رؤية حول الأمن الاجتماعي والحماية الاجتماعية في ظل السياسات النيوليبرالية
الحلقة 17 – 31 يوليو، 2025
في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، نناقش أثر السياسات النيوليبرالية على الأمن الاجتماعي في سوريا، في ظل التدهور الاقتصادي المتراكم على مدى سنوات النزاع. يستضيف ربيع نصر الباحث الاقتصادي زكي محشي في حوار حول التحولات في مفهوم الحماية الاجتماعية، العلاقة بين النيوليبرالية والاستبداد، وأثر الخصخصة ورفع الدعم على الفئات الأشد تهميشًا.
ونتناول دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية في ملء فراغ الدولة، ونقف عند إشكاليات التمويل، التفاوت الاجتماعي، وظهور رأسمالية المحاسيب. كما نسلّط الضوء على التحديات أمام بناء نموذج اقتصادي بديل ومستدام، يركز على العدالة الاجتماعية، الإنتاج المحلي، والتشاركية، مع دعوة صريحة لدور فاعل للسوريين في الداخل والخارج.
ضيف الحلقة زكي محشي:
هو باحث في في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) يعمل مع برنامج سوريا، هو أحد مؤسسي المركز السوري لبحوث السياسات، وتتركز اهتماماته البحثية على السياسات الإنمائية، والفقر، والحرمان متعدد الأبعاد، بالإضافة إلى تحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزاع في سوريا.
– يحمل زكي شهادة الماجستير في الاقتصاد الدولي من جامعة إسيكس في المملكة المتحدة، ودبلوم في العلاقات الاقتصادية الدولية من جامعة دمشق.
يحاوره ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي
الحلقة من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
أهلاً بكم في بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”. نفتح مساحة لحوارات معمّقة ومبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت. تحياتي للجميع.
ربيع نصر:
أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، في سلسلة تركز على السياسات النيوليبرالية في سياق سوريا والمنطقة. نتناول تجارب دول المقارنة لنعرف أكثر عن أثر السياسات على الوضع التنموي في سوريا، وهذه السلسلة تأتيكم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
فأهلاً وسهلاً بكم جميعاً. نحن اليوم نركز على موضوع بالغ الأهمية وهو قضية الأمن الاجتماعي، وهي قضية أوسع من فكرة الحماية الاجتماعية أو شبكات الأمان الاجتماعي. هي قضية مهمة جداً لدولة في مرحلة انتقالية بعد النزاع مثل سوريا. طبعاً نحن نتكلم عن منطقة تتعرض لانتهاكات هائلة جداً نراها في الإبادة الجماعية المستمرة اليوم في غزة، والتي تشهد أبشع أنواع الانتهاكات الممكن تخيّلها، وكذلك في عدة دول في المنطقة. لدينا نزاعات وأنظمة استبدادية أو إقصاء، تهجير، لجوء، نزوح. فمنطقة يتواجد فيها عدد هائل جداً من القضايا الملحّة والشائكة. لكن قضية الأمان الاجتماعي التي تتركز على الإنسان هي قضية جوهرية جداً، ترتكز على فكرة حقوق الإنسان. الشرعة الأممية لحقوق الإنسان طرحت قضية الأمن الاجتماعي كحق من الحقوق الرئيسية، وتم التأكيد عليها في الملحق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كذلك معظم الأطروحات التنموية تركز على فكرة الأمن الاجتماعي ليس فقط لحماية الإنسان من التهديدات ولكن أيضاً لتمكينه من العيش بكرامة والعيش بقدراته وإمكانياته في الفضاء العام والخاص. في ظل التعقيدات التي تشهدها سوريا، خاصةً خلال الـ14 سنة من النزاع والآن في هذه المرحلة الانتقالية، نحاول أن نرى المقاربة المتعلقة بالأمن الاجتماعي وكيف يمكن أن تكون هذه المقاربة جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المُتبعة في المرحلة الانتقالية وما بعدها. وإلى أي مدى تعزز الطروحات الحالية فكرة الانتقال باتجاه السلام، ومواجهة اقتصاديات النزاع، وترسيخ قيم مثل التضامن والانسجام الاجتماعي والازدهار.
في ظل هذه التحديات المرتبطة بقضية الأمن الاجتماعي ومركزية الإنسان فيها، يسعدنا اليوم أن نلتقي مع صديق عزيز جداً وشريك في العمل منذ تخرّجنا في الجامعة، الأستاذ زكي محشي. شهادتي فيك مجروحة، لكنك أحد أبرز الباحثين السوريين في مختلف المجالات التنموية. هو مؤسس مشارك للمركز السوري لبحوث السياسات، ويحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد. عمل في أكثر من مؤسسة أممية وإقليمية في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية. يعمل حالياً في كلية لندن للعلوم السياسية والاقتصادية (LSE)، وكذلك يعمل في مجالات البحوث الموجّهة للسياسات، ولديه أكثر من 20 سنة من الخبرة في القضايا المرتبطة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزاعات والاقتصاد السياسي بشكل عام. نورتنا زكي، أهلاً وسهلاً بك. سعيد جداً أننا نلتقي في هذا البودكاست.
زكي محشي:
أهلاً وسهلاً بك ربيع، شكراً جزيلاً لك. أنا سعيد جداً أن أشارك في هذا النقاش حول هذا الموضوع، وسعيد جداً بالمشاركة في النقاش معك، فأنت صديق عزيز وغالٍ يا ربيع. وأنا سعيد جداً أيضاً بهذه السلسلة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة” التي ينتجها المركز، والتي تساهم في فتح مجالات أوسع للنقاش حول مواضيع مهمة وحساسة جداً مثل الموضوع الذي سنتكلم عنه اليوم.
ربيع نصر:
سنبدأ معك مباشرةً، زكي، خاصةً في قضية على هذا القدر من التعقيد؛ قضية الحماية الاجتماعية أو قضية الأمن الاجتماعي. ما هو أساس هذا المفهوم؟ لماذا يُعتبر مفهوماً جوهرياً، ولماذا من المهم التركيز عليه؟ ماذا يتضمن، وما هي أشكاله؟ وما هي أهميته بالنسبة لقضية التنمية بشكل عام، ولدولة خارجة من النزاع بشكل خاص؟
زكي محشي:
طبعاً، مفهوم الحماية الاجتماعية أو الأمن الاجتماعي، كما ذكرتَ في المقدمة، هو مفهوم يستند في جوهره إلى حقوق الإنسان، وإلى فكرة العدالة أو تحقيق العدالة. الحماية الاجتماعية هي مجموعة آليات تعمل على إعادة توزيع الثروة والموارد لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص في المجتمع، وهذا يصب مباشرةً في تحقيق التنمية المستدامة، والتنمية التضمينية في الدول. بالتالي، فهو مفهوم يحمل في جوهره حقوق الإنسان، ويحمل في جوهره فكرة العدالة التي تُعدّ من أسس أي عملية تنمية مستدامة وتضمينية.
من حيث الآليات، حدثت تغيّرات تاريخية في الآليات المتعلقة بفكرة الأمن الاجتماعي أو الحماية الاجتماعية؛ إذ تتراوح هذه الآليات بين دعم حكومي مقدّم للمجتمع، مثل دعم الخدمات الأساسية كالصحة المجانية والتعليم المجاني، ودعم أسعار السلع الأساسية كالخبز والمحروقات. وطبعاً هناك أشكال دعم أخرى، مثل التوظيف العام أو ضمان التوظيف، وتعويض البطالة، وضمان الشيخوخة. هذه كلها شبكات أو آليات لتعزيز فكرة تكافؤ الفرص، وتعزيز فكرة أن كل فرد من أفراد المجتمع يحصل على الحقوق التي تتضمنها وتكفلها شرعة حقوق الإنسان: الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة، وذلك بشكل متكافئ ومتساوٍ لجميع المواطنين. هذه باختصار فكرة الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي. وطبعاً يمكن أن نتحدث لاحقاً عن كيف تغيرت هذه الفكرة، خاصةً في المنطقة العربية وفي دولة مثل سوريا، ليس فقط خلال فترة الصراع وما بعده ولكن منذ فترة الاستقلال.
ربيع نصر:
تمام، زكي. إذا أخذنا فكرة الأمن الاجتماعي بمفهومها الواسع، التي ترتكز على مركزية حماية الإنسان من التهديدات، وترتكز على فكرة العدالة وتكافؤ الفرص، لكنها أيضاً مبنية على أن هذه الحقوق هي حقوق مستحقة وليست مِنّة على الأفراد، فهناك هيمنة لسياسات نسميها اليوم سياسات نيوليبرالية، اشتهرت بانطلاقتها الفعلية في الثمانينيات مع رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، اللذين بدأوا بتنفيذ هذه السياسات القائمة على فكرة أن تكون اليد العليا للسوق باعتبارها الأكثر كفاءة في التحكم بتوزيع الموارد، وبأنها تضمن تحقيق الكفاءة وتقلّص نسب الفساد من خلال الخصخصة وإطلاق حرية القطاع الخاص ورأس المال.
فيما يخص الحماية الاجتماعية، طرحت النيوليبرالية وجهات نظر شائعة جداً، منها القول بأن توجيه الدعم للجميع أمر غير عادل، وأن الدعم يجب أن يوجه فقط للفقراء والمستحقين. كما طرحوا قضية أن الخدمات العامة المجانية تؤدي إلى الفساد وإلى عدم فعالية في تخصيص الموارد الشحيحة، وأن الدولة غير قادرة على تأمين الموارد لتمويل هذه الخدمات العامة الهادفة إلى تحقيق دولة الرفاه. كيف تفسر لنا فلسفة النيوليبرالية في مقاربة الأمن الاجتماعي، خاصةً بعد تراجع دولة الرفاه وتراجع دور الدولة؟
زكي محشي:
أي تماماً. إذا أردت العودة قليلاً للوراء، قبل التحدث عن العلاقة بين الحماية الاجتماعية والنيوليبرالية أو منظور النيوليبرالية لموضوع الحماية الاجتماعية، سأتكلم قليلاً في سياق المنطقة عن موضوع الحماية الاجتماعية والأنظمة الاستبدادية التي كانت سائدة – للأسف – في المنطقة العربية. أغلب الأنظمة العسكرية التي جاءت بعد التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي في الأربعينات، كانت تستغل أو تبني على جاذبية فكرة العدالة، أو تستثمر بجاذبية فكرة الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي، ولكن ليس بهدف تحقيق العدالة وتحقيق تنمية قومية مستدامة، بل بهدف استدامة نفوذها، والاستثمار بجاذبية فكرة العدالة لدى الناس. لكن في هذا الإطار حاولت هذه الأنظمة المساومة على موضوع فكرة الحماية الاجتماعية. أي أننا كسلطة نقدم حماية اجتماعية: نقدم تعليم مجاني، وصحة مجانية، وتوظيف حكومي، ولكن بالمقابل نحتكر السلطة السياسية. كان هذا نوع من أنواع التوازن عند الحد الأدنى، الذي نسميه في المركز السوري لبحوث السياسات “توازن الحد الأدنى” في العملية التنموية.
في الفترات اللاحقة، وبعد التغيرات العالمية التي حدثت خاصةً منذ الثمانينيات وانهيار الدول الشيوعية، بالإضافة لتدهور الموارد الموجودة في دول المنطقة نتيجة تجذّر الاستبداد، ونتيجة الفساد والمحسوبية والاحتكار، حدث تحول لدى هذه الأنظمة في منظورها للحماية الاجتماعية. حدث ترويج أنه لا يجب على الحماية الاجتماعية أن تكون للجميع، وبدأ تبنّي المنظور النيوليبرالي للحماية الاجتماعية بشكل يخدم مصالحها. ولكن هذه الدول – بالسياق مثل السياق السوري – لم تكن تقدم شيئاً بالمقابل، بل حافظت على احتكار السلطة السياسية وحافظت على مستويات استبداد استمرت دون أي تنازل أو تشارك في السلطة مقابل رفع الحماية الاجتماعية. فكما نستعير من مفاهيم المركز: انكسر هذا التوازن عند الحد الأدنى الذي كان محققاً في تلك الأنظمة في المنطقة.
وهنا نأتي لفكرة النيوليبرالية والحماية الاجتماعية. طبعاً هناك اختلاف هيكلي وجوهري. فكرة النيوليبرالية لا تحمل العدالة في جوهرها، من وجهة نظري. فكرة النيوليبرالية قائمة على اقتصاد السوق الحر، قائمة على فتح الأسواق للقطاع الخاص، وقائمة على تحديد دور الدولة كمنظّم ومسهّل وميسّر لعمل القطاع الخاص. وتدّعي مدرسة النيوليبرالية أن الدولة يجب أن تكون على مسافة واحدة من كافة الأطراف، ويجب ألا تكون دولة رعاية لطرف محدد – وهنا نتكلم عن الفقراء والفئات المهمشة – بل يجب أن تكون على مسافة واحدة. وهذه الفكرة بالتحديد تعني انحياز الدولة لصالح القطاع الخاص ضد الفئات المهمشة، لأن فكرة النيوليبرالية هي تخفيض عجز الموازنة، فكرة النيوليبرالية هي تخفيف الإنفاق العام. وبالتالي أي إنفاق على الفئات المهمشة، وعلى الفقراء، وعلى الدعم الاجتماعي، يجب أن يُلغى لتسهيل، وتوفير، وإيجاد مناخ مناسب لعمل القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية، بغض النظر عن كيفية تأثير ذلك على الفئات المهمشة. فحكماً، الدولة في ظل النيوليبرالية ليست على مسافة واحدة من كافة الأطراف؛ هي تعمل لصالح المستثمرين والقطاع الخاص ولا تكترث بشكل كبير لأثر هذه السياسات على الفقراء والمهمشين.
وفي حال حديثنا عن تزاوج النيوليبرالية مع الضعف المؤسساتي الكبير، والفساد، مع الاستبداد والاحتكار والمحسوبية السائدة في منطقتنا، سينتج نظام مشوّه بشكل كبير، يعمل فقط لصالح فئة محددة من الناس. ولا يعمل فقط لصالحها، بل يعمل ضد مصالح الفئات المهمشة والفئات الفقيرة، لأن آليات السوق التي تفرضها المدرسة النيوليبرالية – من تخفيف الحماية الاجتماعية وفتح الأسواق والقطاع الخاص – مع وجود الفساد والمحسوبية مع الضعف المؤسساتي تعني إعادة تدوير الموارد، وليس خلق موارد جديدة؛ إعادة تدوير الموارد والثروات من الفئات المهمشة، من أغلبية المواطنين، لصالح هذه الفئة المحدودة من الناس.
تزاوج النيوليبرالية مع الضعف المؤسساتي الكبير، والفساد، مع الاستبداد والاحتكار والمحسوبية السائدة في منطقتنا، أنتج نظام مشوّه بشكل كبير، يعمل فقط لصالح فئة محددة من الناس، ضد مصالح الفئات المهمشة والفئات الفقيرة
فبالتالي، بالنسبة لسؤالك عن النيوليبرالية والحماية الاجتماعية: أتوقع أن النيوليبرالية همّشت فكرة الحماية الاجتماعية، نسخت فكرة الحماية الاجتماعية، وأفرغتها من فكرة العدالة وتكافؤ الفرص. وحوّلتها – من خلال للأسف منظمات دولية ومؤسسات مالية عالمية – إلى شبكات دعم، إلى شبكات استهداف، أي إلى وظيفة محددة غير مبنية على فكرة العدالة والمساواة. حتى أنها حولتها إلى عملية صدقة يقوم بها المستثمرون وكبار رجال الأعمال لصالح الفئات المهمشة والفقيرة، من خلال مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” و”القطاع الثالث”، وغيرها من المفاهيم التي يتم ترويجها.
ربيع نصر:
زكي، أريد أن أعود بهذه الفكرة إلى سياق سوريا، لأنه لدينا الكثير من الطروحات حول: أولاً، أن المنظومة كانت منظومة اشتراكية، قائمة على أن الدولة هي اللاعب الأساسي في الاقتصاد من جهة، وكل شيء يتم من خلال التخطيط الاقتصادي والقرارات المركزية. ثانياً، أيضاً هناك قضية – على الهامش – دائماً نقول إن النيوليبرالية منحازة للقطاع الخاص. فهل كل القطاع الخاص استفاد من النيوليبرالية؟ أم أن هناك أيضاً ضمن القطاع الخاص شرائح يمكن أن تكون تعرضت لنفس التهميش مثل بقية شرائح السكان؟
لكن هنا بالنسبة للسياق السوري، كي لا نرجع بعيداً تاريخياً، كيف ترى السياسات التي كانت تعتبر سياسات أمن اجتماعي في فترة النزاع؟ سواء من قبل نظام الأسد أو من بقية القوى غير الدولتية. كيف أصبح شكل هذا الأمن الاجتماعي في ظل النزاع؟ وكما زاوجتَ بين الاستبداد والنيوليبرالية، كيف تقرأ العلاقة بين النزاع والاستبداد والنيوليبرالية خلال السنوات الـ14 التي عانت فيها سوريا من الحرب؟
زكي محشي:
أنا الآن أريد أن أرجع سنةً واحدة قبل بداية النزاع في سوريا، وأعيد التأكيد على فكرة أن الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي اللذين كان يتم تطبيقهما – أو الادعاء بتطبيقهما – كانا مُفرّغَيْن من فكرة العدالة، ومُفرّغَيْن من فكرة تكافؤ الفرص والمساواة. الهدف منهما كان الاستثمار بسياسات شعبوية: أن يقول هذا النظام – نظام الأسد – إنه كان يدعم الفئات المهمشة، ويدعم أسعار المواد الأساسية، ويوفر التعليم المجاني والصحة المجانية. والهدف من ذلك لم يكن تحقيق الرفاه أو العدالة في المجتمع، بل كان كسب نوع من الشعبية، ونوع من الشرعية الشعبوية – إن صح التعبير – لاستدامة حكمه.
صحيح أنه منذ بداية الألفينيات بدأ بالتخلي تدريجياً عن هذه السياسات، ولكنه حافظ بشكل أو بآخر على الشكل الجوهري للحماية الاجتماعية الذي كان موجوداً في سوريا.
عندما بدأت الثورة وبدأ النزاع وتوسّع، حدث تدهور كبير في الموارد المالية لدى النظام. هذا التدهور أجبر النظام على القيام بعملية إعادة توزيع للثروة والموارد من أغلبية الناس لصالح الفئة التي أثبتت ولاءها، والتي دعمت النظام في معركته، والتي دعمت استدامة النظام. فأصبح لدينا عاملان في سوريا: العامل الأول هو انهيار وتدهور الناتج الاقتصادي، وتدهور الموارد بشكل كبير نتيجة النزاع. العامل الثاني هو أنه بالإضافة إلى ذلك التدهور، تمت إعادة توزيع الموارد لصالح الفئة الحاكمة والشريحة الداعمة للنظام.
ومع تدهور الموارد، أصبح من الصعب جداً على النظام الاستمرار في موضوع الحماية الاجتماعية, وبدأت الأسعار بالارتفاع. بدأ إلغاء الدعم بشكل سريع، أي بدأ إلغاء الدعم فعلياً في مناطق معينة. بمعنى أنه كان هناك ادعاء بأن الدعم لا يزال موجوداً، لكن المرء عندما ينزل إلى السوق لا يجد السلع المدعومة، وإذا أراد شراءها فعليه التوجه إلى السوق السوداء.
فهذه هي العملية التي حدثت: غياب السلع، وإعادة توزيع الموارد. استُخدم غطاء الحماية الاجتماعية – أو بالأحرى الادعاء باستمرار وجود دعم اجتماعي لبعض السلع – من قبل النظام لزيادة الثروة وإعادة توزيع الثروة لصالح تلك الفئة. كيف؟ على سبيل المثال،احتكر المحسوبون على النظام من الرأسماليين السوقَ السوداء. فلم يكن السوريون يجدون المواد والسلع المدعومة في الأسواق، وكانوا يضطرون إلى شرائها من السوق السوداء المحتكرة من قبل محاسيب النظام. وهذا الأمر رفع سعر السلعة إلى ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف أو خمسة أضعاف، وحتى عشرة أضعاف.
وكان هذا الفارق الكبير في السعر وهوامش الربح الكبيرة يذهب إلى الرأسماليين المحسوبين على النظام السوري في ذلك الوقت، وتتراكم الثروة. ولم تُحوَّل هذه الأموال إلى موارد إنتاجية، بل تم استخدام هذه الموارد بتحويلها إلى موارد عسكرية أو حربية أو تدميرية أو مخابراتية.
وبالتالي، فإن فكرة وجود حماية اجتماعية دُمّرت بشكل كامل. لا بل على العكس، صار هناك استخدام لفكرة الحماية الاجتماعية بشكل شعبوي؛ من خلال بروباغندا النظام الذي يدّعي أننا ندعم أسعار المواد، ولكن على أرض الواقع وفي التطبيق كانت هذه المواد تُباع في السوق السوداء من قبل محاسيب النظام، وذلك لتحقيق هوامش ربح هائلة وإعادة تدوير الموارد لصالح النظام.
طبعاً، الحرب والنزاع شتّتا أيضاً شبكات الحماية الاجتماعية. وهنا نقطة مهمة جداً أعتقد أننا ربما أغفلناها: فكرة الحماية الاجتماعية أو الأمن الاجتماعي لا تقوم فقط على علاقة الدولة بالمجتمع، بل تقوم أيضاً على العلاقات البينية داخل المجتمع. وفي سوريا، كانت واحدة من أهم شبكات الأمن الاجتماعي – إذا صح التعبير – هي المساعدات المتبادلة بين أفراد المجتمع: فالعائلات كانت تقدم العون لبعضها، والميسورون كانوا يقدمون الدعم للفقراء. وكانت تلك هي شبكة الأمان الاجتماعي الحقيقية في سوريا.
وهنا أيضاً يجب أن نضيء على النقطة التي ذكرتها بخصوص القطاع الخاص. فالقطاع الخاص المنتج التقليدي الحقيقي كان يلعب دوراً كبيراً في المساهمة بتمويل هذه الشبكات الاجتماعية، وكان يقوم بذلك دون أضواء، ودون بروباغندا، ودون احتفالات وتصوير بأنه يساعد الناس. وكانت هذه العملية جزءاً من تقاليد القطاع الخاص المنتج والحقيقي في سوريا لمساعدة الأسر والفقراء.
فمن المهم التمييز هنا بين القطاع الطفيلي – أي القطاع الخاص الطفيلي – الذي نشأ بدعم من تطبيق النيوليبرالية في السياق السوري، فهذا القطاع الطفيلي يريد تحقيق الربح السريع دون إنتاج حقيقي (ربح ريعي). وعندما يقدم المساعدة للناس، يقيم حفلات ويقول: “انظروا كم أنا عظيم وأنا أساعد الناس”. وهذا بالضبط ما يجب تمييزه عن القطاع الخاص المنتج الحقيقي، الذي ساهم بدرجة كبيرة في شبكات الأمان الاجتماعي السورية خلال النزاع.
من المهم التمييز بين القطاع الخاص الطفيلي الذي نشأ بدعم من تطبيق النيوليبرالية والذي يريد تحقيق الربح السريع دون إنتاج حقيقي (ربح ريعي)، وبين القطاع الخاص المنتج الحقيقي، الذي ساهم بدرجة كبيرة في شبكات الأمان الاجتماعي السورية خلال النزاع..
وفي ظل النزاع، تضرر القطاع الخاص المنتج بشكل كبير. فأحد أهم مصادر تمويل شبكات الحماية الاجتماعية اختفى أو كاد يختفي أيضاً. وبالتالي، حدث تفاقم مرعب للفقر. وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية الأخرى التي جاءت مع النزاع، فإن هذا كله ساهم في عدم وجود حماية اجتماعية، لا من قبل الدولة، ولا من قبل الممول الحقيقي الأساسي لموضوع الأمان الاجتماعي (أي القطاع الخاص التقليدي في سوريا). وانعكس هذا الأمر تحديداً على الفئات المهمشة وعلى الفقراء، وازدادت حدّة الفقر. أي أننا أصبحنا نتحدث عن فقر غذائي، وصار الحديث عن فقر مدقع أشد بكثير مما كنا نتحدث عنه من فقر عام.
ربيع نصر:
طيب زكي، سننتقل من ما ذكرته. نحن أمام مستويات غير مسبوقة من الفقر، ومستويات غير مسبوقة من التفاوت. هناك مناطق حوصرت، أناس خسروا كل شيء، عاشوا بأقل من الحد الأدنى لشروط الحياة، أناس تعرضوا للتعذيب وللإعاقة. هناك حجم هائل جداً للمأساة الإنسانية، وهذا الوضع لم يستمر شهراً ولا عشرة أيام ولا سنة، بل 14 سنة؛ وبالتالي المعاناة متراكمة، وازدادت الاحتياجات للأمن الاجتماعي أضعافاً مضاعفة.
الآن لدينا هنا دور المجتمع المدني، ودور المنظمات الأممية والدولية التي تدخلت. كيف تقيّم هذا الدور في المناطق المختلفة في سوريا؟ كيف ترى هذا الدور؟ أين كانت فعاليته؟ هل كان يبني شيئاً مستداماً أم غير مستدام، قصير الأجل أم طويل الأجل؟ كيف تقرأ ذلك في ظل فكرة الحاجة إلى الأمن الاجتماعي خلال فترة النزاع؟
زكي محشي:
تماماً. مثلما ذكرتَ، ربيع، بعد النزاع أو خلال فترة النزاع – وحتى الآن طبعاً، مع آثار كبيرة جداً – الحاجة إلى أمن اجتماعي فعّال وإلى مؤسسات فعالة، الحاجة إلى الحماية الاجتماعية أصبحت كبيرة جداً، سواء في النزاع أو في الفترة الحالية (ويمكن أن نتحدث عن الفترة الحالية لاحقاً).
خلال النزاع، مع غياب مؤسسات الدولة أو احتكارها من قبل النظام الاستبدادي في دمشق (نظام الأسد), أو قوى الأمر الواقع التي أيضاً أخذت أشكالاً استبدادية في المناطق المختلفة، وكان آخر همّها الحماية الاجتماعية أو العدالة أو تكافؤ الفرص، برز الدور الأساسي – طبعاً بالإضافة إلى غياب الموارد – برز الدور الأساسي للمجتمع المدني والمنظمات الدولية. وهذا الدور في السياق السوري لا يمكننا فصله كثيراً، لأن المنظمات الدولية كانت تقدم الدعم المالي أو كانت تنفّذ الكثير من برامجها من خلال منظمات ومؤسسات المجتمع المدني.
أكيد المجتمع المدني – وهنا عندما أتحدث عن المجتمع المدني لا أقصد المنظمات الرسمية، بل أتحدث عن مجموعات التطوع، المبادرات, المساهمات الجماعية التي حدثت في أكثر من منطقة في سوريا – أيضاً فكرة المجتمع المدني أوسع من الفكرة التي تحب النيوليبرالية الترويج لها، بأن هناك منظمات مجتمع مدني مدعومة من منظمات دولية وهذا هو شكل المجتمع المدني. طبعاً هذا جزء من المجتمع المدني، لكن المجتمع المدني بهذه الصورة الواسعة في كل المناطق السورية لعب دوراً كبيراً جداً في سد الثغرات أو في توفير الحماية بالحد الأدنى للفقراء الذين ازدادت نسبتهم بشكل كبير، وفي تأمين الحماية بالحد الأدنى للأشخاص الذين فقدوا معيلهم، وللأسر التي فقدت معيلها، وفي توفير الحد الأدنى أيضاً للأشخاص – من الناحية الصحية – الذين تعرضوا للتعذيب أو الاعتقال. فتمّ تقديم الخدمات الصحية والخدمات التعليمية أيضاً في بعض المناطق، وصار المجتمع المدني يسدّ مكان الدولة في تقديم هذه الخدمات الأساسية.
فقد قام المجتمع المدني في سوريا بجهد كبير جداً، وهذا جهد يجب تسليط الضوء عليه وتخصيص حلقات له. ولكن دائماً هناك سلبيات، فديناميات القوى داخل سوريا، وحتى بين المنظمات الدولية والمجتمع المدني، خلقت بعض السلبيات فيما يتعلق بتقديم المجتمع المدني خدمات تدعم فكرة الأمان الاجتماعي وتدعم فكرة الحماية الاجتماعية.
النقطة الأولى: أنه صار هناك احتكار للعمل المدني من قبل المنظمات الكبيرة، وهذا كان له انعكاسات كارثية على استدامة البرامج، وعلى شمولية البرامج، وعلى تضمين البرامج لمناطق كثيرة ولأشخاص كثيرين. فالاحتكار لدى بعض المنظمات – وهذا الاحتكار ناتج عن أن هذه منظمات كانت مُمكَّنة: الأشخاص فيها يجيدون اللغة ولديهم قدرة على التواصل مع المنظمات الأجنبية والعالمية والدولية التي تدعم هذه المنظمات أو تدعم المجتمع المدني – فحدث استحواذ من قبل هذه الفئة المحتكرة – إن صح التعبير – من منظمات المجتمع المدني على التمويل المُقدّم من الخارج للسوريين.
والفكرة أن الممولين غير مهتمين بشكل كافٍ. للأسف، المنظمات الدولية – بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة والممولين الدوليين – يعتبرون التمويل لسوريا عبارة عن “وظيفة” أو “تكليف” أو “حسناً، لقد أدّينا هذا الواجب”. فلا يوجد متابعة حول مَن الذي يأخذ التمويل، هناك احتكار، لا يوجد شمولية (تضمين). فموضوع احتكار العمل المدني كان له انعكاسات سلبية، وللأسف مستمر بشكل أو بآخر.
طبعاً، مع نظام الأسد – على سبيل المثال الأمانة السورية للتنمية التي كانت تُدار وتُشرف عليها أسماء الأسد – كان هناك احتكار بهدف مالي (تأمين تمويل مالي)، وأيضاً احتكار بهدف دعائي شعبوي بأننا نقدم مساعدات وندعم مثلاً. فهذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: المجتمع المدني – للأسف – هذه التحديات التي تواجه المجتمع المدني مرتبطة مع بعضها. هناك الاحتكار وهناك عدم العمل الجماعي؛ نقص التحالفات داخل المجتمع المدني، وبين العاملين في المجتمع المدني. التحالفات الحقيقية – وليس مجرد شبكات اسمية فيها 150 منظمة أو 200 منظمة – هذه الشبكات مفيدة لتنسيق العمل الإداري، ولكن يجب أن تكون تحالفات المجتمع المدني مبنية على رؤية مستقبلية، ومبنية على خدمة المجتمعات المحلية، لا أن تكون مدفوعة بالحصول مثلاً على الربح. فمثلاً بعض منظمات المجتمع المدني رواتب العاملين فيها أكبر من رواتب العاملين في القطاع الخاص، أو أكبر من رواتب العاملين في شركات النفط. فصار هناك هوّة بين المجتمع المدني وبين حاجات الناس. هذه الهوّة جعلت الناس تفقد الثقة. أصبحت معظم المجتمعات المحلية ترى في المجتمع المدني منظمات غريبة عنها، منظمات مدفوعة بالبرامج الممولة من المنظمات الدولية، ولا تهتم بالاحتياجات الحقيقية للناس.
فإذا أردنا أن نتكلم باختصار: المجتمع المدني بالتأكيد لعب دوراً كبيراً, لكن الاحتياجات كانت ضخمة جداً. لعب دوراً كبيراً في تأمين الحماية الاجتماعية – وهنا أتكلم مرة أخرى عن المجتمع المدني بالمفهوم الواسع – ولكن خلال النزاع وخلال الصراع ظهرت ظواهر سلبية في تنظيم العمل المدني. يمكن تلخيصها في احتكار العمل المدني من قبل منظمات معينة، وعدم التعاون وعدم وجود تحالف حقيقي بين هذه المنظمات وبين الفاعلين في المجتمع المدني لدعم استدامة المشاريع ودعم استدامة الخدمات المقدمة في إطار الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية.
ربيع نصر:
وهذه القضية تفاقمت – دعنا نقول – مثلما تفضلتَ: تراجعت الخدمات الصحية والتعليمية، تراجع الدعم للغذاء, تراجع الدعم للمنتج المحلي، دعم الطاقة, لكن أيضاً السياسات القائمة على التمكين مثل سياسات التشغيل أو سياسات تعزيز الحماية للعاملين – وخاصةً بالنسبة للإناث والسيدات اللواتي يكنّ متضررات أكثر من أي رفع للحماية الاجتماعية لأسباب مختلفة.
سقط نظام الأسد وصار هناك تفاؤل كبير جداً بأننا ننتقل لمرحلة استعادة الكرامة والحرية والعدالة – الحقوق الأساسية للإنسان – وطرحت الأفكار الديمقراطية، العدالة الانتقالية، الاستدامة. فهذه الطموحات الكبيرة كانت مرتبطة بسقوط نظام الاستبداد وإعادة العجلة التنموية. وهناك طروحات خلال الأشهر الستة الأولى متعلقة بالأمن الاجتماعي؛ من فكرة أن الهوية السورية – هوية الاقتصاد السوري – هي هوية اقتصاد حر تنافسي. وتحت هذا العنوان يعني أن الناس لديهم حرية في العمل؛ أي هذا المصطلح يُستخدم – على الأقل – بهذا المعنى.
لا توجد موازنة ولا موارد في الدولة، وبالتالي الدولة غير قادرة على لعب أي دور في قضية الأمن الاجتماعي. فالأمن الاجتماعي يُوكَل أو يُفوَّض إما لمنظمات دولية أو لأي جمعيات قائمة على فكرة المساعدة والإحسان. والقطاع الخاص هو الذي يجب أن يتولى كفاءة استخدام الموارد، بما فيها قطاع الصحة والتعليم، وبطبيعة الحال القضايا المختلفة مثل قضية الطاقة وقضية مياه الشرب، إلى آخره.
طيب، هذا يعني أن لدينا ستة أشهر من توجهات سريعة جداً في تبني هذه السياسات. كيف تقرأها إذا أردت أن تعالج موضوع أنه بعد 14 سنة من النزاع هناك من يقدّم استراتيجية للأمن الاجتماعي ملامحها بهذه الصورة؟ كيف تقرأها من وجهة نظر مستقبل استعادة سوريا ما بعد النزاع، ومواجهة اقتصاديات الحرب، إلى آخره؟
زكي محشي:
تماماً. مثلما تفضلتَ، الحكومة الحالية أو السلطة التي جاءت مباشرةً بعد نظام الأسد كانت واضحة في موضوع التوجهات الاقتصادية منذ الأيام الأولى: أنها اقتصاد سوق حر تنافسي. والفكرة أن هذا الكلام انعكس أيضاً تطبيقاً – أي أنهم تحدثوا عن اقتصاد السوق الحر التنافسي – وظهر توجه نيوليبرالي تم تنفيذه على أرض الواقع. من الخطوات الأولى والقرارات الأولى التي تم اتخاذها هي رفع سعر ربطة الخبز عشرة أضعاف. مع العلم أنه في 50% من السوريين يواجهون حالة انعدام أمن غذائي. فهذه الخطوة لا تبشّر بالخير بأن الأمان الاجتماعي أو الحماية الاجتماعية يؤخذ بعين الاعتبار.
طبعاً، الخطوات الثانية التي لها علاقة بموضوع التشغيل: إجازات لمدة ثلاثة أشهر، أو إعفاء من العمل لمئات الآلاف من الموظفين. طبعاً جزء كبير من هؤلاء الموظفين هم موظفون وهميون – لنقل – ويجب التخلص منهم والتحقق من هذا الموضوع. ولكن جزء كبير جداً – وهذا أثبتته المظاهرات والتحركات التي قام بها الموظفون – هم موظفون على رأس عملهم ومنتجون، وتم التخلي عنهم، وتم التخلي عنهم دون وجود أي معايير واضحة على أي أساس. المسؤولون خرجوا وقالوا إننا نتخلى عن الموظفين الوهميين، ولكن هذا لا يغطي كل الحقيقة، لأن كما ذكرتُ: هناك مظاهرات واحتجاجات حدثت ضد هذا الإجراء. والتخلي عن الموظفين يعني أنك تقطع عنهم مصدراً أساسياً من مصادر العيش.
فأنت رفعت أسعار سلع أساسية مثل الخبز، وأثّرت سلباً على موارد أو مصادر الرزق أو مصادر الدخل لعدد كبير من الناس. وفي الوقت نفسه فتحت السوق بشكل عشوائي – أتحدث عن الفترة الأولى – فُتحت الأسواق بشكل عشوائي وكامل للبضائع الأجنبية، وخاصة البضائع القادمة من تركيا، البضائع الرخيصة بغض النظر عن النوعية. وهذا دمّر ما تبقى من القطاع أو أثّر بشكل سلبي كبير جداً على ما تبقى من القطاع الخاص المنتج الحقيقي في سوريا. وبالتالي دمّر أيضاً مصدراً للثروة أو مصدراً للدخل للمنتجين الصغار وأصحاب المعامل الصغيرة المحلية.
فالسياسات التي تم تطبيقها في الفترة الأولى ربما طُبّقت على عجالة، وطُبّقت بشكل سريع تحت مظلة “اقتصاد السوق الحر”. من هنا ظهرت فكرة الخصخصة غير المدروسة على الإطلاق. يعني يمكننا أن نتناقش بموضوع الخصخصة، ويمكننا أن نتناقش بموضوع فعالية مؤسسات القطاع العام، ولكن الذي تم على الأرض هو خصخصة بطريقة يُقال أقل ما عنها إنها خصخصة عشوائية. يعني هناك عقود تم توقيعها مثل عقد استثمار منطقة حسياء لشركة صينية غير معروفة، وحتى العقد الذي حدث في موضوع إعادة تأهيل قطاع الكهرباء بقيمة 7 مليار دولار: لا نعرف إذا تمت مناقصة دولية، لا نعرف على أي أساس أخذت هذه الشركة هذا العقد، لا نعرف التكلفة: هل هي تكلفة حقيقية أم أن السعر الموضوع يتضمن هامش ربح كبير جداً. لأن كثيراً من الخبراء قالوا إن إعادة التأهيل – أنا الآن أقوم بإعادة تأهيل ما هو موجود بمليارين أو ثلاثة مليارات – فلماذا 7 مليارات؟ يعني لا توجد شفافية، لا توجد معايير واضحة، هناك تسرّع وتعجّل في خصخصة القطاعات بشكل كبير. هناك تعجّل في بيع مؤسسات القطاع العام حتى دون دراسة جدوى لهذه المؤسسات. لأن مؤسسات القطاع العام أغلبها خاسرة ليس لأسباب وظيفية؛ من المحتمل أن تكون خاسرة لأسباب هيكلية أو إدارية، بسبب الفساد، بسبب عدم الكفاءة، بسبب الآلات أو المعدات الموجودة فيها. فهناك خطوات كثيرة يجب اتخاذها قبل الوصول إلى قرار “يجب أن نبيع هذه المؤسسات”. وعندما نقرر أن هذه المؤسسات يجب أن نبيعها، على الأقل يجب أن تكون هناك لجان مختصة من الخبراء لتقييم هذه المؤسسة: كم يمكن أن تُباع، ما الأصول الموجودة، كيف يجب أن تُباع، وما المعايير التي يجب أن تُوضع على المشترين المحتملين.
فهذه الخطوات التي اُتخذت بشكل سريع في موضوع السياسة الاقتصادية تمثل توجهاً سريعاً نحو تطبيق النيوليبرالية بحذافيرها ولكن بشكل مشوه. لأن الوضع الحالي والسياق الحالي في سوريا، هذه العمليات ستؤدي إلى إعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب، إلى إعادة إنتاج الاحتكار، إلى إعادة إنتاج المحسوبية على مستوى كبير.
التوجه لتطبيق النيوليبرالية بحذافيرها وبشكلها المشوه، سيؤدي لإعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب، والاحتكار ولإعادة إنتاج المحسوبية على مستوى كبير
الآن ما التبرير لدى الحكومة الحالية أو لدى السلطة الحالية في سوريا؟ أنه هذا توجه، وهذا البيع السريع، وهذه الخصخصة… وعلى الرغم من أن أسعار بعض السلع انخفضت، ولكن الانخفاض الذي حدث في أسعار بعض السلع ليس نتيجة سياسات حكومية، وليس نتيجة تخطيط لتخفيض هذه الأسعار، ولكن نتيجة لانهيار نظام الأسد الفاسد. انهيار نظام الأسد الذي كان يأخذ إتاوات على الحواجز مما كان يرفع سعر السلعة كثيراً، والذي كان هناك احتكار لأشخاص محددين. فارتاح السوق، فصار هناك نوع من انخفاض في بعض أسعار السلع. ولكن كما قلت: السلع الأساسية مثل الخبز زاد سعرها 10 أضعاف، وهذه كارثة.
الآن إذا أردت أن أقف عند سؤال “لماذا تفعل السلطة ذلك؟”، الحجة الأولى أو المتداولة أن السلطة ترغب في تحقيق قطيعة كاملة مع النظام البائد بكل مفاهيمه الاقتصادية. وهذا الكلام غير دقيق لعدة أسباب: السبب الأول والرئيسي أن النظام الاستبدادي البائد لم يتبنَّ الحماية الاجتماعية بجوهرها المرتكز على العدالة والمساواة في أي مرحلة من مراحله، وخاصة خلال فترة النزاع. بل على العكس، نظام الأسد أنشأ أو أنتج نظاماً اقتصادياً قائماً على الاحتكار، قائماً على رأسمالية المحاسيب، قائماً على تدمير فكرة الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية للناس. ففكرة القطيعة مع النظام السابق أو مبادئه هي فكرة غير دقيقة على الإطلاق.
الفكرة الثانية هي ضعف الموارد… ضعف الموارد الاقتصادية. طيب، ضعف الموارد الاقتصادية… هناك خطوات كثيرة يمكن القيام بها – كما ذكرنا – قبل أن نتحدث عن الخصخصة والبيع وفتح السوق بهذا الشكل الكبير. من هذه الخطوات: دراسة وضع مؤسسات القطاع العام من قبل لجان وخبراء مستقلين دون تحيز: ما هي الخطوات التي يمكن أن نقوم بها لإعادة تفعيل هذا القطاع، لإعادة تفعيل هذه المؤسسات. والحل الأخير أنه ممكن نبيع هذه المؤسسات. ولكن أيضاً عندما نريد أن نبيعها، يجب أن تكون هناك معايير واضحة، ويجب أن تكون هناك خطوات شفافة معلنة للجميع في هذه العملية. الموارد موجودة: موارد المنافذ الحدودية، الرسوم… يعني هناك موارد كبيرة للدولة ما زالت موجودة يمكن استثمارها، يمكن استخدامها. صحيح أنها محدودة، ولكن إذا كانت هناك إدارة فعالة، وتخطيط مبني على أدلة, وتخطيط مبني على معايير محددة، فقد تكون الموارد المحدودة الموجودة فعالة جداً.
فالحجتان اللتان يتم استخدامهما من قبل الحكومة الحالية أو السلطة الحالية في سوريا غير دقيقتين. الحجة الأولى هي القطيعة مع النظام، والحجة الثانية هي عدم وجود موارد.
ربيع نصر:
زكي، في القضية التي تفضلت بها: فكرة أنه من المفروض أن هذه قطيعة مع النظام الذي فيه فساد كبير. فنحن نعرف حجم التهرّب الضريبي في سوريا. فاستعادة الحد الأدنى من الضرائب ممكن أن يجلب للخزينة موارد هائلة جداً. إضافةً إلى أن هناك أيضاً قضايا غير واضحة: أنه يكون هناك موارد هائلة – أي يتم استخدامها أو يتم تحصيلها – لكن بعد ذلك يُقال إنه لا يوجد شيء في الخزينة، أو أن الخزينة ليست قادرة على تحمّل حتى أبسط التكاليف. يعني تم التخلص من مئات آلاف العاملين، وتم التخلص من فكرة دعم الطاقة ودعم المواد الغذائية، وأُلغي – يعني أغلب إنفاق الموازنة سابقاً تم تخفيضه – ومع ذلك حتى الآن يتم الحديث عن عدم وجود موارد في الموازنة. والنقطة الثانية هي التي ذكرتها أكثر من مرة: رأسمالية المحاسيب. أي شبكة جديدة من المتنفذين الذين يستلمون قطاعات وأراضي، وتحويل ممتلكات الدولة لأشخاص بعينهم، يشكلون طبقة جديدة. للأسف هذه الطبقة تصنع ثروة لا ترتبط بأغلبية المتضررين من النزاع.
طيب، أنا هنا أود أن أسأل سؤالين: السؤال الأول, كسلطة جديدة… كيف – مع فكرة رفع التكاليف (طبعاً هذا بغض النظر عن أي مدرسة اقتصادية نتحدث) – رفع التكاليف بما فيها رفع تكاليف الأدوية والسلع الأساسية والطاقة والأجور والأراضي. فأنت تتحدث عن زيادة في التفاوت. حتى لو كنت ستخلق نمواً اقتصادياً، فأنت تتحدث عن سوريا فيها تفاوت أكثر مما هو موجود حالياً. الطريقة المتبعة حالياً ستقود إلى تفاوت أكبر. الآن، هل يتحمل المجتمع السوري تفاوتاً أكثر مما هو عليه الآن، وبالتالي نرى – يعني – أبراجاً ومدناً للأثرياء، ومخيمات فعلياً… مخيمات نزوح، لكن هذه المرة ليست نتيجة نزوح قسري بل نتيجة السياسة الاقتصادية الاجتماعية؟
والسؤال الثاني: إذا كنت في مرحلة انتقالية، كيف تؤثر هذه السياسات على الدعم المجتمعي – الذي هو غالبية الناس المتضررة من النزاع، والتي هي من المفترض القاعدة المجتمعية للسلطة الحالية – كيف تعيد بناء علاقة المواطنة والشرعية معهم إذا كنت تتبع سياسة قائمة عملياً على زيادة التفاوت؟
زكي محشي:
النقطة التي أود الإشارة إليها، بناءً على ما تفضلتَ به، ربيع, هي فكرة الموارد… فكرة عدم كفاية الموارد. كان متوقعاً أنه بعد التخلي عن مئات الآلاف من الموظفين أن يحصل وفْر يمكن استخدامه لتغطية بنود إنفاق عام أو لزيادة الرواتب. ولكن الذي حدث أنه هناك اعتماد كلي أو اعتماد كبير على المساعدة الخارجية (قطر والسعودية تغطيان جزءاً من الرواتب العامة حتى الآن). وطبعاً هذا يؤثر بشكل كبير على موضوع السيادة الاقتصادية والسيادة بشكل عام، وعلى موضوع الاستدامة في رفع الرواتب.
الآن حصلت زيادة – زيادة رواتب بنسبة 200% – في الفترة الأخيرة. ولكن هذه الزيادة إذا حسبناها: إذا أخذنا راتب الفئة الأولى التي تحمل درجة الدكتوراه، يُعادل تقريباً – إذا اعتبرنا أن المستحقات والتعويضات تلغي بعضها بعضاً – يُعادل 90 دولاراً. نفس الدرجة العلمية ونفس الفئة عام 2010 كانوا يأخذون حوالي 360 دولاراً. يعني لا تزال الرواتب بعد الزيادة التي قيل إنها 200% بعيدة جداً عن ما كان عليه الوضع (والذي كان سيئاً) عام 2010.
وحتى أننا لم نرَ أن زيادة الـ200%… لا توجد شفافية من قبل الحكومة حول ما إذا كان مصدر هذه الزيادة هو الوفر الذي نتج عن التخلي عن مئات الآلاف من الموظفين، أم مصادر أخرى؟ وإذا كان هناك وفر، فلماذا لا يزال هناك اعتماد على دول مثل قطر والسعودية لدفع جزء من رواتب القطاع العام؟ أليس من الأولى أن نتخلى عن الدعم الخارجي ونغطي بهذه الزيادة 200%, وتصبح الرواتب تُدفع داخلياً للحفاظ على السيادة الاقتصادية أو على ما تبقى منها؟ فهناك أسئلة كثيرة يجب أن تُطرح ويجب أن تكون هناك شفافية أكبر من قبل السلطات المالية والسلطات الاقتصادية الموجودة حالياً في البلد.
الآن موضوع التفاوت الذي ذكرته… أكيد يزداد. وللأسف، الحكومة تدّعي أنها تريد أن تقطع تماماً مع النظام السابق، ولكن الذي يحدث حالياً من إجراءات هو إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية وآليات الحوكمة الاقتصادية التي كانت سائدة أيام نظام الأسد، خصوصاً في فترة النزاع. يعني يحدث نظام اقتصادي موازٍ للنظام الرسمي. أي هناك قرارات تصدر من الوزارات، ولكن هناك قرارات تصدر من أشخاص بشكل موازٍ – لها علاقة بتوزيع الأراضي، لها علاقة بتوزيع الممتلكات، لها علاقة بالاستحواذ على مؤسسات القطاع العام، لها علاقة بتوزيع ممتلكات وأصول النظام التي تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. هذا نظام موازٍ، وهذا النظام فيه ثروة وفيه قدرة على إعادة توزيع الثروة والموارد. فهذا النظام الموازي كان موجوداً أيام زمان، وللأسف تتعزز هذه القصة الآن حالياً في فترة ما بعد سقوط النظام. فهنا توجد إشارات استفهام، وهنا توجد أسئلة يجب أن توجَّه للحكومة، يجب أن توجَّه للسلطة الحالية: هذا النظام الموازي… يجب أن تكون هناك شفافية في آليات عمله؛ أين تذهب الأموال؟ على أي أساس تُوزّع الثروات؟ على أي أساس تُبرم الصفقات؟ الفكرة ليست فقط في موضوع أن الوزارات ووزيراً يجتمع مع المؤسسات – هذا الأمر قد ننتقده لأن فيه شفافية إلى حد ما. ولكن هناك نظام موازي كامل… هذا النظام يلعب وسيلعب دوراً كبيراً في المستقبل الاقتصادي لسوريا وعملياً في عملية إعادة توزيع – ليس الموارد – بل إعادة توزيع الثروة في سوريا، وهي الأراضي والأبنية, إذ تتم لصالح فئة محددة: فئة الموالين، فئة المخلصين للسلطة الحالية. وكأننا نعيد بناء نموذج بشار الأسد: أنا أعطي الموارد والثروة للمخلصين دون أي نوع من الشفافية. فهذه مشكلة أساسية يجب التعامل معها.
المشكلة الثانية هي ظهور هذه الفئة – والتي هي أيضاً مشابهة للنظام الاقتصادي السابق – وهي احتكار العمل الاقتصادي من قبل مستثمرين ورأسمالية محاسيب مقربين من السلطة. يعني نجد صفقات بمليارات الدولارات أو مئات ملايين الدولارات تتم مع شركات قطرية، مع شركات أو أشخاص موالين للسلطة. يُمنحون أراضي لبناء معامل، يُمنحون أراضي للاستثمار. ولا توجد أيضاً أي شفافية في كيفية تتم هذه الاستثمارات: لماذا هؤلاء الأشخاص تحديداً؟ أين تكافؤ الفرص؟ فهذا أيضاً سوف يسبب كارثة.
النقطة الثالثة فيما يتعلق بالتفاوت: أن القطاع الخاص المنتج الحقيقي – نتحدث عن المشاريع الصغيرة والمشاريع المتناهية الصغر، وحتى المتوسطة، أو القطاع الخاص التقليدي – لا يستطيع منافسة القطاع الخاص أو المستثمرين الكبار. لأن المستثمرين الكبار يعملون وفق معايير محددة: لديهم رافعة مالية، لديهم ميزات؛ أساساً – مثلاً – يأخذ أرضاً، لديه إعفاءات ضريبية هائلة, لديه إعفاءات من الرسوم الجمركية هائلة. فالمنافسة غير عادلة حتى ضمن فكرة التركيز على موضوع القطاع الخاص. وهذا سيعزز التفاوت داخل القطاع الخاص بين المستثمرين القادمين… وبين المستثمرين المحسوبين أو رأسمالية المحاسيب الجديدة التي تظهر، وبين بقية التجار.
فموضوع التفاوت… تفاوت كبير، وبدأ الناس يشعرون بذلك. فمثلاً موضوع الأسعار عاد إلى الارتفاع. أتوقع أن المركز (المركز السوري لبحوث السياسات) يصدر نشرات دورية حول موضوع الأسعار، وهذا أمر مهم جداً. قدرة الأسر على سد الحد الأدنى من الاحتياجات أصبحت بعيدة جداً.
الحكومة أو السلطة تتعامل مع هذا الموضوع بأمرين: الأمر الأول هو الاستثمار في فكرة – أو فورة – السعادة المرافقة للتخلص من نظام الأسد. أي “يا أخي، نحن خلصناكم من نظام الأسد، هذا كافٍ”، و”خلصناكم من الطاغية، هذا يكفي وممتاز، ويجب أن تكونوا سعداء”. الفكرة الثانية التي تحاول الحكومة الاستثمار فيها هي الاستثمار في الوهم. الوهم المتمثل بأن الكهرباء ستأتي بعد ثلاثة أشهر – ستصبح 24 ساعة – ثم بعد ثمانية أشهر، ثم “عفواً، انتظرونا سنة، ستصبح الكهرباء ممتازة”. والآن صار خمس سنوات. فالاستثمار في الوهم وإبر البنج التي تُعطى للمجتمع أيضاً هي سياسة تستخدمها الدولة لتخفيف رد الفعل السلبي على موضوع التفاوت.
ربيع نصر:
سأكمل معك في هذا السياق. أيضاً هناك سياسة عامة مطروحة: أن الدولة ليست وظيفتها أن تقوم بكل هذا العبء. لدينا نصف الجيل خارج التعليم، ولدينا المعاقون المتضررون من الحرب. يعني قضية العدالة الانتقالية من وجهة نظر اقتصادية حتى الآن غير مطروحة. لكن بالتوازي، المطروح أيضاً – وهو جزء من الفلسفة النيوليبرالية – أن هناك مجتمع مدني، ومنظمات خيرية، ودول مانحة ستقوم بسد هذه الثغرة: “تعالوا عالجوا الاحتياجات والتهديدات”.
ومن جهة أخرى – لأضيف إلى هذا الموضوع – هناك أزمة عالمية في تراجع المساعدات الإنسانية، وستتأثر سوريا بها بشكلين: الشكل الأول أنه الآن يتم تصنيف سوريا – خاصة بعد موضوع رفع العقوبات وتصنيفها كدولة خرجت من النزاع – أنه ستقل المساعدات الإنسانية الموجهة، وستصبح مرتبطة أكثر بالاستثمار. وبالتالي، فإن تدفق المساعدات كما كان في السابق يُتوقع أن ينخفض بشكل حاد نتيجة تغيير وضع سوريا – على الأقل وفق ما هو مطروح رسمياً. وثانياً، على المستوى الدولي هناك اتجاه عام لتخفيض حاد في المساعدات الإنسانية في كل دول العالم، وخاصة للقضايا المتعلقة بالعدالة، أي تأمين مقومات تنمية، تأمين مقومات بعيدة الأجل لنهضة تنموية أو اقتصادية أو اجتماعية. فكيف ترى أن هذا الطرح من جهة يعزز فكرة أنه سيكون هناك سد للثغرة عبر المساعدات، أو لن يكون كذلك؟ وأعود لأؤكد: إذا ربطنا ذلك بقضية العلاقة المجتمعية – الدعم الاجتماعي, فكرة المواطنة – كيف يمكن أن تتأثر بهذه السياسات، خاصةً في هذه الفترة التي هي فترة قلقة بطبيعتها بعد سقوط النظام تماماً؟
زكي محشي:
تماماً مثلما قلتَ، ربيع. موضوع الاعتماد على المساعدات الخارجية – أي دعم المجتمع المدني، دعم المنظمات الدولية – لسد الثغرات الموجودة قد يكون حلاً إسعافياً لنقاط محددة، ولكنه غير ممكن – ضمن السياق الذي ذكرته من انخفاض المساعدات الدولية – أن يكون مستداماً، وغير ممكن أن يحقق أو حتى يساهم في تحقيق تنمية مستدامة وتضمينية في سوريا. التنمية لا تحدث إلا إذا حدثت إعادة تفعيل للموارد المحلية، إعادة تفعيل للإنتاج. وإعادة تفعيل الإنتاج لا تحدث في الوضع الحالي؛ لا تحدث بوجود الاحتكار، ولا تحدث بالاعتماد على الاقتصاد الريعي, ولا تحدث بجذب مستثمرين أجانب لمشاريع ريعية. تحدث بالاهتمام، وتعزيز, ودعم المنتجين على المستوى المحلي، ودعم العمل الاقتصادي على المستوى المحلي وعلى المستوى الصغير. فهنا يجب أن يكون تركيز الحكومة أكثر مما هو عليه الآن؛ بدلاً من التركيز على “رفعنا العقوبات, نحن رائعون, سنجلب الاستثمارات الأجنبية, وسنبني أبراجاً”. يعني حتى الوعي الجمعي في سوريا أصبحت فكرة التنمية مرتبطة بموضوع الأبراج. فهناك مشكلة كبيرة: المشكلة الأولى أن هذا وهم لن يتحقق, والمشكلة الثانية تتعلق بمفهوم التنمية نفسه.
فالموضوع مرتبط بالاستدامة. وهنا – في رأيي – دور المجتمع المدني، أو أحد أدوار المجتمع المدني, هو أنه لا يجب أن يكون فقط دور وكيل أو وسيط للمنظمات الدولية لتنفيذ مشاريعها وأخذ الأموال. المجتمع المدني في سوريا يجب أن يلعب دوراً مبنياً على الاحتياجات المحلية، مبنياً على الناس, مبنياً على الدفع باتجاه تعزيز فكرة الأمن الاجتماعي: ما هو الأمن الاجتماعي؟ كيف يتعزز الأمن الاجتماعي؟ نبني على مشاركة الناس بأفكار يمكن أن تعزز موضوع الأمن الاجتماعي.
فالاعتماد على المساعدات الخارجية أو المساعدات الإنسانية أو المنظمات الدولية غير مجدٍ على المستوى القصير – ناهيك عن المستوى المتوسط – يعني قد يساعد على المستوى الآني ولكنه غير مجدٍ. طريقة جذب الاستثمارات التي تتم بالشكل الحالي لن تساعد في بناء اقتصاد تضميني يفيد الجميع. ستُركّز على إعادة إنتاج فكرة رأسمالية المحاسيب، وهذا أيضاً سيكون له أثر سلبي كبير على سوريا.
الاعتماد على المساعدات الخارجية أو المساعدات الإنسانية أو المنظمات الدولية غير مجدٍ على المستوى القصير – ناهيك عن المستوى المتوسط – وطريقة جذب الاستثمارات التي تتم بالشكل الحالي لن تساعد في بناء اقتصاد تضميني يفيد الجميع، ستعيد إنتاج فكرة رأسمالية المحاسيب،وهذا سيكون له أثر سلبي كبير على سوريا
ربيع نصر :
زكي، إذا أمكننا أن نتحدث… يعني ما هو النموذج البديل؟ هل هناك شيء متمحور حول الحقوق ولكنه قابل للتطبيق؟ لأن الحجة دائماً: هل هناك شيء عملي قابل للتطبيق يوفر – يعني ما كنتَ تتحدث عنه – أمن اجتماعي مستدام، مرتبط باقتصاد منتج، يوفر فرص عمل لائقة، ومرتبط أيضاً بمعالجة آثار الحرب المتراكمة والضخمة جداً على المجتمع السوري. يعني هل هناك مجموعة من الخصائص التي تراها ممكنة – سواء من تجارب دول أخرى أو من رؤيتك للسياق السوري – التي يمكن أن تحقق هذا الأمن الاجتماعي بشكل فعلي، بشكل واقعي، من خلال سياسات قابلة للتنفيذ؟ أعطنا تصوراً لكيف ترى الخيار البديل أو الخيار الآخر.
زكي محشي:
تماماً. الآن قبل أن نتحدث عن التصور والخطوات التي يمكن تطبيقها على الأرض، من المهم جداً أن نتحدث عن الرؤية التنموية المستقبلية لسوريا التي يجب أن يتم الاتفاق عليها. لأن المشكلة القائمة حالياً في سوريا هي أن النقطة المرجعية دائماً ما تكون “زمن النظام” أو “زمن النزاع”. أي نقول: لقد تحسّنا عن ما كنا عليه وقت النزاع، وأن الوضع الآن ربما يكون أفضل مما كان عليه زمن النزاع. هذه مشكلة: أن تكون نقطتنا المرجعية بهذا المستوى المنخفض جداً وهذا السوء الذي كان أيام بشار الأسد. يجب أن نتفق كمجتمع سوري على نقطة مرجعية طموحة، على رؤية طموحة. لا تكون نقطتنا المرجعية ونقطة المقارنة لدينا هي ما كان سائداً سابقاً.
فهذه النقطة الأولى المتعلقة بالخطوات العملية. عندما توضع الرؤية – رؤية طموحة، رؤية تضمينية – يبدأ النقاش حول الخطوات العملية لتنفيذ هذه الرؤية. والخطوات العملية يجب أن تأتي بشكل تشاركي. يعني لا يمكن إهمال القطاع العام، لا يمكن إهمال مؤسسات القطاع العام، لا يمكن إهمال القطاع الخاص الصغير والمتناهي الصغر، لا يمكن إهمال الفاعلين في المجتمع المدني والحقوقيين. هذه فكرة التشاركية والحوار حول خطوات عملية يمكن أن تؤدي لتحقيق الرؤية التي يتم الاتفاق عليها – أمر مهم جداً.
الناس على الأرض قد يقولون: “طيب أخي، لا نريد رؤية، نريد خطوات عملية، نريد الكهرباء أن تأتي”. حسناً، الكهرباء لن تأتي بهذا الشكل… يعني هذا مثل موضوع الأبراج. حتى فكرة الأبراج (التي هي فكرة مضادة لموضوع التنمية المستدامة)، حتى فكرة الأبراج نفسها لن تظهر قريباً. وإن ظهرت الأبراج مستقبلاً سيكون أثرها سلبي على الناس، وسيدركون ذلك متأخراً. فلا بد من النقاش حول خطوات عملية مثلما تقول. مثلاً، من الخطوات العملية: تعزيز التعاون بين المنتجين الصغار. أي تعزيز العمل النقابي – ولكن النقابة الحقيقية، لا نتحدث عن النقابات التي كانت أيام نظام الأسد والتي كانت بلبوس سياسي، وللأسف النقابات التي تتشكل حالياً تأخذ هذا التوجه أيضاً. لا بد من عمل جماعي بين المنتجين الصغار. لماذا؟ لأن العمل الجماعي يقوي قدرتهم التفاوضية – مثلاً – مع المستهلكين أو مع الموردين. يستفيدون من اقتصادات الحجم. يصبح بإمكانهم التفاوض أكثر حتى في موضوع السياسات الحكومية. فالعمل الجماعي على المستوى القطاعي مهم جداً.
ونفس الشيء يمكن أن يحدث عمل جماعي على مستوى المجتمع المدني. وهذا التحالف الذي تحدثنا عنه سابقاً: يجب أن يكون هناك تحالف حقيقي يعكس احتياجات الناس، غير مسيّس، ليس فيه استقطاب، ليس “أنا مع أو أنا ضد”. دعنا نتحدث عن الرؤية، دعنا نتحدث كيف نصل إلى هنا، وكيف ندفع بخطوات عملية لنصل إلى هنا.
الآن الاستفادة من تجارب دول مختلفة… هناك تجارب في دول أمريكا الجنوبية، هناك تجارب في جنوب شرق آسيا. ولكن برأيي أن التجربة يجب أن تكون مبنية على السياق المحلي. يجب الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ولكن السياق الموضوعي والسياق السوري هو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أية مشاريع أو أي خطوات عملية. وهذا البناء أهم شيء أن يكون بشكل تشاركي ومبني على رؤية طموحة، ليس مبنياً على نقطة مرجعية سابقة.
ربيع نصر:
سأربط هذه النقطة الخاصة بالبدائل مع دور السوريين في الخارج. لدينا عدد كبير من اللاجئين، المغتربين، الشتات – تسميات مختلفة. هذه الكتلة البشرية التي عاشت سنين في الخارج، كيف ترى دورها في فكرة الأمن الاجتماعي داخل سوريا في الفترة الحالية، وفي المستقبل القريب؟
زكي محشي:
طبعاً، المغتربون واللاجئون السوريون في الخارج يجب أن يلعبوا دوراً كبيراً في موضوع التنمية بشكل عام في سوريا. ولكن أيضاً مثلما تحدثنا عن فكرة المجتمع المدني أنه ليس محصوراً بمنظمات المجتمع المدني؛ هو مروحة واسعة من العناصر الموجودة داخل المجتمع المدني. كذلك فكرة المغتربين… للأسف نرى نماذج من مغتربين تبدو مبادراتهم قائمة على استغلال والاستفادة السريعة من التغيرات والظروف الحالية، وليست مبنية على رؤية مشتركة لمستقبل سوريا، ومبنية على بروباغندا، مبنية على “دعونا نستغل الفرصة”. هناك طروحات أحياناً تأتي بـ”الباراشوت” دون أي أخذ بعين الاعتبار للسياق السوري. مثلاً: الـ”FinTech” (التكنولوجيا المالية) والبنوك الرقمية – جميلة جداً. ولكن هذه المبادرات يجب أن تكون مبنية على قطاع مصرفي حقيقي فعّال. نحن ليس لدينا قطاع مصرفي حقيقي فعّال. فهذه المبادرات أو بعض هذه المبادرات التي تأتي من المغتربين، للأسف لا تأخذ بعين الاعتبار السياق، ولا تكون جوهرية في موضوع التنمية. طبعاً أنا لا أعمّم على الجميع؛ هناك مبادرات كثيرة يتم العمل عليها من قبل أشخاص خارج سوريا في سياق التنمية. هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية التي أود قولها: برأيي أنه عندما يكون هناك مشروع داخل سوريا، عندما يكون هناك مشروع مبني على مصلحة مشتركة، عندما يكون مشروع غير قائم على التمييز بين المجموعات وبين المناطق وبين الطوائف، عندما يكون هناك مشروع سوري جامع، سوف يجذب الأشخاص الحقيقيين الذين يرغبون فعلاً في المساهمة بالتنمية في سوريا من الخارج. سيكون مثل المغناطيس لهؤلاء الأشخاص. وهنا لا أتحدث عن مشروع بشكل مجرد؛ لا أقول “ليخرج أربعة أشخاص بمشروع لسوريا”. هذا المشروع يجب أن يكون تشاركياً، ديناميكياً، عملية طويلة الأجل; ليس مشروعاً نطرحه وانتهى. لا، يجب أن يظل مشروعاً مستمراً، في تطور مستمر. فهذا النوع من المشاريع يجذب السوريين من الخارج. السوريون في الخارج حالياً يلعبون دوراً كبيراً في الاقتصاد وفي دعم معيشة الأسر داخل سوريا. نسبة كبيرة من الأسر تعتمد بشكل كبير على ما يصلها من الخارج. فهنا تأتي ضرورة إشراك هؤلاء المساهمين في الاقتصاد الوطني في أي مشروع جديد يهدف إلى تنمية البلد، لأنهم مساهمون فعليون في الاقتصاد وفي التنمية داخل سوريا.
هذه النقاط المتعلقة بموضوع الشتات. ثم هناك نقطة أخرى: فكرة المنافسة بين تجمعات الشتات السوري. أي أن مسألة الوصول إلى سوريا أو إقامة مشاريع في سوريا أصبحت موضوعاً تنافسياً، ليس نابعاً دائماً من رغبة البعض في أن يساهم فعلاً في حركة تنموية أو تأثير تنموي داخل سوريا; أصبح الأمر “تلك المجموعة نفّذت مشروعاً، نحن يجب أن ننفّذ مشروعاً”. لا يوجد تنسيق، هناك ازدواجية وتكرار. يكررون مبادرات بعضهم البعض، وهم مشتتون، ولا يصبّون في رؤية موحدة. فهذه النقاط… لذلك وجود مشروع جامع ضروري لتوحيد – أو لجعل – كل المبادرات أو المساهمات تصب في رؤية أو عملية مستمرة واضحة تشاركية.
ربيع نصر:
سأستفيد من فكرة المشروع هذه لأقول إنه – إذا شئنا تسميته فضاءً أو مساحةً للعمل المشترك – فهو بحاجة إلى بنية مؤسساتية تدعمه، وبحاجة إلى بيئة فيها ثقة. وعلى أمل أن هذه الأسئلة الكثيرة المعقدة والقضايا المركّبة التي طرحناها يكون لها حلقات أخرى نناقش فيها هذه التفاصيل، والخيارات الممكنة، وتقييم المبادرات الحالية. فالنقاش غني جداً. وسأرى إذا كان لديك شيء تضيفه قبل أن نختم، لأنه فعلاً حلقة غنية وأنا أرغب بالاستمرار، لكن لنأخذ حلقة قادمة نناقش فيها الخيارات والبدائل بشكل تفصيلي.
زكي محشي:
لا، أكيد. النقاش سيستمر بيننا ومع – مثلما قلتَ، ربيع – مع فضاء أوسع ومع أشخاص آخرين. مبادرة “حوارات بديلة” التي يقوم بها المركز هي جزء من هذا الفضاء الذي يجب أن يتشكل، جزء من هذا المشروع. النقطة الأخيرة التي أريد فقط أن أضيفها – كإضافة أخيرة – هي أنه يجب التحرّك سريعاً. يعني يجب على السوريين، وعلى الأشخاص الذين يعملون في المجال التنموي والاقتصادي، أن يتحركوا سريعاً. لأن غيرهم يتحرك سريعاً; رأسمالية المحاسيب تنمو وتتحرك سريعاً. فلا بد من وجود قوى مضادة للتيار غير التضميني الذي ينمو داخل سوريا بشكل سريع وفعلي.
ربيع نصر:
شكراً على هذه خاتمة رائعة، زكي. الأمن الإنساني – الأمن الاجتماعي – أيضاً رفاهية، ولا يمكنه الانتظار، خاصةً مع أشخاص عانوا طوال سنوات هذه الحرب. أشكرك من قلبي على النقاش الغني كالعادة، وعلى الآفاق التي تفتحها لنا أيضاً في الخيارات والطروحات المستقبلية، والدعوة للعمل الجماعي – وبسرعة أيضاً. فشكراً جزيلاً لك زكي، وعلى أمل لقاءات ونقاشات قادمة.
زكي محشي: إن شاء الله، شكراً لك.
كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.
:Episode references
Publications by Zaki Mehchy:
– Capturing Sources of Health System Legitimacy in Fragmented Conflict Zones: A Case Study of Northwest Syria. Globalization and Health 2024Munzer Alkhalil, Rim Turkmani, Mazen Gharibah، Zaki Mehchy
https://globalizationandhealth.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12992-024-01074-4
– Assessing Control and Power Dynamics in Syria
Research Paper, Middle East and North Africa Programme
Zaki Mehchy, Haid Haid and Lina Khatib
https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/2020-11/2020-11-11-control-power-syria-mehchy-haid-khatib_0.pdf
– Syria’s Economic Crossroads: Inclusive Recovery or Inevitable Collapse – Zaki Mehchy
https://peacerep.org/2025/03/27/syrias-economic-crossroads-inclusive-recovery-or-inevitable-collapse
– Syria’s Economic Transition: From Kleptocracy to Islamic Neoliberalism, 13 Feb 2025. Joseph Daher and Zaki Mehchy.
https://peacerep.org/publication/syrias-economic-transition
– Structured Chaos: how nonprofits in conflict settings became an economic sector,
https://impactres.org/reports/Structured_Chaos-how_nonprofits_in_conflict_settings_became_an_economic_sector-Report_2_EN.pdf
https://impactres.org/economics-of-nonprofit
– Punishing the Regime, Protecting Syrians: The Dilemma of Sanctions on Syria
https://www.arab-reform.net/publication/punishing-the-regime-protecting-syrians-the-dilemma-of-sanctions-on-syria
– Role of economic Factors in Political Movement: The Syrian Case (2012)
https://scpr-syria.org/publications/role-of-economic-factors-in-political-movement-the-syrian-case-2012
الحلقات السابقة، والتالية:
استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي
البودكاست
رؤية حول الأمن الاجتماعي والحماية الاجتماعية في ظل السياسات النيوليبرالية
الحلقة 17 – 31 يوليو، 2025
رؤية حول الدعم والحماية الاجتماعية في ظل السياسات النيوليبرالية
الحلقة 17 – 31 يوليو، 2025
– هذه الحلقة باللغة العربية
في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، نناقش أثر السياسات النيوليبرالية على الأمن الاجتماعي في سوريا، في ظل التدهور الاقتصادي المتراكم على مدى سنوات النزاع. يستضيف ربيع نصر الباحث الاقتصادي زكي محشي في حوار حول التحولات في مفهوم الحماية الاجتماعية، العلاقة بين النيوليبرالية والاستبداد، وأثر الخصخصة ورفع الدعم على الفئات الأشد تهميشًا.
ونتناول دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية في ملء فراغ الدولة، ونقف عند إشكاليات التمويل، التفاوت الاجتماعي، وظهور رأسمالية المحاسيب. كما نسلّط الضوء على التحديات أمام بناء نموذج اقتصادي بديل ومستدام، يركز على العدالة الاجتماعية، الإنتاج المحلي، والتشاركية، مع دعوة صريحة لدور فاعل للسوريين في الداخل والخارج.
ضيف الحلقة زكي محشي:
هو باحث في في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE) يعمل مع برنامج سوريا، هو أحد مؤسسي المركز السوري لبحوث السياسات، وتتركز اهتماماته البحثية على السياسات الإنمائية، والفقر، والحرمان متعدد الأبعاد، بالإضافة إلى تحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزاع في سوريا.
– يحمل زكي شهادة الماجستير في الاقتصاد الدولي من جامعة إسيكس في المملكة المتحدة، ودبلوم في العلاقات الاقتصادية الدولية من جامعة دمشق.
يحاوره ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي
الحلقة من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
أهلاً بكم في بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”. نفتح مساحة لحوارات معمّقة ومبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت. تحياتي للجميع.
ربيع نصر:
أهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، في سلسلة تركز على السياسات النيوليبرالية في سياق سوريا والمنطقة. نتناول تجارب دول المقارنة لنعرف أكثر عن أثر السياسات على الوضع التنموي في سوريا، وهذه السلسلة تأتيكم بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
فأهلاً وسهلاً بكم جميعاً. نحن اليوم نركز على موضوع بالغ الأهمية وهو قضية الأمن الاجتماعي، وهي قضية أوسع من فكرة الحماية الاجتماعية أو شبكات الأمان الاجتماعي. هي قضية مهمة جداً لدولة في مرحلة انتقالية بعد النزاع مثل سوريا. طبعاً نحن نتكلم عن منطقة تتعرض لانتهاكات هائلة جداً نراها في الإبادة الجماعية المستمرة اليوم في غزة، والتي تشهد أبشع أنواع الانتهاكات الممكن تخيّلها، وكذلك في عدة دول في المنطقة. لدينا نزاعات وأنظمة استبدادية أو إقصاء، تهجير، لجوء، نزوح. فمنطقة يتواجد فيها عدد هائل جداً من القضايا الملحّة والشائكة. لكن قضية الأمان الاجتماعي التي تتركز على الإنسان هي قضية جوهرية جداً، ترتكز على فكرة حقوق الإنسان. الشرعة الأممية لحقوق الإنسان طرحت قضية الأمن الاجتماعي كحق من الحقوق الرئيسية، وتم التأكيد عليها في الملحق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. كذلك معظم الأطروحات التنموية تركز على فكرة الأمن الاجتماعي ليس فقط لحماية الإنسان من التهديدات ولكن أيضاً لتمكينه من العيش بكرامة والعيش بقدراته وإمكانياته في الفضاء العام والخاص. في ظل التعقيدات التي تشهدها سوريا، خاصةً خلال الـ14 سنة من النزاع والآن في هذه المرحلة الانتقالية، نحاول أن نرى المقاربة المتعلقة بالأمن الاجتماعي وكيف يمكن أن تكون هذه المقاربة جزءاً من الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المُتبعة في المرحلة الانتقالية وما بعدها. وإلى أي مدى تعزز الطروحات الحالية فكرة الانتقال باتجاه السلام، ومواجهة اقتصاديات النزاع، وترسيخ قيم مثل التضامن والانسجام الاجتماعي والازدهار.
في ظل هذه التحديات المرتبطة بقضية الأمن الاجتماعي ومركزية الإنسان فيها، يسعدنا اليوم أن نلتقي مع صديق عزيز جداً وشريك في العمل منذ تخرّجنا في الجامعة، الأستاذ زكي محشي. شهادتي فيك مجروحة، لكنك أحد أبرز الباحثين السوريين في مختلف المجالات التنموية. هو مؤسس مشارك للمركز السوري لبحوث السياسات، ويحمل شهادة الماجستير في الاقتصاد. عمل في أكثر من مؤسسة أممية وإقليمية في مجال السياسات الاقتصادية والاجتماعية. يعمل حالياً في كلية لندن للعلوم السياسية والاقتصادية (LSE)، وكذلك يعمل في مجالات البحوث الموجّهة للسياسات، ولديه أكثر من 20 سنة من الخبرة في القضايا المرتبطة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية للنزاعات والاقتصاد السياسي بشكل عام. نورتنا زكي، أهلاً وسهلاً بك. سعيد جداً أننا نلتقي في هذا البودكاست.
زكي محشي:
أهلاً وسهلاً بك ربيع، شكراً جزيلاً لك. أنا سعيد جداً أن أشارك في هذا النقاش حول هذا الموضوع، وسعيد جداً بالمشاركة في النقاش معك، فأنت صديق عزيز وغالٍ يا ربيع. وأنا سعيد جداً أيضاً بهذه السلسلة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة” التي ينتجها المركز، والتي تساهم في فتح مجالات أوسع للنقاش حول مواضيع مهمة وحساسة جداً مثل الموضوع الذي سنتكلم عنه اليوم.
ربيع نصر:
سنبدأ معك مباشرةً، زكي، خاصةً في قضية على هذا القدر من التعقيد؛ قضية الحماية الاجتماعية أو قضية الأمن الاجتماعي. ما هو أساس هذا المفهوم؟ لماذا يُعتبر مفهوماً جوهرياً، ولماذا من المهم التركيز عليه؟ ماذا يتضمن، وما هي أشكاله؟ وما هي أهميته بالنسبة لقضية التنمية بشكل عام، ولدولة خارجة من النزاع بشكل خاص؟
زكي محشي:
طبعاً، مفهوم الحماية الاجتماعية أو الأمن الاجتماعي، كما ذكرتَ في المقدمة، هو مفهوم يستند في جوهره إلى حقوق الإنسان، وإلى فكرة العدالة أو تحقيق العدالة. الحماية الاجتماعية هي مجموعة آليات تعمل على إعادة توزيع الثروة والموارد لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص في المجتمع، وهذا يصب مباشرةً في تحقيق التنمية المستدامة، والتنمية التضمينية في الدول. بالتالي، فهو مفهوم يحمل في جوهره حقوق الإنسان، ويحمل في جوهره فكرة العدالة التي تُعدّ من أسس أي عملية تنمية مستدامة وتضمينية.
من حيث الآليات، حدثت تغيّرات تاريخية في الآليات المتعلقة بفكرة الأمن الاجتماعي أو الحماية الاجتماعية؛ إذ تتراوح هذه الآليات بين دعم حكومي مقدّم للمجتمع، مثل دعم الخدمات الأساسية كالصحة المجانية والتعليم المجاني، ودعم أسعار السلع الأساسية كالخبز والمحروقات. وطبعاً هناك أشكال دعم أخرى، مثل التوظيف العام أو ضمان التوظيف، وتعويض البطالة، وضمان الشيخوخة. هذه كلها شبكات أو آليات لتعزيز فكرة تكافؤ الفرص، وتعزيز فكرة أن كل فرد من أفراد المجتمع يحصل على الحقوق التي تتضمنها وتكفلها شرعة حقوق الإنسان: الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في الصحة، وذلك بشكل متكافئ ومتساوٍ لجميع المواطنين. هذه باختصار فكرة الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي. وطبعاً يمكن أن نتحدث لاحقاً عن كيف تغيرت هذه الفكرة، خاصةً في المنطقة العربية وفي دولة مثل سوريا، ليس فقط خلال فترة الصراع وما بعده ولكن منذ فترة الاستقلال.
ربيع نصر:
تمام، زكي. إذا أخذنا فكرة الأمن الاجتماعي بمفهومها الواسع، التي ترتكز على مركزية حماية الإنسان من التهديدات، وترتكز على فكرة العدالة وتكافؤ الفرص، لكنها أيضاً مبنية على أن هذه الحقوق هي حقوق مستحقة وليست مِنّة على الأفراد، فهناك هيمنة لسياسات نسميها اليوم سياسات نيوليبرالية، اشتهرت بانطلاقتها الفعلية في الثمانينيات مع رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، اللذين بدأوا بتنفيذ هذه السياسات القائمة على فكرة أن تكون اليد العليا للسوق باعتبارها الأكثر كفاءة في التحكم بتوزيع الموارد، وبأنها تضمن تحقيق الكفاءة وتقلّص نسب الفساد من خلال الخصخصة وإطلاق حرية القطاع الخاص ورأس المال.
فيما يخص الحماية الاجتماعية، طرحت النيوليبرالية وجهات نظر شائعة جداً، منها القول بأن توجيه الدعم للجميع أمر غير عادل، وأن الدعم يجب أن يوجه فقط للفقراء والمستحقين. كما طرحوا قضية أن الخدمات العامة المجانية تؤدي إلى الفساد وإلى عدم فعالية في تخصيص الموارد الشحيحة، وأن الدولة غير قادرة على تأمين الموارد لتمويل هذه الخدمات العامة الهادفة إلى تحقيق دولة الرفاه. كيف تفسر لنا فلسفة النيوليبرالية في مقاربة الأمن الاجتماعي، خاصةً بعد تراجع دولة الرفاه وتراجع دور الدولة؟
زكي محشي:
أي تماماً. إذا أردت العودة قليلاً للوراء، قبل التحدث عن العلاقة بين الحماية الاجتماعية والنيوليبرالية أو منظور النيوليبرالية لموضوع الحماية الاجتماعية، سأتكلم قليلاً في سياق المنطقة عن موضوع الحماية الاجتماعية والأنظمة الاستبدادية التي كانت سائدة – للأسف – في المنطقة العربية. أغلب الأنظمة العسكرية التي جاءت بعد التحرر من الاستعمار البريطاني والفرنسي في الأربعينات، كانت تستغل أو تبني على جاذبية فكرة العدالة، أو تستثمر بجاذبية فكرة الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي، ولكن ليس بهدف تحقيق العدالة وتحقيق تنمية قومية مستدامة، بل بهدف استدامة نفوذها، والاستثمار بجاذبية فكرة العدالة لدى الناس. لكن في هذا الإطار حاولت هذه الأنظمة المساومة على موضوع فكرة الحماية الاجتماعية. أي أننا كسلطة نقدم حماية اجتماعية: نقدم تعليم مجاني، وصحة مجانية، وتوظيف حكومي، ولكن بالمقابل نحتكر السلطة السياسية. كان هذا نوع من أنواع التوازن عند الحد الأدنى، الذي نسميه في المركز السوري لبحوث السياسات “توازن الحد الأدنى” في العملية التنموية.
في الفترات اللاحقة، وبعد التغيرات العالمية التي حدثت خاصةً منذ الثمانينيات وانهيار الدول الشيوعية، بالإضافة لتدهور الموارد الموجودة في دول المنطقة نتيجة تجذّر الاستبداد، ونتيجة الفساد والمحسوبية والاحتكار، حدث تحول لدى هذه الأنظمة في منظورها للحماية الاجتماعية. حدث ترويج أنه لا يجب على الحماية الاجتماعية أن تكون للجميع، وبدأ تبنّي المنظور النيوليبرالي للحماية الاجتماعية بشكل يخدم مصالحها. ولكن هذه الدول – بالسياق مثل السياق السوري – لم تكن تقدم شيئاً بالمقابل، بل حافظت على احتكار السلطة السياسية وحافظت على مستويات استبداد استمرت دون أي تنازل أو تشارك في السلطة مقابل رفع الحماية الاجتماعية. فكما نستعير من مفاهيم المركز: انكسر هذا التوازن عند الحد الأدنى الذي كان محققاً في تلك الأنظمة في المنطقة.
وهنا نأتي لفكرة النيوليبرالية والحماية الاجتماعية. طبعاً هناك اختلاف هيكلي وجوهري. فكرة النيوليبرالية لا تحمل العدالة في جوهرها، من وجهة نظري. فكرة النيوليبرالية قائمة على اقتصاد السوق الحر، قائمة على فتح الأسواق للقطاع الخاص، وقائمة على تحديد دور الدولة كمنظّم ومسهّل وميسّر لعمل القطاع الخاص. وتدّعي مدرسة النيوليبرالية أن الدولة يجب أن تكون على مسافة واحدة من كافة الأطراف، ويجب ألا تكون دولة رعاية لطرف محدد – وهنا نتكلم عن الفقراء والفئات المهمشة – بل يجب أن تكون على مسافة واحدة. وهذه الفكرة بالتحديد تعني انحياز الدولة لصالح القطاع الخاص ضد الفئات المهمشة، لأن فكرة النيوليبرالية هي تخفيض عجز الموازنة، فكرة النيوليبرالية هي تخفيف الإنفاق العام. وبالتالي أي إنفاق على الفئات المهمشة، وعلى الفقراء، وعلى الدعم الاجتماعي، يجب أن يُلغى لتسهيل، وتوفير، وإيجاد مناخ مناسب لعمل القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية، بغض النظر عن كيفية تأثير ذلك على الفئات المهمشة. فحكماً، الدولة في ظل النيوليبرالية ليست على مسافة واحدة من كافة الأطراف؛ هي تعمل لصالح المستثمرين والقطاع الخاص ولا تكترث بشكل كبير لأثر هذه السياسات على الفقراء والمهمشين.
وفي حال حديثنا عن تزاوج النيوليبرالية مع الضعف المؤسساتي الكبير، والفساد، مع الاستبداد والاحتكار والمحسوبية السائدة في منطقتنا، سينتج نظام مشوّه بشكل كبير، يعمل فقط لصالح فئة محددة من الناس. ولا يعمل فقط لصالحها، بل يعمل ضد مصالح الفئات المهمشة والفئات الفقيرة، لأن آليات السوق التي تفرضها المدرسة النيوليبرالية – من تخفيف الحماية الاجتماعية وفتح الأسواق والقطاع الخاص – مع وجود الفساد والمحسوبية مع الضعف المؤسساتي تعني إعادة تدوير الموارد، وليس خلق موارد جديدة؛ إعادة تدوير الموارد والثروات من الفئات المهمشة، من أغلبية المواطنين، لصالح هذه الفئة المحدودة من الناس.
تزاوج النيوليبرالية مع الضعف المؤسساتي الكبير، والفساد، مع الاستبداد والاحتكار والمحسوبية السائدة في منطقتنا، أنتج نظام مشوّه بشكل كبير، يعمل فقط لصالح فئة محددة من الناس، ضد مصالح الفئات المهمشة والفئات الفقيرة
فبالتالي، بالنسبة لسؤالك عن النيوليبرالية والحماية الاجتماعية: أتوقع أن النيوليبرالية همّشت فكرة الحماية الاجتماعية، نسخت فكرة الحماية الاجتماعية، وأفرغتها من فكرة العدالة وتكافؤ الفرص. وحوّلتها – من خلال للأسف منظمات دولية ومؤسسات مالية عالمية – إلى شبكات دعم، إلى شبكات استهداف، أي إلى وظيفة محددة غير مبنية على فكرة العدالة والمساواة. حتى أنها حولتها إلى عملية صدقة يقوم بها المستثمرون وكبار رجال الأعمال لصالح الفئات المهمشة والفقيرة، من خلال مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” و”القطاع الثالث”، وغيرها من المفاهيم التي يتم ترويجها.
ربيع نصر:
زكي، أريد أن أعود بهذه الفكرة إلى سياق سوريا، لأنه لدينا الكثير من الطروحات حول: أولاً، أن المنظومة كانت منظومة اشتراكية، قائمة على أن الدولة هي اللاعب الأساسي في الاقتصاد من جهة، وكل شيء يتم من خلال التخطيط الاقتصادي والقرارات المركزية. ثانياً، أيضاً هناك قضية – على الهامش – دائماً نقول إن النيوليبرالية منحازة للقطاع الخاص. فهل كل القطاع الخاص استفاد من النيوليبرالية؟ أم أن هناك أيضاً ضمن القطاع الخاص شرائح يمكن أن تكون تعرضت لنفس التهميش مثل بقية شرائح السكان؟
لكن هنا بالنسبة للسياق السوري، كي لا نرجع بعيداً تاريخياً، كيف ترى السياسات التي كانت تعتبر سياسات أمن اجتماعي في فترة النزاع؟ سواء من قبل نظام الأسد أو من بقية القوى غير الدولتية. كيف أصبح شكل هذا الأمن الاجتماعي في ظل النزاع؟ وكما زاوجتَ بين الاستبداد والنيوليبرالية، كيف تقرأ العلاقة بين النزاع والاستبداد والنيوليبرالية خلال السنوات الـ14 التي عانت فيها سوريا من الحرب؟
زكي محشي:
أنا الآن أريد أن أرجع سنةً واحدة قبل بداية النزاع في سوريا، وأعيد التأكيد على فكرة أن الحماية الاجتماعية والأمن الاجتماعي اللذين كان يتم تطبيقهما – أو الادعاء بتطبيقهما – كانا مُفرّغَيْن من فكرة العدالة، ومُفرّغَيْن من فكرة تكافؤ الفرص والمساواة. الهدف منهما كان الاستثمار بسياسات شعبوية: أن يقول هذا النظام – نظام الأسد – إنه كان يدعم الفئات المهمشة، ويدعم أسعار المواد الأساسية، ويوفر التعليم المجاني والصحة المجانية. والهدف من ذلك لم يكن تحقيق الرفاه أو العدالة في المجتمع، بل كان كسب نوع من الشعبية، ونوع من الشرعية الشعبوية – إن صح التعبير – لاستدامة حكمه.
صحيح أنه منذ بداية الألفينيات بدأ بالتخلي تدريجياً عن هذه السياسات، ولكنه حافظ بشكل أو بآخر على الشكل الجوهري للحماية الاجتماعية الذي كان موجوداً في سوريا.
عندما بدأت الثورة وبدأ النزاع وتوسّع، حدث تدهور كبير في الموارد المالية لدى النظام. هذا التدهور أجبر النظام على القيام بعملية إعادة توزيع للثروة والموارد من أغلبية الناس لصالح الفئة التي أثبتت ولاءها، والتي دعمت النظام في معركته، والتي دعمت استدامة النظام. فأصبح لدينا عاملان في سوريا: العامل الأول هو انهيار وتدهور الناتج الاقتصادي، وتدهور الموارد بشكل كبير نتيجة النزاع. العامل الثاني هو أنه بالإضافة إلى ذلك التدهور، تمت إعادة توزيع الموارد لصالح الفئة الحاكمة والشريحة الداعمة للنظام.
ومع تدهور الموارد، أصبح من الصعب جداً على النظام الاستمرار في موضوع الحماية الاجتماعية, وبدأت الأسعار بالارتفاع. بدأ إلغاء الدعم بشكل سريع، أي بدأ إلغاء الدعم فعلياً في مناطق معينة. بمعنى أنه كان هناك ادعاء بأن الدعم لا يزال موجوداً، لكن المرء عندما ينزل إلى السوق لا يجد السلع المدعومة، وإذا أراد شراءها فعليه التوجه إلى السوق السوداء.
فهذه هي العملية التي حدثت: غياب السلع، وإعادة توزيع الموارد. استُخدم غطاء الحماية الاجتماعية – أو بالأحرى الادعاء باستمرار وجود دعم اجتماعي لبعض السلع – من قبل النظام لزيادة الثروة وإعادة توزيع الثروة لصالح تلك الفئة. كيف؟ على سبيل المثال،احتكر المحسوبون على النظام من الرأسماليين السوقَ السوداء. فلم يكن السوريون يجدون المواد والسلع المدعومة في الأسواق، وكانوا يضطرون إلى شرائها من السوق السوداء المحتكرة من قبل محاسيب النظام. وهذا الأمر رفع سعر السلعة إلى ثلاثة أضعاف أو أربعة أضعاف أو خمسة أضعاف، وحتى عشرة أضعاف.
وكان هذا الفارق الكبير في السعر وهوامش الربح الكبيرة يذهب إلى الرأسماليين المحسوبين على النظام السوري في ذلك الوقت، وتتراكم الثروة. ولم تُحوَّل هذه الأموال إلى موارد إنتاجية، بل تم استخدام هذه الموارد بتحويلها إلى موارد عسكرية أو حربية أو تدميرية أو مخابراتية.
وبالتالي، فإن فكرة وجود حماية اجتماعية دُمّرت بشكل كامل. لا بل على العكس، صار هناك استخدام لفكرة الحماية الاجتماعية بشكل شعبوي؛ من خلال بروباغندا النظام الذي يدّعي أننا ندعم أسعار المواد، ولكن على أرض الواقع وفي التطبيق كانت هذه المواد تُباع في السوق السوداء من قبل محاسيب النظام، وذلك لتحقيق هوامش ربح هائلة وإعادة تدوير الموارد لصالح النظام.
طبعاً، الحرب والنزاع شتّتا أيضاً شبكات الحماية الاجتماعية. وهنا نقطة مهمة جداً أعتقد أننا ربما أغفلناها: فكرة الحماية الاجتماعية أو الأمن الاجتماعي لا تقوم فقط على علاقة الدولة بالمجتمع، بل تقوم أيضاً على العلاقات البينية داخل المجتمع. وفي سوريا، كانت واحدة من أهم شبكات الأمن الاجتماعي – إذا صح التعبير – هي المساعدات المتبادلة بين أفراد المجتمع: فالعائلات كانت تقدم العون لبعضها، والميسورون كانوا يقدمون الدعم للفقراء. وكانت تلك هي شبكة الأمان الاجتماعي الحقيقية في سوريا.
وهنا أيضاً يجب أن نضيء على النقطة التي ذكرتها بخصوص القطاع الخاص. فالقطاع الخاص المنتج التقليدي الحقيقي كان يلعب دوراً كبيراً في المساهمة بتمويل هذه الشبكات الاجتماعية، وكان يقوم بذلك دون أضواء، ودون بروباغندا، ودون احتفالات وتصوير بأنه يساعد الناس. وكانت هذه العملية جزءاً من تقاليد القطاع الخاص المنتج والحقيقي في سوريا لمساعدة الأسر والفقراء.
فمن المهم التمييز هنا بين القطاع الطفيلي – أي القطاع الخاص الطفيلي – الذي نشأ بدعم من تطبيق النيوليبرالية في السياق السوري، فهذا القطاع الطفيلي يريد تحقيق الربح السريع دون إنتاج حقيقي (ربح ريعي). وعندما يقدم المساعدة للناس، يقيم حفلات ويقول: “انظروا كم أنا عظيم وأنا أساعد الناس”. وهذا بالضبط ما يجب تمييزه عن القطاع الخاص المنتج الحقيقي، الذي ساهم بدرجة كبيرة في شبكات الأمان الاجتماعي السورية خلال النزاع.
من المهم التمييز بين القطاع الخاص الطفيلي الذي نشأ بدعم من تطبيق النيوليبرالية والذي يريد تحقيق الربح السريع دون إنتاج حقيقي (ربح ريعي)، وبين القطاع الخاص المنتج الحقيقي، الذي ساهم بدرجة كبيرة في شبكات الأمان الاجتماعي السورية خلال النزاع..
وفي ظل النزاع، تضرر القطاع الخاص المنتج بشكل كبير. فأحد أهم مصادر تمويل شبكات الحماية الاجتماعية اختفى أو كاد يختفي أيضاً. وبالتالي، حدث تفاقم مرعب للفقر. وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية الأخرى التي جاءت مع النزاع، فإن هذا كله ساهم في عدم وجود حماية اجتماعية، لا من قبل الدولة، ولا من قبل الممول الحقيقي الأساسي لموضوع الأمان الاجتماعي (أي القطاع الخاص التقليدي في سوريا). وانعكس هذا الأمر تحديداً على الفئات المهمشة وعلى الفقراء، وازدادت حدّة الفقر. أي أننا أصبحنا نتحدث عن فقر غذائي، وصار الحديث عن فقر مدقع أشد بكثير مما كنا نتحدث عنه من فقر عام.
ربيع نصر:
طيب زكي، سننتقل من ما ذكرته. نحن أمام مستويات غير مسبوقة من الفقر، ومستويات غير مسبوقة من التفاوت. هناك مناطق حوصرت، أناس خسروا كل شيء، عاشوا بأقل من الحد الأدنى لشروط الحياة، أناس تعرضوا للتعذيب وللإعاقة. هناك حجم هائل جداً للمأساة الإنسانية، وهذا الوضع لم يستمر شهراً ولا عشرة أيام ولا سنة، بل 14 سنة؛ وبالتالي المعاناة متراكمة، وازدادت الاحتياجات للأمن الاجتماعي أضعافاً مضاعفة.
الآن لدينا هنا دور المجتمع المدني، ودور المنظمات الأممية والدولية التي تدخلت. كيف تقيّم هذا الدور في المناطق المختلفة في سوريا؟ كيف ترى هذا الدور؟ أين كانت فعاليته؟ هل كان يبني شيئاً مستداماً أم غير مستدام، قصير الأجل أم طويل الأجل؟ كيف تقرأ ذلك في ظل فكرة الحاجة إلى الأمن الاجتماعي خلال فترة النزاع؟
زكي محشي:
تماماً. مثلما ذكرتَ، ربيع، بعد النزاع أو خلال فترة النزاع – وحتى الآن طبعاً، مع آثار كبيرة جداً – الحاجة إلى أمن اجتماعي فعّال وإلى مؤسسات فعالة، الحاجة إلى الحماية الاجتماعية أصبحت كبيرة جداً، سواء في النزاع أو في الفترة الحالية (ويمكن أن نتحدث عن الفترة الحالية لاحقاً).
خلال النزاع، مع غياب مؤسسات الدولة أو احتكارها من قبل النظام الاستبدادي في دمشق (نظام الأسد), أو قوى الأمر الواقع التي أيضاً أخذت أشكالاً استبدادية في المناطق المختلفة، وكان آخر همّها الحماية الاجتماعية أو العدالة أو تكافؤ الفرص، برز الدور الأساسي – طبعاً بالإضافة إلى غياب الموارد – برز الدور الأساسي للمجتمع المدني والمنظمات الدولية. وهذا الدور في السياق السوري لا يمكننا فصله كثيراً، لأن المنظمات الدولية كانت تقدم الدعم المالي أو كانت تنفّذ الكثير من برامجها من خلال منظمات ومؤسسات المجتمع المدني.
أكيد المجتمع المدني – وهنا عندما أتحدث عن المجتمع المدني لا أقصد المنظمات الرسمية، بل أتحدث عن مجموعات التطوع، المبادرات, المساهمات الجماعية التي حدثت في أكثر من منطقة في سوريا – أيضاً فكرة المجتمع المدني أوسع من الفكرة التي تحب النيوليبرالية الترويج لها، بأن هناك منظمات مجتمع مدني مدعومة من منظمات دولية وهذا هو شكل المجتمع المدني. طبعاً هذا جزء من المجتمع المدني، لكن المجتمع المدني بهذه الصورة الواسعة في كل المناطق السورية لعب دوراً كبيراً جداً في سد الثغرات أو في توفير الحماية بالحد الأدنى للفقراء الذين ازدادت نسبتهم بشكل كبير، وفي تأمين الحماية بالحد الأدنى للأشخاص الذين فقدوا معيلهم، وللأسر التي فقدت معيلها، وفي توفير الحد الأدنى أيضاً للأشخاص – من الناحية الصحية – الذين تعرضوا للتعذيب أو الاعتقال. فتمّ تقديم الخدمات الصحية والخدمات التعليمية أيضاً في بعض المناطق، وصار المجتمع المدني يسدّ مكان الدولة في تقديم هذه الخدمات الأساسية.
فقد قام المجتمع المدني في سوريا بجهد كبير جداً، وهذا جهد يجب تسليط الضوء عليه وتخصيص حلقات له. ولكن دائماً هناك سلبيات، فديناميات القوى داخل سوريا، وحتى بين المنظمات الدولية والمجتمع المدني، خلقت بعض السلبيات فيما يتعلق بتقديم المجتمع المدني خدمات تدعم فكرة الأمان الاجتماعي وتدعم فكرة الحماية الاجتماعية.
النقطة الأولى: أنه صار هناك احتكار للعمل المدني من قبل المنظمات الكبيرة، وهذا كان له انعكاسات كارثية على استدامة البرامج، وعلى شمولية البرامج، وعلى تضمين البرامج لمناطق كثيرة ولأشخاص كثيرين. فالاحتكار لدى بعض المنظمات – وهذا الاحتكار ناتج عن أن هذه منظمات كانت مُمكَّنة: الأشخاص فيها يجيدون اللغة ولديهم قدرة على التواصل مع المنظمات الأجنبية والعالمية والدولية التي تدعم هذه المنظمات أو تدعم المجتمع المدني – فحدث استحواذ من قبل هذه الفئة المحتكرة – إن صح التعبير – من منظمات المجتمع المدني على التمويل المُقدّم من الخارج للسوريين.
والفكرة أن الممولين غير مهتمين بشكل كافٍ. للأسف، المنظمات الدولية – بما في ذلك منظمات الأمم المتحدة والممولين الدوليين – يعتبرون التمويل لسوريا عبارة عن “وظيفة” أو “تكليف” أو “حسناً، لقد أدّينا هذا الواجب”. فلا يوجد متابعة حول مَن الذي يأخذ التمويل، هناك احتكار، لا يوجد شمولية (تضمين). فموضوع احتكار العمل المدني كان له انعكاسات سلبية، وللأسف مستمر بشكل أو بآخر.
طبعاً، مع نظام الأسد – على سبيل المثال الأمانة السورية للتنمية التي كانت تُدار وتُشرف عليها أسماء الأسد – كان هناك احتكار بهدف مالي (تأمين تمويل مالي)، وأيضاً احتكار بهدف دعائي شعبوي بأننا نقدم مساعدات وندعم مثلاً. فهذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: المجتمع المدني – للأسف – هذه التحديات التي تواجه المجتمع المدني مرتبطة مع بعضها. هناك الاحتكار وهناك عدم العمل الجماعي؛ نقص التحالفات داخل المجتمع المدني، وبين العاملين في المجتمع المدني. التحالفات الحقيقية – وليس مجرد شبكات اسمية فيها 150 منظمة أو 200 منظمة – هذه الشبكات مفيدة لتنسيق العمل الإداري، ولكن يجب أن تكون تحالفات المجتمع المدني مبنية على رؤية مستقبلية، ومبنية على خدمة المجتمعات المحلية، لا أن تكون مدفوعة بالحصول مثلاً على الربح. فمثلاً بعض منظمات المجتمع المدني رواتب العاملين فيها أكبر من رواتب العاملين في القطاع الخاص، أو أكبر من رواتب العاملين في شركات النفط. فصار هناك هوّة بين المجتمع المدني وبين حاجات الناس. هذه الهوّة جعلت الناس تفقد الثقة. أصبحت معظم المجتمعات المحلية ترى في المجتمع المدني منظمات غريبة عنها، منظمات مدفوعة بالبرامج الممولة من المنظمات الدولية، ولا تهتم بالاحتياجات الحقيقية للناس.
فإذا أردنا أن نتكلم باختصار: المجتمع المدني بالتأكيد لعب دوراً كبيراً, لكن الاحتياجات كانت ضخمة جداً. لعب دوراً كبيراً في تأمين الحماية الاجتماعية – وهنا أتكلم مرة أخرى عن المجتمع المدني بالمفهوم الواسع – ولكن خلال النزاع وخلال الصراع ظهرت ظواهر سلبية في تنظيم العمل المدني. يمكن تلخيصها في احتكار العمل المدني من قبل منظمات معينة، وعدم التعاون وعدم وجود تحالف حقيقي بين هذه المنظمات وبين الفاعلين في المجتمع المدني لدعم استدامة المشاريع ودعم استدامة الخدمات المقدمة في إطار الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية.
ربيع نصر:
وهذه القضية تفاقمت – دعنا نقول – مثلما تفضلتَ: تراجعت الخدمات الصحية والتعليمية، تراجع الدعم للغذاء, تراجع الدعم للمنتج المحلي، دعم الطاقة, لكن أيضاً السياسات القائمة على التمكين مثل سياسات التشغيل أو سياسات تعزيز الحماية للعاملين – وخاصةً بالنسبة للإناث والسيدات اللواتي يكنّ متضررات أكثر من أي رفع للحماية الاجتماعية لأسباب مختلفة.
سقط نظام الأسد وصار هناك تفاؤل كبير جداً بأننا ننتقل لمرحلة استعادة الكرامة والحرية والعدالة – الحقوق الأساسية للإنسان – وطرحت الأفكار الديمقراطية، العدالة الانتقالية، الاستدامة. فهذه الطموحات الكبيرة كانت مرتبطة بسقوط نظام الاستبداد وإعادة العجلة التنموية. وهناك طروحات خلال الأشهر الستة الأولى متعلقة بالأمن الاجتماعي؛ من فكرة أن الهوية السورية – هوية الاقتصاد السوري – هي هوية اقتصاد حر تنافسي. وتحت هذا العنوان يعني أن الناس لديهم حرية في العمل؛ أي هذا المصطلح يُستخدم – على الأقل – بهذا المعنى.
لا توجد موازنة ولا موارد في الدولة، وبالتالي الدولة غير قادرة على لعب أي دور في قضية الأمن الاجتماعي. فالأمن الاجتماعي يُوكَل أو يُفوَّض إما لمنظمات دولية أو لأي جمعيات قائمة على فكرة المساعدة والإحسان. والقطاع الخاص هو الذي يجب أن يتولى كفاءة استخدام الموارد، بما فيها قطاع الصحة والتعليم، وبطبيعة الحال القضايا المختلفة مثل قضية الطاقة وقضية مياه الشرب، إلى آخره.
طيب، هذا يعني أن لدينا ستة أشهر من توجهات سريعة جداً في تبني هذه السياسات. كيف تقرأها إذا أردت أن تعالج موضوع أنه بعد 14 سنة من النزاع هناك من يقدّم استراتيجية للأمن الاجتماعي ملامحها بهذه الصورة؟ كيف تقرأها من وجهة نظر مستقبل استعادة سوريا ما بعد النزاع، ومواجهة اقتصاديات الحرب، إلى آخره؟
زكي محشي:
تماماً. مثلما تفضلتَ، الحكومة الحالية أو السلطة التي جاءت مباشرةً بعد نظام الأسد كانت واضحة في موضوع التوجهات الاقتصادية منذ الأيام الأولى: أنها اقتصاد سوق حر تنافسي. والفكرة أن هذا الكلام انعكس أيضاً تطبيقاً – أي أنهم تحدثوا عن اقتصاد السوق الحر التنافسي – وظهر توجه نيوليبرالي تم تنفيذه على أرض الواقع. من الخطوات الأولى والقرارات الأولى التي تم اتخاذها هي رفع سعر ربطة الخبز عشرة أضعاف. مع العلم أنه في 50% من السوريين يواجهون حالة انعدام أمن غذائي. فهذه الخطوة لا تبشّر بالخير بأن الأمان الاجتماعي أو الحماية الاجتماعية يؤخذ بعين الاعتبار.
طبعاً، الخطوات الثانية التي لها علاقة بموضوع التشغيل: إجازات لمدة ثلاثة أشهر، أو إعفاء من العمل لمئات الآلاف من الموظفين. طبعاً جزء كبير من هؤلاء الموظفين هم موظفون وهميون – لنقل – ويجب التخلص منهم والتحقق من هذا الموضوع. ولكن جزء كبير جداً – وهذا أثبتته المظاهرات والتحركات التي قام بها الموظفون – هم موظفون على رأس عملهم ومنتجون، وتم التخلي عنهم، وتم التخلي عنهم دون وجود أي معايير واضحة على أي أساس. المسؤولون خرجوا وقالوا إننا نتخلى عن الموظفين الوهميين، ولكن هذا لا يغطي كل الحقيقة، لأن كما ذكرتُ: هناك مظاهرات واحتجاجات حدثت ضد هذا الإجراء. والتخلي عن الموظفين يعني أنك تقطع عنهم مصدراً أساسياً من مصادر العيش.
فأنت رفعت أسعار سلع أساسية مثل الخبز، وأثّرت سلباً على موارد أو مصادر الرزق أو مصادر الدخل لعدد كبير من الناس. وفي الوقت نفسه فتحت السوق بشكل عشوائي – أتحدث عن الفترة الأولى – فُتحت الأسواق بشكل عشوائي وكامل للبضائع الأجنبية، وخاصة البضائع القادمة من تركيا، البضائع الرخيصة بغض النظر عن النوعية. وهذا دمّر ما تبقى من القطاع أو أثّر بشكل سلبي كبير جداً على ما تبقى من القطاع الخاص المنتج الحقيقي في سوريا. وبالتالي دمّر أيضاً مصدراً للثروة أو مصدراً للدخل للمنتجين الصغار وأصحاب المعامل الصغيرة المحلية.
فالسياسات التي تم تطبيقها في الفترة الأولى ربما طُبّقت على عجالة، وطُبّقت بشكل سريع تحت مظلة “اقتصاد السوق الحر”. من هنا ظهرت فكرة الخصخصة غير المدروسة على الإطلاق. يعني يمكننا أن نتناقش بموضوع الخصخصة، ويمكننا أن نتناقش بموضوع فعالية مؤسسات القطاع العام، ولكن الذي تم على الأرض هو خصخصة بطريقة يُقال أقل ما عنها إنها خصخصة عشوائية. يعني هناك عقود تم توقيعها مثل عقد استثمار منطقة حسياء لشركة صينية غير معروفة، وحتى العقد الذي حدث في موضوع إعادة تأهيل قطاع الكهرباء بقيمة 7 مليار دولار: لا نعرف إذا تمت مناقصة دولية، لا نعرف على أي أساس أخذت هذه الشركة هذا العقد، لا نعرف التكلفة: هل هي تكلفة حقيقية أم أن السعر الموضوع يتضمن هامش ربح كبير جداً. لأن كثيراً من الخبراء قالوا إن إعادة التأهيل – أنا الآن أقوم بإعادة تأهيل ما هو موجود بمليارين أو ثلاثة مليارات – فلماذا 7 مليارات؟ يعني لا توجد شفافية، لا توجد معايير واضحة، هناك تسرّع وتعجّل في خصخصة القطاعات بشكل كبير. هناك تعجّل في بيع مؤسسات القطاع العام حتى دون دراسة جدوى لهذه المؤسسات. لأن مؤسسات القطاع العام أغلبها خاسرة ليس لأسباب وظيفية؛ من المحتمل أن تكون خاسرة لأسباب هيكلية أو إدارية، بسبب الفساد، بسبب عدم الكفاءة، بسبب الآلات أو المعدات الموجودة فيها. فهناك خطوات كثيرة يجب اتخاذها قبل الوصول إلى قرار “يجب أن نبيع هذه المؤسسات”. وعندما نقرر أن هذه المؤسسات يجب أن نبيعها، على الأقل يجب أن تكون هناك لجان مختصة من الخبراء لتقييم هذه المؤسسة: كم يمكن أن تُباع، ما الأصول الموجودة، كيف يجب أن تُباع، وما المعايير التي يجب أن تُوضع على المشترين المحتملين.
فهذه الخطوات التي اُتخذت بشكل سريع في موضوع السياسة الاقتصادية تمثل توجهاً سريعاً نحو تطبيق النيوليبرالية بحذافيرها ولكن بشكل مشوه. لأن الوضع الحالي والسياق الحالي في سوريا، هذه العمليات ستؤدي إلى إعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب، إلى إعادة إنتاج الاحتكار، إلى إعادة إنتاج المحسوبية على مستوى كبير.
التوجه لتطبيق النيوليبرالية بحذافيرها وبشكلها المشوه، سيؤدي لإعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب، والاحتكار ولإعادة إنتاج المحسوبية على مستوى كبير
الآن ما التبرير لدى الحكومة الحالية أو لدى السلطة الحالية في سوريا؟ أنه هذا توجه، وهذا البيع السريع، وهذه الخصخصة… وعلى الرغم من أن أسعار بعض السلع انخفضت، ولكن الانخفاض الذي حدث في أسعار بعض السلع ليس نتيجة سياسات حكومية، وليس نتيجة تخطيط لتخفيض هذه الأسعار، ولكن نتيجة لانهيار نظام الأسد الفاسد. انهيار نظام الأسد الذي كان يأخذ إتاوات على الحواجز مما كان يرفع سعر السلعة كثيراً، والذي كان هناك احتكار لأشخاص محددين. فارتاح السوق، فصار هناك نوع من انخفاض في بعض أسعار السلع. ولكن كما قلت: السلع الأساسية مثل الخبز زاد سعرها 10 أضعاف، وهذه كارثة.
الآن إذا أردت أن أقف عند سؤال “لماذا تفعل السلطة ذلك؟”، الحجة الأولى أو المتداولة أن السلطة ترغب في تحقيق قطيعة كاملة مع النظام البائد بكل مفاهيمه الاقتصادية. وهذا الكلام غير دقيق لعدة أسباب: السبب الأول والرئيسي أن النظام الاستبدادي البائد لم يتبنَّ الحماية الاجتماعية بجوهرها المرتكز على العدالة والمساواة في أي مرحلة من مراحله، وخاصة خلال فترة النزاع. بل على العكس، نظام الأسد أنشأ أو أنتج نظاماً اقتصادياً قائماً على الاحتكار، قائماً على رأسمالية المحاسيب، قائماً على تدمير فكرة الأمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية للناس. ففكرة القطيعة مع النظام السابق أو مبادئه هي فكرة غير دقيقة على الإطلاق.
الفكرة الثانية هي ضعف الموارد… ضعف الموارد الاقتصادية. طيب، ضعف الموارد الاقتصادية… هناك خطوات كثيرة يمكن القيام بها – كما ذكرنا – قبل أن نتحدث عن الخصخصة والبيع وفتح السوق بهذا الشكل الكبير. من هذه الخطوات: دراسة وضع مؤسسات القطاع العام من قبل لجان وخبراء مستقلين دون تحيز: ما هي الخطوات التي يمكن أن نقوم بها لإعادة تفعيل هذا القطاع، لإعادة تفعيل هذه المؤسسات. والحل الأخير أنه ممكن نبيع هذه المؤسسات. ولكن أيضاً عندما نريد أن نبيعها، يجب أن تكون هناك معايير واضحة، ويجب أن تكون هناك خطوات شفافة معلنة للجميع في هذه العملية. الموارد موجودة: موارد المنافذ الحدودية، الرسوم… يعني هناك موارد كبيرة للدولة ما زالت موجودة يمكن استثمارها، يمكن استخدامها. صحيح أنها محدودة، ولكن إذا كانت هناك إدارة فعالة، وتخطيط مبني على أدلة, وتخطيط مبني على معايير محددة، فقد تكون الموارد المحدودة الموجودة فعالة جداً.
فالحجتان اللتان يتم استخدامهما من قبل الحكومة الحالية أو السلطة الحالية في سوريا غير دقيقتين. الحجة الأولى هي القطيعة مع النظام، والحجة الثانية هي عدم وجود موارد.
ربيع نصر:
زكي، في القضية التي تفضلت بها: فكرة أنه من المفروض أن هذه قطيعة مع النظام الذي فيه فساد كبير. فنحن نعرف حجم التهرّب الضريبي في سوريا. فاستعادة الحد الأدنى من الضرائب ممكن أن يجلب للخزينة موارد هائلة جداً. إضافةً إلى أن هناك أيضاً قضايا غير واضحة: أنه يكون هناك موارد هائلة – أي يتم استخدامها أو يتم تحصيلها – لكن بعد ذلك يُقال إنه لا يوجد شيء في الخزينة، أو أن الخزينة ليست قادرة على تحمّل حتى أبسط التكاليف. يعني تم التخلص من مئات آلاف العاملين، وتم التخلص من فكرة دعم الطاقة ودعم المواد الغذائية، وأُلغي – يعني أغلب إنفاق الموازنة سابقاً تم تخفيضه – ومع ذلك حتى الآن يتم الحديث عن عدم وجود موارد في الموازنة. والنقطة الثانية هي التي ذكرتها أكثر من مرة: رأسمالية المحاسيب. أي شبكة جديدة من المتنفذين الذين يستلمون قطاعات وأراضي، وتحويل ممتلكات الدولة لأشخاص بعينهم، يشكلون طبقة جديدة. للأسف هذه الطبقة تصنع ثروة لا ترتبط بأغلبية المتضررين من النزاع.
طيب، أنا هنا أود أن أسأل سؤالين: السؤال الأول, كسلطة جديدة… كيف – مع فكرة رفع التكاليف (طبعاً هذا بغض النظر عن أي مدرسة اقتصادية نتحدث) – رفع التكاليف بما فيها رفع تكاليف الأدوية والسلع الأساسية والطاقة والأجور والأراضي. فأنت تتحدث عن زيادة في التفاوت. حتى لو كنت ستخلق نمواً اقتصادياً، فأنت تتحدث عن سوريا فيها تفاوت أكثر مما هو موجود حالياً. الطريقة المتبعة حالياً ستقود إلى تفاوت أكبر. الآن، هل يتحمل المجتمع السوري تفاوتاً أكثر مما هو عليه الآن، وبالتالي نرى – يعني – أبراجاً ومدناً للأثرياء، ومخيمات فعلياً… مخيمات نزوح، لكن هذه المرة ليست نتيجة نزوح قسري بل نتيجة السياسة الاقتصادية الاجتماعية؟
والسؤال الثاني: إذا كنت في مرحلة انتقالية، كيف تؤثر هذه السياسات على الدعم المجتمعي – الذي هو غالبية الناس المتضررة من النزاع، والتي هي من المفترض القاعدة المجتمعية للسلطة الحالية – كيف تعيد بناء علاقة المواطنة والشرعية معهم إذا كنت تتبع سياسة قائمة عملياً على زيادة التفاوت؟
زكي محشي:
النقطة التي أود الإشارة إليها، بناءً على ما تفضلتَ به، ربيع, هي فكرة الموارد… فكرة عدم كفاية الموارد. كان متوقعاً أنه بعد التخلي عن مئات الآلاف من الموظفين أن يحصل وفْر يمكن استخدامه لتغطية بنود إنفاق عام أو لزيادة الرواتب. ولكن الذي حدث أنه هناك اعتماد كلي أو اعتماد كبير على المساعدة الخارجية (قطر والسعودية تغطيان جزءاً من الرواتب العامة حتى الآن). وطبعاً هذا يؤثر بشكل كبير على موضوع السيادة الاقتصادية والسيادة بشكل عام، وعلى موضوع الاستدامة في رفع الرواتب.
الآن حصلت زيادة – زيادة رواتب بنسبة 200% – في الفترة الأخيرة. ولكن هذه الزيادة إذا حسبناها: إذا أخذنا راتب الفئة الأولى التي تحمل درجة الدكتوراه، يُعادل تقريباً – إذا اعتبرنا أن المستحقات والتعويضات تلغي بعضها بعضاً – يُعادل 90 دولاراً. نفس الدرجة العلمية ونفس الفئة عام 2010 كانوا يأخذون حوالي 360 دولاراً. يعني لا تزال الرواتب بعد الزيادة التي قيل إنها 200% بعيدة جداً عن ما كان عليه الوضع (والذي كان سيئاً) عام 2010.
وحتى أننا لم نرَ أن زيادة الـ200%… لا توجد شفافية من قبل الحكومة حول ما إذا كان مصدر هذه الزيادة هو الوفر الذي نتج عن التخلي عن مئات الآلاف من الموظفين، أم مصادر أخرى؟ وإذا كان هناك وفر، فلماذا لا يزال هناك اعتماد على دول مثل قطر والسعودية لدفع جزء من رواتب القطاع العام؟ أليس من الأولى أن نتخلى عن الدعم الخارجي ونغطي بهذه الزيادة 200%, وتصبح الرواتب تُدفع داخلياً للحفاظ على السيادة الاقتصادية أو على ما تبقى منها؟ فهناك أسئلة كثيرة يجب أن تُطرح ويجب أن تكون هناك شفافية أكبر من قبل السلطات المالية والسلطات الاقتصادية الموجودة حالياً في البلد.
الآن موضوع التفاوت الذي ذكرته… أكيد يزداد. وللأسف، الحكومة تدّعي أنها تريد أن تقطع تماماً مع النظام السابق، ولكن الذي يحدث حالياً من إجراءات هو إعادة إنتاج العلاقات الاقتصادية وآليات الحوكمة الاقتصادية التي كانت سائدة أيام نظام الأسد، خصوصاً في فترة النزاع. يعني يحدث نظام اقتصادي موازٍ للنظام الرسمي. أي هناك قرارات تصدر من الوزارات، ولكن هناك قرارات تصدر من أشخاص بشكل موازٍ – لها علاقة بتوزيع الأراضي، لها علاقة بتوزيع الممتلكات، لها علاقة بالاستحواذ على مؤسسات القطاع العام، لها علاقة بتوزيع ممتلكات وأصول النظام التي تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. هذا نظام موازٍ، وهذا النظام فيه ثروة وفيه قدرة على إعادة توزيع الثروة والموارد. فهذا النظام الموازي كان موجوداً أيام زمان، وللأسف تتعزز هذه القصة الآن حالياً في فترة ما بعد سقوط النظام. فهنا توجد إشارات استفهام، وهنا توجد أسئلة يجب أن توجَّه للحكومة، يجب أن توجَّه للسلطة الحالية: هذا النظام الموازي… يجب أن تكون هناك شفافية في آليات عمله؛ أين تذهب الأموال؟ على أي أساس تُوزّع الثروات؟ على أي أساس تُبرم الصفقات؟ الفكرة ليست فقط في موضوع أن الوزارات ووزيراً يجتمع مع المؤسسات – هذا الأمر قد ننتقده لأن فيه شفافية إلى حد ما. ولكن هناك نظام موازي كامل… هذا النظام يلعب وسيلعب دوراً كبيراً في المستقبل الاقتصادي لسوريا وعملياً في عملية إعادة توزيع – ليس الموارد – بل إعادة توزيع الثروة في سوريا، وهي الأراضي والأبنية, إذ تتم لصالح فئة محددة: فئة الموالين، فئة المخلصين للسلطة الحالية. وكأننا نعيد بناء نموذج بشار الأسد: أنا أعطي الموارد والثروة للمخلصين دون أي نوع من الشفافية. فهذه مشكلة أساسية يجب التعامل معها.
المشكلة الثانية هي ظهور هذه الفئة – والتي هي أيضاً مشابهة للنظام الاقتصادي السابق – وهي احتكار العمل الاقتصادي من قبل مستثمرين ورأسمالية محاسيب مقربين من السلطة. يعني نجد صفقات بمليارات الدولارات أو مئات ملايين الدولارات تتم مع شركات قطرية، مع شركات أو أشخاص موالين للسلطة. يُمنحون أراضي لبناء معامل، يُمنحون أراضي للاستثمار. ولا توجد أيضاً أي شفافية في كيفية تتم هذه الاستثمارات: لماذا هؤلاء الأشخاص تحديداً؟ أين تكافؤ الفرص؟ فهذا أيضاً سوف يسبب كارثة.
النقطة الثالثة فيما يتعلق بالتفاوت: أن القطاع الخاص المنتج الحقيقي – نتحدث عن المشاريع الصغيرة والمشاريع المتناهية الصغر، وحتى المتوسطة، أو القطاع الخاص التقليدي – لا يستطيع منافسة القطاع الخاص أو المستثمرين الكبار. لأن المستثمرين الكبار يعملون وفق معايير محددة: لديهم رافعة مالية، لديهم ميزات؛ أساساً – مثلاً – يأخذ أرضاً، لديه إعفاءات ضريبية هائلة, لديه إعفاءات من الرسوم الجمركية هائلة. فالمنافسة غير عادلة حتى ضمن فكرة التركيز على موضوع القطاع الخاص. وهذا سيعزز التفاوت داخل القطاع الخاص بين المستثمرين القادمين… وبين المستثمرين المحسوبين أو رأسمالية المحاسيب الجديدة التي تظهر، وبين بقية التجار.
فموضوع التفاوت… تفاوت كبير، وبدأ الناس يشعرون بذلك. فمثلاً موضوع الأسعار عاد إلى الارتفاع. أتوقع أن المركز (المركز السوري لبحوث السياسات) يصدر نشرات دورية حول موضوع الأسعار، وهذا أمر مهم جداً. قدرة الأسر على سد الحد الأدنى من الاحتياجات أصبحت بعيدة جداً.
الحكومة أو السلطة تتعامل مع هذا الموضوع بأمرين: الأمر الأول هو الاستثمار في فكرة – أو فورة – السعادة المرافقة للتخلص من نظام الأسد. أي “يا أخي، نحن خلصناكم من نظام الأسد، هذا كافٍ”، و”خلصناكم من الطاغية، هذا يكفي وممتاز، ويجب أن تكونوا سعداء”. الفكرة الثانية التي تحاول الحكومة الاستثمار فيها هي الاستثمار في الوهم. الوهم المتمثل بأن الكهرباء ستأتي بعد ثلاثة أشهر – ستصبح 24 ساعة – ثم بعد ثمانية أشهر، ثم “عفواً، انتظرونا سنة، ستصبح الكهرباء ممتازة”. والآن صار خمس سنوات. فالاستثمار في الوهم وإبر البنج التي تُعطى للمجتمع أيضاً هي سياسة تستخدمها الدولة لتخفيف رد الفعل السلبي على موضوع التفاوت.
ربيع نصر:
سأكمل معك في هذا السياق. أيضاً هناك سياسة عامة مطروحة: أن الدولة ليست وظيفتها أن تقوم بكل هذا العبء. لدينا نصف الجيل خارج التعليم، ولدينا المعاقون المتضررون من الحرب. يعني قضية العدالة الانتقالية من وجهة نظر اقتصادية حتى الآن غير مطروحة. لكن بالتوازي، المطروح أيضاً – وهو جزء من الفلسفة النيوليبرالية – أن هناك مجتمع مدني، ومنظمات خيرية، ودول مانحة ستقوم بسد هذه الثغرة: “تعالوا عالجوا الاحتياجات والتهديدات”.
ومن جهة أخرى – لأضيف إلى هذا الموضوع – هناك أزمة عالمية في تراجع المساعدات الإنسانية، وستتأثر سوريا بها بشكلين: الشكل الأول أنه الآن يتم تصنيف سوريا – خاصة بعد موضوع رفع العقوبات وتصنيفها كدولة خرجت من النزاع – أنه ستقل المساعدات الإنسانية الموجهة، وستصبح مرتبطة أكثر بالاستثمار. وبالتالي، فإن تدفق المساعدات كما كان في السابق يُتوقع أن ينخفض بشكل حاد نتيجة تغيير وضع سوريا – على الأقل وفق ما هو مطروح رسمياً. وثانياً، على المستوى الدولي هناك اتجاه عام لتخفيض حاد في المساعدات الإنسانية في كل دول العالم، وخاصة للقضايا المتعلقة بالعدالة، أي تأمين مقومات تنمية، تأمين مقومات بعيدة الأجل لنهضة تنموية أو اقتصادية أو اجتماعية. فكيف ترى أن هذا الطرح من جهة يعزز فكرة أنه سيكون هناك سد للثغرة عبر المساعدات، أو لن يكون كذلك؟ وأعود لأؤكد: إذا ربطنا ذلك بقضية العلاقة المجتمعية – الدعم الاجتماعي, فكرة المواطنة – كيف يمكن أن تتأثر بهذه السياسات، خاصةً في هذه الفترة التي هي فترة قلقة بطبيعتها بعد سقوط النظام تماماً؟
زكي محشي:
تماماً مثلما قلتَ، ربيع. موضوع الاعتماد على المساعدات الخارجية – أي دعم المجتمع المدني، دعم المنظمات الدولية – لسد الثغرات الموجودة قد يكون حلاً إسعافياً لنقاط محددة، ولكنه غير ممكن – ضمن السياق الذي ذكرته من انخفاض المساعدات الدولية – أن يكون مستداماً، وغير ممكن أن يحقق أو حتى يساهم في تحقيق تنمية مستدامة وتضمينية في سوريا. التنمية لا تحدث إلا إذا حدثت إعادة تفعيل للموارد المحلية، إعادة تفعيل للإنتاج. وإعادة تفعيل الإنتاج لا تحدث في الوضع الحالي؛ لا تحدث بوجود الاحتكار، ولا تحدث بالاعتماد على الاقتصاد الريعي, ولا تحدث بجذب مستثمرين أجانب لمشاريع ريعية. تحدث بالاهتمام، وتعزيز, ودعم المنتجين على المستوى المحلي، ودعم العمل الاقتصادي على المستوى المحلي وعلى المستوى الصغير. فهنا يجب أن يكون تركيز الحكومة أكثر مما هو عليه الآن؛ بدلاً من التركيز على “رفعنا العقوبات, نحن رائعون, سنجلب الاستثمارات الأجنبية, وسنبني أبراجاً”. يعني حتى الوعي الجمعي في سوريا أصبحت فكرة التنمية مرتبطة بموضوع الأبراج. فهناك مشكلة كبيرة: المشكلة الأولى أن هذا وهم لن يتحقق, والمشكلة الثانية تتعلق بمفهوم التنمية نفسه.
فالموضوع مرتبط بالاستدامة. وهنا – في رأيي – دور المجتمع المدني، أو أحد أدوار المجتمع المدني, هو أنه لا يجب أن يكون فقط دور وكيل أو وسيط للمنظمات الدولية لتنفيذ مشاريعها وأخذ الأموال. المجتمع المدني في سوريا يجب أن يلعب دوراً مبنياً على الاحتياجات المحلية، مبنياً على الناس, مبنياً على الدفع باتجاه تعزيز فكرة الأمن الاجتماعي: ما هو الأمن الاجتماعي؟ كيف يتعزز الأمن الاجتماعي؟ نبني على مشاركة الناس بأفكار يمكن أن تعزز موضوع الأمن الاجتماعي.
فالاعتماد على المساعدات الخارجية أو المساعدات الإنسانية أو المنظمات الدولية غير مجدٍ على المستوى القصير – ناهيك عن المستوى المتوسط – يعني قد يساعد على المستوى الآني ولكنه غير مجدٍ. طريقة جذب الاستثمارات التي تتم بالشكل الحالي لن تساعد في بناء اقتصاد تضميني يفيد الجميع. ستُركّز على إعادة إنتاج فكرة رأسمالية المحاسيب، وهذا أيضاً سيكون له أثر سلبي كبير على سوريا.
الاعتماد على المساعدات الخارجية أو المساعدات الإنسانية أو المنظمات الدولية غير مجدٍ على المستوى القصير – ناهيك عن المستوى المتوسط – وطريقة جذب الاستثمارات التي تتم بالشكل الحالي لن تساعد في بناء اقتصاد تضميني يفيد الجميع، ستعيد إنتاج فكرة رأسمالية المحاسيب،وهذا سيكون له أثر سلبي كبير على سوريا
ربيع نصر :
زكي، إذا أمكننا أن نتحدث… يعني ما هو النموذج البديل؟ هل هناك شيء متمحور حول الحقوق ولكنه قابل للتطبيق؟ لأن الحجة دائماً: هل هناك شيء عملي قابل للتطبيق يوفر – يعني ما كنتَ تتحدث عنه – أمن اجتماعي مستدام، مرتبط باقتصاد منتج، يوفر فرص عمل لائقة، ومرتبط أيضاً بمعالجة آثار الحرب المتراكمة والضخمة جداً على المجتمع السوري. يعني هل هناك مجموعة من الخصائص التي تراها ممكنة – سواء من تجارب دول أخرى أو من رؤيتك للسياق السوري – التي يمكن أن تحقق هذا الأمن الاجتماعي بشكل فعلي، بشكل واقعي، من خلال سياسات قابلة للتنفيذ؟ أعطنا تصوراً لكيف ترى الخيار البديل أو الخيار الآخر.
زكي محشي:
تماماً. الآن قبل أن نتحدث عن التصور والخطوات التي يمكن تطبيقها على الأرض، من المهم جداً أن نتحدث عن الرؤية التنموية المستقبلية لسوريا التي يجب أن يتم الاتفاق عليها. لأن المشكلة القائمة حالياً في سوريا هي أن النقطة المرجعية دائماً ما تكون “زمن النظام” أو “زمن النزاع”. أي نقول: لقد تحسّنا عن ما كنا عليه وقت النزاع، وأن الوضع الآن ربما يكون أفضل مما كان عليه زمن النزاع. هذه مشكلة: أن تكون نقطتنا المرجعية بهذا المستوى المنخفض جداً وهذا السوء الذي كان أيام بشار الأسد. يجب أن نتفق كمجتمع سوري على نقطة مرجعية طموحة، على رؤية طموحة. لا تكون نقطتنا المرجعية ونقطة المقارنة لدينا هي ما كان سائداً سابقاً.
فهذه النقطة الأولى المتعلقة بالخطوات العملية. عندما توضع الرؤية – رؤية طموحة، رؤية تضمينية – يبدأ النقاش حول الخطوات العملية لتنفيذ هذه الرؤية. والخطوات العملية يجب أن تأتي بشكل تشاركي. يعني لا يمكن إهمال القطاع العام، لا يمكن إهمال مؤسسات القطاع العام، لا يمكن إهمال القطاع الخاص الصغير والمتناهي الصغر، لا يمكن إهمال الفاعلين في المجتمع المدني والحقوقيين. هذه فكرة التشاركية والحوار حول خطوات عملية يمكن أن تؤدي لتحقيق الرؤية التي يتم الاتفاق عليها – أمر مهم جداً.
الناس على الأرض قد يقولون: “طيب أخي، لا نريد رؤية، نريد خطوات عملية، نريد الكهرباء أن تأتي”. حسناً، الكهرباء لن تأتي بهذا الشكل… يعني هذا مثل موضوع الأبراج. حتى فكرة الأبراج (التي هي فكرة مضادة لموضوع التنمية المستدامة)، حتى فكرة الأبراج نفسها لن تظهر قريباً. وإن ظهرت الأبراج مستقبلاً سيكون أثرها سلبي على الناس، وسيدركون ذلك متأخراً. فلا بد من النقاش حول خطوات عملية مثلما تقول. مثلاً، من الخطوات العملية: تعزيز التعاون بين المنتجين الصغار. أي تعزيز العمل النقابي – ولكن النقابة الحقيقية، لا نتحدث عن النقابات التي كانت أيام نظام الأسد والتي كانت بلبوس سياسي، وللأسف النقابات التي تتشكل حالياً تأخذ هذا التوجه أيضاً. لا بد من عمل جماعي بين المنتجين الصغار. لماذا؟ لأن العمل الجماعي يقوي قدرتهم التفاوضية – مثلاً – مع المستهلكين أو مع الموردين. يستفيدون من اقتصادات الحجم. يصبح بإمكانهم التفاوض أكثر حتى في موضوع السياسات الحكومية. فالعمل الجماعي على المستوى القطاعي مهم جداً.
ونفس الشيء يمكن أن يحدث عمل جماعي على مستوى المجتمع المدني. وهذا التحالف الذي تحدثنا عنه سابقاً: يجب أن يكون هناك تحالف حقيقي يعكس احتياجات الناس، غير مسيّس، ليس فيه استقطاب، ليس “أنا مع أو أنا ضد”. دعنا نتحدث عن الرؤية، دعنا نتحدث كيف نصل إلى هنا، وكيف ندفع بخطوات عملية لنصل إلى هنا.
الآن الاستفادة من تجارب دول مختلفة… هناك تجارب في دول أمريكا الجنوبية، هناك تجارب في جنوب شرق آسيا. ولكن برأيي أن التجربة يجب أن تكون مبنية على السياق المحلي. يجب الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، ولكن السياق الموضوعي والسياق السوري هو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أية مشاريع أو أي خطوات عملية. وهذا البناء أهم شيء أن يكون بشكل تشاركي ومبني على رؤية طموحة، ليس مبنياً على نقطة مرجعية سابقة.
ربيع نصر:
سأربط هذه النقطة الخاصة بالبدائل مع دور السوريين في الخارج. لدينا عدد كبير من اللاجئين، المغتربين، الشتات – تسميات مختلفة. هذه الكتلة البشرية التي عاشت سنين في الخارج، كيف ترى دورها في فكرة الأمن الاجتماعي داخل سوريا في الفترة الحالية، وفي المستقبل القريب؟
زكي محشي:
طبعاً، المغتربون واللاجئون السوريون في الخارج يجب أن يلعبوا دوراً كبيراً في موضوع التنمية بشكل عام في سوريا. ولكن أيضاً مثلما تحدثنا عن فكرة المجتمع المدني أنه ليس محصوراً بمنظمات المجتمع المدني؛ هو مروحة واسعة من العناصر الموجودة داخل المجتمع المدني. كذلك فكرة المغتربين… للأسف نرى نماذج من مغتربين تبدو مبادراتهم قائمة على استغلال والاستفادة السريعة من التغيرات والظروف الحالية، وليست مبنية على رؤية مشتركة لمستقبل سوريا، ومبنية على بروباغندا، مبنية على “دعونا نستغل الفرصة”. هناك طروحات أحياناً تأتي بـ”الباراشوت” دون أي أخذ بعين الاعتبار للسياق السوري. مثلاً: الـ”FinTech” (التكنولوجيا المالية) والبنوك الرقمية – جميلة جداً. ولكن هذه المبادرات يجب أن تكون مبنية على قطاع مصرفي حقيقي فعّال. نحن ليس لدينا قطاع مصرفي حقيقي فعّال. فهذه المبادرات أو بعض هذه المبادرات التي تأتي من المغتربين، للأسف لا تأخذ بعين الاعتبار السياق، ولا تكون جوهرية في موضوع التنمية. طبعاً أنا لا أعمّم على الجميع؛ هناك مبادرات كثيرة يتم العمل عليها من قبل أشخاص خارج سوريا في سياق التنمية. هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية التي أود قولها: برأيي أنه عندما يكون هناك مشروع داخل سوريا، عندما يكون هناك مشروع مبني على مصلحة مشتركة، عندما يكون مشروع غير قائم على التمييز بين المجموعات وبين المناطق وبين الطوائف، عندما يكون هناك مشروع سوري جامع، سوف يجذب الأشخاص الحقيقيين الذين يرغبون فعلاً في المساهمة بالتنمية في سوريا من الخارج. سيكون مثل المغناطيس لهؤلاء الأشخاص. وهنا لا أتحدث عن مشروع بشكل مجرد؛ لا أقول “ليخرج أربعة أشخاص بمشروع لسوريا”. هذا المشروع يجب أن يكون تشاركياً، ديناميكياً، عملية طويلة الأجل; ليس مشروعاً نطرحه وانتهى. لا، يجب أن يظل مشروعاً مستمراً، في تطور مستمر. فهذا النوع من المشاريع يجذب السوريين من الخارج. السوريون في الخارج حالياً يلعبون دوراً كبيراً في الاقتصاد وفي دعم معيشة الأسر داخل سوريا. نسبة كبيرة من الأسر تعتمد بشكل كبير على ما يصلها من الخارج. فهنا تأتي ضرورة إشراك هؤلاء المساهمين في الاقتصاد الوطني في أي مشروع جديد يهدف إلى تنمية البلد، لأنهم مساهمون فعليون في الاقتصاد وفي التنمية داخل سوريا.
هذه النقاط المتعلقة بموضوع الشتات. ثم هناك نقطة أخرى: فكرة المنافسة بين تجمعات الشتات السوري. أي أن مسألة الوصول إلى سوريا أو إقامة مشاريع في سوريا أصبحت موضوعاً تنافسياً، ليس نابعاً دائماً من رغبة البعض في أن يساهم فعلاً في حركة تنموية أو تأثير تنموي داخل سوريا; أصبح الأمر “تلك المجموعة نفّذت مشروعاً، نحن يجب أن ننفّذ مشروعاً”. لا يوجد تنسيق، هناك ازدواجية وتكرار. يكررون مبادرات بعضهم البعض، وهم مشتتون، ولا يصبّون في رؤية موحدة. فهذه النقاط… لذلك وجود مشروع جامع ضروري لتوحيد – أو لجعل – كل المبادرات أو المساهمات تصب في رؤية أو عملية مستمرة واضحة تشاركية.
ربيع نصر:
سأستفيد من فكرة المشروع هذه لأقول إنه – إذا شئنا تسميته فضاءً أو مساحةً للعمل المشترك – فهو بحاجة إلى بنية مؤسساتية تدعمه، وبحاجة إلى بيئة فيها ثقة. وعلى أمل أن هذه الأسئلة الكثيرة المعقدة والقضايا المركّبة التي طرحناها يكون لها حلقات أخرى نناقش فيها هذه التفاصيل، والخيارات الممكنة، وتقييم المبادرات الحالية. فالنقاش غني جداً. وسأرى إذا كان لديك شيء تضيفه قبل أن نختم، لأنه فعلاً حلقة غنية وأنا أرغب بالاستمرار، لكن لنأخذ حلقة قادمة نناقش فيها الخيارات والبدائل بشكل تفصيلي.
زكي محشي:
لا، أكيد. النقاش سيستمر بيننا ومع – مثلما قلتَ، ربيع – مع فضاء أوسع ومع أشخاص آخرين. مبادرة “حوارات بديلة” التي يقوم بها المركز هي جزء من هذا الفضاء الذي يجب أن يتشكل، جزء من هذا المشروع. النقطة الأخيرة التي أريد فقط أن أضيفها – كإضافة أخيرة – هي أنه يجب التحرّك سريعاً. يعني يجب على السوريين، وعلى الأشخاص الذين يعملون في المجال التنموي والاقتصادي، أن يتحركوا سريعاً. لأن غيرهم يتحرك سريعاً; رأسمالية المحاسيب تنمو وتتحرك سريعاً. فلا بد من وجود قوى مضادة للتيار غير التضميني الذي ينمو داخل سوريا بشكل سريع وفعلي.
ربيع نصر:
شكراً على هذه خاتمة رائعة، زكي. الأمن الإنساني – الأمن الاجتماعي – أيضاً رفاهية، ولا يمكنه الانتظار، خاصةً مع أشخاص عانوا طوال سنوات هذه الحرب. أشكرك من قلبي على النقاش الغني كالعادة، وعلى الآفاق التي تفتحها لنا أيضاً في الخيارات والطروحات المستقبلية، والدعوة للعمل الجماعي – وبسرعة أيضاً. فشكراً جزيلاً لك زكي، وعلى أمل لقاءات ونقاشات قادمة.
زكي محشي: إن شاء الله، شكراً لك.
كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.
:Episode references
Publications by Zaki Mehchy:
– Capturing Sources of Health System Legitimacy in Fragmented Conflict Zones: A Case Study of Northwest Syria. Globalization and Health 2024Munzer Alkhalil, Rim Turkmani, Mazen Gharibah، Zaki Mehchy
https://globalizationandhealth.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12992-024-01074-4
– Assessing Control and Power Dynamics in Syria
Research Paper, Middle East and North Africa Programme
Zaki Mehchy, Haid Haid and Lina Khatib
https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/2020-11/2020-11-11-control-power-syria-mehchy-haid-khatib_0.pdf
– Syria’s Economic Crossroads: Inclusive Recovery or Inevitable Collapse – Zaki Mehchy
https://peacerep.org/2025/03/27/syrias-economic-crossroads-inclusive-recovery-or-inevitable-collapse
– Syria’s Economic Transition: From Kleptocracy to Islamic Neoliberalism, 13 Feb 2025. Joseph Daher and Zaki Mehchy.
https://peacerep.org/publication/syrias-economic-transition
– Structured Chaos: how nonprofits in conflict settings became an economic sector,
https://impactres.org/reports/Structured_Chaos-how_nonprofits_in_conflict_settings_became_an_economic_sector-Report_2_EN.pdf
https://impactres.org/economics-of-nonprofit
– Punishing the Regime, Protecting Syrians: The Dilemma of Sanctions on Syria
https://www.arab-reform.net/publication/punishing-the-regime-protecting-syrians-the-dilemma-of-sanctions-on-syria
– Role of economic Factors in Political Movement: The Syrian Case (2012)
https://scpr-syria.org/publications/role-of-economic-factors-in-political-movement-the-syrian-case-2012
الحلقات السابقة، والتالية:
استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي



