظر عن القطاعات التي يعملون فيها. هذه النظرة شديدة الأهمية غابت تماماً مع سيادة السردية النيوليبرالية في الاقتصاد.

الأمر الثاني أيضاً أننا لم نعد نهتم بهيكل الناتج. فكما قلتُ، من المهم النظر إلى طريقة التوزيع، ولكن كذلك مهم النظر إلى هيكل الإنتاج: ما نوع الزراعة أو الصناعة أو الخدمات التي تحقق النمو؟ هل هي صناعة استخراجية أم تحويلية؟ للأسف غابت أدوات التحليل التقليدية الكلاسيكية والنيوكلاسيكية عن الحوار الاقتصادي. أصبح لدينا اقتصاد موجّه للتصدير مقابل اقتصاد موجّه للإحلال محل الواردات، ويعامل الأمر وكأن الخيارين متعارضان. علماً بأنه لكي نعظّم الاستفادة من التصدير نحتاج أيضاً لإحلال محل الواردات لفترة معينة لتحقيق تعميق صناعي. لكن في ظل هيمنة السردية النيوليبرالية مقزمة للاقتصاد الكلي تتجاهل هذا التكامل.

الأمر الثالث في رأيي – خاصةً في منطقتنا – هو انعدام الحديث عن التشغيل (خلق فرص العمل). فالهدف المعروف في علم الاقتصاد الكلاسيكي (والنيوكلاسيكي) هو الوصول إلى التشغيل الكامل. منطقتنا تُعاني من أعلى معدلات البطالة في العالم، ومع ذلك لا يُطرح موضوع التشغيل بجدية. الحديث دائماً يتركز على معدلات النمو الاقتصادي؛ حيث تُعتبر كارثة إذا انخفض النمو من 3% إلى 1% مثلاً، لكن قلّما نسأل: كم وظيفة جديدة خُلقت؟ هذا السؤال شبه غائب تماماً عن النقاش.

على سبيل المثال، دعني أشاركك مثالاً من مصر: في عام 2018 تقريباً، بلغ حجم الاقتصاد المصري حوالي 6 تريليونات جنيه مصري (أي نحو 6000 مليار جنيه). هذا الرقم تضاعف حالياً لأسباب منها انخفاض قيمة العملة، لكن لنفترض أنه كان 6 تريليونات آنذاك. في تلك السنة نتج عن هذا الاقتصاد خلق نحو 150 ألف فرصة عمل فقط، وهو رقم ضئيل جداً. والأبشع أننا لا ننظر إلى عدد الوظائف التي فُقدت نتيجة الأزمات الاقتصادية – مثلاً تلك الناجمة عن أول اتفاق مع صندوق النقد الدولي. فقد خرج من سوق العمل في تلك الفترة ما يزيد على 100 ألف وظيفة أُلغيت نتيجة الأزمة. وبالتالي كان صافي التوظيف في تلك السنة حوالي 15 ألف وظيفة جديدة لا غير.

مع ذلك، عندما تستمع إلى خطاب الحكومة أو الصندوق حينها، يقولون لك إن النمو الاقتصادي لم يتأثر كثيراً بسياسات الصندوق قياساً بالناتج الإجمالي. ولكنهم يغفلون باقي الصور: تراجع نصيب الأجور، وعدد الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم، وحجم التشغيل الحقيقي الذي تحقق. فنحن نحتاج إلى خلق نحو نصف مليون وظيفة سنوياً كي نحرّك معدل البطالة بشكل ملموس. هذه كلها من التشوّهات التي حدثت خلال الـ10-15 سنة الماضية. صحيح أنها لم تبدأ في هذه الحقبة فقط، لكنها تكثّفت وتسارعت بشدة خلالها، وأصبحت تلك السردية النيوليبرالية سائدة بشكل مخيف.

التشوّه الرابع أو الخامس – فقد عددتُ عدة اختلالات – يتعلق بتركيبة السلطة والحكم في بلادنا، ومصر نموذج واضح لذلك (وكذلك الأمر في دول عربية أخرى). ما أقصده هنا هو هيمنة أقلية نافذة على السلطة السياسية والاقتصادية. بعد بداية الربيع العربي، أجرى البنك الدولي دراستين تشريحيّتين عن مصر وتونس – وأعتقد أنهما تعكسان تماماً ما يحدث في لبنان، ولقد تحدث باحثون أمثال آدم هنية عن تركيبة الحكم هذه في سوريا أيضاً. نحن نتكلم عن بنية حكم تخدم مصالح أقلية نافذة تضم كبار مالكي الشركات الكبرى، سواء بشراكات مع شركات عالمية أو ككيانات محلية ضخمة.

هذا القطاع الخاص الكبير النافذ تكونت لديه روابط وثيقة جداً مع أي نظام حكم. بالمناسبة، قبل الثورة وبعدها في مصر، ظلت العلاقات بين السلطة وهذه الشبكة من رجال الأعمال قوية ومتينة. دخل بعضهم في شراكات مع النظام الحاكم الجديد بعد الثورة، وبقوا تقريباً بذات الحجم والنفوذ، بل وانضمت إليهم شريحة جديدة من النافذين السياسيين الذين برزوا خلال السنوات العشر الأخيرة. المشكلة مع هؤلاء هي أنهم هياكل احتكارية بامتياز يحصلون على حماية قانونية. هم لا يفعلون أموراً مخالفة للقانون بشكل فاضح – معظم أنشطتهم مقننة – وبالتالي لا يمكن وصفها بالفساد بالمعنى التقليدي. لكنها عبارة عن امتيازات خاصة لا يحصل عليها غيرهم.

سأضرب لك مثالاً من مصر: لدينا شيء اسمه “المناطق الصناعية الخاصة”. تقريباً نحو 40 عائلة نافذة تهيمن على الجزء الأكبر من القطاع الخاص في مصر بمعناه الواسع. يقوم صاحب المصنع (من هذه العائلات النافذة) بوضع سور حول مصنعه ويعلن أن هذه منطقة اقتصادية خاصة أو منطقة صناعية خاصة. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها معفاة من الضرائب والجمارك بالكامل! وهذا طبعاً ليس متاحاً للجميع؛ فلا يستطيع أي شخص شراء قطعة أرض داخل هذه المنطقة وإقامة مصنع جديد ويتمتع بنفس الإعفاءات. المسألة ببساطة أنهم نفس المصانع لكنهم يتهرّبون بشكل قانوني من الضرائب والجمارك، لأن القانون نفسه مفصّل على مقاسهم في الحقيقة.

وهنا يحضرني موضوع دعم الطاقة كمثال آخر للامتيازات. فقد نعود إليه لاحقاً، لكن باختصار: دائماً أقول إن إحدى معايير قياس نجاح أي ثورة تكمن في من المستفيد من دعم الطاقة. في مصر، حتى بعد الثورة، ظلت نفس الشبكة النافذة تحصل على نصيب الأسد من دعم الطاقة. هؤلاء لديهم أيضاً سيطرة تشريعية؛ إذ يترأسون البرلمان أو أهم لجانه التي تمس مصالحهم. وهذا الوضع مستمر منذ عهد مبارك وحتى اليوم تقريباً. قد تتغيّر أحياناً الأسماء، لكن يأتي شخص جديد من نفس العائلة أو الشركة ليشغل الموقع، فتحافظ الشبكة على النفوذ نفسه.

هذه التركيبة الاحتكارية لكبار الرأسماليين هي العنصر الخامس فعلاً في النموذج النيوليبرالي كما نشهده. وأكرر أن هذا ليس مقتصراً على مصر وحدها، لكنه يبدو في مصر مثالاً صارخاً ومكشوفاً يمكن من خلاله قياس تطور النيوليبرالية في العالم. الأمثلة حولنا كثيرة على كيف يستحوذ كبار أصحاب الشركات على عملية صنع القرار، بما يغيّب جوهر الديمقراطية بصورتها التقليدية.

نصل هنا إلى العنصر الأخير الذي أود ذكره، والذي تمثل مصر أيضاً نموذجاً خام وفج، اعتقد أننا سنرى مثله عالمياً: وهو فخ المديونية. لا يمكننا تجاهل دور حرية خروج ودخول رؤوس الأموال في سقوط مصر في فخ المديونية. في كل مرة خلال السنوات الأخيرة وجدنا أنفسنا عاجزين عن سداد الدين الخارجي، كان السبب خروجاً مكثفاً لرؤوس الأموال  بشكل مفاجئ. والغريب أن هذا يحدث غالباً لأسباب سياسية لا اقتصادية.

على سبيل المثال، في عام 2015 شهدت مصر قمعاً شديداً لكل ما له علاقة بثورة 2011، مما أدى إلى انفلات أمني كبير (تبادل إطلاق نار في الشوارع، سقوط طائرة روسية مفاجئة فوق شرم الشيخ…). هذا عدم الاستقرار السياسي تسبب في خروج مليارات الجنيهات من مصر فجأة، محوّلاً ديننا الخارجي الصغير نسبياً واحتياجاتنا المستوردة الأساسية (كالقمح والبترول) إلى أزمة كبيرة. المشكلة لم تكن نقص الأموال الداخلة؛ فقد كانت تدفقات رؤوس الأموال الداخلة خلال تلك الفترة مرتفعة بمستويات قياسية، لكن الأموال الخارجة كانت أكبر بكثير ولم تكن بدوافع اقتصادية بل سياسية.

وتكرر هذا السيناريو مع كل أزمة اقترضنا فيها من صندوق النقد – خمس مرات تاريخياً. لعب الصندوق هنا دوراً أساسياً في تسويق سردية مغايرة عما كان سائداً قبل الربيع العربي وقبل أزمة 2008 المالية العالمية. ظهرت سردية جديدة عندما حلّلناها وجدناها سردية شديدة الضرر.لأنها  تستخدم نفس المفاهيم والشعارات التي ننادي بها نحن دعاة العدالة الاجتماعية، وحتى الاقتصاديون الكينزيون (لن أقول فقط اليساريون) – مفاهيم عن العدالة والحماية الاجتماعية – لتبرير سياسات في غاية السوء.

هذه السردية تتظاهر بتمثّل تجارب تنموية حصلت في أماكن مختلفة من العالم – صحيح أن نتائجها تباينت، لكن العديد منها حقق نجاحات مهمة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا – وذلك بهدف تمرير سياسات شديدة الضرر لدينا. (ربما نتحدث عن أمثلة لاحقاً). لا أعلم إن كنتُ قد أجبتُ بشكل كافٍ عن سؤالك الأول أم لا.

ربيع نصر:
بالعكس يا سلمى، شكراً جزيلاً على هذا العرض الغني جداً. لقد تحدثتِ عن عدة اختلالات. الآن أود أن أحاول فهم إن كانت هذه الاختلالات التي ذكرتِها مرتبطة بالضرورة بالسياسات النيوليبرالية أم لا. على سبيل المثال، تحدّثتِ عن هيكلية الإنتاج وتنوعه وطريقة توزيع الثروة من منظور الاقتصاد السياسي للإنتاج في مصر. فكيف عزّزت السياسات النيوليبرالية هذا الدور، دور النخبة؟ وكيف أصبحت العلاقة وثيقة إلى هذا الحد بين السلطة السياسية وهذه النخبة الاقتصادية بهذا القرب؟

نرى اليوم في بلداننا علاقات مباشرة أكثر فأكثر بين أهل السياسة وكبار رجال الأعمال في اتخاذ القرارات وحتى في صياغة السياسات. إضافةً إلى ذلك، هناك البعد العسكري: القطاع العسكري قطاع ضخم يستهلك قسماً كبيراً من الثروة ويشارك بشكل مباشر في الأنشطة الاقتصادية وهذه حالة استثنائية في مصر إلى حد ما. ورغم أن الدولة تخلّت عن جزء كبير من الدعم الاجتماعي، نرى الإنفاق العسكري لا يتراجع بل يستمر بالارتفاع. إذاً لدينا تركيبة جديدة للاقتصاد تميل لتكون خدمية أكثر، فيما يتآكل القطاع الإنتاجي.

كيف تشرحين لنا أثر هذه السياسات النيوليبرالية على الاقتصاد المصري؟ سواء من خلال الخصخصة، أو عبر تفكيك التنظيم (deregulation)، أو عبر التحرير الاقتصادي.

سلمى حسين:
في الحقيقة، السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية كانت بالفعل مجرد تسريع وتكثيف لما كان يحدث قبلها، وليست انقطاعاً تاماً عن السياسات السابقة – وهذه نقطة مهمة جداً.  السياسات النيوليبرالية بدأت تتبلور وتأخذ طريقها في الاقتصاد المصري منذ التسعينيات. الذي حدث بعد الثورة هو تسارع شديد في تطبيق هذه السياسات وتوسّع نطاقها.

سأعطيك مثالاً لتوضيح الأمر. لننظر إلى الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية التحتية: historically كان تحكمه إطار قانوني يهدف لضمان الشفافية والكفاءة. أي يكون هناك مناقصة علنية لأي مشروع كبير، تتضمن عروضاً فنية ومالية. يتقدم للمناقصة أكثر من جهة، وإذا لم يتقدم عدد كافٍ، تعيد الحكومة الطرح وتشجّع المشاركة لضمان المنافسة. الهدف هو أن يُنفَّذ أي مشروع حكومي بأفضل جودة فنية ممكنة وبأقل تكلفة على خزينة الدولة.

ما حدث في السنوات الأخيرة هو أنه تم تعديل هذا القانون ثم تعطيله فعلياً. على سبيل المثال: مشروع المونوريل (القطار الكهربائي المعلّق) – وهو مشروع نقل جماعي جديد. في البداية طُرحت مناقصة له، وتقدم عرضان من  من الشركات (وهذا متوقع لأن مشاريع المونوريل نادرة في منطقتنا وعدد الشركات ذات الخبرة محدود). فاز أحدهم بالتقييم الفني، لكن تم إلغاء النتيجة لاحقاً، ومنح المشروع بالأمر المباشر للتكتل الثاني المنافس الذي لم يفز!

هذا المثال يجسّد عدة أمور أولاً: المشروع يعتمد على الاستدانة الخارجية بشكل كبير، رغم أنه مشروع نقل عام محلي ليس له عائد بالدولار. (هو مشروع مواصلات عامة عالي التكلفة، يستهدف خدمة شرائح ميسورة – موظفين وعاملين سينتقلون يومياً إلى المدن الجديدة على أطراف القاهرة، بما فيها العاصمة الإدارية الجديدة). بالتالي تكلفته ضخمة جداً ولن ينجح دون دعم حكومي استثنائي لتخفيض سعر التذكرة على الركاب – وهذا الدعم غير معلن حتى الآن – أي أن سعر التذكرة سيكون مرتفعاً جداً على الأغلب. استخدام قرض بالدولار لتمويل مشروع محلي كهذا يعني أنك تُدخِل نفسك في أزمة حين يحين سداد القرض بالعملة الصعبة دون وجود عائد دولاري مباشر.

ثانياً: إلغاء المناقصة ومنح العقد مباشرةً يلغي ضمانات اختيار العرض الأقل كلفة والأعلى كفاءة. فمع غياب الرقابة العامة والنقاش العلني حول مشروع بهذا الحجم، هناك احتمال كبير أننا لم نحصل على أفضل جودة بأفضل سعر. وهكذا يتحمل الاقتصاد كلفة أعلى من اللازم لمشروع قد لا يخدم إلا فئة محدودة.

ثالثاً: ظروف العاملين في هذه المشروعات هي نقطة مهمة أيضاً. خلال فترة جائحة كوفيد، شهدنا توسعاً هائلاً في مشروعات البنية التحتية الحكومية في مصر – كلها مشروعات ممولة بالاستدانة الخارجية. قطاع الإنشاءات توسّع بشكل غير مسبوق: طرق وجسور ووسائل نقل ومدن جديدة (حوالي 14 مدينة جديدة أُنشئت).

المنطق الاقتصادي الكينزي المعروف يقول: في فترات الركود العميق، قم بتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة لخلق وظائف ووضع المال في أيدي الناس (خاصة الفقراء وذوي الدخل المحدود) لتحفيز الطلب وتنشيط الاقتصاد. قد يبدو أن الحكومة اتبعت هذا الكتاب حرفياً – ظاهرياً.

لكن الفرق الشاسع يكمن في نوعية الوظائف التي خُلقت. ما حدث أننا خلقنا وظائف مؤقتة وغير لائقة. تم تشغيل الكثير من العمال في قطاع الإنشاءات – وهو قطاع عالي المخاطر جداً من ناحية السلامة والصحة المهنية – دون توفير الضمانات والحقوق الأساسية لهم. كثير من هؤلاء العمال لم يكونوا مؤهلين تماماً (بل لجأوا للعمل اضطراراً)، ولم يحصلوا على التدريب أو معدات الحماية الكافية. لم يتم تأمينهم صحياً بشكل مناسب، ولا توفير رعاية صحية لازمة في حالة الحوادث، ولا تعويضات عادلة.


المنطق الاقتصادي الكينزي المعروف يقول: في فترات الركود العميق، قم بتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة لخلق وظائف ووضع المال في أيدي الناس لتحفيز الطلب وتنشيط الاقتصاد، قد يبدو أن الحكومة المصرية اتبعت هذا الكتاب حرفياً – ظاهرياً، لكن الفرق الشاسع يكمن في نوعية الوظائف التي خُلقت، ما حدث أننا خلقنا وظائف مؤقتة وغير لائقة

فالعامل الذي يتعرض لإصابة عمل (ككسر في ساقه مثلاً) عليه أن يتحمل تكلفة علاجه بنفسه. وغالباً هؤلاء العمال لا يحصلون حتى على الحد الأدنى للأجور. والأسوأ أن أجورهم كثيراً ما تتأخر لشهور نتيجة نظام المقاولين من الباطن المتبع في تنفيذ هذه المشاريع. لدينا سلسلة طويلة: مقاول رئيسي، يليه مقاول من الباطن، ثم آخر وآخر… وصولاً إلى مقاول أنفار (الذي يجمع العمالة اليومية). إذا تأخر الدفع في أي حلقة من هذه السلسلة، فالذي يدفع الثمن في النهاية هو العامل البسيط الذي قد يعمل شهراً كاملاً في عمل شاق ثم يعود إلى بيته بلا أجر، وينتظر شهرين أو ثلاثة حتى يستلم أجر ذلك الشهر.

برأيي هذا الوضع يُجسّد أين الخلل في النموذج الحالي ولماذا نحتاج إلى تغييره. كل ما نتحدث عنه ضمن مفهوم الحماية الاجتماعية ضروري جداً لهؤلاء العمال كي يتمكنوا من العيش بكرامة أثناء العمل المتقطع أو البطالة. يجب أن يكون للعامل الذي يعمل بعقد مؤقت أو عمل موسمي دخل مستقر بشكل من الأشكال. فمثلاً إذا كان عاطلاً، يحصل على بدل بطالة يقيه العوز. وإذا عمل، فيتقاضى أجراً مناسباً يكفي احتياجاته الأساسية. وإذا تعرض لإصابة عمل، يجد رعاية صحية وتعويضات تحميه.

بالمناسبة، هذه الأمور لم تكن أفكاراً نظرية بعيدة المنال – كانت مطبّقة في مصر سابقاً في بعض النواحي. خلال بحثي الميداني (حيث قابلت عمالاً مهَرة وكذلك صغار العمال)، أخبرونا أنه حين كان هناك قطاع عام قوي، حتى العامل باليومية الذي كان يعمل لفترة قصيرة (يوم أو أسبوع مع مقاول)، كان يحصل على عقد يومي يضمن له حقوقه الأساسية، هذا العقد اليومي كان يسمح له بالعلاج المجاني في مستشفيات التأمين الصحي إذا أصيب أثناء العمل.

إذن كان هناك نوع من توزيع المخاطر والمكاسب أكثر عدالة في الماضي. صحيح أن الإنفاق الهائل على مشاريع البنية التحتية مؤخراً رفع الناتج المحلي الإجمالي وزاد معدل النمو بشكل كبير، لكن علينا أن نسأل: كيف توزعت المخاطر والعوائد؟ من استفاد ومن تضرر؟ هذا هو الفيصل عندما نقيم جدوى أي سياسة: هل كانت هذه الطريقة في تحفيز الاقتصاد مناسبة أم لا للتعامل مع ظرف مثل وباء كوفيد؟

ربيع نصر:
 أكمَل معك في نفس السياق، بخصوص التشغيل وفرص العمل: ذكرتِ في البداية أن الاقتصاد المصري لا يخلق وظائف كافية، وإن خلق فهي في مشاريع بنية تحتية متمركزة في المدن الجديدة – التي لا نعلم من سيقطنها حالياً مع ارتفاع الأسعار والتكاليف – وضمن ظروف عمل غير لائقة كما وصفنا.

طيب، نأتي الآن إلى سياسات الحماية الاجتماعية. لدينا تدخلات متعددة مباشرة وغير مباشرة. كما تفضّلتِ، بدأ البنك الدولي يطرح شعارات المساواة والعدالة الاجتماعية لكن من زاوية إلغاء الدعم العام (خاصة على الطاقة والسلع الأساسية) وتحويله إلى دعم موجّه للفئات الأكثر فقراً وحرماناً. نحن نعرف أن تجربة رفع الدعم وتعويضه بالدعم النقدي الموجه فشلت مراراً منذ التسعينيات وحتى العقد الأول من الألفية، لكنهم الآن يعيدون طرحها كأنها أكثر الأدوات فعالية.

سؤالي: هل يمكنك الحديث عن دور المنظمات الدولية (كالبنك الدولي وصندوق النقد) في هذا التحول بسياسات الحماية الاجتماعية؟ وبرأيك، هل أدت سياسات الحماية الاجتماعية المتبعة فعلاً إلى تقليص التفاوت والفقر، أم إلى زيادتهما؟

سلمى حسين:
بدايةً يجب التوضيح أن مفهوم الحماية الاجتماعية أضيق بكثير من مفهوم العدالة الاجتماعية. بالتالي فالحماية الاجتماعية وحدها غير كافية لخلق تكافؤ فرص أو مجتمع تقلّ فيه التفاوتات بالقدر المنشود، سواء تفاوت الثروة  أو غيره. لكنها تبقى مفهوماً شديد الأهمية إذا فهمنا جذوره التاريخية. لقد جاء هذا المفهوم نتيجة نضالات عمّالية وانتفاضات وثورات شعبية عبر عقود طويلة – يمكن القول منذ القرن الثامن عشر وحتى أوائل القرن العشرين، حتى بدأ يحقق نتائج.


الحماية الاجتماعية وحدها غير كافية لخلق تكافؤ فرص أو مجتمع تقلّ فيه التفاوتات بالقدر المنشود. لكنها تبقى مفهوماً شديد الأهمية إذا فهمنا جذوره التاريخية، لقد جاء هذا المفهوم نتيجة نضالات عمّالية وانتفاضات وثورات شعبية عبر عقود طويلة

الحكومات بطبيعتها أقل نزعة لتحقيق المساواة الاجتماعية، أي ليست على أجندتها. مثلاً، في أعقاب الحربين العالميتين – وطبعاً تحت ضغط الثورة البلشفية في روسيا أيضاً – حصل تحول كبير: تم إنشاء منظمة العمل الدولية (ILO) في 1919 كإحدى نتائج تلك المرحلة المضطربة. وكانت المنظمة ركيزة أساسية وضعت معايير لما نسميه اليوم الحماية الاجتماعية. بعد ذلك توسّع المفهوم أو تقلّص بحسب توجهات الحكومات والمؤسسات الدولية في الفترات المختلفة.

إذا نظرنا إلى تعريفات الحماية الاجتماعية لدى الجهات الدولية، سنجد تفاوتاً كبيراً. أضيق تعريف على الإطلاق هو الذي قدمه صندوق النقد الدولي – وهو تعريف قاصر جداً بل ويمكنني وصفه علمياً بأنه تعريف حقير (هذا وصف علمي وليس شتيمة). يأتي بعده من حيث الضيق تعريف البنك الدولي، رغم أنه قام بتوسيع مفهومه قليلاً بعد 2008 و2011 وخاصة مع أجندة التنمية المستدامة 2015.

والمفارقة أنه حتى المنظمة المنوط بها موضوع الحماية الاجتماعية – أي منظمة العمل الدولية – تغيّر تعريفها بمرور السنين، وفي العقود الأخيرة تقلّص المفهوم تحت تأثير الفكر النيوليبرالي وتصاعد نفوذه. عندما عملتُ على إعداد دليل لبرامج وأدوات الحماية الاجتماعية حول العالم مع التركيز على ما يفيد منطقتنا، اخترتُ أن أعتمد التعريف الذي قدّمته منظمة العمل الدولية عام 2012/2013. في ذلك الوقت، راجع أحد الزملاء ما كتبته فسألني: لماذا لم تأخذي بالتعريف الأحدث (الأكثر معاصرة)؟ – وكان يقصد تعريفاً أدخل التعليم والصحة ضمن الحماية الاجتماعية.

السبب أن التعريفات الأحدث كانت قد استبعدت التعليم والصحة من صلب مفهوم الحماية الاجتماعية، واقتصرتها على شبكات الأمان النقدية مثلاً. تعريف 2012-2013 الذي اعتمدتُه أنا كان شاملاً نسبياً: يتحدث عن دورة حياة الإنسان في ثلاث مراحل – الطفولة، فسن العمل والشباب، ثم الشيخوخة – وكيف يجب أن يكون لدى الإنسان في هذه المراحل دخلٌ مستقِر آمن، وفرص متكافئة وجيدة في التعلم وفي الصحة، واستقرار في الدخل يسمح له بحياة كريمة. إذا فصّلنا ذلك سنجد عناصر مثل حقوق الأمومة والطفولة (إجازات الأمومة ورعاية الطفل)، ورعاية كبار السن (معاشات تقاعد وخدمات), وحماية للمعاقين أيضاً، إلى جانب دعم العاطلين عن العمل وهكذا.

للأسف نحن كثيراً ما نختزل الحماية الاجتماعية في معاشات الشيخوخة فقط، بينما المفهوم أشمل من ذلك بكثير. على سبيل المثال، منطقتنا تعاني من أعلى معدلات بطالة بين الشباب في العالم، ومع ذلك لا تكاد توجد دولة عربية لديها بدل بطالة للشباب العاطلين. النتيجة أن كثيراً من الشابات – ينسحبون تماماً من سوق العمل، ليس رغبةً في الجلوس في البيت ولكن يأساً من العثور على فرصة. الكثير من النساء يتوقفن عن البحث عن عمل (فلا يتم احتسابهن كعاطلات في الإحصاءات) وربما يتجهن إلى الزواج والبقاء في المنزل، وهذا ما نسميه بطالة مقنّعة أو “مختفية”.

وتحاول بعض الحكومات إرجاع انخفاض مشاركة المرأة في العمل إلى عوامل ثقافية أو اجتماعية، لكن الحقيقة مختلفة: فقد كانت معدلات مشاركة النساء العمل ببلداننا أعلى بكثير في الستينيات والسبعينيات عندما كانت هناك حماية اجتماعية معتبرة وأجور متساوية نسبياً بين الرجل والمرأة، ثم تراجعت مشاركة المرأة بشدة مع تقلّص الحماية الاجتماعية في العقود الأخيرة.

مجرد توفير بدل بطالة للشباب القادرين على العمل سيكشف لنا الحجم الحقيقي للبطالة ويظهر الفجوة التي يتسبب فيها غياب الدعم. وستتضح أنها ليست مسألة ثقافية بقدر ما هي اقتصادية.

بالعودة إلى سؤالك حول البنك والصندوق، في الحقيقة أن البنك الدولي مثلاً دفع باتجاه نموذج إلغاء دعم الطاقة بشكل يعتبره “عادلاً”. دعني أوضح: صندوق النقد عندما يتحدث عن رفع دعم الطاقة، فهو لا ينظر إليه كإصلاح هيكلي لحماية الضعفاء؛ بل ينظر له كطريقة سهلة وسريعة لخفض عجز الموازنة. وكذلك الأمر في موضوع الأجور: عندما يطالب بوضع سقف للأجور الحكومية، فهو لا يتحدث عن إعادة هيكلة وإصلاح الإدارة الحكومية، بل هدفه خفض النفقات والعجز. هذا الخطاب – بالمناسبة – مليء بالادعاء، لأن عجز الموازنة بحد ذاته ليس الشغل الشاغل للصندوق كما يزعم. لكن ضمن سرديتهم، الهدف هو السيطرة على العجز المالي.

المفارقة أنه إذا كنا فعلاً نريد إصلاح القطاع الحكومي وتحسين خدماته (في التعليم مثلاً)، فربما نحتاج إلى زيادة الأجور لاستقطاب الكفاءات وضمان جودة الخدمة. في مصر لدينا نقص يتجاوز نصف مليون معلم في المدارس الحكومية، ويزداد كل سنة (كان النقص حوالي 300 ألف قبل بضع سنوات، أصبح الآن 500 ألف مع تطبيق برامج الصندوق، وسيزداد في المستقبل إن استمرت تلك البرامج).

لماذا؟ لأن ضمن الاتفاق مع الصندوق يتم وضع سقف منخفض جداً للأجور وتقليص التوظيف،لأنه ذلك لا يتعامل في إطار تشكيل وبناء ادارة رشيدة تحقق الأهداف التنموية، فبيحصل بشكل قاسي على  على صغار الموظفين، بينما كبار المسؤولين يجدون سُبلاً للالتفاف كما سأشرح.  مثلاً لدينا في مصر ما يسمى “الصناديق الخاصة”، وهي حسابات أموال تقع خارج الموازنة تماماً. عبر هذه الصناديق يتقاضى كبار موظفي الدولة جزءاً كبيراً جداً من دخلهم بعيداً عن الموازنة، وبعيداً عن أي رقابة أو شفافية كيف تتغذى هذه الصناديق؟ من رسوم وموارد متنوعة يدفعها المواطنون نظير خدمات عامة (مثل رسوم في المستشفيات الحكومية وما شابه)، ثم تُحوَّل تلك الأموال إلى صناديق تصرف مكافآت وبدلات ضخمة لكبار المسؤولين (من الوزير إلى مساعديه إلى قيادات المؤسسات).
هذه الطريقة تجعل جزءاً كبيراً من المال العام خارج نطاق الرقابة البرلمانية أو رقابة المجتمع المدني، ويُوزَّع بمعزل عن معايير العدالة أو الكفاءة.

هذه التركيبة في السياسة المالية النيوليبرالية – مع غياب الشفافية، وتركز الأموال في يد فئة نافذة دون رقابة – تؤدي إلى تشوّهات كبيرة.
هناك بالطبع طرق أخرى من هذه السياسات، أذكر مثلاً أن كولومبيا وضعت بنداً في موازنتها يقسم الإنفاق على الأجور إلى جزئين: أجور كبار موظفي الدولة وأجور صغار الموظفين، بحيث يمكن دوماً المقارنة ومعرفة من يتحمل العبء الأكبر في أي تخفيضات. مثال آخر من اليونان خلال أزمتها واتفاقها مع الصندوق: هناك أيضاً طُلب وضع سقف لكتلة الأجور، لكن الحكومة اليونانية قررت أن يساهم كبار الموظفين بنسبة أكبر(اقتطعوا 5% إضافية من دخول كبار المسؤولين) لضمان توزيع أكثر عدالة لأعباء التقشف.

أما منهج الصندوق المعتاد في بلداننا فهو القول: “ليس من العدل أن يحصل الجميع على دعم؛ سنركز الدعم على من هم أفقر الفقراء فقط”. ويفضل الصندوق عادةً أن يكون الدعم نقدياً وليس عينياً في فترات التضخم المرتفع، لأن قيمته الحقيقية ستتراجع،

الحكومة تصبح مثلا غير ملزمة بتوفير مقعد في المدرسة، لكنها توفر لي 100 جنيه، بالتالي فتقديم الدعم النقدي على حساب الخدمة يجعل أفقر الفقراء ليس لديه قدرة على إلحاق أولاده في المدرسة.

شهرياً لأسرة بدل دعم الخبز أو الوقود – لكن مع التضخم بعد سنة لن تكفي الـ100 جنيه لشراء ما كانت تشتريه من خبز أو لتغطية كلفة النقل كما في السابق. هكذا تتحول مسؤولية تأمين الخدمة (مقعد في مدرسة، غذاء أساسي، وقود مدعوم) إلى مجرد مبلغ رمزي يفقد قيمته تدريجياً، فتتنصل الدولة من مسؤولياتها الفعلية.

لقد رأينا نتائج ذلك في مصر مثلاً على الأمن الغذائي. حين رُفع الدعم تدريجياً عن سلع غذائية أساسية وزادت الأسعار، ظهرت مؤشرات صادمة: في الفترة 2020-2022 سجلت منظمة الفاو (FAO) أن واحداً من كل ثلاثة مصريين يعاني من انعدام أمن غذائي بدرجة متوسطة أو شديدة. هذا رقم يقارب المستويات الموجودة في أماكن مثل غزة المحاصرة منذ سنوات طويلة.

هل تتخيل هذا؟ مدى إجحاف السياسات بحق الناس، ولا ترى الاحتياجات الأساسية للمواطنين؟ حتى بالمنطق النيوليبرالي البحت: أنت تريد عاملاً منتجاً في المصنع، فإذا لم يجد ما يكفيه من غذاء فلن يستطيع الإنتاج بكفاءة! أي حتى بأكثر منطق القياس الوحشية النيوليبرالية هذه السياسات غير فعّالة وتأتي بنتائج عكسية.

ربيع نصر:
هم يقولون أنه لا يوجد إرادات، هذه حجتهم، الدولة غير قادرة مالياً على تحمل هذه الأعباء والالتزام بهذه الخدمات وبالتالي “حنجيب الفلوس منين؟”.

سلمى حسين:
دعني اجيبك أولا على هذا السؤال، هو بذاته سؤال سياسي بالدرجة الأولى، الأموال دائماً موجودة – على الأقل بالعملة المحلية – لأن الدولة ببساطة لديها أدوات سيادية (مثل البنك المركزي الذي يمكنه طباعة النقد وضخ الأموال في الاقتصاد). المسألة هي كيف تُدار الموارد وأين تُوجه؟
الحكومة ليست شركة أو بيزنس، لديها إمداد لا نهائي من النقود، فهو خيار سياسي، كم سيكون بيدي من نقود، ولمن سأقدمها؟

على مدى السنوات العشر الماضية مثلاً، تضاعف الإنفاق العام في مصر بأكثر من عشرة أضعاف. كنا نخصص حوالي تريليون جنيه للموازنة، وأصبحنا نخصص 6 أو 7 تريليونات هذه السنة. حتى مع اعتبار التضخم، لا يزال هذا زيادة حقيقية ضخمة في الإنفاق. ليس صحيحاً إذن أن الدولة لا تنفق؛ المشكلة في كيف وأين تنفق هذه الأموال. وبالإضافة للإنفاق داخل الموازنة، هناك أيضاً مبالغ ضخمة خارج الموازنة زادت كذلك وبدرجة رقابتها أقل. أي أننا نتحدث عن توسع هائل في حجم المال العام المستخدم في الاقتصاد.

برأيي المتواضع، العجز في حد ذاته لم يكن عدواً كما يتم تصويره – ربما العكس، أقول بشيء من الاستفزاز إن الإبقاء على عجز ودين مرتفعين أصبح هدفاً غير معلن للتركيبة الحاكمة الحالية، لأنها تستفيد منه. كيف؟ الإنفاق العام الإضافي هذا أين ذهب؟ جزء كبير منه ذهب لخدمة الدين المتفاقم (سداد فوائد وقروض)، وجزء كبير آخر ذهب لمشروعات واستثمارات استفاد منها قلة – كما شرحنا – بينما أضرت بالعديد من الآخرين.

لو نظرنا قطاعياً، سنجد أن ما حدث هو إعادة هيكلة للقطاع العام: تمت إعادة توجيه الأموال من شرائح الشعب ذات الدخل المحدود إلى جيوب الشرائح ذات الدخل الكبير. خذ مثلًا قضية رفع الدعم عن الطاقة التي ذكرتها. من واقع ما درسته، هذه من أكثر الأمور ظلماً التي قلما يجري الحديث عنها بشكل منصف. الدولة حين رفعت أسعار الطاقة (بنزين، كهرباء، غاز…) على المستهلكين بحجة تخفيف عبء الدعم، فعلت ذلك بصورة موحّدة على الجميع – غنيهم وفقيرهم – وقالت: “لا يصح أن يتساوى الغني والفقير في سعر السلعة”. لكنهم تجاهلوا نسبة العبء على كل منهما.
نسبة الدعم لكبار الأغنياء أقل بكثير في دخلهم من نسبة الدعم بالنسبة لقليل الدخل، لو لدي شخص دخله 100 جنيه شهرياً وآخر دخله 1000 جنيه، وكلاهما كان يحصل على دعم قيمته 20 جنيهاً (مثلاً في وقود أو خبز مدعوم). بعد رفع الدعم، وفرّت الدولة 20 جنيهاً من كل منهما. لكن 20 جنيهاً بالنسبة للأول تعادل 20% من دخله – وهذا مبلغ جوهري جداً له – أما بالنسبة للثاني فتعادل 2% من دخله – وهو مبلغ يكاد لا يشعر به. ومع ذلك الخطاب الرسمي يقول: “كلاهما كان يحصل على نفس الدعم، والغني لا يستحق ما يماثل دعم الفقير”. نعم، قد يكون الغني استفاد رقميّاً من الدعم سابقاً، لكن وقع إزالة الدعم عليه مختلف تماماً عن وقعها على الفقير. هذه الزاوية لا يكاد يتحدث عنها أحد في الحكومة ولا الصندوق. بل يكررون فقط أن “فاتورة الدعم كبيرة، والأغنياء كانوا يستفيدون منها أيضاً لذا أزلنا الدعم”. هذه أنصاف حقائق تحجب الجزء الأهم من الصورة.

الأهم من ذلك هو التمييز بين دعم للمستهلك، والدعم للشركات (سواء كانت شركات حكومية أو خاصة). في مصر – وفقاً لدراسات البنك الدولي وبعض المؤسسات – تبيّن أن الجزء الأكبر من دعم الطاقة مثلاً كان يذهب  إلى الشركات والهيئات الكبرى وليس للمستهلكين الأفراد.


ولقد أجرى البنك الدولي دراسات تشريحية على مصر وأوكرانيا لوضع طريقة عادلة اجتماعياً للتخلص من دعم الطاقة. وضعوا كتيّبات إرشادية حول كيفية رفع الدعم الطاقة، بشكل تدريجي وعادل اجتماعياً، يمكنهم سماع رأي البنك في هذا الموضوع.
لدي الكثير من المآخذ لكن بغض النظر، ما حصل أننا بدأنا فعلا في هذا الشكل لكن،  حين بدأت التنفيذ لمدة سنة ونصف خطة البنك لكن انقلبنا عليها حين اتفقنا مع الصندوق.
كان التوصيف أن المبلغ كبير جدا بيستحوز عليه قدر ضئيل جدا من الشركات، وليس عموم الأفراد فهنا لديناPolitical Economy Issue and Dilemma ، لدينا مأزق في اقتصاد السياسي، وليس في الاقتصادي فقط،  يجب فك سيطرة المستفيدين من الدعم، لتتمكن من تخفيض الفاتورة، ونتيجة أننا تجاهلنا هذه الاعتبار بتشجيع من الصندوق وتخاذل من البنك، فما حصل أننا زودنا الأسعار عشرات المرات، بعشرات الاضعاف على المستهلكين،  ونصيب الزياده هذا  طبعا تأثرت به الفئات الأكثر فقراً، ومع ذلك بقي لدينا حجم فاتوره دعم للطاقة ضخم جداً.
مصر ضمن أكبر عشر دول الداعمة للطاقة في العالم، رغم أنها لما تنظر إليهم، هناك 10 من كبار منتجي الطاقة، ونعتبر مستوردين للطاقة يعني اللي بيدعم الطاقة، سهل أن يبيعها لأهل البلد أسعار منخفضة كما في  السعودية، لكننا  لا نقم بذلك،  نحن نستورد لننتج طاقة،  فهنا الدعم يذهب لأقلية من الشركات منها الهيئات الحكومية المنتجة للطاقة، يعني أنا لدي هيئة البترول وهيئه الغاز وغيرهم، هم من يحصل  على الدعم في حقيقة الأمر ومن ثم يوزعوا منه على المصانع وعلى الشركات القطاع الخاص النافذة، التي هي معظم استثماراتها في صناعات كثيفة الطاقة.


ربيع نصر:
طيب رفع هذه التكاليف، مثل ما يتم طرحه  في سوريا مثلا، بل تم تنفيذها مثل تحرير أسعار الطاقة.

سلمى حسين:
هذا بالضبط هو الهدف الخاطئ تماماً هو ما يتم اتباعه: السعي لتقليص دعم الطاقة كرقم في الموازنة دون النظر إلى من المستفيد الحقيقي. كان يجب أولاً رسم من المستفيدين من دعم الطاقة، نوصف الوضع، كما يحدث في وضعنا أن النسبة العظمى من الدعم تذهب لقلة من كبار المنتجين، والفتات فقط لعامة الناس و على سبيل المثال، قُبيل 2013 قُدّر أن 80% من دعم الطاقة كان موجهاً لقطاعات إنتاجية وصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وفقط 20% منه يذهب للمستهلكين العاديين (بنزين السيارات، غاز الطبخ، كهرباء المنازل…إلخ).

بالتالي إذا أردتُ عمل إصلاح حقيقي في دعم الطاقة دون الإضرار بالفقراء، فمن المنطقي تجنب المساس بالـ20% الموجهة للمستهلكين (على الأقل في المراحل الأولى)، والتركيز على إصلاح الـ80% الموجهة للقطاع الصناعي، بحيث يتم ترشيده تدريجياً وبصورة لا تضر العملية الإنتاجية ولا العمال في تلك الصناعات.
هذا ممكن عبر فرض إجراءات على الشركات الكبرى لتصبح أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة مثلاً، أو تحميلها تدريجياً تكلفة أعلى، مع حماية العمال والمستهلكين الضعفاء.

الخلاصة: يجب ألا يكون تقليص عجز الموازنة هو المعيار الوحيد. الهدف ينبغي أن يكون إعادة توزيع الدعم بشكل عادل لتحقيق التنمية للجميع – سواء منتجين أو مستهلكين .

ربيع نصر:
إضافةً لما ذكرتِ، أود أن أسألك عن قطاعي التعليم والصحة تحديداً في ظل هذه السياسات. في السنوات السبع أو الثماني الأخيرة رأينا ما حدث في هذين القطاعين. ذكرتِ أنتِ بعض الجوانب مثلاً حول قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم المباشرة وغير المباشرة (كالدروس الخصوصية وما يرتبط بها). وفي الصحة أيضًا: لدينا مثلاً مستشفى حكومي عام، لكنه غير قادر على تحمل الضغط والطلب، فيصبح الأمر أشبه بخصخصة غير مباشرة أو دفعٍ باتجاه القطاع الخاص؛ أوكذلك تحرير أسعار الدواء. من منظور التعليم والصحة، برأيك كيف أثرت وتسارعت السياسات النيوليبرالية على هذين القطاعين وعلى الناس؟

سلمى حسين:
جزء من أثر تسارع السياسات النيوليبرالية هو أننا نمرّ بمرحلة عديمة المشاركة المجتمعية. لا أريد أن أسميها “غياب الديمقراطية” فقط، لأن المشاركة أوسع من مجرد الديمقراطية التمثيلية. ما أعنيه هو غياب أي حرية تعبير حقيقية أو مشاركة شعبية صاعدة في رسم السياسات. هذا الأمر سرّع كثيراً تطبيق إجراءات قاسية. عندما أدرس برامج صندوق النقد في الأردن وتونس ومصر، أجد أن الأثر الاجتماعي السلبي في مصر كان أشدَّ قسوة مقارنةً بعَمّان وتونس، والسبب أن مستوى المشاركة الشعبية والتنظيم المجتمعي كان أضعف بكثير في مصر خلال فرض الإجراءات. ملف الطاقة مثال على ذلك: في الأردن وتونس كان هناك حوار ومقاومة مجتمعية أقوى لضبط إيقاع رفع الأسعار. أما في مصر، فاتُّخذت قرارات قاسية بسرعة. مثلًا، البنزين – وهو ملف أدرسه حالياً – يعدّه الصندوق أقل عبئاً على الموازنة قياساً بغيره، ويرى أنه يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء (بحجة أن من يملك سيارة أغنى ممن لا يملك). ومع ذلك، نسبة دعم البنزين من الإنفاق العام كانت صغيرة جداً، لكن آثاره التضخمية عند رفع سعره كبيرة وواسعة النطاق. مع ذلك أصرّ الصندوق على آلية مراجعة شهرية لسعر البنزين – طُبّقت حرفياً في تونس مثلاً – حتى خلال فترات كان فيها تقلب الأسعار العالمية شديداً. النتيجة: تأخذ الحكومة كل الثمن الاجتماعي الباهظ، دون أن تحقق أثراً مالياً يُذكَر على الموازنة. ونفس الأمر حصل في مصر؛ لدينا آلية صندوق النقد لكنها تطبَّق فقط على البنزين، فيتركز كل الضغط الناتج عنها على هذه السلعة. أما بقية أنواع الطاقة التي يستهلكها الاقتصاد (كالديزل للمصانع، أو الغاز الطبيعي للصناعة، واسطوانات الغاز المنزلي)، فلم يطبَّق عليها نفس مبدأ التسعير الشهري المستمر. في الواقع، الحكومة تركت مصانع كثيرة لسنوات لا تدفع مستحقات الغاز مثلًا، وتتراكم عليها الفواتير دون مطالبة أو مساءلة. كل هذه اختيارات سياسية. لماذا أحرّر سعر البنزين الذي يستهلكه الأفراد بدرجة أكبر مما أحرّر سعر السولار أو الغاز الذي تستهلكه المصانع؟ ولماذا أتساهل مع تأخر المصانع في سداد فواتير الغاز والكهرباء مثلاً ولا أتساهل مع استهلاك المواطنين؟ هذا نموذج لكيفية اتخاذ القرار بغياب المشاركة المجتمعية والرقابة: يؤخذ القرار بشكل يميل لمصلحة الجهات الأقوى والنخب الاقتصادية.

ونفس المنطق ينطبق على قطاعات كالتعليم والصحة. لكن لننظر أيضًا إلى الفرق في ردّة الفعل المجتمعية بين البلدان: في تونس مثلاً كانت هناك نقابات قوية وقفت ضد تخفيض أجور العاملين في التعليم والصحة أو ضد أي مساس كبير بموازنتَي هذين القطاعين، وكذلك في الأردن. أما في مصر فلم يوجد هذا النوع من الحراك أو التنظيم – لا نقابات مستقلة فاعلة، ولا إعلام يساند الأطراف الأضعف في المعادلة. والنتيجة حصول قصور رهيب. سأعطيك مثالاً من التعليم: تم تقليص الإنفاق بصورة حادة، ولم تحصل أي زيادات تذكر برغم النمو السكاني. لدينا في مصر دستور ينص على أن لا يقل الإنفاق الحكومي على التعليم عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً للتعليم قبل الجامعي (و6% للتعليم بجميع مراحله تشمل الجامعي). هذه مادة دستورية لم تلتزم بها الحكومات أبداً؛ بل على العكس، ظلت تقلّص نسبة الإنفاق على التعليم. لدرجة أننا حالياً – بحسب آخر الأرقام – ننفق حوالي 1.5% من الناتج فقط على التعليم المدرسي ما قبل الجامعي، تصوّري كم هو العجز. هذا شيء كارثي غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث. المتوسط العالمي لدول تماثلنا في المستوى التنموي هو إنفاق 5–6% من ناتجها على التعليم. نحن أقل من ثلث هذا المستوى. هذا النقص نتيجة مزيج من سياسات الصندوق الكارثية التي فُرضت – ليس هنا مجال تفصيل كيف أدت تحديداً إلى هذا الوضع – لكنه أوجد نقصاً في الإنفاق وكذلك سوء توزيع للإنفاق القليل المتاح. بمعنى: نصيب الطالب من الإنفاق في كل محافظة لا يتوافق إطلاقاً مع معدلات الفقر في تلك المحافظة.

المنطق يقول: حين تكون الموارد شحيحة، يجب أن أوجّهها بأفضل شكل ممكن، أي أزيد الإنفاق العام في المحافظات الأكثر احتياجاً حيث نسبة الفقر أعلى وعدد الطلاب الفقراء أكبر. لكن في واقعنا، لا التعليم ولا الصحة لديهما نموذج التوزيع العادل هذا. فمثلاً القاهرة تحظى بأعلى نصيب من الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة، بغض النظر عن عدد الطلبة فيها أو معدلات الفقر فيها. والتفاصيل الدقيقة لتوزيع المخصصات مخيفة؛ إذ حتى داخل القاهرة – التي هي أكثر حظاً نسبياً – نجد انحيازات. على سبيل المثال: إذا كنت أتذكر الرقم صحيحاً، القاهرة فيها حوالي 1.5 مليون طالب في التعليم قبل الجامعي. الميزانية المخصّصة لمكتب وزير التعليم ومعاونيه في القاهرة مساوية تقريباً لميزانية تشغيل المدارس التي تخدم هذا العدد من الطلاب! أي حتى ضمن أكثر المحافظات إنفاقاً، هناك سوء توزيع داخلي: حصة الإداريين الكبار ومن حولهم ضخمة مقارنةً بحصة العملية التعليمية ذاتها.

ربيع نصر
أذكر هنا واقعة: قبل بضع سنوات في لقاء مع كبير اقتصاديي البنك الدولي المعني بمصر، قال ما معناه:”بما أن التعليم العام ضعيف، وبما أن كل الطلاب يذهبون إلى دروس خصوصية، فالأفضل للجميع خصخصة التعليم!” … هذا الطرح تبسيطي ومستهتر للغاية.

سلمى حسين:
قمت في إحدى السنوات بحساب ما أسميته فجوة الاستحقاق الدستوري في تمويل التعليم: أي الفارق بين ما تنفقه الحكومة فعلياً على التعليم وما يجب أن تنفقه وفق الدستور. فوجدتُ أن هذا الفارق يساوي تقريباً ما تنفقه الأسر المصرية على الدروس الخصوصية! بمعنى أنه لو قررت الحكومة اليوم الالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على التعليم الحكومي (حتى دون بناء مدارس جديدة أو تعيين مدرسين إضافيين فوراً)، لسدّت معظم العجز الحالي في العملية التعليمية، ولأمكن الاستغناء بدرجة كبيرة عن ظاهرة الدروس الخصوصية. كذلك حسبتُ أنه لو حُدِّد الحد الأدنى لأجر المدرس بشكل مناسب ودُفع للجميع، فإن عدداً كبيراً من المدرسين سيرتفع دخلهم إلى الحد الأدنى اللائق – لأن معظمهم حالياً يتقاضون أجوراً زهيدة جداً، دون أي مزايا إضافية.

ربيع نصر:
طيب… هذا حديث شيّق، ولدينا قضايا مشتركة كثيرة لم نتطرق لها بالتفصيل مثل الخصخصة أو التحرير التجاري وغيرها. لكني حابب أنتقل معك إلى فكرة الخيارات والطروحات البديلة. بصراحة، هل نكتفي نحن المتخصصين بأن نقوم بالتحليل ونوجّه الانتقادات دون أن يكون لدينا خيارات فعلية قابلة للتطبيق نطرحها كبديل؟ ما هي برأيك الخيارات المتاحة لتعزيز الحماية الاجتماعية وفي نفس الوقت بناء اقتصاد فعّال ومنتج؟

سلمى حسين:
لنأخذ مثالاً مما تحدثنا به قبل التسجيل: تعديلات ضريبة الدخل. قضية الضرائب هي قضية سياسية بامتياز – من الأقوى يحصل على مزايا أكثر – لكنها أيضاً قضية مفصلية. ودائماً ما يميل أصحاب الأعمال والثروات الكبرى يميلوا إلى تخفيض معدل الضريبة عليهم، مثل بقية البشر، لكن الفرق أن بقية الناس يمكن أن يجوعوا حرفياً إذا ارتفعت الضرائب كثيراً عليهم، بينما هؤلاء الأثرياء يتأثر دخلهم فقط دون أن تمسهم الحاجة.

دائماً أعطي هذا المثال للتوضيح: تخيّلي فرض ضريبة موحّدة بنسبة 20% عليَّ وعلى إحدى الأسر فاحشة الثراء – عائلة ساويرس مثلاً (وهي من أغنى العائلات في العالم حسب مجلة فوربس). 20% من دخل شخص دخله 1000 جنيه غير 20% من دخل شخص دخله 10 ملايين جنيه. صحيح أن الحكومة ستحصل مبلغاً كبيراً جداً من صاحب الـ10 ملايين، لكن ما سيتبقى في يد ذلك الثري (8 ملايين مثلاً) لا يزال مبلغا هائلاً. لا يوجد أي منطق اقتصادي رشيد يتطلب أن يتراكم في يد شخص واحد كل عام مبلغ كهذا يُضاف إلى ثروة ضخمة أصلاً. من هنا تأتي أهمية الضريبة التصاعدية – أي زيادة معدل الضريبة كلما ارتفع الدخل – وهذا ليس فقط لتحصيل إيرادات للدولة، بل أيضاً حفاظاً على رشادة الاقتصاد نفسه ومنع تركّز غير منطقي للثروة.

هذا من حيث المبدأ العام. أما في حالة واقعية مثل سوريا اليوم مثلاً، نسمع أن كبار رجال الأعمال يسعون لوضع حد أقصى للضريبة عند 15%. ليتهم يدفعون 15% فعلاً! في مصر الحد الأقصى الحالي 20% ورفَعوه مؤخراً إلى 22 أو 24%. لكن فعلياً نجد أن كبار الشركات في مصر لا يدفعون أكثر من حوالي 1.5% فقط من أرباحهم كضرائب. لماذا؟ لأنهم هم من يضعون القانون ويفصّلونه ليستثني أنواعاً كثيرة جداً من الدخول من وعاء الضريبة، فلا تراها الحكومة أصلاً. بالتالي، قد تربح شركة كبرى 10 مليارات جنيه، لكن القانون لا يعترف إلا بمليار واحد منها كدخل خاضع للضريبة، وبسبب الإعفاءات والثغرات المتعددة ستدفع ربما 2 مليون جنيه فقط! وكلما كبرت الشركة، زادت قدرتها على توظيف أمهر المحامين والمحاسبين لتصميم خطط لتجنّب الضرائب (وأقول تجنّب لا تهرّب، لأنه قانوني تماماً). لذلك أقول: إذا كانوا يريدون 15% كحد أقصى – فليكن، بشرط ألا تكون هناك ثغرات. سدّ الثغرات والمنافذ أهم من نسبة الضريبة العليا نفسها.

ربيع نصر:
الآن، في ظل مستويات الفقر المخيفة، وارتفاع البطالة أيضاً، واتساع التفاوت الاجتماعي – ذلك التفاوت الذي كنا نتحدث عنه في الثمانينات والتسعينات أصبح الآن أشد بكثير، سواء بين المناطق جغرافياً أو بين فئات السكان – برأيك، هل يمكن أن تكون إعادة النظر في السياسة الاقتصادية مخرجاً من هذا الاختناق؟، كيف يمكن أن تكون ملامح السياسة الاقتصادية بشكل يجعلها مخرجاً تنموياً من حالة ازدياد الفقر والتشنج الاجتماعي والتفاوت هذه؟

سلمى حسين:
سأفكّر معك بصوت عالٍ – ليست لدي إجابة جاهزة طبعاً. لكن مما رصدته كمراقبة هو أنه خلال حوالي 30 سنة من موجة التقشف حول العالم (والتقشف هنا يعني تقليص الإنفاق الحكومي على القطاعات الاجتماعية والتنموية مثل التعليم والصحة، وتقليص دور الدولة في إدارة وتشغيل المرافق العامة وتسعير الخدمات العامة…)، لاحظتُ أن وتيرة التقشف – أي سرعة وحجم تقليص الإنفاق على تلك القطاعات – كانت أعلى بكثير كلما كانت الديمقراطية محاصرة أكثر. بمعنى آخر: في البلدان ذات الحريات الديمقراطية المحدودة، سارت إجراءات التقشف بوتيرة أسرع وأقسى. خذي منطقتنا العربية مثالاً: إذا قلنا إن هناك سبع أو ثماني إجراءات تشكل مجتمعةً ما يُسمى سياسة التقشف، فسنجد معظم هذه الإجراءات مطبّقة في بلداننا، وبدرجات كبيرة جداً من التقليص، كما رأينا في مثال التعليم الذي تحدثنا عنه للتو.

في البلدان ذات الحريات الديمقراطية المحدودة، سارت إجراءات التقشف بوتيرة أسرع وأقسى.

أعتقد أن المنطق المضاد يقول: لو وُجدت مثلاً سلطات محلية قوية تدافع عن احتياجات المناطق التي تمثلها، فسوف يُبطئ ذلك من وتيرة تآكل مخصصات تلك المناطق في التعليم والصحة. على سبيل المثال، عندنا في مصر ظاهرة هي بناء الكثير من المستشفيات الحكومية الجديدة، لكنها تبقى مجرد مبانٍ مغلقة لأننا لا نملك المال لتعيين أطباء وطواقم فنية لتشغيلها. هذا النوع من الهدر يمكن تقليصه إذا كان هناك قرار مجتمعي واسع يحدد أولويات إنفاق الأموال العامة. وجود مشاركة محلية حقيقية في القرار من شأنه أن يضمن توجيه الموارد إلى ما يعتبره الناس أولوية فعلية. أنا صراحةً لا أعرف كيف يمكن تحقيق هذا بالضبط – فلا يوجد نموذج ناجح واضح في منطقتنا نستطيع الاقتباس منه. لكن من بعض التجارب العالمية التي نتابعها، مثلاً في الفلبين أو حتى في الصين على طريقتها الخاصة، نجد أن المحليات (الحكومات المحلية) قد تشكّل في لحظات التحول الكبرى خط الدفاع الأول عن حقوق المواطنين الاجتماعية. ربما تكون أكثر أهمية حتى من البرلمانات الوطنية في هذا الصدد وهي مفرخة لسياسات مختلفة. ومن خلال تمكين الحكم المحلي ظهرت تجارب على سبيل المثال تجربة الموازنة التشاركية التي نشأت في إحدى الولايات البرازيلية – هذه التجربة انطلقت من مستوى محلي ولم تكن لتظهر من قمة الهرم دون وجود محليات نشطة وفعّالة. أعتقد أن طريقة خلق سياسات بديلة تبدأ فعلاً بفتح المجال من الأسفل. وبالتالي، كل مجتمع سيتمكن من ابتكار الصيغ المناسبة له بحسب احتياجاته وظروفه.
أنا لدي هنا مدرسة، تحتاج مُدرس، لا يمكن للحكومة المركزية أن ترى احتياجات مدرسة في قرية نائية، الأصل أن يبقى هناك مجتمعات محلية مصغرة ودور الدولة أن توائم مابينهم، بس الأصل هو هكذا، فكرة أن تكون الدولة مركزية قومية متحكمة في كل شيء هي وصفة لعدم النجاح، هي ناجحة في تركيز الثروات، فإذا الهدف خلق لا مساواة وخلق أقلية نافذة لديها الكثير من النقود الحكومة المركزية بهذا الشكل تدعم هذا الشكل من المجتمع.
إذا أردنا تنمية عادلة يجب التفكير في تمكين قواعد مجتمعية تتناقش، وتبحث عن احتياجات المجتمع.

ربيع نصر:
ما تتفضلِ به له علاقة النموذج الاقتصادي الديمقراطي أو ديمقراطية الاقتصاد من جهة المشاركة، ومن جهة أي توزيع فرص عادلة لكن التحدي تبعنا انه الطرح السائد بالعالم وليس فقط منطقتنا هو يعزز العكس يعني يعزز ال الإقصاء.

سلمى حسين:
التقشف لديهم ليس بالقسوة كما عندنا، مثلاً في كوفيد انفضحت الأنظمة الصحية في أوروبا مدى جودتها ونجاحها، ومدى عموميتها وإذا كانت تشمل كل المواطنين، بالتالي التقشف أثر عليهم لكن بمعدل أقل بكثير من النظم التي لم فيها اي شكل من أشكال المساءلة، والديمقراطية، وبالتالي هي مسألة مفتاحية أن يبقى عدد كبير من الناس تشترك في القرارات الكبرى، لذا أن أقول أن نبدأ من الأسفل للأعلى، يبدو عكس المنطق، لكنك توسع دائرة اتخاذ القرار.

ربيع نصر:
أكيد نحن بحاجة لتجارب لنكتشف هي البدائل كي ممكن تشتغل، لكنها تحتاج لجرأة أيضاً لطريقة العمل هذه.

سلمى حسين:
  ما حدث في مصر عام 2013 كان عكس ذلك تماماً. تمت خارطة طريق معكوسة: استفتاء على الدستور ثم انتخابات رئاسية ثم انتخابات تشريعية. وكان هذا بالضبط عكس ما كنا نطمح إليه،  ولم يكن هناك أي ذكر للانتخابات المحلية.
لكي تنجح أي ثورة وتؤتي أُكلها فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية ونموذج ناجح، البداية تبدأ بانتخابات محلية على عيوبها، على الأقل يبقى هناك رأي لفقراء اي منطقة في تسيير شكل منطقتهم.
في تقديري خلال المراحل الانتقالية يجب أن تبدأ العملية السياسية بانتخابات محلية تليها التشريعية ثم الرئاسية – وليس بالعكس. لأن السيطرة الأمنية على قرية أو مدينة صغيرة يوم الانتخاب أسهل كثيراً من السيطرة على بلد بأكمله في يوم واحد. كذلك لأن حماس الناس واستعدادهم للمشاركة يكون في أعلى مستوياته بعد التغيير مباشرةً، فينبغي استثماره محلياً أولاً حيث النتائج مباشرة ومؤثرة في حياتهم اليومية. هذا يمنح الناس شعوراً بجدوى المشاركة ويخلق زخمًا على نطاق ضيق يمكن توسيعه تدريجياً.

ربيع نصر:
لا أبداً، على العكس تماماً. طرح غني جداً. ومن المهم جداً التفكير على المستوى المحلي إلى جانب المركزي كما تفضلتِ، وكيف نزيد مساحة المشاركة الشعبية. فالناس يُصيبها اليأس حين لا يستمع أحد مطالبها وحين لا تتوفر قنوات للتأثير في القرار المركزي. ما تفضلتِ به حول تمكين المحليّات ضروري جداً. قبل أن نختم، هل هناك أي شيء آخر ترغبين في إضافته؟ أي فكرة أخيرة تحبّين التركيز عليها نظرة إلى المستقبل؟

سلمى حسين:
نعم… أود أن أقول إنني أتمنى أن تتجنب سوريا مسار اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وإن كان لا مفرّ من الاقتراض الخارجي، فليكن عبر البنك الدولي وليس الصندوق. في رأيي، مسار الصندوق كارثي على النحو الذي وصفناه. لقد تحوّل الصندوق إلى عرّاب للمقرضين الكبار. ما يمنحه من “شهادة ثقة” يضمن من خلالها لهؤلاء المقرضين – الذين أسميهم “المقرضين الكسالى” – أن أموالهم في أمان. كنا نقول سابقاً إن الصندوق هو ملاذ الاقتراض الأخير؛ أي حين تفشل الدولة في الاقتراض من أي جهة أخرى تضطر للجوء إليه. اليوم الوضع اختلف: الصندوق يبدأ معنا بمبلغ قليل جداً، ثم يأتي بعده هؤلاء المقرضون الكسالى ليقرضوا الدولة بناءً على ثقة أن الصندوق مشارك. وعندما يوافق الصندوق على الإقراض، يُعاد هندسة السياسات الاقتصادية كلها لضمان تعزيز قدرة الدولة على سداد الدين لهؤلاء الدائنين. تُبتكر مؤشرات تبدو براقة – مثلاً نسبة عجز الموازنة إلى الناتج – ويصبح جوهر الاهتمام هو قدرة الدولة على خدمة الدين. فإذا حققت الحكومة تلك المؤشرات وسددت الدين في موعده، يكون الصندوق والمقرضون سعداء… وانتهى الأمر. أما بقية الجوانب – التنمية الحقيقية، مستوى معيشة المواطنين، حتى وضع الحكومة نفسها – فتكون قد خسرت. المشكلة أن هيمنة هذا الخطاب وصلت إلى حكوماتنا نفسها؛ كثير من حكومات المنطقة تبنّت عقلية “إرضاء الصندوق” كهدف بحد ذاته.

أتمنى أن تتجنب سوريا مسار الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإن كان لا مفرّ من الاقتراض الخارجي، فليكن عبر البنك الدولي وليس الصندوق. مسار الصندوق كارثي على النحو الذي وصفناه، لقد تحوّل الصندوق إلى عرّاب للمقرضين الكبار

أتمنى من قلبي أن تتمكن سوريا من تفادي هذا المسار الذي سارت فيه تونس والأردن ومصر وكلها عانت منه (ولبنان أيضاً على الطريق). ما يحدث الآن أن موظفين في البنك الدولي والصندوق (وليسوا صغاراً فقط بل مسؤولين كبار أيضاً) يلتحقون بحكومات دولنا، فيصبح لدينا ما نسمّيه “رجل الصندوق بالداخل”. حتى لو افترضنا حسن النية لديهم، فهم يحملون تحيّزات عميقة ومتجذرة في تفكيرهم لصالح سياسات الصندوق. لذا، بالفعل مسار الصندوق خطر جداً. فهو عبارة عن حزمة سياسات تجمع بين تعويم العملة وتحرير الأسعار (خصوصاً أسعار الطاقة) مما يرفع التضخم بشدة، ثم يقول الصندوق لمواجهة التضخم لا بد من رفع سعر الفائدة، وينتهي الأمر بــتقشف انتقائي في الاقتصاد. أسميه انتقائيًا لأنه يختار أن يبقى العجز كبيراً ويبقى الدين الحكومي كبيراً – والنتيجة إثراء فئة صغيرة جداً من مقرضي الحكومات على حساب بقية الناس. إنني حقاً أرى هذا المسار خطيراً ومؤذياً للغاية، ويجب التحذير منه بكل قوة.

ربيع نصر:
رائع… شكراً جزيلاً لكِ سلمى على هذا النقاش الثري. أتصوّر أن كل هذه المعلومات الغنية التي قدمتِها تستدعي أن تكون لنا لقاءات مستقبلية لنخوض في التفاصيل بشكل أعمق.


سلمى حسين:
وأنا أيضاً لدي فضول أن أسمع منك أكثر عن مقارنات مع الحالة السورية في المرات القادمة.

ربيع نصر: بكل تأكيد، إن شاء الله، سنحرص على فتح نقاشات تفصيلية، وأن يكون تطوير السياسات والخيارات مشتركاً وعابراً للحدود. شكراً جزيلاً لكِ على كل ما قدمتِه لنا اليوم – معلومات غنية وخبرة واسعة – ونتمنى أن نستفيد منها جميعاً.

سلمى حسين: شكراً جزيلاً لكم.

ربيع نصر: شكراً جزيلاً أيضاً لجميع المستمعين والمشاهدين. نراكم قريباً في حلقة جديدة.

Episode references:
Publications by Salma Hussein:

– الأزمات الاقتصادية المتعاقبة في مصر: تأثير صندوق النقد الدولي وسبل الوصول إلى سياسات نقدية وغذائية واجتماعية عادلة – تعديل سلمى حسين

https://s3.eu-central-1.amazonaws.com/storage.arab-reform.net/ari/2024/04/17124011/2024-04-AR-1-Egypts-Successive-Economic-Crises-The-IMFs-Impact.pdf

– Uncovered: The Role of the IMF in Shrinking the Social Protection” (2022)

مجموعة دراسات حررتها سلمى ضمن سلسلة منظمة فريدريش إيبرت، تتناول أثر صندوق النقد الدولي في تقليص أنظمة الحماية الاجتماعية في عدد من الدول العربية.

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/tunesien/19560.pdf

–  Spill of Flaws: Egypt’s IMF‑Backed Energy Subsidy Plan (2018)

ورقة بحثية نشرت عبر شبكة ANND، تنتقد سياسات رفع دعم الطاقة في مصر وتأثيرها على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

https://annd.org/en/publications/details/a-spill-of-flaws-egypts-imf-backed-energy-subsidy-plan

– Building Resilience Blocks: How to Improve the Quality of Work for the Egyptian Construction Precariat? (2022)

https://www.euromesco.net/wp-content/uploads/2022/01/Paper-N%C2%BA50.pdf

–  A Guide for Social Protection Tools and Programmes (Umbrellas for All)

دليل شامل يحتوي على تصنيفات وبرامج الحماية الاجتماعية حول العالم، صدر ضمن سلسلة FES.

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/tunesien/19560.pdf

–  “Rhetorical Hypocrisy and Ideological Rigidity at the IMF”
Author: Salma Hussein
Date: 16 May 2025

https://www.annd.org/en/publications/details/rhetorical-hypocrisy-and-ideological-rigidity-at-the-imf-salma-hussein

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

الإصدارات