البودكاست

الاستدامة البيئية والسياسات النيوليبرالية مع أنصار جاسم ومؤيّد الشيخ حسن

     الحلقة 22                –                15 ديسمبر، 2025
الاقتصاد التضامني

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، يستضيف ربيع نصر كلًّا من أنصار جاسم (باحثة في السيادة الغذائية والعدالة البيئية) ومؤيّد الشيخ حسن (مهندس مختص في الطاقات المتجددة والعدالة المناخية)، لنقاش حول أثر السياسات النيوليبرالية على البيئة في سوريا والمنطقة.
نتناول كيف تساهم الخصخصة وتراجع دور الدولة في تقويض الاستدامة البيئية، ولماذا تُعد العدالة الجغرافية والمجتمعية شرطًا ضروريًا لأي سياسة بيئية عادلة.

 أبرز المحاور:
– مفهومي “الاستعمار الأخضر” و”الإبادة البيئية” في سياق الصراع والنزاع.
– خصخصة المياه والطاقة كتهديد للعدالة الجغرافية والاجتماعية.
– أمثلة عن تدهور البيئة: التكرير البدائي، تلوّث المدن، حرائق الغابات، وانهيار التنوّع الزراعي.
– نقد سياسات إعادة الإعمار النيوليبرالية وأثرها على البيئة.
– هل خطاب البيئية خطا نخبوي؟
– التضامن والانخراط المجتمعي ودورها في السيادة الغذائية
– مخاطر سيطرة رأس المال الأجنبي والشركات الكبرى على الموارد بعد الحرب.
– طرح بدائل مجتمعية: الزراعة البيئية، مكتبات البذور، التعاونيات، ومشاريع الاقتصاد التضامني.
– آفاق الطاقة المتجددة في سوريا 
– العلاقة بين العدالة البيئية والعدالة الانتقالية في بناء سوريا جديدة.

عن ضيوف الحلقة:

 أنصار جاسم:
باحثة وناشطة تهتم بقضايا السيادة الغذائية، العدالة البيئية، والاقتصاد السياسي. لها خبرة بحثية وميدانية في سوريا والعراق، وتعمل على إبراز الصلة بين السياسات الاقتصادية التمييزية وتدهور البيئة. تركز في عملها على توثيق الأثر البيئي للنزاعات، والدفاع عن الحقوق البيئية للمجتمعات المحلية.

 مؤيّد الشيخ حسن:
مهندس مختص في الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة، وعضو في جمعية فرنسية تعمل على نشر ثقافة العدالة المناخية في بلدان الجنوب. يعمل على مشاريع الانتقال الطاقي وربط التكنولوجيا بالحاجة المجتمعية، مع اهتمام خاص بتمكين الفئات الهشّة من الوصول إلى الطاقة والموارد البيئية العادلة.

 يدير الحوار: ربيع نصر – مدير المركز السوري لبحوث السياسات.
  إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست «سوريا، حوارات بديلة». نفتتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء المحلية منها أو العابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر: تحياتي للجميع وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست «سوريا، حوارات بديلة». طبعًا، يُنتَج هذا البودكاست من قبل المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت. في هذه السلسلة المتعلقة بالسياسات النيوليبرالية، لدينا اليوم حلقة مميزة ومهمة جدًا – أعتقد أنها تهم جميع شرائح المجتمع المعنيّة بالتنمية المستدامة. كما نعلم مدى الخطورة التي يشكّلها التغيّر المناخي على الصعيد العالمي، بالإضافة إلى التحديات القائمة على مستوى المنطقة، وخاصةً في سوريا. طبعًا، النزاع خلّف آثارًا بيئية مؤسفة، واستمرّ هذا التدهور البيئي لمدة 14 سنة بشكل استثنائي. كان هناك تدهور سابق أيضًا، لكن النزاع شكّل تحدّيًا كبيرًا جدًا، سواء من ناحية زيادة معدلات التلوّث أو تدمير الموارد الطبيعية. في هذا الصدد، ومع سقوط نظام الأسد والنظر في مشاريع إعادة الإعمار، نحاول أن نرى ما هو الإنتاج المعرفي الذي يمكّننا من بناء مشاريع وسياسات ومبادرات صديقة للمجتمع وصديقة للبيئة، بحيث لا تعيد إنتاج منظومة الاستغلال نفسها ولا تؤثر سلبًا على البيئة.

ولمناقشة هذه المواضيع المهمّة جدًا، يسعدنا أن يكون معنا المهندس مؤيّد شيخ حسن، المتخصص في الطاقات المتجددة وعضو مجلس إدارة جمعية الطاقة والتنمية وحماية البيئة الفرنسية، والباحثة أنصار جاسم، طالبة الدكتوراه في جامعة برلين الحرة وناشطة في قضايا السيادة الغذائية والعدالة البيئية والاقتصاد السياسي. أهلاً وسهلاً بكم أنصار ومؤيّد.

مؤيّد الشيخ حسن: أهلاً وسهلاً، أهلًا بالجميع… تحياتي لكِ يا أنصار.

أنصار جاسم: أهلاً بكم، شكرًا على الدعوة.

ربيع نصر: يا هلا بكما. قبل أن نبدأ حوارنا اليوم، أود أن أشير إلى أنه سيكون في وصف الحلقة روابط لكتابات أنصار ومؤيّد، فأرجو منكم الاطلاع عليها، فهي أبحاث ومقالات غنيّة جدًا. الآن، سأبدأ بالتعريف بمؤيّد. درس الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب بسوريا، ثم تابع دراسات عليا في فرنسا في جامعة أميان والمدرسة الوطنية العليا والمعهد العام في ليون. وكما ذكرنا، يعمل على قضايا تحوّل الطاقة وحلول تغير المناخ؛ بدأ كمهندس في تطوير أبحاث خاصة ضمن عدة مشاريع أوروبية، ثم عمل في القطاع الخاص، وهو حاليًا مدير مشاريع في الإدارة المركزية لوزارة الطاقة والتحوّل البيئي في العاصمة الفرنسية باريس. وهو يكتب في الصحافة حول قضايا التنمية المستدامة والسياسات العامة كذلك. أهلاً وسهلاً بك مؤيّد.

مؤيّد الشيخ حسن: أهلًا أهلًا، شكرًا على الدعوة، شكرًا… تشرّفنا بك.

ربيع نصر: وأيضًا معنا الباحثة المميزة أنصار. هي باحثة في العلوم السياسية، وهذا أمر مهم جدًا من ناحية الربط بين الاختصاصات المختلفة والبيئة. أنصار طالبة دكتوراه في جامعة برلين الحرة، وناشطة في مجال العدالة الاجتماعية، تركز على المجتمع المدني والسيادة الغذائية وأشكال التضامن القاعدي. خلفيتها ألمانية-عراقية. تعمل في أبحاث تتناول مقاومة المجتمعات، خاصةً فيما يتعلق بقضايا تسليح أو استخدام الجوع كسلاح، وكذلك من أجل تطوير الزراعة الحضرية ومبادرات حفظ البذور المجتمعية. وقد شاركت في الكثير من الشبكات بين المزارعين والمزارعات للدفاع عن التنوع البيولوجي والممارسات الزراعية البيئية في مواجهة التدهور البيئي. أهلاً وسهلاً بكِ، أنصار.

أنصار جاسم: أهلاً بكم، شكرًا على الدعوة.

ربيع نصر: يا هلا بكما. بدايةً، لدي سؤال بسيط لكما. سنبدأ أولًا معكِ أنتِ، أنصار: لماذا اهتممتِ بقضية البيئة؟ من أين جاء هذا الاهتمام في الأساس؟

أنصار جاسم: علاقتي بالبيئة – صراحةً – مرتبطة تمامًا بسوريا، وبالأسلحة التي تم استخدامها كسلاح ضد الثورة والحراك الشعبي في سوريا، ألا وهو الحصار. الحصار على المدن والأرياف في سوريا كان دافعًا لي. فقد جعلني – ومعي حركة من الأشخاص الذين كانوا خارج سوريا ومتضامنين مع الحراك الشعبي – نفهم أنه لا يمكن لحراك شعبي أن ينجح إذا لم يكن لدى الناس سيطرة على الغذاء. وحصار الأرياف كذلك جعلنا ندرك أن السياسات التي طبّقها النظام السوري قبل الثورة – والمتمثلة في المركزية في كل شيء، بما في ذلك المجال الزراعي – أدّت إلى أن المزارعين، الذين من المفترض أن يكونوا قادرين على زراعة وإنتاج غذائنا، لم يعودوا قادرين على ذلك؛ لأن وسائل الإنتاج كانت بيد النظام، والنظام حاصرهم.

بعد ذلك، رأينا أيضًا أن أنظمة المساعدات الإغاثية أدّت نوعًا ما إلى أن السوريين الذين اضطرّوا للنزوح إلى المخيمات – أي أولئك الذين كانوا قبل ذلك يتظاهرون في الشوارع – باتوا ينتظرون الحصول على السلل الغذائية. فكل هذه القضايا مجتمعةً أدّت لدي – وأعتقد لدى الكثير من الناشطين السوريين – إلى وعي بأن قضية الغذاء شيء أساسي في حركاتنا الاجتماعية والسياسية. لذلك حاولنا أن نتعلم أكثر عن هذا الموضوع، وحاولنا بالفعل أن نبني وعيًا لدينا وفي المجتمع حول ضرورة بناء علاقة بين الفلاحين (المزارعين) وبين الناس في المدن.

ربيع نصر: عظيم. مؤيّد، أنصار جاءت إلى القضية البيئية من خلفية تتعلق بالسيادة الغذائية وارتباط بحراك مجتمعي. بالنسبة لك أنت: ما الذي أثار اهتمامك أنت بقضية البيئة؟

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، أنا مهتم بالبيئة ككل، واهتمامي منصبّ على الأثر البيئي للتكنولوجيا عمليًا. فبعد الثورة الصناعية حصل تطوّر كبير – تطوّرَ المحرك البخاري الذي هو أساس كل التكنولوجيا الحديثة الموجودة (كالسيارات ووسائل النقل) – وهذا المحرك البخاري هو أساس الحياة الحديثة كما نعرفها. الحياة الحديثة تطوّرت في الخمسينات والستينات والسبعينات، ثم تطورت التكنولوجيا كثيرًا في العقود الأخيرة، خاصةً منذ ثمانينات القرن الماضي. في الستينات والسبعينات بدأ المختصون في القطاعات الصحية – الأطباء وغيرهم – يلاحظون أن لهذه التكنولوجيا أثرًا سلبيًا؛ كالصناعة النفطية والسيارات وما إلى ذلك. بالتالي بدأ الاهتمام بهذا الجانب. لذلك سلكتُ أنا مسار الاهتمام بموضوع الآثار البيئية للتكنولوجيا وكيفية تحسينها. لأنه عمليًا لا أحد يستطيع مقاومة التكنولوجيا الحديثة؛ فهي مرتبطة جدًا بالتطور الاقتصادي، ومن الصعب مقاومة النمو الاقتصادي. ولكن بالإمكان المناورة في موضوع تخفيف الآثار البيئية لأي صناعة أو أي مجال من مجالات الحياة، لأن هذه التكنولوجيا عمليًا تمسّ كل مجالات الحياة.

ربيع نصر: عظيم، حسنًا. سأبدأ معكما أيضًا في محور آخر. كما تحدثنا، اهتماماتكما بالبيئة جاءت من دوافع مختلفة، وهذا يجعل نقاشنا اليوم غنيًا جدًا فيما أتصوّر. أود أولًا أن نتطرق إلى بعض المصطلحات. لدينا العديد من المصطلحات في الجانب الاقتصادي، مثل “الاقتصاد الأخضر”، “النمو المستدام”، “التنمية المستدامة”… لكن لدي مصطلحين أحب أن أسألكما عنهما: “الاستعمار الأخضر” الذي انتشر كثيرًا كمصطلح، و**”العدالة البيئية”**. واليوم أيضًا، قبل أن نبدأ البودكاست، أثرتَ يا مؤيّد موضوعًا يتعلق بالطاقة – وبما أنك أثرتَه – يهمني أن نتحدث عنه كذلك. لذلك سأبدأ معك، مؤيّد: حدّثنا عمّا يُقصَد بمصطلح “الاستعمار الأخضر” ومصطلح “الإبادة الإيكولوجية أو البيئية”.

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، مصطلح “الاستعمار الأخضر” ومصطلح “الإبادة الإيكولوجية” هما مصطلحات حديثة جدًا – حسب تصوري هي حديثة للغاية. حتى أنك عندما تبحث عنها في الأدبيات السياسية ونحوها، لا تجدها متداولة بشكل تقني أو شائع بين الشركات والدول. عمومًا، يشير “الاستعمار الأخضر” إلى ممارسات تقوم بها الشركات والحكومات في الدول الفقيرة أو الدول الضعيفة اقتصاديًا – أي الدول الهشّة – وذلك لتنفيذ مشاريع ضخمة يكون الهدف الظاهري منها أنها مشاريع “خضراء” أو صديقة للبيئة، ولكن في الخلفية يكون لها أثر بيئي سيء جدًا. سأضرب مثالًا عمليًا: الوقود الحيوي (البيوماس). هناك الكثير من التشجيع – مثلًا في دول في أفريقيا، وحصل ذلك في البرازيل أيضًا – حيث يأتي من يقنع مزارعًا يعمل في زراعات معينة (زراعة مثمرة مثلاً) بأن يزرع نباتات تدخل في دورة صناعة الوقود الحيوي. فعندما يحدث هذا القطع واستبدال الزراعة، يكون له أثر كبير جدًا. صحيح أن الوقود الحيوي صديق للبيئة عندما نستخدمه كوقود، ولكنه بالمقابل ذو أثر سيء جدًا على الزراعة وعلى جودة الأرض بسبب التراجع الكبير في جودة التربة؛ لأن هذه المحاصيل التي نتحدث عنها تُزرع بشكل سريع، ويتم حصادها عدة مرات في السنة، مما يسبّب إجهادًا شديدًا للتربة. وعلى المدى البعيد المستدام، تظهر مشاكل كبيرة جدًا في المجال الزراعي.

ربيع نصر: تمام. أنصار، إذا أحببتِ، وضّحي لنا أيضًا مصطلح “الإبادة البيئية”، لو سمحتِ.

أنصار جاسم: يمكنني إضافة نقطة على ما ذكره مؤيّد: مصطلح “الاستعمار الأخضر” ينبّهنا أيضًا إلى علاقة القوّة الكامنة فيه. صحيح أنك ذكرتَ المشاريع “الخضراء”، لكن هنا يجب أن نسأل: من المستفيد ومن المتضرر؟ فالذي يستفيد – بالقراءة الواقعية – هو الشمال العالمي، والذي يتضرر هو الجنوب. فعلينا دائمًا أن نُبقي مسألة علاقات القوّة هذه حاضرة في وعينا. وبالنسبة للإبادة البيئية، فأظن أن لها درجات، وقد رأينا درجات مختلفة منها أيضًا في سوريا. عمومًا يمكننا القول إنها التدمير الممنهج والمنظّم للبيئة لغاية محددة؛ ألا وهي منع الحياة عن الناس. فهي بالتالي أداة قمع. وقد رأيناها في سوريا منذ البداية: على سبيل المثال، عندما شاهدنا أولى الدبابات تمرّ عبر الحقول الزراعية باتجاه درعا لحصار المدينة – حينها ما حصل هو تدمير مقومات حياة الناس. ورأينا ذلك فيما بعد في عفرين عندما تم قطع الأشجار بشكل ممنهج. ونراه اليوم للأسف الشديد فيما يجري من حملة على المجتمعات الزراعية في الساحل وفي السويداء؛ سمعنا وشاهدنا كيف تمّت سرقة الأدوات الزراعية. فعندما لا يملك المزارعون أدواتهم، لا يمكنهم بالطبع إنتاج الغذاء للمجتمع المحلي. المأساة الكبيرة نراها اليوم في غزّة؛ فلا ينبغي أن نتحدث فقط عن إبادة للناس، بل هي بحق إبادة للبيئة أيضًا، إذ أن كل البيئة المحيطة بغزة تتعرض للدمار. ولسنوات طويلة سيكون من الصعب جدًا إعادة إعمار البيئة هناك من هذه الناحية. ونرى الشيء نفسه اليوم في جنوب لبنان.

لكن أود أن أنبّه لشيء: طبعًا عندما تُقطع الأشجار وتُحرق الغابات، فهذا أمر كارثي. لكننا نلاحظ أيضًا أن البيئة أقوى مما نتصور. فعندما نتيح المجال للمجتمعات المحلية أن تستخدم معارفها التقليدية المتوارثة عن البيئة، يصبح لديها القدرة على إعادة بناء البيئة – خاصة إذا تحدثنا مثلًا عن الحرائق في جنوب لبنان. الجيش الإسرائيلي أحرق الحقول هناك بشكل ممنهج، لكن في الوقت ذاته هذه المجتمعات المحلية لديها، عبر مئات السنين، المعرفة حول كيفية التعامل مع الحرائق الموسمية التي تتكرر سنةً بعد سنة. هذه المعرفة مهمّة جدًا وتعطينا ربما بعض الأمل أنه ليس كل ما نراه من الأعلى هو كل الحقيقة عندما نتحدث عن البيئة. عمومًا، الإبادة البيئية أيضًا تحاول منع عودة الناس. وقد رأينا ذلك فعليًا في سوريا: على سبيل المثال، قامت فصائل مختلفة – سواء النظام أو داعش أو فصائل أخرى – بسرقة البذور من الناس. هذا الأمر يؤدّي إلى أنه عندما يرجع الناس لا يستطيعون إعادة بناء بيئتهم. ففكرة الاستدامة هنا تصبح مفارقة ضمن مفهوم الإبادة.

ربيع نصر: تمامًا. مؤيّد، كيف ترى مشهد أثر 14 سنة من النزاع على البيئة؟ كيف تقرأ هذا المشهد؟ إذا حاولت أن توضح لنا، ما المحاور التي يجب النظر إليها عندما نكون أمام حرب طويلة بهذا الشكل؟

مؤيّد الشيخ حسن: في سوريا هناك قضيتان أساسيتان فيما يتعلق بالنزاع: الأولى هي أسباب النزاع المباشرة وغير المباشرة، والثانية هي نتائج النزاع المباشرة وغير المباشرة. برأيي، أحد الأسباب الأساسية جدًا التي أدّت إلى النزاع في سوريا هو العلاقة بين الاقتصاد والبيئة. سأضرب مثالًا: مثلًا ربيع، أظنك مطّلع على موجة الجفاف التي ضربت المحافظات الشرقية وشمال شرق سوريا في عامي 2007 و2008. هذه موجة جفاف أصابت محافظة الرقة ودير الزور وتسببت في نزوح – لا توجد أرقام دقيقة لكن يُقال – أكثر من مليون إنسان. كثيرون منهم نزحوا إلى أطراف مدينة دمشق. مدينة دمشق بالأصل مدينة بنيتها التحتية كانت متعبة نوعًا ما، وقدرتها الاستيعابية ضعيفة. تركّز السكان النازحون الذين هربوا بحثًا عن فرص عمل في الأحياء المحيطة بمدينة دمشق، وهذا سبّب إجهادًا على البنية التحتية لتلك المدينة. هؤلاء النازحون أصلًا فئات هشّة نوعًا ما قدموا إلى المدن بحثًا عن مصدر رزق. هناك العديد من التفسيرات التي تقول إن سببًا غير مباشر لتمركز الصراع واندلاع الاحتجاجات والثورة في محيط دمشق يرتبط بهذا الموضوع: لأنه ارتفع عدد السكان هناك فجأة، ولم تتطور البنية التحتية لتستوعبهم، فصار هناك ضغط هائل على البنية التحتية. هذا أحد الأسباب البيئية التي خلقت عمليًا مشاكل اقتصادية وكانت سببًا غير مباشر لاندلاع الاحتجاجات. هذا فيما يتعلق بالأسباب غير المباشرة.

أما من ناحية نتائج النزاع: كان للصراع تأثير على كل مجالات الحياة. الآن، الشخص الذي يذهب إلى دمشق مثلًا سيلاحظ أول ما يلاحظ وجود سحابة دخان مخيفة لم تكن موجودة من قبل. خلال 14 سنة من الحرب كانت سوريا في حالة حصار اقتصادي وأمني، الوضع الاقتصادي سيء ومتراجع، الحالة الأمنية سيئة جدًا، ولم يحدث أي تجديد للآليات أو السيارات أو وسائل النقل العامة. وبالتالي أصبحت المشكلة البيئية – عمليًا التلوث – في دمشق أسوأ بكثير. دمشق أصلًا مدينة ملوثة نوعًا ما، لكن التلوث تفاقم بشكل كبير جدًا. حتى أن الكثيرين ممن يذهبون إلى سوريا الآن يعودون وهم يعانون من مشاكل تنفسية. عمليًا، البشر في سوريا – في النهاية، من أقام في دمشق لـ15 سنة – ربما تأقلم بشكل أو بآخر مع بعض الآثار الصحية، لكن من يزور دمشق اليوم يلاحظ هذا الفرق الهائل في التلوث.

الأمر الثاني: لدينا موضوع خطير جدًا حصل في سوريا، وهو موضوع قطاع النفط. قطاع النفط، بعد أن دُمّر بشكل شبه كامل – سواء استخراج النفط أو تكريره أو صناعة النفط – اتجه الناس إلى موضوع التكرير البدائي. وهذا أمر شهدناه منذ عامي 2012 و2013 في سوريا. وقد تسبب في كوارث بيئية: تلوّث للتربة، ونتائج صحية خطيرة. صار الناس في المجتمعات المحلية يتناقلون الأخبار عن الوضع هناك. إضافةً إلى ذلك، لدينا مؤخرًا حرائق الغابات التي حصلت في سوريا. عمليًا، حصل خلال 15 سنة الكثير من الحرائق، ولكن في سنة 2025 كانت النتائج كارثية جدًا، سواء على الغابات الطبيعية بشكل عام أو على المزارعين أنفسهم؛ تأثرت محاصيلهم، فاحترقت الأراضي بما فيها بساتين الزيتون – التي هي بالأساس مصدر الرزق الوحيد لهؤلاء الناس. وبالتالي، حتى يتمكنوا من إعادة ترميم مثلاً مزارع الزيتون، سيستغرق الأمر على الأقل ما بين 5 إلى 10 سنوات. وبالتالي التأثير الاقتصادي لذلك كان كبيرًا جدًا.

هناك موضوع آخر أيضًا: استخدام الأسلحة وما خلّفته من مقذوفات وبقايا ذخائر. مثلًا منطقة مورك في ريف حماة تشتهر بإنتاج الفستق الحلبي وتصدّره لكل العالم، وهو مصدر اقتصادي أساسي لسوريا. أحد التحديات بالنسبة لأهالي مورك هو أنهم يريدون العودة للزراعة، لكنهم يواجهون تحديات كثيرة بسبب بقايا الأسلحة والذخائر الموجودة في الأراضي الزراعية. وبالتالي هناك خطوة أساسية يجب القيام بها، وهي ضمان تأمين هذه المزارع بحيث يستطيع المزارع دخول أرضه والعمل فيها بأمان.

أنصار جاسم: ويمكن أن أضيف هنا نقطة: مؤيّد، أنت ذكرت قطاع النفط. هنا نحن نتحدث في الأساس عن سياسات استخراجية. والمجتمع المحلي هو الذي يتضرر في النهاية، بينما المركز هو الذي يستفيد. هذا المنطق (الاستخراجي) مهم جدًا حاليًا – سواء داخل سوريا أو في العراق أو عالميًا: الشمال العالمي يأخذ نفط دول الجنوب، لكن المجتمعات المحلية هي التي تتحمل الأضرار البيئية والصحية دون أي نوع من التعويض. على سبيل المثال، المناطق الشرقية في سوريا هي أصلاً أكثر المناطق التي فيها بنية تحتية صحية ضعيفة جدًا؛ فلا توجد فيها أي إمكانية تقريبًا لعلاج مرضى السرطان. وهذه العبارة بحد ذاتها غريبة: الناس يعيشون في منطقة، وبسبب أنهم يعيشون في هذه المنطقة فهم معرّضون للإصابة بالسرطان، ولا يوجد علاج متوفر لهم. لذلك، بعد انتهاء النزاع ظهر مفهوم شائع جدًا في تلك المنطقة هو “العدالة الجغرافية”. والمعنى هنا أنه حين نتحدث عن المستقبل يجب ألّا نكرر ما حصل في السنوات الماضية: يجب أن نتعلم – ليس فقط من السنوات الـ14 الأخيرة، بل أيضًا من السياسات السابقة – أن العدالة الجغرافية تقصد هنا ألّا نكرر نفس نمط الاستخراج وما يرافقه من أضرار في منطقة واحدة بحيث يتحمّل أهلها كل شيء بينما يستفيد المركز وحده. أظن أن هذه الأمور من الضروري أخذها بعين الاعتبار.

ونفس الأمر بالنسبة لتناقص التنوع البيئي: أصلاً قبل الثورة كان النظام السوري – عبر ما يسمّى “الثورة الخضراء” التي تم فيها تحويل الزراعة من زراعة تقليدية إلى زراعة صناعية – قد أدى إلى تقليل التنوع البيئي. لأن النظام ركّز على أصناف معينة من البذور تعطي إنتاجية عالية، طبعًا في ظل ظروف شديدة التقييد، ولم يركز على ضرورة التنوع. التنوع مهم لأن الظروف تتغير – والدليل هو تغير المناخ؛ فالظروف تتقلب، وليس فقط أن الطقس سيصبح أكثر حرارة، بل مثلًا قد تأتي سنة فيها مطر وسنة أخرى بلا مطر. فالتنوع البيئي يساعدنا على التعامل مع هذا التغير. لكن الثورة الخضراء – التي لم تحدث فقط في دول اشتراكية التوجّه مثل سوريا وقتها، بل حدثت أيضًا في الدول الرأسمالية – أدت إلى تقليل ذلك التنوع. هذا الأمر كان موجودًا قبل الثورة.

أما أثناء الثورة – خصوصًا… العنصر البشري أيضًا سهّل هذا الأمر – عندما رأينا منظمات دولية مثلاً توزّع بذورًا هجينة من أنواع محدودة جدًا، نجد أنهم زادوا هذه المشكلة. فأظن أن هذا البعد مهم جدًا أن نأخذه بعين الاعتبار، لأن هذا النقاش ضروري لنفكر: ماذا ينبغي أن يحدث الآن حتى لا نعيد أخطاء ما قبل الثورة، ولا نفاقم المشاكل التي حدثت أثناء الحرب.

ربيع نصر: أحب أيضًا أن نسلّط مزيدًا من الضوء على موضوع المياه. فمن ناحية هناك التغيّر المناخي؛ ولكن أيضًا سلوكيات التعامل مع المياه خلال فترة السنوات الـ14 كيف كانت؟ لدينا اليوم ما يسمى “اقتصاديات المياه” – حيث يريد البعض حديثًا تحويل الماء إلى سلعة اقتصادية ليستخرجوا منها الربح. لكن لنناقش قليلًا: كيف تأثرت المياه السطحية والمياه الجوفية بالسياسات المتبعة – سواء بسبب الحصار أو الاستغلال أو الديناميات المحلية التي نشأت في فترة الحرب، حيث ظهرت طبقة تحاول استغلال اقتصاد الحرب وما يرافقها من ممارسات كاحتكار المياه والأسمدة والبذور، وحتى احتكار تجارة المنتجات الزراعية. مؤيّد، هل تود أن تسلط الضوء قليلًا على موضوع المياه؟

مؤيّد الشيخ حسن: حاليًا بشكل عام، تعاني دول منطقة شرق المتوسط من أزمة مياه حادة تتمركز بشكل خاص في سوريا والعراق. العراق حاليًا ربما ثالث أكثر بلد في العالم تأثرًا بتغيّر المناخ المرتبط بشحّ المياه. حقيقةً، المشهد العراقي مماثل في جوانب كثيرة لما هو في سوريا. بعد سقوط النظام انكشفت لدينا الحقائق – نحن أيضًا في كارثة. سأضرب أمثلة: المسطحات المائية (البحيرات) الموجودة في سوريا. عمليًا، بحيرة ميدانكي في عفرين – وهي بحيرة مشهورة جدًا في شمال سوريا – أصبحت في حالة جفاف. في درعا، سدٌّ مشهور هناك بات في حالة جفاف شديدة أيضًا. ظهرت كذلك صور لنهر العاصي (أورونت) وهو في حالة جفاف. نهر الفرات وكذلك دجلة في حالة أزمة. بالنسبة لنهرَي دجلة والفرات، هناك أبعاد سياسية متعلقة بالعلاقة مع تركيا والمشاريع والبنية التحتية الضخمة والسدود التي أنشأتها الحكومة التركية منذ 1987 وحتى اليوم. هذا الملف حقيقةً ملف سياسي مائي يتعلق بالأمن القومي، ويحتاج إلى مفاوضات جدّية حقيقية.

أما موضوع المياه في سوريا، فهناك مسألة أساسية: السياسات العامة وتعامل البلديات والحكومة والأفراد والمجتمعات المحلية مع قضية المياه. مثلًا حفر الآبار الجائر – أو لنقل الحفر العشوائي للآبار – هذا تسبب في تراجع كبير في المخزون المائي الجوفي. جميعنا نعلم أنه في سوريا، برشوة بسيطة كان بإمكان الشخص أن يحفر بئرًا في حديقة منزله. هذا الأمر في الـ15 سنة الماضية حصل بشكل واسع جدًا وتسبب بانفجار الوضع حاليًا: مدينة دمشق عطشى عمليًا. كذلك تحوّل الماء إلى سلاح حرب؛ فمثلاً في محافظة الحسكة كل سنة نسمع عن أزمة هناك ويتم الاستعانة بالهلال الأحمر والصليب الأحمر إما لإصلاح المضخات أو – بصراحة – لنقل المياه بطريقة بدائية بواسطة صهاريج المياه، وما إلى ذلك.

أنصار جاسم: هنا أيضًا، أظن أن هناك مخاطر كبيرة جدًا على عملية إعادة الإعمار. أنت ذكرت مثال الشام (دمشق) ومناطق أخرى؛ فالبنية التحتية مدمرة أصلًا، وهناك “حلول إسعافية” – إن صح التعبير – مثل استخدام الصهاريج. ويمكننا القول إن هذا نوع من الخصخصة غير المباشرة. وإذا ظننا أن هذه الحلول الإسعافية هي حلول مستدامة، فنحن مقبلون على كارثة. نرى في الدول المجاورة – وأنا الآن موجودة في لبنان – كيف أصبحت هذه “الحلول” هي الحلول الأساسية. في لبنان على سبيل المثال، مياه الشرب كلها يتم شراؤها. أي أن الماء تحوّل فعلاً إلى سلعة، وصارت هناك تجارة بالماء، ولا توجد إلا بضع شركات – وخصوصًا شركات أجنبية – تسيطر على هذا السوق. من أهم الشركات في هذا السياق شركة نستله. وستراتيجيتها عالميًا أنها عندما تجد أزمة ما، تحاول الدخول إلى سوق الماء: أولًا عبر شراكة مع علامات تجارية محلية (في سياق لبنان مثلًا علامة “صحة” Sohat)، ثم تشتري تلك الشركة المحلية. فهنا لم تحدث خصخصة من قبل الدولة لقطاع المياه، لكن حصلت هذه الخصخصة غير المباشرة على يد الشركات. وأنا أرى هذا خطرًا كبيرًا جدًا على سوريا. لذلك من المهم أن نعي ضرورة المطالبة بألا يتم تخصيص أو خصخصة البنية التحتية – لا بشكل مباشر ولا غير مباشر – بل يجب أن تبقى ملكًا عامًا، ملكًا للناس الذين ناضلوا طوال 14 سنة ليعيشوا بكرامة. وهذه الأشياء “البسيطة” – بين قوسين – مثل الحصول على الماء هي أمور أساسية جدًا.

مؤيّد الشيخ حسن: في هذا الخصوص أنا أتفق معك جدًا يا أنصار. الموضوع حساس للغاية. لدي تخوّف حقيقي من أن نتحول إلى حالة لبنان تمامًا فيما يتعلق بشراء الطاقة وشراء المياه والمصادر الأساسية للحياة – من ماء وصرف صحي وطاقة. الواقع في سوريا – كما يبدو حتى اليوم – أننا نسير في هذا الاتجاه، وهذا أمر مؤسف جدًا. لأنه عمليًا، خلال الخمسين أو الستين سنة الماضية، رغم وجود جوانب سلبية هنا أو هناك في السياسات العامة والمشاريع التي نُفّذت، إلا أنه تحقق شيء ما. مثلًا سوريا مرت بمرحلة في الثمانينات كانت هناك حسابات سياسية معينة وكان المواطنون مثلًا يعانون من تقنين الكهرباء؛ ولكن خلال العشرين سنة الأخيرة قبل 2011 تحسّن الوضع كثيرًا وتم بناء شيء: كانت هناك محطات طاقة تولّد الكهرباء بشكل أو بآخر – قد يكون لدينا الكثير من الملاحظات السلبية، ولكن ما أتذكره أنه منذ وعيت على الدنيا كان هناك كهرباء في مدينتي، ولم تكن هناك مشكلة سواء في المدن أو حتى في الأطراف (ربما في بعض أطراف سوريا كانت هناك مشاكل، ولكن عمومًا كان هناك إنجاز). الآن إذا أتينا بالسياسات الحالية وألغينا كل ما تم إنجازه، فهذه كارثة. لأن هذه المشاريع لا تُنجز في يوم وليلة؛ وعمليًا حتى الدول الكبرى اقتصاديًا تحتاج عشرات السنين لبنائها. فإذا جئنا وألغينا كل شيء ونريد البدء من جديد، فعمليًا لن نرجع حتى إلى المربع الأول، بل أتصور أننا سنتحوّل إلى واقع أسوأ من لبنان. لأن لبنان في النهاية بلد صغير سكانه 4 أو 5 ملايين، بينما سوريا بلد أكبر ومتنوع. لبنان بلد لا توجد فيه صناعة بحجم الصناعة الموجودة في سوريا. وبالتالي الموضوع خطر جدًا، وهناك تخوف حقيقي من أن نصل إلى الحالة اللبنانية.

ربيع نصر: الآن هنا أريد أن أدخل إلى موضوع السياسات فيما يتعلق بإعادة الإعمار. طبعًا لدينا آثار بيئية ضخمة جدًا – سواء على مستوى سلوك الأفراد، أو على مستوى السياسات العامة للمؤسسات المسؤولة عن الاهتمام بالقضايا البيئية – وصولًا إلى سياسات الإبادة التي بدأنا الحديث عنها. وهذه (الثقافة) لن تزول ببساطة؛ فهي شيء تم تنفيذه، فأصبح الناس يعتبرونه – للأسف – أمرًا ممكن الحدوث أو مقبولًا. لكن دعونا ننتقل إلى فكرة إعادة الإعمار. هناك بعض التوجهات… سأعطي مثالًا: الطرح الذي يقول “دَعوا السوق يحدد”. أي فكرة أنه – كما يُزعم – السوق أكثر كفاءة في إدارة الأمور. طُرح مثلًا أن نترك المياه للسوق فتتحول إلى سلعة اقتصادية. ونتيجة ذلك رأينا تقديم 105 طلب ترخيص من شركات لمياه معدنية. وللأسف، ليس لدينا أصلاً مصادر مياه معدنية تكفي لهذا الكلام، لكن الشركات صارت تأخذ مياهًا عادية وتعبئها وتسوقها على أنها مياه معدنية. ورأينا – للأسف – حالات من الغش النوعي في هذا المجال. البلد عطشان ونحن نشجع المضاربة بالمياه، أو المضاربة بأسعار المياه، للأسف.

ونفس الشيء بالنسبة للأراضي: نرى أنه لا توجد دراسة بيئية قبل أن نقرر إقامة برج أو تحويل منطقة زراعية إلى بنية تحتية خرسانية. فهناك بعض الطروحات اليوم تشبه ما طُرح في الثمانينات، وهو: “لنقم بالتوسّع لأن النمو الاقتصادي سيجعل بقية الأشياء تتحسن تلقائيًا”. هذا من ناحية.

الناحية المقابلة هي ما تحدث عنه مؤيّد: فكرة أنه توجد سياسات – مثلًا – لدعم المزارعين من أجل الحفاظ على وجودهم في أرضهم، وسياسات لدعم الطاقة بحيث نحافظ على حد الكفاف (خط الفقر) – ليس الحياة برفاهية، بل البقاء بالتوازن عند الحد الأدنى. هذا التغيير الكبير الذي يحدث حاليًا، كيف تقرآنه من منظار إعادة الإعمار؟ وكيف ترونه مقارنةً مع تجارب… أنا ذكرتُ – مؤيّد – تجربة لبنان، وهناك أيضًا العراق، ويمكننا أن ننظر في تجارب دول أخرى. سنبدأ معكِ أنصار، ثم نعود.

أنصار: حسنًا… يمكنني أن أشارك تجربة العراق، خصوصًا بالنسبة للزراعة، لأنها دائمًا مثال نناقشه فيما بيننا كنشطاء زراعيين ومزارعين. قبل قليل تحدثنا عن الخصخصة غير المباشرة؛ فيمكن هنا أن نتحدث ليس فقط عن الخصخصة المباشرة، بل أيضًا عن المصادرة. لأنه هذا ما شعرنا بأنه حدث في العراق. في العراق رأينا أنه تم استخدام استراتيجية ما سمّتها الكاتبة الأمريكية ناعومي كلاين “استراتيجية الصدمة”: تُطبّق سياسات معينة في حالة الصدمة – أي ما بعد حرب، أو ما بعد إعصار مثلاً، أو زلزال، أو ما شابه – لأنه وقتها المجتمع يكون غير قادر على مقاومة هذه السياسات. ونرى هذا الأمر أيضًا في سوريا: الناس مشغولون بأن يعيدوا بناء بيوتهم وبأن يعيشوا، فالتفاصيل التي ذكرتها عن شركات المياه مثلًا من الصعب جدًا على الناس متابعتها، وليس هناك أصلاً حيّز عام يستطيع الفرد من خلاله أن يوعي نفسه حول هذه السياسات ثم يردّ عليها. فهذه حالة الصدمة.

في العراق طبعًا – ما بعد 2003 – كنا في حالة احتلال. فهنا حدث تزاوج بين حالتين: حالة قانونية، وإعادة تشكيل هيكل معين. الاثنان جاءا معًا. وأظن أنه بإمكاننا رؤية الشيء ذاته في سوريا. من ناحية، الاحتلال في العراق شكّل مجلسًا معينًا سُمّي وقتها سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر. أصدر بول بريمر 100 أمر (قرار). أهم قرار أريد أن أتحدث عنه هو القرار رقم 81. القرار 81، صحيح أنه ليس متعلقًا مباشرةً بالزراعة، لكنه قرار حول قانون براءة الاختراع. هذا القانون كان له تأثير على البذور. كيف؟ لقد نصّ على أنه لا يحق للمزارعين استخدام البذور المسجّلة (كملكية لشركات). وسمح القانون للشركات – خصوصًا الأجنبية – بأن تسجّل كل الأصناف (البذرية) الموجودة في العراق. فأنا كفلاح، إذا استخدمتُ تلك البذور فيما بعد، أكون أرتكب جريمة. هذا القانون كان خطيرًا جدًا. ربما لاحظنا أنه لم يتم بناء دولة قوية إلى الحد الذي تستطيع أن تتابع تطبيق هذه القوانين القمعية على الأرض؛ فنرى اليوم أن المزارعين غير مكترثين أصلاً، ومعظم الناس لا تعرف القوانين التي بُنيت لاحقًا على ذلك القرار 81.

لكن أيضًا ما حصل هو أنه تم تطبيق برامج مساعدات معينة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وطبعًا، كما نعلم اليوم، هناك قرار بوقف تمويل USAID للمشاريع في سوريا – هذا الأمر أثّر كثيرًا في العالم كله، وأعرف أنه أثّر على المنظمات السورية. ولكن ما كان ينقصنا هنا هو النقاش حول أضرار سياسات USAID في السابق. في العراق رأينا أنهم طبقوا برنامجًا لإعادة الإعمار والتنمية الزراعية في العراق – على ما أذكر اسمه ARDI – وهذا البرنامج شجّع المزارعين آنذاك على استخدام بذور هجينة معينة من شركات محددة. فهنا نحن نتحدث عن جانب يخصّ اختصاصك يا مؤيّد، وهو جانب السلوكيات: هذا البرنامج شجّع المزارعين على استخدام موارد معينة تأتيهم من الخارج، من شركات معينة. وأصلاً سوق البذور العالمي تسيطر عليه أربع شركات كبيرة؛ اثنتان منها ألمانيتان، وواحدة سويسرية (وشركة أخرى صينية)، وواحدة أمريكية. فبالتالي هؤلاء عبر هذه السلوكيات غيّروا السوق تمامًا وغيّروا سلوك المزارعين. فجاء الجانب القانوني والجانب السلوكي معًا. وهذا خطر كبير كبير جدًا: ففي حالة هشّة كهذه – وسوريا اليوم أيضًا في حالة هشاشة – يمكن للقطاع الإنساني أحيانًا بشكل مقصود (كما رأينا في حالة العراق) وأحيانًا بشكل غير مقصود، أن يؤدّي إلى أن الفلاحين لا يكون لديهم استقلالية عن السوق. وبما أننا ذكرنا أن السوق مسيطَر عليه من أربع شركات، فبالتالي إذا اتفقت هذه الشركات الأربع على سياسات معينة، فيمكنها عبر هذه السياسات التي تقررها في الأعلى أن تؤثر على ما يجري على الأرض. وهذا خطر كبير كبير جدًا. سأقف عند هذا الحد.

ربيع نصر: شكرًا جزيلاً لك، أنصار. مؤيّد، ماذا لديك أيضًا حول سياسات إعادة الإعمار؟

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، ما نراه من خلال المراقبة هو أن الحكومة الحالية في سوريا تتبع سياسة تحرير الأسواق بشكل كامل. النظرة الاقتصادية النظرية تفترض أن الأسواق تضبط الأسعار بنفسها. لكن عمليًا، ما أراه في معظم الدول النيوليبرالية – في الولايات المتحدة وحتى في أوروبا – هو وجود حالة تدخل من الدولة لضبط الأسعار عند الحاجة. أي أنه لا يحدث بنسبة 100% أن يُترك أصحاب الشركات ورؤوس الأموال والمستثمرون في قطاع ما ليحددوا الأسعار بأنفسهم بلا أي تدخل. فعليًا، هناك حالة تدخل من الدولة في هذه العملية برمّتها: الدولة تتدخل في مرحلة ما من السلسلة. عمومًا، الدولة لديها أوراق ضغط على الشركات. مثلًا في فرنسا، إذا كانت لدى شركة ما سياسة سيئة أو سلبية تجاه أمر معين ورصدها المجتمع، فإن الدولة تتدخل – ليس بالضرورة بشكل مباشر – لكنها تملك أدوات مثل الضرائب. قد تكون الدولة أعطت تلك الشركة تسهيلات ضريبية معينة في مجالات محددة، فإذا اتبعت الشركة سياسة سلبية ما ولاحظها المجتمع، تتدخل الدولة هنا بالضغط عبر الضرائب لتعديل سياسات الشركة. الفكرة الأساسية هي: النظرية التي تنطلق من أن الدولة لا تتدخل بأي شيء وأن الشركات هي التي توازن السوق بنفسها – هذه فكرة غير واقعية شبه مستحيلة.

في سوريا تحديدًا، هذا الأمر شبه مستحيل، لأنك عمليًا، حتى لو كانت الشركات محلية وطنية – شركات سورية مثلاً – ولها، لنقل، 50 سنة في مجال الطاقة أو شركة زراعية عريقة في سوريا أرادت أن تتولى هذا الموضوع، حسنًا قد تحقق نوعًا من التوازن أو العدالة. لكن الواقع هو أن شركات تأتي من خارج الحدود – شركات أجنبية – وعمليًا غالبها لم يكن له وجود سابقًا على الخريطة الاقتصادية السورية. يأتيك مثلًا – سأضرب مثالًا – في موضوع بناء محطات الكهرباء: قبل أربعة أو خمسة أشهر جاءت شركة قطرية ليس لديها أي سيرة ذاتية (تجربة) في هذه الصناعة، وقالت أنا سأقوم بتنفيذ مشروع لبناء محطات توليد طاقة كهربائية غازية وما إلى ذلك. أنا أفهم أن مثل هذه المشاريع لا تقوم بها شركة واحدة؛ يجب أن تشترك عدة شركات، فكل شركة تأخذ جزءًا. لكن من المستحيل أن تأتي شركة بلا أي خبرة وتنفّذ مشروعًا كهذا في سوريا وتُمنح العقد.

الأمر الآخر: موضوع قطاع الطاقة والخصخصة. أنا أريد أن أخصخص قطاع الكهرباء في سوريا… حسنًا، هذا أمر مرتبط بالسياسات العامة. يمكنك أن تخصخص القطاع حاليًا، ولكن هل تستطيع بالمقابل رفع متوسط الرواتب في سوريا إلى 1000 أو 1500 دولار في الشهر؟ هنا السؤال. عمليًا، هل ستكون قادرًا على خلق حالة توازن إذا خصخصت؟ وإذا لم تستطع، فالناس لن يقدروا على دفع تكاليف الخدمات الأساسية. وهناك أمر أساسي آخر: بعض القطاعات أنا أراها قطاعات أمن قومي حقيقةً؛ مثل المياه والطاقة والاتصالات. هذه مسائل أمن قومي وليست مسائل ثانوية أو عبثية، وبالتالي من المفروض أن تكون السياسات مختلفة تمامًا عن الذي يحدث الآن. ما أراه أنا – عمليًا – هو أن سياسة إعادة الإعمار في سوريا حاليًا في مجالات كثيرة هي عبارة عن بيع على الورق. ليس بيعًا مباشرًا، بل بيع على الورق فقط؛ أي تعاقدات واتفاقيات نظرية بلا شيء حقيقي على الأرض. فلو أنك على الأقل تملك ضمانات بأن استثمارات حقيقية ستتم، لقلنا حسنًا هناك استثمارات وسنحاول خصخصة هذه القطاعات، وبالتوازي سنرفع معدلات الرواتب. لكن ما يحدث أكثر من ذلك: إنه بيع على الورق بلا عائد. مثلًا مثال آخر خطير حصل منذ فترة: ظهر كلام بأن وفدًا حكوميًا ذهب ليرى تجربة دول الخليج في تحلية مياه البحر. تحلية مياه البحر حلّ مطبّق في كثير من دول العالم: مطبّق في دول الخليج منذ زمن، موجود في إسرائيل، موجود في بعض المناطق في مصر. ولكن الكلام في سوريا اتجه نحو هذا الحل. عمليًا، تحلية مياه البحر هي شكل من الخصخصة دون محاولة إحياء الموجود لديك. بمعنى: أنا أريد أن أخصخص قطاع المياه، سأذهب لتحلية مياه البحر. أولًا هذا سيزيد استهلاك الطاقة بشكل كبير جدًا. إذا سأخصص (أبيع) المياه، فما الذي سيبقى لنا عمليًا؟

الأمر الآخر الذي طرحوه له علاقة بالنموذج الاقتصادي: كثر الكلام أولًا عن سنغافورة، ثم ظهر كلام عن دول الخليج. يا أخي، دول الخليج مختلفة جدًا عن سوريا؛ دول الخليج دول استثنائية في العالم. حتى العراق نوعًا ما يشبهها لكنه بوضع مختلف. أنا أرى أن وضع العراق أفضل. دول الخليج دول ريعية نفطية؛ عمليًا سواء اشتغل المواطنون هناك أم لم يشتغلوا، يدخل خزينة الدولة كل صباح مليارات الدولارات من بيع النفط. سوريا ليس لديها شيء كهذا؛ ليست دولة ريعية نفطية غنية. لذا بالنسبة لدول الخليج، لا توجد مشكلة لديهم في موضوع المياه لأن لديهم فائضًا ماليًا ضخمًا. أما في سوريا، الأمر مختلف تمامًا. تريد أن تخصخص قطاع المياه والكهرباء، والزراعة بالأصل متراجعة بسبب سياسات حكومية سابقة خاطئة جدًا، وظاهرة تغير المناخ خارجة عن إرادتنا. عمليًا، التنمية الاقتصادية ستكون سيئة جدًا وغير متوازنة إذا اتبعنا هذا الطريق.

ربيع نصر: هنا سأذكر بعض القضايا التي رأيناها خلال الأشهر الماضية: مثلًا قضية الكهرباء؛ الآن هناك حديث عن رفع فواتير الكهرباء بحوالي 800%. هذا طبعًا في إطار تحرير أسعار الطاقة. وعندما نحرر أسعار الطاقة فهذا يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وكل السلسلة الاقتصادية، وبالتالي لن يكون هناك طلب لأن الدخول ضعيفة؛ أي أنه لا توجد قدرة شرائية لدى الناس (كما ذكرتِ يا مؤيّد) لشراء السلع الأساسية. لكن الأخطر – مثلًا – أن نقول: “قطاع الزراعة فلنتركه للسوق”. في كل العالم – بما فيها أوروبا – نعرف أن قطاع الزراعة وقطاع البيئة عمومًا بحاجة لعناية خاصة؛ هما منفعة عامة. لا يصح إهمالهما هكذا، لأنه اليوم إذا أردتُ زيادة أرباحي 200% أو 300% فسوف يكون لذلك انعكاسات ضارة. مثلًا حدثت أمور نتيجة هذه السياسة كفتح باب الاستيراد على مصراعيه. دخل إلى سوريا – مثلًا – خلال فترة قصيرة ما قيمته 5 مليارات دولار من السيارات المستوردة. هذا طبعًا أثره البيئي سيء جدًا، عدا عن أن مواصفات السلع المستوردة – كالكثير من السيارات – غير منضبطة؛ فلا توجد قيود لضبط نوعية السيارات أو السلع من حيث مطابقتها للمواصفات القياسية. فأنت هنا تستورد تلوثًا حرفيًا لأنه يحقق ربحًا أكبر للتجار، مقابل أنك تغفل عن أولويات أخرى كان يجب التركيز عليها.

من هنا، أنصار، كيف ترين: مَن الذي يتضرر من فكرة تجاهل البعد البيئي – أو فلنسمها كما قال مؤيّد “بيع الأوهام” – بأننا نستطيع بناء مئة برج وفعل كذا وكذا؟ مثلًا هذه الأبراج التي يجري الحديث عنها، إضافة إلى أنها تحتاج إلى تربة صالحة ومياه صالحة وبنية تحتية وكوادر ورأس مال ومشترين، بالتكاليف الحالية حتى لو موّلت دولة خليجية بناء محطة كهرباء، فإن 90% من السوريين لن يستطيعوا شراء الخدمات أو المنتجات الصادرة عنها.

أنصار جاسم: شكرًا على السؤال. ربما لدي نقطتان: أولًا، سوريا في السنوات الماضية مرّت بأزمات كثيرة – غير الحرب نفسها التي دمّرت البنية التحتية والبيوت واضطرّت الناس للنزوح – رأينا أيضًا أزمة كورونا وأزمات أخرى. والسؤال: مَن الذي كان أول من بادر بالاستجابة السريعة؟ كان المجتمع المحلي، المجتمع المدني، وبخاصة منظماته. اليوم نرى أنه في كل هذه المسائل ليس لهذا المجتمع المدني دور كبير، مع أنه تحمل العبء الأكبر. لولا هذه المنظمات – قد يبدو الأمر غريبًا لكنه الواقع – لما وجد قطاع صحي أصلاً في أماكن مثل إدلب خلال السنوات الماضية؛ فقد قامت هذه المنظمات ببناء مستشفيات في إدلب مثلاً. فالذين تحملوا العبء في السنوات الماضية يجب أن يكون لهم دور أكبر. ولكن يجب أيضًا أن يتحول دورهم من دور مدني (إغاثي وخدمي) ربما إلى دور سياسي أو رقابي أكثر وعيًا. ما أعنيه هنا هو أنه قد يكون لهم دور في الرقابة على هذه العمليات. حاليًا لا توجد رقابة ديمقراطية على عملية الخصخصة، أو عندما تتسلم شركات معينة عقودًا من الدولة السورية. فيمكن أن يكون هناك مجال لهذه الآلية ولهذه المجموعات من الناس أن تؤدي دورًا رقابيًا.

أظن أنه من المهم دائمًا أن نطرح هذا السؤال كي نعرف الإجابة: من المتضرر الأكبر؟ من الذي يتحمل التكاليف حاليًا؟ وأنا لا أقصد فقط التكاليف المالية؛ فنحن ذكرنا سابقًا التكاليف الصحية، وكل هذه التكاليف “الجانبية” – بين قوسين – للعمليات الرأسمالية. فعادةً من يدفع الثمن هم صغار الفلاحين طبعًا، وخاصة النساء. ففي القطاع الزراعي عالميًا – وليس فقط في سوريا – غالبية العاملين هن نساء، وهؤلاء في معظم الأحيان لا يحصلن على أجر لأنهن يعملن ضمن إطار العائلة، وهذا بحد ذاته شيء كارثي. بالتالي هؤلاء يعشن الضرر مضاعفًا نتيجة هذه السياسات. طبعًا هناك فئات أخرى كثيرة أيضًا: الفئات التي لا تملك أراضي – فلاحون بلا أرض – والنازحون، والناس الذين يعودون إلى أراضيهم. أظن أن فئات واسعة هي التي تتضرر. في المقابل من السهل جدًا أن نحدد – وقد فعلتم ذلك قبل قليل – من المستفيد. لكنني أعتقد أن هناك نقطة مهمة جدًا هنا: القضية لا تُحل ببساطة عبر أن تتبنى شركات وطنية أو قومية سورية هذه المهام. فهذه الشركات لديها أيضًا نفس الفلسفة؛ هي شركات نيوليبرالية. ورأينا – نوعًا ما وبشكل غريب – استمرار سياسات النظام السابق عند هذا النظام الجديد. فلا ينبغي أبدًا أن نعتقد أن استحواذ نخبة معينة على الموارد – فقط لأنها نخبة سورية – سيحل مسألة العدالة، خاصة بالنسبة لتلك الفئات المهمشة. فلا يخطر على بال هذه النخبة أساسًا أن أولئك يستحقون نوعًا من العيش الكريم إذا كانوا خارج منطق السوق.

مؤيّد الشيخ حسن: أقصد أنه من وجهة نظري، وبالنظر إلى تجارب الدول الخارجة من صراعات مثل سوريا، يكون رأس المال الأجنبي عادةً أسوأ من رأس المال الوطني. قد يكون لكل منهما سلبيات، لكن هناك السيء وهناك الأسوأ. وفي رأيي أن رأس المال الأجنبي – خصوصًا القادم عبر شركات حديثة العهد وليست عريقة – خطير جدًا. أما في المرتبة الثانية الأقل خطرًا فقد يكون رأس المال الوطني الموجود في سوريا، وهذا ربما شيء أفضل قليلًا.

هناك نقطة أخرى أتفق معك بها تمامًا: في بلد زراعي مثل سوريا، النساء هن أكثر الفئات تضررًا في المجتمع. لأنه في كل المناطق الريفية تقريبًا يعمل معظم الناس بالزراعة، وغالبًا ما تكون الزراعة عبارة عن شركات عائلية. وبالتالي النساء هن الفئة الأكثر تضررًا ضمن هذا النموذج. وبالفعل، في الوضع الحالي في سوريا النساء تتحملن الضرر الأكبر.

ربيع نصر: طيب، إذا كان بإمكاننا القول: هل ما نتحدث عنه هنا خطاب نخبوي وغير قابل للتطبيق؟ هل لدينا تصوّر بأن قضية الاستدامة البيئية يمكن أن تنتج ثروة وفي الوقت نفسه تكون أكثر عدالة من ناحية التوزع الجغرافي وعلى مستوى الفئات الاجتماعية؟ كما ذكرنا عن النساء المتضررات – اللواتي بالمناسبة لسن فقط مزارعات، بل نعلم أيضًا ما الذي حدث في حالة النزوح أو في حالة فقدان الرجل (المقاتل) الذي ذهب لأسباب مختلفة (سواء قُتل أو أُصيب)، فتَحَمَّلت النساء فجأة العبء، ثم حاليًا تتم إعادة السيطرة على القرار مجددًا من قبل الرجال؛ أي يعود الرجل من الحرب ليعاود أخذ القرار بنفس الطريقة السابقة) – فسؤالي: هل لدينا نموذج واقعي يُظهر أن هذه المجتمعات يمكن أن تنتج مع احترام الاستدامة؟ هل يمكننا تنفيذ إعادة إعمار مستدامة تراعي الثقافة المحلية وتعيد التوازن بين القوى داخل المجتمع؟ أم أن ما نتحدث عنه هو بالفعل تنظير، والواقع يمضي فقط وفق السياسات التي نراها اليوم؟

مؤيّد الشيخ حسن: المتضرر هو الفئات الأضعف في المجتمع – هذه الفئات هي المتضررة حاليًا، وستكون أيضًا الأكثر تضررًا مستقبلًا. وبالتالي فهذا الموضوع ليس نخبويًا أبدًا. ومن المعروف أنه في حالات إعادة إعمار الدول الخارجة من الحروب، تكون هناك سياسات عشوائية، وتكون هناك حالة جَور في المواضيع الاقتصادية؛ إذ تسيطر الشركات الكبيرة وأمراء الحرب على الأمور. هذا ما نراه في سوريا حاليًا؛ أمراء الحرب صار لديهم شركات – شركات إنشاءات، وشركات لها علاقة بالطاقة، وما إلى ذلك – وهي التي تسيطر على الوضع. هناك أمر تحدثنا عنه قبل قليل حول تجربة إدلب – التي الكثير الآن يتغنّى بها – عمليًا تجربة إدلب ببساطة هي اقتصاد قائم على المساعدات الإنسانية. الحياة اليومية للمواطن هناك قائمة على المساعدات الإنسانية الدورية: من ناحية البنية التحتية (كالمشافي والمدارس وغيرها) ومن ناحية دورة اقتصادية إنتاجية بسيطة جدًا وتجارية في تلك المنطقة. نعم، تم تنظيم بعض الأمور هناك؛ مثلًا قطاع الشرطة – على سبيل المثال – تم تنظيمه بتجربة بسيطة: فُرضت ضرائب على المعابر. ولكن سأضرب مثالًا: الجامعات التي أُنشئت في إدلب – مثل جامعة إدلب – ما فعلوه أنهم نسخوا ولصقوا تجربة الدولة السورية؛ أخذوا قوانين ولوائح جامعة حلب أيام النظام (قبل الثورة)، وطبقوها كقوانين ومقررات ومواد في الجامعة. عمليًا هي تجربة مستنسخة جدًا من تجربة الحكومة السورية السابقة أيام بشار الأسد.

الأمر الثاني الآن: مثلًا المشاريع التي يُحكى عنها اليوم في وزارات النظام – مترو دمشق، أوتوسترادات عريضة – هذه كلها كانت مدرجة سابقًا ضمن خطط الحكومة السورية. يعني مترو دمشق عمليًا كان الحديث عنه قائمًا منذ 2004 و2005. وربما لديك فكرة أكثر يا ربيع حول هذا الموضوع؛ هم عمليًا فقط فتحوا الأدراج وأخرجوا الأوراق وقالوا: هذه هي إعادة الإعمار. حسنًا… أنا من أنصار نظرية استمرارية الدولة، بمعنى أنه ينبغي أن نُميّز بين الدولة والسلطة. إحدى المشاكل الأساسية التي نراها الآن هي أن الحكومة الحالية تقول لنا: “نحن الدولة” – عمليًا نفس ما كان يقوله النظام سابقًا – وهذه هي الكارثة الحقيقية بالنسبة لمستقبل سوريا. فإذا كل حكومة قادمة، أو كل سلطة معينة، ستقول “نحن الدولة”، فعمليًا سوف تنهار الدولة. وإذا انهارت الدولة فلا يمكن أن نعيد بناءها لا خلال 50 سنة ولا 100 سنة. لأن القوى الذاتية والخريطة الموجودة حاليًا في سوريا هي قوى غير قادرة على إنتاج دولة. الدولة تُبنى خلال خمسين سنة، عبر كوادر تمرّ وتروح وتأتي خلال عشرات السنين، وعبر أموال ومشاريع ضخمة. أما إذا بقينا على فكرة أن كل سلطة جديدة “هي الدولة”، فنحن سائرون باتجاه الجحيم خلال سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع على الأكثر.

أنصار جاسم: أظن أن هناك خطابًا نخبويًا بالفعل، لكن ليس في ما نتحدث عنه هنا. الخطاب النخبوي هو الخطاب الذي ينتظر: هل ستصبح سوريا دولة لامركزية أم مركزية، إلى آخره… وهو الخطاب الذي يتجاهل تمامًا الواقع الجاري على الأرض. لأن الناس على الأرض لا يستطيعون انتظار هذه القرارات؛ عليهم أن يعيشوا وأن يعملوا. وهم لم يكتفوا بالبقاء على قيد الحياة في السنوات الماضية، بل فعلوا أكثر من ذلك. خاصةً في الأشهر الماضية رأينا الكثير من الابتكارات لبدائل – بدائل متخيّلة لحياة أفضل. رأينا ابتكارات أو تجارب من نوع الاقتصاد المشترك. مثلًا في الساحل السوري هناك تجارب لمتاجر مشتركة أو تعاونيات جديدة ظهرت في الأشهر الماضية – نوع من الاقتصاد التضامني فعلاً بمعنى الكلمة. الأسعار فيها غير محددة: من يستطيع أن يدفع أكثر يدفع أكثر، ومن لا يستطيع الدفع لا يدفع لكنه يستطيع أن يأكل. لأن الواقع في سوريا هو أن غالبية الناس لا يملكون القدرة على المشاركة في السوق أصلاً، فبالتالي يجب أن يكون الردّ مناسبًا لذلك. وأنا أرى هذا الشيء يحدث ليس في الساحل فقط، بل في إدلب أيضًا. والأهم من هذا أنه توجد صلة بين هذه التجارب في المناطق المختلفة. وهذا شيء مهم جدًا وعلينا أن نقويه.

لقد رأينا – بين المزارعين مثلًا – في الأشهر الماضية أن المزارعين الذين فقدوا كل شيء في المجازر الأخيرة، تمت مساعدتهم عبر مزارعين في إدلب من خلال بذور غير هجينة (مفتوحة التلقيح)، أي بذور شعبية محلية. فالمزارعون في السويداء، الذين كانوا تحت الحصار، يستطيعون إعادة إكثار تلك البذور وزراعتها من جديد. هذا النوع من التضامن مهم جدًا ويجب أن نركز عليه. إضافة إلى ذلك، هم أيضًا يشكلون مواقف ويقومون بمبادرات. فإذا تم إنشاء – مثلاً – مكتبة بذور في مكان مثل السويداء تحت هذه الظروف، وفي أماكن أخرى كثيرة كذلك… هذا واقع لا مركزي. هؤلاء الناس لم ينتظروا قرارًا من فوق يقول لهم ماذا يفعلون؛ بل هم استجابوا للواقع الذي وجدوه من حولهم. ومن المهم جدًا أن نحاول تقوية هذا الواقع. كيف نفعل ذلك؟ يجب مثلًا أن نقوم به عبر تسليط الضوء وأيضًا فضح – بصراحة – سياسات المنظمات الإغاثية الأجنبية التي على سبيل المثال في سياقنا توزع بذورًا هجينة. لماذا توزع بذورًا هجينة؟ لم يصدر بعدُ قرار من الدولة إن كنا نريد هذا النوع من البذور أم لا. إذا لم يتم تحليل الواقع المحلي – فربما توجد بذور محلية بلدية – فبالتالي يجب استخدامها بدلًا من أن نجلب كل هذه الأمور من الخارج.

ربيع نصر: عظيم. الآن بالنسبة للسياسات الواقعية من وجهة نظرك، مؤيّد، التي تحترم فكرة الاستدامة البيئية ولكن في نفس الوقت تلبي الاحتياجات التي تحدثت عنها أنصار. اليوم الناس في أمسّ الحاجة مثلًا إلى السيادة الغذائية، إلى فرص عمل لائقة، إلى إعادة البنية التحتية. أنت حدثتني قبل تسجيل البودكاست عن فكرة رصانة الطاقة أو متانة الطاقة. برأيك، هل القضايا المتعلقة بسلوك الأفراد والشركات والمؤسسات – وحتى الجهات الحكومية ذاتها – يمكن أن تكون جسرًا لجعل السياسات صديقة للبيئة؟ أم أن هناك حاجة لشيء أكثر جذرية على مستوى سياسات الطاقة ونظرة إعادة الإعمار؟

مؤيّد الشيخ حسن: عمليًا هذه مفاهيم حديثة جدًا. موضوع رصانة الطاقة، وأداء الطاقة، وما إلى ذلك مفاهيم جديدة. طبعًا لها علاقة كبيرة جدًا بموضوع إعادة الإعمار. نحن الآن موجودون في لحظة تاريخية من عمر سوريا. نحن – كشعب سوري – قادرون على أن نحوّل هذه الألف… (أعتقد كان سيقول “هذه الألفية” أو “هذه المرحلة”) إلى فرصة تاريخية. عمليًا، في سوريا إما نستغل هذه الفرصة ونسير نحو المستقبل، أو لا نستغلها فنضيعها. لدينا نقطة انعطاف الآن هي إعادة الإعمار. إعادة الإعمار هذه إما أن نمضي بها باتجاه الاستدامة – فنتصدى لتحديات القرن الحادي والعشرين (التي هي تحديات حتى لأكبر الدول الزراعية في العالم) – أو… صراحةً الأرقام المخيفة جدًا تقول إن هناك تنبؤات مثلًا بأنه بحلول عام 2100 سترتفع درجات الحرارة 3 إلى 4 درجات مئوية بالمعدّل. وأنا أتوقع أن بلدانًا مثل العراق قد تصل الزيادة فيها إلى 7 درجات. هناك سيناريوهات سوداء كثيرة. عمليًا، مع وصولنا إلى سنة 2100… نحن أمام فرصة ذهبية في سوريا: إما أن نستغلها ونتجه نحو المستقبل، أو سندفع ثمنًا كبيرًا نتيجة السياسات التي ستُطبّق. سندفع ثمنًا غاليًا عمليًا إذا لم يكن الأثر البيئي جزءًا من الخطط التي توضع.

لأنه عمليًا يجب عليّ أن أحافظ على مواردي. ليس فقط أنني زرعتُ هذا العام ثم بعد عشر سنوات كيف سأزرع. هذا الأمر مرتبط كثيرًا بالنموذج الاقتصادي. لأننا عمليًا حتى هذه اللحظة ليس هناك نموذج واضح – مثلًا – لمدينة دمشق. مدينة دمشق أصلًا كانت تعيش ظروفًا صعبة قبل 2011، وفاقمتها الأزمة التي استمرت 15 سنة. الآن النموذج الموضوع لدمشق – الذي نراه – هو “مدينة الأبراج”. هل مدينة دمشق قادرة على تحمّل هذا النموذج؟ ما هو النموذج الاقتصادي الذي أريده؟ ما شكل مدينة دمشق الذي أخطط له؟ هذا سؤال أساسي جدًا. هل سأجعلها عاصمة أعمال (بزنس)، أم مدينة دمشق التي كانت وجهة سياحية – كانت كل الشعوب العربية تأتي لزيارتها – سأجعلها مدينة تجارية؟ هي ليست مدينة صناعية (الصناعة أساسًا محيطة بها). وبالتالي عليّ أن أحدد الهوية التي سأنتجها لمدينة دمشق. أنا أرى مثلًا مشاهد مخيفة حاليًا في دمشق: مثلًا يقومون ببناء فنادق على جبل قاسيون. جبل قاسيون جبل رملي، وفيه خطورة زلزالية عالية جدًا. هناك دراسات تقول إنه لو ضرب زلزال مدمر مدينة دمشق فإن جبل قاسيون سيكون من أكثر المتضررين، لأن الأمر يتعلق بطبيعة التربة وميكانيك التربة الخاصة بجبل قاسيون في دمشق. لقد رأينا مواجهات – حقيقةً – مثل التي تراها في العالم كله. في أوروبا مثلًا حدث أمر مشابه في حديقة الجاحظ بدمشق، وربما في حديقة عامة صغيرة أخرى في أبو رمانة: جاء مستثمر ليحوّل حديقة عامة صغيرة إلى مطعم أو مشروع استثماري؛ جاء ليقطع أشجارًا عمرها خمسون ومئة سنة. من خرج وتصدّى له؟ السكان المحليون. أي أننا بدأنا نرى مواجهات، حقيقةً، بين المستثمرين المستفيدين وبين السكان المحليين، ويمكننا أن نقول أيضًا بينها وبين النظام السياسي أو الأنظمة الاقتصادية الموجودة. هذا شيء خطير جدًا. وأتوقع أنه سيتفاقم كثيرًا في سوريا، خصوصًا عندما يتغير الواقع السياسي في مناطق زراعية كبيرة مثل شمال شرق سوريا، وأرياف حلب وغيرها، سيحدث صدام كبير جدًا.

ربيع نصر: برأيكِ أنصار، هذه فكرة الانخراط المجتمعي والتضامن التي تحدثتِ عنها، هل هي قابلة لأن تكون خارج إطار المشاريع الصغيرة المحلية؟ بمعنى: هل يمكن أن تصبح مشاريع كبرى لإعادة الإعمار؟ هل يمكن تعميم هذه الفكرة لتصبح على مستوى سياسات عامة؟ أم أنها مجرد حلول نقطية في مناطق محددة ضمن مجتمعات صغيرة؟ وقد لفتني أنكِ تحدثتِ عن السياسات الإغاثية. فكما ذكرتِ، هناك شيء يتعلق بالبذور، ولكن أيضًا هناك مسألة السلة الغذائية؛ أي أن تستوردي مواد غذائية لتوزيعها ضمن سلة على أشخاص (مثل المزارعين) هم قادرون على الإنتاج، أو أن السوق المحلية المحيطة قادرة على الإنتاج. فكان ذلك يضرب الإنتاج المحلي في وقت كان الناس بأمسّ الحاجة إلى فرص عمل. فأنا هنا فقط أحاول أن أفكر معك بصوت عال: ما إمكانية تطبيق هذا على نطاق واسع؟

أنصار جاسم: إنّه يجب أن يكون على نطاق واسع، ولكن ليس كمشاريع كبرى مركزية. فهذا الشكل يجب أن يتسع نعم، لكن لو تحوّل إلى مشاريع ضخمة مركزية فسيتناقض مع فكرة السيادة ويُفرّغها من مضمونها. أي لا نقوم – مثلًا – بالتفكير بطريقة تقليدية مركزية. لنأخذ مثال الزراعة العضوية الخالية من الكيميائيات: إذا قمنا بها على نطاق واسع جدًا وبأسلوب مركزي، فسنعود إلى زراعة أحادية (نوع واحد) على مساحة شاسعة جدًا، وهذا لا يؤدّي إلى أي نوع من السيادة. لأنه إذا – فيما بعد – في سنة من السنوات لم نكن بحاجة إلى كل تلك الكمية من البندورة، فماذا سنفعل بكل تلك الكميات؟ غير ذلك، أصلاً فكرة الزراعة البيئية مبنية على التنوع. فهي مستدامة وقوية بذاتها لأنها تضم التنوع. الحقول الصغيرة هي التي تحمي نفسها؛ مثلًا تزرع البندورة إلى جانب الريحان، لأن تلك النبتة (الريحان) لا تحبها الحشرات الضارة التي تحب البندورة. أي أن وجود المحاصيل المتنوعة جنبًا إلى جنب يوفر حماية طبيعية. هذا الشكل مهم جدًا. لكن لأنه ينبع من القاعدة ويبدو بشكل حقول صغيرة من الأسفل، فهذا لا يمنع أنه يمكن أن يكون سياسة واسعة النطاق. على العكس، ما الذي يمنع أن يكون في كل محافظة في سوريا مكتبة بذور؟ لماذا يجب أن تكون هناك مكتبة بذور مركزية واحدة؟ هذا أصلًا غير منطقي ولا مستدام. سوق مركزي أيضًا غير منطقي وغير مستدام، لا في الحرب ولا في السلم. يعني إذا زرعنا في منطقة معينة بندورة، ثم علينا أن نحرق كل هذا البنزين على الطريق حتى نحضرها إلى سوق الهال (سوق الجملة المركزي)، فكل هذا ليس مستدامًا أبدًا. خاصة إذا أدركنا فعلًا أننا في أزمة عالمية. تغير المناخ لم يأت من العدم؛ لقد جاء نتيجة سلوكيات معينة خلال المئة وخمسين سنة الأخيرة – سلوكيات رأسمالية، استهلاك مفرط للموارد – أوصلتنا إلى المرحلة التي نحن فيها الآن. وقد ذكر مؤيّد هذه النقطة: نحن اليوم لدينا فرصة في سوريا – وأنا هنا لا أتحدث بشكل رومانسي، لا أقول دعونا نخترع شيئًا جديدًا – أنا أقول إن الهياكل المجتمعية المطلوبة إما موجودة حاليًا أو تتشكّل. المناطق المختلفة تتعلم من بعضها بعضًا. مثلًا المناطق التي خلال السنوات الماضية أتيح لها أن تمارس زراعة حرة، واستطاع أهلها أن يقرروا كيف يزرعون – مثل إدلب نوعًا ما – كانت لديهم مساحة معينة لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم. أما مناطق أخرى الآن فبإمكانها أن تتعلم من تلك التجربة، وهذا التبادل يحصل بالفعل. فأنا أقول إن هذا النوع من اللامركزية هو الذي يمنح القوة والسيادة الحقيقية.

عندما تكون هناك منطقة معينة تتضرر – لنقل بسبب فيضان – فإذا كنتَ تزرع في تلك المنطقة نوعًا واحدًا فقط من المحاصيل، فأنت طوال السنة لن تحصل على ذلك المحصول. ولكن إذا كنت تنوّع وتوزّع الزراعات وتعددها، حينها ستكون في الجانب الآمن. وهذا الأمر لا يصدق في مجال الزراعة فقط؛ طبعًا هو صحيح أيضًا في مجال البناء والإعمار نفسه. كانت هناك تجارب في السنوات الماضية بخصوص التعاونيات في ريف حلب. هذا الأمر أدّى إلى أن كثيرًا من الناس الذين كانوا يعيشون – سواء في المخيمات أو تحت ظروف سيئة جدًا – صار لديهم ملكية بيت وتمكنوا من بناء شيء لأنفسهم. أعتقد أن السوريين قاموا بهذه التجارب على أصعدة كثيرة. واليوم يجب حقيقةً أن نأخذ قليلًا من الوقت لإعادة قراءة هذه التجارب. ما التجارب التي – كسياسة دولة – لو أرادت الدولة أن تفعل شيئًا مفيدًا أن تدعمها؟ ولكن بشكل… لنقل تشاركي.

مؤيّد الشيخ حسن: (مقاطعًا) هنا أحب أن أضيف تعليقًا: يتضح من كلامك أهمية اللامركزية الإدارية. هذا موضوع مهم جدًا ومرتبط بما تقولينه. عمومًا تحقيقه صعب كثيرًا في سوريا لأسباب متعددة، لكن ما تتحدثين عنه يتوافق جدًا مع فكرة اللامركزية الإدارية. يجب أن تكون هناك حالة لامركزية إدارية في سوريا للأسباب التي ذكرتِها: هناك تجارب ناجحة مختلفة من بيئة لأخرى؛ الزراعات المناسبة في ريف حلب غير مناسبة مثلًا في حمص أو غيرها. وبالتالي موضوع السياسات، وموضوع النظام الاقتصادي، والنموذج السياسي الذي نريد أن نبنيه، هذا شيء مهم جدًا. الديمقراطية أيضًا شيء مهم جدًا في الموضوع المتعلق بالسياسات البيئية.

ربيع نصر: مؤيّد، أقصد ما قلته في الأخير: أحيانًا اللامركزية قد تكون إعادة إنتاج للاستبداد على مستوى محلي. فمن الضروري بالتأكيد أن تكون الديمقراطية والتضامن هي الروح في هذا المشروع، لكي تتكامل اللامركزية والمركزية معًا لإعادة إنتاج الديمقراطية والتضامن. لأننا بكل بساطة رأينا تجارب كثيرة تحت شعار اللامركزية لكنها عمليًا كانت مجرد تقاسم نفوذ بين مستبدين. فالذي تفضلتما به مهم جدًا.

والآن أريد أن أسألك يا مؤيّد: إلى أي مدى نحن قادرون على إنتاج طاقة بديلة نظيفة في سوريا؟ هل يمكن أن يكون هذا على نطاق واسع؟

مؤيّد الشيخ حسن: عمليًا، موضوع الطاقة… بشكل عام الخطط العامة للدول لأي مشروع واسع النطاق تبدأ أولًا بتحديد هدف: مثلًا أن ننتج 30% من استطاعة الشبكة الكهربائية من الطاقات المتجددة. ولكن من الصعب جدًا القول إن بلدًا ما سينتج 50% مثلًا من طاقته عبر المتجددة؛ فعليًا لا توجد تجارب في العالم تصل لهذه النسبة. لأن الطاقات المتجددة عمليًا تلبي قطاعات معينة فقط من الحاجة الكلية. أما إذا تحدثنا علميًا: الطاقات المتجددة غير قادرة على تلبية حاجة الصناعة الثقيلة بشكل كامل. وبالتالي، برأيي توضع أهداف محددة معقولة. دول كثيرة مشابهة لوضعنا – مثل المغرب – حدّدت هدف 30% طاقة متجددة. تصوّري بالنسبة لسوريا أن أكثر من 30% (كهدف) سيكون أمرًا ممتازًا جدًا إذا تحقق. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون المصادر التقليدية أنظف؛ عمليًا نتخلص من الفيول (وقود الزيت الثقيل) ونَعتمد بشكل عام على الغاز. هذا في إطار شبكة الكهرباء العامة عمليًا التي تكون تحت إشراف الدولة.

أما في النطاقات المحلية، فأنا مع تشجيع استقلال الطاقة. بمعنى: إذا كان لدي معمل – فلا داعي لأن أشتري كهرباء من الدولة – بل أركّب نظام طاقة شمسية أو عنفة رياح… إلخ، وأعتمد على نفسي. أي أحقق استقلالية طاقية في هذا الجانب. ولكن بالنسبة للشبكة العامة، أتوقع أن أكثر من 30% سيكون صعب التحقيق في سوريا. هذه النسبة – 30% – إذا حددناها كهدف وحققناها ستكون جيدة جدًا. ويمكننا تحقيقها عبر الطاقة الشمسية؛ أنا من أنصار الطاقة الشمسية لأنها مناسبة لسوريا. موضوع طاقة الرياح أيضًا جيد، لكن الحديث عنه أشعر فيه ببعض المبالغة. يعني ما قيل مثلًا عن منطقة فتحة طرابلس في حمص: أنه يمكن أن يولد 1200 ميغاواط – أي ما يعادل استطاعة محطة حلب الحرارية – هذا الكلام برأيي موضوع مكلف جدًا. تقنيًا ليس سهلًا ومكلف ماديًا أيضًا، ويحتاج لشركات ضخمة جدًا. وبالتالي أرى أن 30% هدف جيد بالنسبة لسوريا.

عمليًا هذه الأهداف محددة ضمن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وهناك تجارب كثيرة فعلًا يمكننا الاقتداء بها. مثلًا المغرب – بلد فيه نوع من التشابه مع سوريا: بلد يعتمد على الزراعة، بلد من دول العالم الثالث… بالنسبة لموضوع التقنيات: المغرب لديه خبرات وكفاءات عالية جدًا في هذا المجال؛ الكفاءات المغربية موجودة حول العالم كله. وكذلك – أعود لكِ أنصار – المغرب أيضًا مشهور بـ التعاونيات؛ لديهم قانون خاص بالاقتصاد التضامني الاجتماعي.

ربيع نصر: سأعود إليك أنصار في هذه النقطة: كيف يمكن أن تكون العلاقة بين ما نتحدث عنه وبين العدالة الانتقالية؟ هل استدامة أكبر وتمكين أكبر للمجتمعات المحلية يمكن أن يساعد في تجاوز آثار الحرب وتجاوز ثقافة الحرب وتحقيق عدالة انتقالية أفضل؟ أي إذا أردنا ربط هذا الموضوع بمسألة العدالة.

أنصار جاسم: ربما لأنكم ذكرتم المغرب أيضًا… طبعًا المغرب تجربة مهمة جدًا، وهناك شبكة للسيادة (شبكة سيادة غذائية) يقومون بإنتاج معرفة حول هذه المواضيع ونحن على تواصل معهم. هذه المسائل التي نتحدث عنها لسنا فقط نحاول أن نحلل الأضرار أو الدروس المستفادة السيئة من البلدان الأخرى – ذكرنا لبنان والعراق – بل نحاول أيضًا أن نستفيد من الدروس الجيدة. فإنتاج المعرفة القادم من المغرب، وكذلك الشبكات المعنية بالسيادة الغذائية التي تنشأ في لبنان، كلها تجارب مهمة جدًا. والآن – نعم – العمل النقابي كذلك… يعني هذه أمور مهمة جدًا. التعلم يجب أيضًا أن يحدث عبر الحدود. لكنني أحاول دائمًا أن أقول: بالتأكيد لدي مواقفي ورغباتي، ولكن أرى أن هذه الأمور تحدث فعلًا؛ هذا التبادل – تبادل المعرفة – يحدث.

بالنسبة لسؤالك: أظن أن العدالة البيئية هي جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية. أي لا يمكننا أن نفكر بفكرة العدالة بصورة منفصلة عن إطار العدالة الاجتماعية. إذا حصرنا مفهوم العدالة الانتقالية فقط في موضوع الجرائم والمرتكبين وما إلى ذلك، أعتقد أننا سنفقد شيئًا مهمًا جدًا. شيء يتعلق بالمشاركة: كيف يستطيع الناس المشاركة في هذه العملية؟ وإذا كانوا مشغولين فقط بالبقاء (على قيد الحياة)، فكيف سيستطيعون المشاركة في العمليات الديمقراطية؟ كيف يمكنهم أن يشاركوا في النقاش حول كيف يتصوّرون العدالة الانتقالية؟ فمن المهم جدًا أن يتم دعم تلك الفعاليات – الأنشطة التي رأيناها – والتي تقوي الناس حاليًا. ذكرنا الاقتصاد التضامني وما شابهه، وأظن أن هذه الأفعال نفسها هي جزء من العدالة الانتقالية. إذا رأينا أن الناس كوّنوا شبكات فيما بينهم عبر مناطق مختلفة، هذه المناطق ربما طوال 14 سنة لم تكن لديهم أي إمكانية للتواصل فيما بينهم أو للتعرف على بعضهم. فشيء مثل الاقتصاد التضامني – كأن يتم إنتاج بضاعة معينة في مكان ما وتُباع في مكان آخر عبر ذلك المحل التضامني الذي ذكرته – هذا الشيء يفتح مجالًا للحوار بين الناس. ولكنه على صعيد أبدًا ليس نخبويًا أو فلسفيًا بعيدًا عن واقع الناس، بل هو متعلق بشيء يمس حياتهم اليومية مباشرة. فلذلك أعتقد أنه جزء أساسي من العدالة الانتقالية ذاتها.

وأعيد التذكير أنه عندما رأينا الناس يتشاركون البذور ويتبادلونها فيما بينهم خلال الأشهر الماضية، رأيت في ذلك جزءًا من التعويض أو جبر الضرر الذي يحدث بين الناس أنفسهم. هذا يحصل واقعًا فيما بينهم، وهذا الأمر مهم جدًا. ويعيد تذكيرنا بأن الدولة لها دور مهم جدًا – خاصة في موضوع الجرائم التي حدثت وتحدث وملاحقتها – لكن المجتمع أيضًا له دور مهم جدًا، وهذا الدور سيبقى موجودًا. اليوم عندما نتحدث عن دور المجتمع المدني أو الأحزاب… الأحزاب لن تأخذ دور المجتمع المدني، وكل هذه الجهات مطلوبة لتشكيل مجتمع ديمقراطي. المجتمع الديمقراطي يحتاج كل هذه الأبعاد. المجتمع الديمقراطي بحاجة لاقتصاد تضامني، بحاجة إلى ألّا يعيش الناس في فقر – لأن الناس إذا عاشوا في فقر لن يستطيعوا المشاركة – الناس بحاجة إلى أن يتمكنوا من المشاركة في كل العمليات المختلفة.

ربيع نصر: عظيم. طبعًا حديث شيّق جدًا والكثير من القضايا بالغة الأهمية. أحب أن أسمع منكما إذا لديكما أي شيء تضيفانه قبل أن نختم.

مؤيّد الشيخ حسن: أنا أحب أن أضيف بسرعة نقطة تتعلق بموضوع علاقة الديمقراطية بالسياسات البيئية. هذا موضوع مهم جدًا جدًا عمليًا. لأنه في النهاية المتضرر الحقيقي هو المواطن، هم السكان المحليون. إذا لم تكن هناك صيغة تمثيلية للسكان المحليين تكون مقنعة ومرضية أمام الدولة كجهة حاكمة، فستحدث حالات احتكاك وصدام كبيرة مستقبلًا في سوريا. سأضرب مثالًا سريعًا حصل قبل يومين أو ثلاثة: موضوع مجلس البرلمان (مجلس الشعب)، حيث حصلت تعيينات بشكل مباشر (من قبل السلطة بدلاً من انتخابات). برأيي هذا خطأ كبير؛ لا يجوز أن يتم تعيين ممثلي المجتمعات اليوم. أيضًا منذ يومين في حلب، أصدر محافظ حلب تعميمًا بصيغة قانونية لا أعرف من أين أتى بها، سماها “مسؤول الكتلة”. قسّم مدينة حلب إلى كتل؛ كل بضعة أحياء شكّلت كتلة، وعيّن عليها أشخاصًا. أي قال: هذا الشخص مسؤول هذه الكتلة، أو مدير هذه الكتلة. لا أحد يعرف ما معنى ذلك. هل هو مثل المختار مثلًا؟ عمليًا من الضروري جدًا أن تكون هناك حالة تمثيلية حقيقية. لأنه إذا ستأتي الحكومة وتعيّن محافظًا لحلب، ومحافظ حلب سيعيّن هؤلاء مسؤولي الكتل… غدًا إذا قال المحافظ: حي مثل حي الميسّر – وهو حي متضرر شبه مهدّم في حلب القديمة – “أريد أن أهدمه وأقيم فيه بنايات حديثة”، إذا كان المختار والمسؤول عن هذا الحي (والذي من المفترض أن يكون ممثلًا للسكان المحليين) هو نفسه مُعيَّن (من السلطة) ولن يدافع عن الشعب، عن السكان المحليين، في وجه هذه السياسة… فهذه مشكلة. حقيقةً أهم شيء هو موضوع الديمقراطية التمثيلية بشكل من الأشكال – هذا ضروري جدًا.

أنا لن أتحدث عن ديمقراطيات عريقة مثل ألمانيا أو سويسرا، لكن يجب أن توجد حالة تمثيلية حقيقية. إذا لم توجد حالة تمثيلية، فأنا أتصوّر أن حياة البشر ستكون أسوأ بكثير. حياة البشر وأرزاقهم وممتلكاتهم العامة… ممكن الواحد بيته نفسه… مثلًا لدي بيت في حيِّي – لنقل حي الأنصاري في حلب – وهو مهدّم. بيتي هذا… حسنًا، إذا جاءوا وكل الكوادر الموجودين من طرف الحكومة، والحكومة أعطت المنطقة لشركة وقالت: “أريد أن أهدم حي الأنصاري”، فماذا يمكنني أن أفعل عمليًا؟ وكل ملكيتي في هذه الحياة هي ذلك البيت الذي أطمح للعودة إليه. وبالتالي موضوع الديمقراطية – بمعنى وجود التمثيل الحقيقي بشكل من الأشكال – مهم جدًا.

ربيع نصر: شكرًا جزيلًا على هذه الخاتمة من جهتك يا مؤيّد. ماذا عنك أنصار؟

أنصار جاسم: ربما فقط باختصار… تحدثنا اليوم كثيرًا عن الاستقرار. ومن المهم جدًا أن الاستقرار لا يُفرَض من فوق. وأظن أنه يجب علينا أن نذكر أيضًا الدول الأوروبية التي يهمها كثيرًا – منذ اليوم الأول بعد سقوط النظام – أن تبني علاقات مع الحكومة الجديدة (المؤقتة) بهدف إعادة السوريين من أوروبا إلى سوريا. من المهم أن نذكّرهم بأن الاستقرار ينمو من تحت؛ الاستقرار ينمو من خلال الرعاية المتبادلة، والتعاون، والمسؤولية المشتركة.

ربيع نصر:
حقًا، النقاش ممتع جدًا وأودّ أن يستمر. وإن شاء الله تتاح لنا فرص في المستقبل لحوارات – وربما أبحاث مشتركة – نتعمق فيها أكثر. أشكركم على المساهمات الغنية وهذه الحلقة المفيدة.

مؤيّد: شكرًا، شكرًا ربيع على هذه الفرصة.

أنصار: شكرًا جزيلًا.

 كنتم تستمعون إلى بودكاست «سوريا، حوارات بديلة» ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

Episode references:
مصادر الحلقة:

سوريا بعد الصراع:  تقييم تأثير الحرب على البيئة

Agriculture and Food Sovereignty in Syria — Ansar Jasim

https://lb.boell.org/en/2017/10/04/agriculture-and-food-sovereignty-syria?utm_source=chatgpt.com

الزراعة والسيادة الغذائية في سوريا – أنصار جاسم

https://lb.boell.org/ar/2017/11/06/lzr-wlsyd-lgdhyy-fy-swry?utm_source=chatgpt.com

Cities of Dignity
في هذا الكتاب الجماعي تُقدّم أنصار جاسم سردًا لحركة “بستان الخامسة عشرة” كنموذج للمناورة المحلية في ظل الحصار والنزاع، كجزء من تجربة السيادة الغذائية في سوريا.

https://beyonddevelopment.net/wp-content/uploads/2020/11/Cities-of-Dignity.pdf?utm_source=chatgpt.com

Local Economies in Syria – Divisions and Dependencies

https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/15702.pdf?utm_source=chatgpt.com

العربي الجديد – سلسلة مقالات تحليلية لمؤيد الشيخ حسن
يقدّم قراءة في كيفية تعامل الدول العربية مع التحول الطاقي، والتناقض بين الخطاب البيئي الرسمي والواقع الاقتصادي

https://www.alaraby.co.uk/author/20816/%D9%85%D8%A4%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%AD%D8%B3%D9%86.

مقال تحليلي: القارة القطبية الشمالية.. مصائب قوم عند قوم فوائد
“الساحل الغني” كنموذج لمكافحة تغير المناخ
جيفونز واقتصاديات البيئة وتغير المناخ
شرق المتوسط وشمال إفريقيا تحت تهديد مخاطر مناخية غير مسبوقة

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

     البودكاست
     الحلقة 22                –                15 ديسمبر، 2025
     البودكاست

الاستدامة البيئية والسياسات النيوليبرالية مع أنصار جاسم ومؤيّد الشيخ حسن

     الحلقة 21                –                15 ديسمبر، 2025
                     –                هذه الحلقة باللغة العربية

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، يستضيف ربيع نصر كلًّا من أنصار جاسم (باحثة في السيادة الغذائية والعدالة البيئية) ومؤيّد الشيخ حسن (مهندس مختص في الطاقات المتجددة والعدالة المناخية)، لنقاش حول أثر السياسات النيوليبرالية على البيئة في سوريا والمنطقة.
نتناول كيف تساهم الخصخصة وتراجع دور الدولة في تقويض الاستدامة البيئية، ولماذا تُعد العدالة الجغرافية والمجتمعية شرطًا ضروريًا لأي سياسة بيئية عادلة.

 أبرز المحاور:
– مفهومي “الاستعمار الأخضر” و”الإبادة البيئية” في سياق الصراع والنزاع.
– خصخصة المياه والطاقة كتهديد للعدالة الجغرافية والاجتماعية.
– أمثلة عن تدهور البيئة: التكرير البدائي، تلوّث المدن، حرائق الغابات، وانهيار التنوّع الزراعي.
– نقد سياسات إعادة الإعمار النيوليبرالية وأثرها على البيئة.
– هل خطاب البيئية خطا نخبوي؟
– التضامن والانخراط المجتمعي ودورها في السيادة الغذائية
– مخاطر سيطرة رأس المال الأجنبي والشركات الكبرى على الموارد بعد الحرب.
– طرح بدائل مجتمعية: الزراعة البيئية، مكتبات البذور، التعاونيات، ومشاريع الاقتصاد التضامني.
– آفاق الطاقة المتجددة في سوريا 
– العلاقة بين العدالة البيئية والعدالة الانتقالية في بناء سوريا جديدة.

عن ضيوف الحلقة:

 أنصار جاسم:
باحثة وناشطة تهتم بقضايا السيادة الغذائية، العدالة البيئية، والاقتصاد السياسي. لها خبرة بحثية وميدانية في سوريا والعراق، وتعمل على إبراز الصلة بين السياسات الاقتصادية التمييزية وتدهور البيئة. تركز في عملها على توثيق الأثر البيئي للنزاعات، والدفاع عن الحقوق البيئية للمجتمعات المحلية.

 مؤيّد الشيخ حسن:
مهندس مختص في الطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة، وعضو في جمعية فرنسية تعمل على نشر ثقافة العدالة المناخية في بلدان الجنوب. يعمل على مشاريع الانتقال الطاقي وربط التكنولوجيا بالحاجة المجتمعية، مع اهتمام خاص بتمكين الفئات الهشّة من الوصول إلى الطاقة والموارد البيئية العادلة.

 يدير الحوار: ربيع نصر – مدير المركز السوري لبحوث السياسات.
  إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست «سوريا، حوارات بديلة». نفتتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء المحلية منها أو العابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. تأتيكم هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.

ربيع نصر: تحياتي للجميع وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست «سوريا، حوارات بديلة». طبعًا، يُنتَج هذا البودكاست من قبل المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت. في هذه السلسلة المتعلقة بالسياسات النيوليبرالية، لدينا اليوم حلقة مميزة ومهمة جدًا – أعتقد أنها تهم جميع شرائح المجتمع المعنيّة بالتنمية المستدامة. كما نعلم مدى الخطورة التي يشكّلها التغيّر المناخي على الصعيد العالمي، بالإضافة إلى التحديات القائمة على مستوى المنطقة، وخاصةً في سوريا. طبعًا، النزاع خلّف آثارًا بيئية مؤسفة، واستمرّ هذا التدهور البيئي لمدة 14 سنة بشكل استثنائي. كان هناك تدهور سابق أيضًا، لكن النزاع شكّل تحدّيًا كبيرًا جدًا، سواء من ناحية زيادة معدلات التلوّث أو تدمير الموارد الطبيعية. في هذا الصدد، ومع سقوط نظام الأسد والنظر في مشاريع إعادة الإعمار، نحاول أن نرى ما هو الإنتاج المعرفي الذي يمكّننا من بناء مشاريع وسياسات ومبادرات صديقة للمجتمع وصديقة للبيئة، بحيث لا تعيد إنتاج منظومة الاستغلال نفسها ولا تؤثر سلبًا على البيئة.

ولمناقشة هذه المواضيع المهمّة جدًا، يسعدنا أن يكون معنا المهندس مؤيّد شيخ حسن، المتخصص في الطاقات المتجددة وعضو مجلس إدارة جمعية الطاقة والتنمية وحماية البيئة الفرنسية، والباحثة أنصار جاسم، طالبة الدكتوراه في جامعة برلين الحرة وناشطة في قضايا السيادة الغذائية والعدالة البيئية والاقتصاد السياسي. أهلاً وسهلاً بكم أنصار ومؤيّد.

مؤيّد الشيخ حسن: أهلاً وسهلاً، أهلًا بالجميع… تحياتي لكِ يا أنصار.

أنصار جاسم: أهلاً بكم، شكرًا على الدعوة.

ربيع نصر: يا هلا بكما. قبل أن نبدأ حوارنا اليوم، أود أن أشير إلى أنه سيكون في وصف الحلقة روابط لكتابات أنصار ومؤيّد، فأرجو منكم الاطلاع عليها، فهي أبحاث ومقالات غنيّة جدًا. الآن، سأبدأ بالتعريف بمؤيّد. درس الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب بسوريا، ثم تابع دراسات عليا في فرنسا في جامعة أميان والمدرسة الوطنية العليا والمعهد العام في ليون. وكما ذكرنا، يعمل على قضايا تحوّل الطاقة وحلول تغير المناخ؛ بدأ كمهندس في تطوير أبحاث خاصة ضمن عدة مشاريع أوروبية، ثم عمل في القطاع الخاص، وهو حاليًا مدير مشاريع في الإدارة المركزية لوزارة الطاقة والتحوّل البيئي في العاصمة الفرنسية باريس. وهو يكتب في الصحافة حول قضايا التنمية المستدامة والسياسات العامة كذلك. أهلاً وسهلاً بك مؤيّد.

مؤيّد الشيخ حسن: أهلًا أهلًا، شكرًا على الدعوة، شكرًا… تشرّفنا بك.

ربيع نصر: وأيضًا معنا الباحثة المميزة أنصار. هي باحثة في العلوم السياسية، وهذا أمر مهم جدًا من ناحية الربط بين الاختصاصات المختلفة والبيئة. أنصار طالبة دكتوراه في جامعة برلين الحرة، وناشطة في مجال العدالة الاجتماعية، تركز على المجتمع المدني والسيادة الغذائية وأشكال التضامن القاعدي. خلفيتها ألمانية-عراقية. تعمل في أبحاث تتناول مقاومة المجتمعات، خاصةً فيما يتعلق بقضايا تسليح أو استخدام الجوع كسلاح، وكذلك من أجل تطوير الزراعة الحضرية ومبادرات حفظ البذور المجتمعية. وقد شاركت في الكثير من الشبكات بين المزارعين والمزارعات للدفاع عن التنوع البيولوجي والممارسات الزراعية البيئية في مواجهة التدهور البيئي. أهلاً وسهلاً بكِ، أنصار.

أنصار جاسم: أهلاً بكم، شكرًا على الدعوة.

ربيع نصر: يا هلا بكما. بدايةً، لدي سؤال بسيط لكما. سنبدأ أولًا معكِ أنتِ، أنصار: لماذا اهتممتِ بقضية البيئة؟ من أين جاء هذا الاهتمام في الأساس؟

أنصار جاسم: علاقتي بالبيئة – صراحةً – مرتبطة تمامًا بسوريا، وبالأسلحة التي تم استخدامها كسلاح ضد الثورة والحراك الشعبي في سوريا، ألا وهو الحصار. الحصار على المدن والأرياف في سوريا كان دافعًا لي. فقد جعلني – ومعي حركة من الأشخاص الذين كانوا خارج سوريا ومتضامنين مع الحراك الشعبي – نفهم أنه لا يمكن لحراك شعبي أن ينجح إذا لم يكن لدى الناس سيطرة على الغذاء. وحصار الأرياف كذلك جعلنا ندرك أن السياسات التي طبّقها النظام السوري قبل الثورة – والمتمثلة في المركزية في كل شيء، بما في ذلك المجال الزراعي – أدّت إلى أن المزارعين، الذين من المفترض أن يكونوا قادرين على زراعة وإنتاج غذائنا، لم يعودوا قادرين على ذلك؛ لأن وسائل الإنتاج كانت بيد النظام، والنظام حاصرهم.

بعد ذلك، رأينا أيضًا أن أنظمة المساعدات الإغاثية أدّت نوعًا ما إلى أن السوريين الذين اضطرّوا للنزوح إلى المخيمات – أي أولئك الذين كانوا قبل ذلك يتظاهرون في الشوارع – باتوا ينتظرون الحصول على السلل الغذائية. فكل هذه القضايا مجتمعةً أدّت لدي – وأعتقد لدى الكثير من الناشطين السوريين – إلى وعي بأن قضية الغذاء شيء أساسي في حركاتنا الاجتماعية والسياسية. لذلك حاولنا أن نتعلم أكثر عن هذا الموضوع، وحاولنا بالفعل أن نبني وعيًا لدينا وفي المجتمع حول ضرورة بناء علاقة بين الفلاحين (المزارعين) وبين الناس في المدن.

ربيع نصر: عظيم. مؤيّد، أنصار جاءت إلى القضية البيئية من خلفية تتعلق بالسيادة الغذائية وارتباط بحراك مجتمعي. بالنسبة لك أنت: ما الذي أثار اهتمامك أنت بقضية البيئة؟

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، أنا مهتم بالبيئة ككل، واهتمامي منصبّ على الأثر البيئي للتكنولوجيا عمليًا. فبعد الثورة الصناعية حصل تطوّر كبير – تطوّرَ المحرك البخاري الذي هو أساس كل التكنولوجيا الحديثة الموجودة (كالسيارات ووسائل النقل) – وهذا المحرك البخاري هو أساس الحياة الحديثة كما نعرفها. الحياة الحديثة تطوّرت في الخمسينات والستينات والسبعينات، ثم تطورت التكنولوجيا كثيرًا في العقود الأخيرة، خاصةً منذ ثمانينات القرن الماضي. في الستينات والسبعينات بدأ المختصون في القطاعات الصحية – الأطباء وغيرهم – يلاحظون أن لهذه التكنولوجيا أثرًا سلبيًا؛ كالصناعة النفطية والسيارات وما إلى ذلك. بالتالي بدأ الاهتمام بهذا الجانب. لذلك سلكتُ أنا مسار الاهتمام بموضوع الآثار البيئية للتكنولوجيا وكيفية تحسينها. لأنه عمليًا لا أحد يستطيع مقاومة التكنولوجيا الحديثة؛ فهي مرتبطة جدًا بالتطور الاقتصادي، ومن الصعب مقاومة النمو الاقتصادي. ولكن بالإمكان المناورة في موضوع تخفيف الآثار البيئية لأي صناعة أو أي مجال من مجالات الحياة، لأن هذه التكنولوجيا عمليًا تمسّ كل مجالات الحياة.

ربيع نصر: عظيم، حسنًا. سأبدأ معكما أيضًا في محور آخر. كما تحدثنا، اهتماماتكما بالبيئة جاءت من دوافع مختلفة، وهذا يجعل نقاشنا اليوم غنيًا جدًا فيما أتصوّر. أود أولًا أن نتطرق إلى بعض المصطلحات. لدينا العديد من المصطلحات في الجانب الاقتصادي، مثل “الاقتصاد الأخضر”، “النمو المستدام”، “التنمية المستدامة”… لكن لدي مصطلحين أحب أن أسألكما عنهما: “الاستعمار الأخضر” الذي انتشر كثيرًا كمصطلح، و**”العدالة البيئية”**. واليوم أيضًا، قبل أن نبدأ البودكاست، أثرتَ يا مؤيّد موضوعًا يتعلق بالطاقة – وبما أنك أثرتَه – يهمني أن نتحدث عنه كذلك. لذلك سأبدأ معك، مؤيّد: حدّثنا عمّا يُقصَد بمصطلح “الاستعمار الأخضر” ومصطلح “الإبادة الإيكولوجية أو البيئية”.

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، مصطلح “الاستعمار الأخضر” ومصطلح “الإبادة الإيكولوجية” هما مصطلحات حديثة جدًا – حسب تصوري هي حديثة للغاية. حتى أنك عندما تبحث عنها في الأدبيات السياسية ونحوها، لا تجدها متداولة بشكل تقني أو شائع بين الشركات والدول. عمومًا، يشير “الاستعمار الأخضر” إلى ممارسات تقوم بها الشركات والحكومات في الدول الفقيرة أو الدول الضعيفة اقتصاديًا – أي الدول الهشّة – وذلك لتنفيذ مشاريع ضخمة يكون الهدف الظاهري منها أنها مشاريع “خضراء” أو صديقة للبيئة، ولكن في الخلفية يكون لها أثر بيئي سيء جدًا. سأضرب مثالًا عمليًا: الوقود الحيوي (البيوماس). هناك الكثير من التشجيع – مثلًا في دول في أفريقيا، وحصل ذلك في البرازيل أيضًا – حيث يأتي من يقنع مزارعًا يعمل في زراعات معينة (زراعة مثمرة مثلاً) بأن يزرع نباتات تدخل في دورة صناعة الوقود الحيوي. فعندما يحدث هذا القطع واستبدال الزراعة، يكون له أثر كبير جدًا. صحيح أن الوقود الحيوي صديق للبيئة عندما نستخدمه كوقود، ولكنه بالمقابل ذو أثر سيء جدًا على الزراعة وعلى جودة الأرض بسبب التراجع الكبير في جودة التربة؛ لأن هذه المحاصيل التي نتحدث عنها تُزرع بشكل سريع، ويتم حصادها عدة مرات في السنة، مما يسبّب إجهادًا شديدًا للتربة. وعلى المدى البعيد المستدام، تظهر مشاكل كبيرة جدًا في المجال الزراعي.

ربيع نصر: تمام. أنصار، إذا أحببتِ، وضّحي لنا أيضًا مصطلح “الإبادة البيئية”، لو سمحتِ.

أنصار جاسم: يمكنني إضافة نقطة على ما ذكره مؤيّد: مصطلح “الاستعمار الأخضر” ينبّهنا أيضًا إلى علاقة القوّة الكامنة فيه. صحيح أنك ذكرتَ المشاريع “الخضراء”، لكن هنا يجب أن نسأل: من المستفيد ومن المتضرر؟ فالذي يستفيد – بالقراءة الواقعية – هو الشمال العالمي، والذي يتضرر هو الجنوب. فعلينا دائمًا أن نُبقي مسألة علاقات القوّة هذه حاضرة في وعينا. وبالنسبة للإبادة البيئية، فأظن أن لها درجات، وقد رأينا درجات مختلفة منها أيضًا في سوريا. عمومًا يمكننا القول إنها التدمير الممنهج والمنظّم للبيئة لغاية محددة؛ ألا وهي منع الحياة عن الناس. فهي بالتالي أداة قمع. وقد رأيناها في سوريا منذ البداية: على سبيل المثال، عندما شاهدنا أولى الدبابات تمرّ عبر الحقول الزراعية باتجاه درعا لحصار المدينة – حينها ما حصل هو تدمير مقومات حياة الناس. ورأينا ذلك فيما بعد في عفرين عندما تم قطع الأشجار بشكل ممنهج. ونراه اليوم للأسف الشديد فيما يجري من حملة على المجتمعات الزراعية في الساحل وفي السويداء؛ سمعنا وشاهدنا كيف تمّت سرقة الأدوات الزراعية. فعندما لا يملك المزارعون أدواتهم، لا يمكنهم بالطبع إنتاج الغذاء للمجتمع المحلي. المأساة الكبيرة نراها اليوم في غزّة؛ فلا ينبغي أن نتحدث فقط عن إبادة للناس، بل هي بحق إبادة للبيئة أيضًا، إذ أن كل البيئة المحيطة بغزة تتعرض للدمار. ولسنوات طويلة سيكون من الصعب جدًا إعادة إعمار البيئة هناك من هذه الناحية. ونرى الشيء نفسه اليوم في جنوب لبنان.

لكن أود أن أنبّه لشيء: طبعًا عندما تُقطع الأشجار وتُحرق الغابات، فهذا أمر كارثي. لكننا نلاحظ أيضًا أن البيئة أقوى مما نتصور. فعندما نتيح المجال للمجتمعات المحلية أن تستخدم معارفها التقليدية المتوارثة عن البيئة، يصبح لديها القدرة على إعادة بناء البيئة – خاصة إذا تحدثنا مثلًا عن الحرائق في جنوب لبنان. الجيش الإسرائيلي أحرق الحقول هناك بشكل ممنهج، لكن في الوقت ذاته هذه المجتمعات المحلية لديها، عبر مئات السنين، المعرفة حول كيفية التعامل مع الحرائق الموسمية التي تتكرر سنةً بعد سنة. هذه المعرفة مهمّة جدًا وتعطينا ربما بعض الأمل أنه ليس كل ما نراه من الأعلى هو كل الحقيقة عندما نتحدث عن البيئة. عمومًا، الإبادة البيئية أيضًا تحاول منع عودة الناس. وقد رأينا ذلك فعليًا في سوريا: على سبيل المثال، قامت فصائل مختلفة – سواء النظام أو داعش أو فصائل أخرى – بسرقة البذور من الناس. هذا الأمر يؤدّي إلى أنه عندما يرجع الناس لا يستطيعون إعادة بناء بيئتهم. ففكرة الاستدامة هنا تصبح مفارقة ضمن مفهوم الإبادة.

ربيع نصر: تمامًا. مؤيّد، كيف ترى مشهد أثر 14 سنة من النزاع على البيئة؟ كيف تقرأ هذا المشهد؟ إذا حاولت أن توضح لنا، ما المحاور التي يجب النظر إليها عندما نكون أمام حرب طويلة بهذا الشكل؟

مؤيّد الشيخ حسن: في سوريا هناك قضيتان أساسيتان فيما يتعلق بالنزاع: الأولى هي أسباب النزاع المباشرة وغير المباشرة، والثانية هي نتائج النزاع المباشرة وغير المباشرة. برأيي، أحد الأسباب الأساسية جدًا التي أدّت إلى النزاع في سوريا هو العلاقة بين الاقتصاد والبيئة. سأضرب مثالًا: مثلًا ربيع، أظنك مطّلع على موجة الجفاف التي ضربت المحافظات الشرقية وشمال شرق سوريا في عامي 2007 و2008. هذه موجة جفاف أصابت محافظة الرقة ودير الزور وتسببت في نزوح – لا توجد أرقام دقيقة لكن يُقال – أكثر من مليون إنسان. كثيرون منهم نزحوا إلى أطراف مدينة دمشق. مدينة دمشق بالأصل مدينة بنيتها التحتية كانت متعبة نوعًا ما، وقدرتها الاستيعابية ضعيفة. تركّز السكان النازحون الذين هربوا بحثًا عن فرص عمل في الأحياء المحيطة بمدينة دمشق، وهذا سبّب إجهادًا على البنية التحتية لتلك المدينة. هؤلاء النازحون أصلًا فئات هشّة نوعًا ما قدموا إلى المدن بحثًا عن مصدر رزق. هناك العديد من التفسيرات التي تقول إن سببًا غير مباشر لتمركز الصراع واندلاع الاحتجاجات والثورة في محيط دمشق يرتبط بهذا الموضوع: لأنه ارتفع عدد السكان هناك فجأة، ولم تتطور البنية التحتية لتستوعبهم، فصار هناك ضغط هائل على البنية التحتية. هذا أحد الأسباب البيئية التي خلقت عمليًا مشاكل اقتصادية وكانت سببًا غير مباشر لاندلاع الاحتجاجات. هذا فيما يتعلق بالأسباب غير المباشرة.

أما من ناحية نتائج النزاع: كان للصراع تأثير على كل مجالات الحياة. الآن، الشخص الذي يذهب إلى دمشق مثلًا سيلاحظ أول ما يلاحظ وجود سحابة دخان مخيفة لم تكن موجودة من قبل. خلال 14 سنة من الحرب كانت سوريا في حالة حصار اقتصادي وأمني، الوضع الاقتصادي سيء ومتراجع، الحالة الأمنية سيئة جدًا، ولم يحدث أي تجديد للآليات أو السيارات أو وسائل النقل العامة. وبالتالي أصبحت المشكلة البيئية – عمليًا التلوث – في دمشق أسوأ بكثير. دمشق أصلًا مدينة ملوثة نوعًا ما، لكن التلوث تفاقم بشكل كبير جدًا. حتى أن الكثيرين ممن يذهبون إلى سوريا الآن يعودون وهم يعانون من مشاكل تنفسية. عمليًا، البشر في سوريا – في النهاية، من أقام في دمشق لـ15 سنة – ربما تأقلم بشكل أو بآخر مع بعض الآثار الصحية، لكن من يزور دمشق اليوم يلاحظ هذا الفرق الهائل في التلوث.

الأمر الثاني: لدينا موضوع خطير جدًا حصل في سوريا، وهو موضوع قطاع النفط. قطاع النفط، بعد أن دُمّر بشكل شبه كامل – سواء استخراج النفط أو تكريره أو صناعة النفط – اتجه الناس إلى موضوع التكرير البدائي. وهذا أمر شهدناه منذ عامي 2012 و2013 في سوريا. وقد تسبب في كوارث بيئية: تلوّث للتربة، ونتائج صحية خطيرة. صار الناس في المجتمعات المحلية يتناقلون الأخبار عن الوضع هناك. إضافةً إلى ذلك، لدينا مؤخرًا حرائق الغابات التي حصلت في سوريا. عمليًا، حصل خلال 15 سنة الكثير من الحرائق، ولكن في سنة 2025 كانت النتائج كارثية جدًا، سواء على الغابات الطبيعية بشكل عام أو على المزارعين أنفسهم؛ تأثرت محاصيلهم، فاحترقت الأراضي بما فيها بساتين الزيتون – التي هي بالأساس مصدر الرزق الوحيد لهؤلاء الناس. وبالتالي، حتى يتمكنوا من إعادة ترميم مثلاً مزارع الزيتون، سيستغرق الأمر على الأقل ما بين 5 إلى 10 سنوات. وبالتالي التأثير الاقتصادي لذلك كان كبيرًا جدًا.

هناك موضوع آخر أيضًا: استخدام الأسلحة وما خلّفته من مقذوفات وبقايا ذخائر. مثلًا منطقة مورك في ريف حماة تشتهر بإنتاج الفستق الحلبي وتصدّره لكل العالم، وهو مصدر اقتصادي أساسي لسوريا. أحد التحديات بالنسبة لأهالي مورك هو أنهم يريدون العودة للزراعة، لكنهم يواجهون تحديات كثيرة بسبب بقايا الأسلحة والذخائر الموجودة في الأراضي الزراعية. وبالتالي هناك خطوة أساسية يجب القيام بها، وهي ضمان تأمين هذه المزارع بحيث يستطيع المزارع دخول أرضه والعمل فيها بأمان.

أنصار جاسم: ويمكن أن أضيف هنا نقطة: مؤيّد، أنت ذكرت قطاع النفط. هنا نحن نتحدث في الأساس عن سياسات استخراجية. والمجتمع المحلي هو الذي يتضرر في النهاية، بينما المركز هو الذي يستفيد. هذا المنطق (الاستخراجي) مهم جدًا حاليًا – سواء داخل سوريا أو في العراق أو عالميًا: الشمال العالمي يأخذ نفط دول الجنوب، لكن المجتمعات المحلية هي التي تتحمل الأضرار البيئية والصحية دون أي نوع من التعويض. على سبيل المثال، المناطق الشرقية في سوريا هي أصلاً أكثر المناطق التي فيها بنية تحتية صحية ضعيفة جدًا؛ فلا توجد فيها أي إمكانية تقريبًا لعلاج مرضى السرطان. وهذه العبارة بحد ذاتها غريبة: الناس يعيشون في منطقة، وبسبب أنهم يعيشون في هذه المنطقة فهم معرّضون للإصابة بالسرطان، ولا يوجد علاج متوفر لهم. لذلك، بعد انتهاء النزاع ظهر مفهوم شائع جدًا في تلك المنطقة هو “العدالة الجغرافية”. والمعنى هنا أنه حين نتحدث عن المستقبل يجب ألّا نكرر ما حصل في السنوات الماضية: يجب أن نتعلم – ليس فقط من السنوات الـ14 الأخيرة، بل أيضًا من السياسات السابقة – أن العدالة الجغرافية تقصد هنا ألّا نكرر نفس نمط الاستخراج وما يرافقه من أضرار في منطقة واحدة بحيث يتحمّل أهلها كل شيء بينما يستفيد المركز وحده. أظن أن هذه الأمور من الضروري أخذها بعين الاعتبار.

ونفس الأمر بالنسبة لتناقص التنوع البيئي: أصلاً قبل الثورة كان النظام السوري – عبر ما يسمّى “الثورة الخضراء” التي تم فيها تحويل الزراعة من زراعة تقليدية إلى زراعة صناعية – قد أدى إلى تقليل التنوع البيئي. لأن النظام ركّز على أصناف معينة من البذور تعطي إنتاجية عالية، طبعًا في ظل ظروف شديدة التقييد، ولم يركز على ضرورة التنوع. التنوع مهم لأن الظروف تتغير – والدليل هو تغير المناخ؛ فالظروف تتقلب، وليس فقط أن الطقس سيصبح أكثر حرارة، بل مثلًا قد تأتي سنة فيها مطر وسنة أخرى بلا مطر. فالتنوع البيئي يساعدنا على التعامل مع هذا التغير. لكن الثورة الخضراء – التي لم تحدث فقط في دول اشتراكية التوجّه مثل سوريا وقتها، بل حدثت أيضًا في الدول الرأسمالية – أدت إلى تقليل ذلك التنوع. هذا الأمر كان موجودًا قبل الثورة.

أما أثناء الثورة – خصوصًا… العنصر البشري أيضًا سهّل هذا الأمر – عندما رأينا منظمات دولية مثلاً توزّع بذورًا هجينة من أنواع محدودة جدًا، نجد أنهم زادوا هذه المشكلة. فأظن أن هذا البعد مهم جدًا أن نأخذه بعين الاعتبار، لأن هذا النقاش ضروري لنفكر: ماذا ينبغي أن يحدث الآن حتى لا نعيد أخطاء ما قبل الثورة، ولا نفاقم المشاكل التي حدثت أثناء الحرب.

ربيع نصر: أحب أيضًا أن نسلّط مزيدًا من الضوء على موضوع المياه. فمن ناحية هناك التغيّر المناخي؛ ولكن أيضًا سلوكيات التعامل مع المياه خلال فترة السنوات الـ14 كيف كانت؟ لدينا اليوم ما يسمى “اقتصاديات المياه” – حيث يريد البعض حديثًا تحويل الماء إلى سلعة اقتصادية ليستخرجوا منها الربح. لكن لنناقش قليلًا: كيف تأثرت المياه السطحية والمياه الجوفية بالسياسات المتبعة – سواء بسبب الحصار أو الاستغلال أو الديناميات المحلية التي نشأت في فترة الحرب، حيث ظهرت طبقة تحاول استغلال اقتصاد الحرب وما يرافقها من ممارسات كاحتكار المياه والأسمدة والبذور، وحتى احتكار تجارة المنتجات الزراعية. مؤيّد، هل تود أن تسلط الضوء قليلًا على موضوع المياه؟

مؤيّد الشيخ حسن: حاليًا بشكل عام، تعاني دول منطقة شرق المتوسط من أزمة مياه حادة تتمركز بشكل خاص في سوريا والعراق. العراق حاليًا ربما ثالث أكثر بلد في العالم تأثرًا بتغيّر المناخ المرتبط بشحّ المياه. حقيقةً، المشهد العراقي مماثل في جوانب كثيرة لما هو في سوريا. بعد سقوط النظام انكشفت لدينا الحقائق – نحن أيضًا في كارثة. سأضرب أمثلة: المسطحات المائية (البحيرات) الموجودة في سوريا. عمليًا، بحيرة ميدانكي في عفرين – وهي بحيرة مشهورة جدًا في شمال سوريا – أصبحت في حالة جفاف. في درعا، سدٌّ مشهور هناك بات في حالة جفاف شديدة أيضًا. ظهرت كذلك صور لنهر العاصي (أورونت) وهو في حالة جفاف. نهر الفرات وكذلك دجلة في حالة أزمة. بالنسبة لنهرَي دجلة والفرات، هناك أبعاد سياسية متعلقة بالعلاقة مع تركيا والمشاريع والبنية التحتية الضخمة والسدود التي أنشأتها الحكومة التركية منذ 1987 وحتى اليوم. هذا الملف حقيقةً ملف سياسي مائي يتعلق بالأمن القومي، ويحتاج إلى مفاوضات جدّية حقيقية.

أما موضوع المياه في سوريا، فهناك مسألة أساسية: السياسات العامة وتعامل البلديات والحكومة والأفراد والمجتمعات المحلية مع قضية المياه. مثلًا حفر الآبار الجائر – أو لنقل الحفر العشوائي للآبار – هذا تسبب في تراجع كبير في المخزون المائي الجوفي. جميعنا نعلم أنه في سوريا، برشوة بسيطة كان بإمكان الشخص أن يحفر بئرًا في حديقة منزله. هذا الأمر في الـ15 سنة الماضية حصل بشكل واسع جدًا وتسبب بانفجار الوضع حاليًا: مدينة دمشق عطشى عمليًا. كذلك تحوّل الماء إلى سلاح حرب؛ فمثلاً في محافظة الحسكة كل سنة نسمع عن أزمة هناك ويتم الاستعانة بالهلال الأحمر والصليب الأحمر إما لإصلاح المضخات أو – بصراحة – لنقل المياه بطريقة بدائية بواسطة صهاريج المياه، وما إلى ذلك.

أنصار جاسم: هنا أيضًا، أظن أن هناك مخاطر كبيرة جدًا على عملية إعادة الإعمار. أنت ذكرت مثال الشام (دمشق) ومناطق أخرى؛ فالبنية التحتية مدمرة أصلًا، وهناك “حلول إسعافية” – إن صح التعبير – مثل استخدام الصهاريج. ويمكننا القول إن هذا نوع من الخصخصة غير المباشرة. وإذا ظننا أن هذه الحلول الإسعافية هي حلول مستدامة، فنحن مقبلون على كارثة. نرى في الدول المجاورة – وأنا الآن موجودة في لبنان – كيف أصبحت هذه “الحلول” هي الحلول الأساسية. في لبنان على سبيل المثال، مياه الشرب كلها يتم شراؤها. أي أن الماء تحوّل فعلاً إلى سلعة، وصارت هناك تجارة بالماء، ولا توجد إلا بضع شركات – وخصوصًا شركات أجنبية – تسيطر على هذا السوق. من أهم الشركات في هذا السياق شركة نستله. وستراتيجيتها عالميًا أنها عندما تجد أزمة ما، تحاول الدخول إلى سوق الماء: أولًا عبر شراكة مع علامات تجارية محلية (في سياق لبنان مثلًا علامة “صحة” Sohat)، ثم تشتري تلك الشركة المحلية. فهنا لم تحدث خصخصة من قبل الدولة لقطاع المياه، لكن حصلت هذه الخصخصة غير المباشرة على يد الشركات. وأنا أرى هذا خطرًا كبيرًا جدًا على سوريا. لذلك من المهم أن نعي ضرورة المطالبة بألا يتم تخصيص أو خصخصة البنية التحتية – لا بشكل مباشر ولا غير مباشر – بل يجب أن تبقى ملكًا عامًا، ملكًا للناس الذين ناضلوا طوال 14 سنة ليعيشوا بكرامة. وهذه الأشياء “البسيطة” – بين قوسين – مثل الحصول على الماء هي أمور أساسية جدًا.

مؤيّد الشيخ حسن: في هذا الخصوص أنا أتفق معك جدًا يا أنصار. الموضوع حساس للغاية. لدي تخوّف حقيقي من أن نتحول إلى حالة لبنان تمامًا فيما يتعلق بشراء الطاقة وشراء المياه والمصادر الأساسية للحياة – من ماء وصرف صحي وطاقة. الواقع في سوريا – كما يبدو حتى اليوم – أننا نسير في هذا الاتجاه، وهذا أمر مؤسف جدًا. لأنه عمليًا، خلال الخمسين أو الستين سنة الماضية، رغم وجود جوانب سلبية هنا أو هناك في السياسات العامة والمشاريع التي نُفّذت، إلا أنه تحقق شيء ما. مثلًا سوريا مرت بمرحلة في الثمانينات كانت هناك حسابات سياسية معينة وكان المواطنون مثلًا يعانون من تقنين الكهرباء؛ ولكن خلال العشرين سنة الأخيرة قبل 2011 تحسّن الوضع كثيرًا وتم بناء شيء: كانت هناك محطات طاقة تولّد الكهرباء بشكل أو بآخر – قد يكون لدينا الكثير من الملاحظات السلبية، ولكن ما أتذكره أنه منذ وعيت على الدنيا كان هناك كهرباء في مدينتي، ولم تكن هناك مشكلة سواء في المدن أو حتى في الأطراف (ربما في بعض أطراف سوريا كانت هناك مشاكل، ولكن عمومًا كان هناك إنجاز). الآن إذا أتينا بالسياسات الحالية وألغينا كل ما تم إنجازه، فهذه كارثة. لأن هذه المشاريع لا تُنجز في يوم وليلة؛ وعمليًا حتى الدول الكبرى اقتصاديًا تحتاج عشرات السنين لبنائها. فإذا جئنا وألغينا كل شيء ونريد البدء من جديد، فعمليًا لن نرجع حتى إلى المربع الأول، بل أتصور أننا سنتحوّل إلى واقع أسوأ من لبنان. لأن لبنان في النهاية بلد صغير سكانه 4 أو 5 ملايين، بينما سوريا بلد أكبر ومتنوع. لبنان بلد لا توجد فيه صناعة بحجم الصناعة الموجودة في سوريا. وبالتالي الموضوع خطر جدًا، وهناك تخوف حقيقي من أن نصل إلى الحالة اللبنانية.

ربيع نصر: الآن هنا أريد أن أدخل إلى موضوع السياسات فيما يتعلق بإعادة الإعمار. طبعًا لدينا آثار بيئية ضخمة جدًا – سواء على مستوى سلوك الأفراد، أو على مستوى السياسات العامة للمؤسسات المسؤولة عن الاهتمام بالقضايا البيئية – وصولًا إلى سياسات الإبادة التي بدأنا الحديث عنها. وهذه (الثقافة) لن تزول ببساطة؛ فهي شيء تم تنفيذه، فأصبح الناس يعتبرونه – للأسف – أمرًا ممكن الحدوث أو مقبولًا. لكن دعونا ننتقل إلى فكرة إعادة الإعمار. هناك بعض التوجهات… سأعطي مثالًا: الطرح الذي يقول “دَعوا السوق يحدد”. أي فكرة أنه – كما يُزعم – السوق أكثر كفاءة في إدارة الأمور. طُرح مثلًا أن نترك المياه للسوق فتتحول إلى سلعة اقتصادية. ونتيجة ذلك رأينا تقديم 105 طلب ترخيص من شركات لمياه معدنية. وللأسف، ليس لدينا أصلاً مصادر مياه معدنية تكفي لهذا الكلام، لكن الشركات صارت تأخذ مياهًا عادية وتعبئها وتسوقها على أنها مياه معدنية. ورأينا – للأسف – حالات من الغش النوعي في هذا المجال. البلد عطشان ونحن نشجع المضاربة بالمياه، أو المضاربة بأسعار المياه، للأسف.

ونفس الشيء بالنسبة للأراضي: نرى أنه لا توجد دراسة بيئية قبل أن نقرر إقامة برج أو تحويل منطقة زراعية إلى بنية تحتية خرسانية. فهناك بعض الطروحات اليوم تشبه ما طُرح في الثمانينات، وهو: “لنقم بالتوسّع لأن النمو الاقتصادي سيجعل بقية الأشياء تتحسن تلقائيًا”. هذا من ناحية.

الناحية المقابلة هي ما تحدث عنه مؤيّد: فكرة أنه توجد سياسات – مثلًا – لدعم المزارعين من أجل الحفاظ على وجودهم في أرضهم، وسياسات لدعم الطاقة بحيث نحافظ على حد الكفاف (خط الفقر) – ليس الحياة برفاهية، بل البقاء بالتوازن عند الحد الأدنى. هذا التغيير الكبير الذي يحدث حاليًا، كيف تقرآنه من منظار إعادة الإعمار؟ وكيف ترونه مقارنةً مع تجارب… أنا ذكرتُ – مؤيّد – تجربة لبنان، وهناك أيضًا العراق، ويمكننا أن ننظر في تجارب دول أخرى. سنبدأ معكِ أنصار، ثم نعود.

أنصار: حسنًا… يمكنني أن أشارك تجربة العراق، خصوصًا بالنسبة للزراعة، لأنها دائمًا مثال نناقشه فيما بيننا كنشطاء زراعيين ومزارعين. قبل قليل تحدثنا عن الخصخصة غير المباشرة؛ فيمكن هنا أن نتحدث ليس فقط عن الخصخصة المباشرة، بل أيضًا عن المصادرة. لأنه هذا ما شعرنا بأنه حدث في العراق. في العراق رأينا أنه تم استخدام استراتيجية ما سمّتها الكاتبة الأمريكية ناعومي كلاين “استراتيجية الصدمة”: تُطبّق سياسات معينة في حالة الصدمة – أي ما بعد حرب، أو ما بعد إعصار مثلاً، أو زلزال، أو ما شابه – لأنه وقتها المجتمع يكون غير قادر على مقاومة هذه السياسات. ونرى هذا الأمر أيضًا في سوريا: الناس مشغولون بأن يعيدوا بناء بيوتهم وبأن يعيشوا، فالتفاصيل التي ذكرتها عن شركات المياه مثلًا من الصعب جدًا على الناس متابعتها، وليس هناك أصلاً حيّز عام يستطيع الفرد من خلاله أن يوعي نفسه حول هذه السياسات ثم يردّ عليها. فهذه حالة الصدمة.

في العراق طبعًا – ما بعد 2003 – كنا في حالة احتلال. فهنا حدث تزاوج بين حالتين: حالة قانونية، وإعادة تشكيل هيكل معين. الاثنان جاءا معًا. وأظن أنه بإمكاننا رؤية الشيء ذاته في سوريا. من ناحية، الاحتلال في العراق شكّل مجلسًا معينًا سُمّي وقتها سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة بول بريمر. أصدر بول بريمر 100 أمر (قرار). أهم قرار أريد أن أتحدث عنه هو القرار رقم 81. القرار 81، صحيح أنه ليس متعلقًا مباشرةً بالزراعة، لكنه قرار حول قانون براءة الاختراع. هذا القانون كان له تأثير على البذور. كيف؟ لقد نصّ على أنه لا يحق للمزارعين استخدام البذور المسجّلة (كملكية لشركات). وسمح القانون للشركات – خصوصًا الأجنبية – بأن تسجّل كل الأصناف (البذرية) الموجودة في العراق. فأنا كفلاح، إذا استخدمتُ تلك البذور فيما بعد، أكون أرتكب جريمة. هذا القانون كان خطيرًا جدًا. ربما لاحظنا أنه لم يتم بناء دولة قوية إلى الحد الذي تستطيع أن تتابع تطبيق هذه القوانين القمعية على الأرض؛ فنرى اليوم أن المزارعين غير مكترثين أصلاً، ومعظم الناس لا تعرف القوانين التي بُنيت لاحقًا على ذلك القرار 81.

لكن أيضًا ما حصل هو أنه تم تطبيق برامج مساعدات معينة عبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وطبعًا، كما نعلم اليوم، هناك قرار بوقف تمويل USAID للمشاريع في سوريا – هذا الأمر أثّر كثيرًا في العالم كله، وأعرف أنه أثّر على المنظمات السورية. ولكن ما كان ينقصنا هنا هو النقاش حول أضرار سياسات USAID في السابق. في العراق رأينا أنهم طبقوا برنامجًا لإعادة الإعمار والتنمية الزراعية في العراق – على ما أذكر اسمه ARDI – وهذا البرنامج شجّع المزارعين آنذاك على استخدام بذور هجينة معينة من شركات محددة. فهنا نحن نتحدث عن جانب يخصّ اختصاصك يا مؤيّد، وهو جانب السلوكيات: هذا البرنامج شجّع المزارعين على استخدام موارد معينة تأتيهم من الخارج، من شركات معينة. وأصلاً سوق البذور العالمي تسيطر عليه أربع شركات كبيرة؛ اثنتان منها ألمانيتان، وواحدة سويسرية (وشركة أخرى صينية)، وواحدة أمريكية. فبالتالي هؤلاء عبر هذه السلوكيات غيّروا السوق تمامًا وغيّروا سلوك المزارعين. فجاء الجانب القانوني والجانب السلوكي معًا. وهذا خطر كبير كبير جدًا: ففي حالة هشّة كهذه – وسوريا اليوم أيضًا في حالة هشاشة – يمكن للقطاع الإنساني أحيانًا بشكل مقصود (كما رأينا في حالة العراق) وأحيانًا بشكل غير مقصود، أن يؤدّي إلى أن الفلاحين لا يكون لديهم استقلالية عن السوق. وبما أننا ذكرنا أن السوق مسيطَر عليه من أربع شركات، فبالتالي إذا اتفقت هذه الشركات الأربع على سياسات معينة، فيمكنها عبر هذه السياسات التي تقررها في الأعلى أن تؤثر على ما يجري على الأرض. وهذا خطر كبير كبير جدًا. سأقف عند هذا الحد.

ربيع نصر: شكرًا جزيلاً لك، أنصار. مؤيّد، ماذا لديك أيضًا حول سياسات إعادة الإعمار؟

مؤيّد الشيخ حسن: بشكل عام، ما نراه من خلال المراقبة هو أن الحكومة الحالية في سوريا تتبع سياسة تحرير الأسواق بشكل كامل. النظرة الاقتصادية النظرية تفترض أن الأسواق تضبط الأسعار بنفسها. لكن عمليًا، ما أراه في معظم الدول النيوليبرالية – في الولايات المتحدة وحتى في أوروبا – هو وجود حالة تدخل من الدولة لضبط الأسعار عند الحاجة. أي أنه لا يحدث بنسبة 100% أن يُترك أصحاب الشركات ورؤوس الأموال والمستثمرون في قطاع ما ليحددوا الأسعار بأنفسهم بلا أي تدخل. فعليًا، هناك حالة تدخل من الدولة في هذه العملية برمّتها: الدولة تتدخل في مرحلة ما من السلسلة. عمومًا، الدولة لديها أوراق ضغط على الشركات. مثلًا في فرنسا، إذا كانت لدى شركة ما سياسة سيئة أو سلبية تجاه أمر معين ورصدها المجتمع، فإن الدولة تتدخل – ليس بالضرورة بشكل مباشر – لكنها تملك أدوات مثل الضرائب. قد تكون الدولة أعطت تلك الشركة تسهيلات ضريبية معينة في مجالات محددة، فإذا اتبعت الشركة سياسة سلبية ما ولاحظها المجتمع، تتدخل الدولة هنا بالضغط عبر الضرائب لتعديل سياسات الشركة. الفكرة الأساسية هي: النظرية التي تنطلق من أن الدولة لا تتدخل بأي شيء وأن الشركات هي التي توازن السوق بنفسها – هذه فكرة غير واقعية شبه مستحيلة.

في سوريا تحديدًا، هذا الأمر شبه مستحيل، لأنك عمليًا، حتى لو كانت الشركات محلية وطنية – شركات سورية مثلاً – ولها، لنقل، 50 سنة في مجال الطاقة أو شركة زراعية عريقة في سوريا أرادت أن تتولى هذا الموضوع، حسنًا قد تحقق نوعًا من التوازن أو العدالة. لكن الواقع هو أن شركات تأتي من خارج الحدود – شركات أجنبية – وعمليًا غالبها لم يكن له وجود سابقًا على الخريطة الاقتصادية السورية. يأتيك مثلًا – سأضرب مثالًا – في موضوع بناء محطات الكهرباء: قبل أربعة أو خمسة أشهر جاءت شركة قطرية ليس لديها أي سيرة ذاتية (تجربة) في هذه الصناعة، وقالت أنا سأقوم بتنفيذ مشروع لبناء محطات توليد طاقة كهربائية غازية وما إلى ذلك. أنا أفهم أن مثل هذه المشاريع لا تقوم بها شركة واحدة؛ يجب أن تشترك عدة شركات، فكل شركة تأخذ جزءًا. لكن من المستحيل أن تأتي شركة بلا أي خبرة وتنفّذ مشروعًا كهذا في سوريا وتُمنح العقد.

الأمر الآخر: موضوع قطاع الطاقة والخصخصة. أنا أريد أن أخصخص قطاع الكهرباء في سوريا… حسنًا، هذا أمر مرتبط بالسياسات العامة. يمكنك أن تخصخص القطاع حاليًا، ولكن هل تستطيع بالمقابل رفع متوسط الرواتب في سوريا إلى 1000 أو 1500 دولار في الشهر؟ هنا السؤال. عمليًا، هل ستكون قادرًا على خلق حالة توازن إذا خصخصت؟ وإذا لم تستطع، فالناس لن يقدروا على دفع تكاليف الخدمات الأساسية. وهناك أمر أساسي آخر: بعض القطاعات أنا أراها قطاعات أمن قومي حقيقةً؛ مثل المياه والطاقة والاتصالات. هذه مسائل أمن قومي وليست مسائل ثانوية أو عبثية، وبالتالي من المفروض أن تكون السياسات مختلفة تمامًا عن الذي يحدث الآن. ما أراه أنا – عمليًا – هو أن سياسة إعادة الإعمار في سوريا حاليًا في مجالات كثيرة هي عبارة عن بيع على الورق. ليس بيعًا مباشرًا، بل بيع على الورق فقط؛ أي تعاقدات واتفاقيات نظرية بلا شيء حقيقي على الأرض. فلو أنك على الأقل تملك ضمانات بأن استثمارات حقيقية ستتم، لقلنا حسنًا هناك استثمارات وسنحاول خصخصة هذه القطاعات، وبالتوازي سنرفع معدلات الرواتب. لكن ما يحدث أكثر من ذلك: إنه بيع على الورق بلا عائد. مثلًا مثال آخر خطير حصل منذ فترة: ظهر كلام بأن وفدًا حكوميًا ذهب ليرى تجربة دول الخليج في تحلية مياه البحر. تحلية مياه البحر حلّ مطبّق في كثير من دول العالم: مطبّق في دول الخليج منذ زمن، موجود في إسرائيل، موجود في بعض المناطق في مصر. ولكن الكلام في سوريا اتجه نحو هذا الحل. عمليًا، تحلية مياه البحر هي شكل من الخصخصة دون محاولة إحياء الموجود لديك. بمعنى: أنا أريد أن أخصخص قطاع المياه، سأذهب لتحلية مياه البحر. أولًا هذا سيزيد استهلاك الطاقة بشكل كبير جدًا. إذا سأخصص (أبيع) المياه، فما الذي سيبقى لنا عمليًا؟

الأمر الآخر الذي طرحوه له علاقة بالنموذج الاقتصادي: كثر الكلام أولًا عن سنغافورة، ثم ظهر كلام عن دول الخليج. يا أخي، دول الخليج مختلفة جدًا عن سوريا؛ دول الخليج دول استثنائية في العالم. حتى العراق نوعًا ما يشبهها لكنه بوضع مختلف. أنا أرى أن وضع العراق أفضل. دول الخليج دول ريعية نفطية؛ عمليًا سواء اشتغل المواطنون هناك أم لم يشتغلوا، يدخل خزينة الدولة كل صباح مليارات الدولارات من بيع النفط. سوريا ليس لديها شيء كهذا؛ ليست دولة ريعية نفطية غنية. لذا بالنسبة لدول الخليج، لا توجد مشكلة لديهم في موضوع المياه لأن لديهم فائضًا ماليًا ضخمًا. أما في سوريا، الأمر مختلف تمامًا. تريد أن تخصخص قطاع المياه والكهرباء، والزراعة بالأصل متراجعة بسبب سياسات حكومية سابقة خاطئة جدًا، وظاهرة تغير المناخ خارجة عن إرادتنا. عمليًا، التنمية الاقتصادية ستكون سيئة جدًا وغير متوازنة إذا اتبعنا هذا الطريق.

ربيع نصر: هنا سأذكر بعض القضايا التي رأيناها خلال الأشهر الماضية: مثلًا قضية الكهرباء؛ الآن هناك حديث عن رفع فواتير الكهرباء بحوالي 800%. هذا طبعًا في إطار تحرير أسعار الطاقة. وعندما نحرر أسعار الطاقة فهذا يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وكل السلسلة الاقتصادية، وبالتالي لن يكون هناك طلب لأن الدخول ضعيفة؛ أي أنه لا توجد قدرة شرائية لدى الناس (كما ذكرتِ يا مؤيّد) لشراء السلع الأساسية. لكن الأخطر – مثلًا – أن نقول: “قطاع الزراعة فلنتركه للسوق”. في كل العالم – بما فيها أوروبا – نعرف أن قطاع الزراعة وقطاع البيئة عمومًا بحاجة لعناية خاصة؛ هما منفعة عامة. لا يصح إهمالهما هكذا، لأنه اليوم إذا أردتُ زيادة أرباحي 200% أو 300% فسوف يكون لذلك انعكاسات ضارة. مثلًا حدثت أمور نتيجة هذه السياسة كفتح باب الاستيراد على مصراعيه. دخل إلى سوريا – مثلًا – خلال فترة قصيرة ما قيمته 5 مليارات دولار من السيارات المستوردة. هذا طبعًا أثره البيئي سيء جدًا، عدا عن أن مواصفات السلع المستوردة – كالكثير من السيارات – غير منضبطة؛ فلا توجد قيود لضبط نوعية السيارات أو السلع من حيث مطابقتها للمواصفات القياسية. فأنت هنا تستورد تلوثًا حرفيًا لأنه يحقق ربحًا أكبر للتجار، مقابل أنك تغفل عن أولويات أخرى كان يجب التركيز عليها.

من هنا، أنصار، كيف ترين: مَن الذي يتضرر من فكرة تجاهل البعد البيئي – أو فلنسمها كما قال مؤيّد “بيع الأوهام” – بأننا نستطيع بناء مئة برج وفعل كذا وكذا؟ مثلًا هذه الأبراج التي يجري الحديث عنها، إضافة إلى أنها تحتاج إلى تربة صالحة ومياه صالحة وبنية تحتية وكوادر ورأس مال ومشترين، بالتكاليف الحالية حتى لو موّلت دولة خليجية بناء محطة كهرباء، فإن 90% من السوريين لن يستطيعوا شراء الخدمات أو المنتجات الصادرة عنها.

أنصار جاسم: شكرًا على السؤال. ربما لدي نقطتان: أولًا، سوريا في السنوات الماضية مرّت بأزمات كثيرة – غير الحرب نفسها التي دمّرت البنية التحتية والبيوت واضطرّت الناس للنزوح – رأينا أيضًا أزمة كورونا وأزمات أخرى. والسؤال: مَن الذي كان أول من بادر بالاستجابة السريعة؟ كان المجتمع المحلي، المجتمع المدني، وبخاصة منظماته. اليوم نرى أنه في كل هذه المسائل ليس لهذا المجتمع المدني دور كبير، مع أنه تحمل العبء الأكبر. لولا هذه المنظمات – قد يبدو الأمر غريبًا لكنه الواقع – لما وجد قطاع صحي أصلاً في أماكن مثل إدلب خلال السنوات الماضية؛ فقد قامت هذه المنظمات ببناء مستشفيات في إدلب مثلاً. فالذين تحملوا العبء في السنوات الماضية يجب أن يكون لهم دور أكبر. ولكن يجب أيضًا أن يتحول دورهم من دور مدني (إغاثي وخدمي) ربما إلى دور سياسي أو رقابي أكثر وعيًا. ما أعنيه هنا هو أنه قد يكون لهم دور في الرقابة على هذه العمليات. حاليًا لا توجد رقابة ديمقراطية على عملية الخصخصة، أو عندما تتسلم شركات معينة عقودًا من الدولة السورية. فيمكن أن يكون هناك مجال لهذه الآلية ولهذه المجموعات من الناس أن تؤدي دورًا رقابيًا.

أظن أنه من المهم دائمًا أن نطرح هذا السؤال كي نعرف الإجابة: من المتضرر الأكبر؟ من الذي يتحمل التكاليف حاليًا؟ وأنا لا أقصد فقط التكاليف المالية؛ فنحن ذكرنا سابقًا التكاليف الصحية، وكل هذه التكاليف “الجانبية” – بين قوسين – للعمليات الرأسمالية. فعادةً من يدفع الثمن هم صغار الفلاحين طبعًا، وخاصة النساء. ففي القطاع الزراعي عالميًا – وليس فقط في سوريا – غالبية العاملين هن نساء، وهؤلاء في معظم الأحيان لا يحصلن على أجر لأنهن يعملن ضمن إطار العائلة، وهذا بحد ذاته شيء كارثي. بالتالي هؤلاء يعشن الضرر مضاعفًا نتيجة هذه السياسات. طبعًا هناك فئات أخرى كثيرة أيضًا: الفئات التي لا تملك أراضي – فلاحون بلا أرض – والنازحون، والناس الذين يعودون إلى أراضيهم. أظن أن فئات واسعة هي التي تتضرر. في المقابل من السهل جدًا أن نحدد – وقد فعلتم ذلك قبل قليل – من المستفيد. لكنني أعتقد أن هناك نقطة مهمة جدًا هنا: القضية لا تُحل ببساطة عبر أن تتبنى شركات وطنية أو قومية سورية هذه المهام. فهذه الشركات لديها أيضًا نفس الفلسفة؛ هي شركات نيوليبرالية. ورأينا – نوعًا ما وبشكل غريب – استمرار سياسات النظام السابق عند هذا النظام الجديد. فلا ينبغي أبدًا أن نعتقد أن استحواذ نخبة معينة على الموارد – فقط لأنها نخبة سورية – سيحل مسألة العدالة، خاصة بالنسبة لتلك الفئات المهمشة. فلا يخطر على بال هذه النخبة أساسًا أن أولئك يستحقون نوعًا من العيش الكريم إذا كانوا خارج منطق السوق.

مؤيّد الشيخ حسن: أقصد أنه من وجهة نظري، وبالنظر إلى تجارب الدول الخارجة من صراعات مثل سوريا، يكون رأس المال الأجنبي عادةً أسوأ من رأس المال الوطني. قد يكون لكل منهما سلبيات، لكن هناك السيء وهناك الأسوأ. وفي رأيي أن رأس المال الأجنبي – خصوصًا القادم عبر شركات حديثة العهد وليست عريقة – خطير جدًا. أما في المرتبة الثانية الأقل خطرًا فقد يكون رأس المال الوطني الموجود في سوريا، وهذا ربما شيء أفضل قليلًا.

هناك نقطة أخرى أتفق معك بها تمامًا: في بلد زراعي مثل سوريا، النساء هن أكثر الفئات تضررًا في المجتمع. لأنه في كل المناطق الريفية تقريبًا يعمل معظم الناس بالزراعة، وغالبًا ما تكون الزراعة عبارة عن شركات عائلية. وبالتالي النساء هن الفئة الأكثر تضررًا ضمن هذا النموذج. وبالفعل، في الوضع الحالي في سوريا النساء تتحملن الضرر الأكبر.

ربيع نصر: طيب، إذا كان بإمكاننا القول: هل ما نتحدث عنه هنا خطاب نخبوي وغير قابل للتطبيق؟ هل لدينا تصوّر بأن قضية الاستدامة البيئية يمكن أن تنتج ثروة وفي الوقت نفسه تكون أكثر عدالة من ناحية التوزع الجغرافي وعلى مستوى الفئات الاجتماعية؟ كما ذكرنا عن النساء المتضررات – اللواتي بالمناسبة لسن فقط مزارعات، بل نعلم أيضًا ما الذي حدث في حالة النزوح أو في حالة فقدان الرجل (المقاتل) الذي ذهب لأسباب مختلفة (سواء قُتل أو أُصيب)، فتَحَمَّلت النساء فجأة العبء، ثم حاليًا تتم إعادة السيطرة على القرار مجددًا من قبل الرجال؛ أي يعود الرجل من الحرب ليعاود أخذ القرار بنفس الطريقة السابقة) – فسؤالي: هل لدينا نموذج واقعي يُظهر أن هذه المجتمعات يمكن أن تنتج مع احترام الاستدامة؟ هل يمكننا تنفيذ إعادة إعمار مستدامة تراعي الثقافة المحلية وتعيد التوازن بين القوى داخل المجتمع؟ أم أن ما نتحدث عنه هو بالفعل تنظير، والواقع يمضي فقط وفق السياسات التي نراها اليوم؟

مؤيّد الشيخ حسن: المتضرر هو الفئات الأضعف في المجتمع – هذه الفئات هي المتضررة حاليًا، وستكون أيضًا الأكثر تضررًا مستقبلًا. وبالتالي فهذا الموضوع ليس نخبويًا أبدًا. ومن المعروف أنه في حالات إعادة إعمار الدول الخارجة من الحروب، تكون هناك سياسات عشوائية، وتكون هناك حالة جَور في المواضيع الاقتصادية؛ إذ تسيطر الشركات الكبيرة وأمراء الحرب على الأمور. هذا ما نراه في سوريا حاليًا؛ أمراء الحرب صار لديهم شركات – شركات إنشاءات، وشركات لها علاقة بالطاقة، وما إلى ذلك – وهي التي تسيطر على الوضع. هناك أمر تحدثنا عنه قبل قليل حول تجربة إدلب – التي الكثير الآن يتغنّى بها – عمليًا تجربة إدلب ببساطة هي اقتصاد قائم على المساعدات الإنسانية. الحياة اليومية للمواطن هناك قائمة على المساعدات الإنسانية الدورية: من ناحية البنية التحتية (كالمشافي والمدارس وغيرها) ومن ناحية دورة اقتصادية إنتاجية بسيطة جدًا وتجارية في تلك المنطقة. نعم، تم تنظيم بعض الأمور هناك؛ مثلًا قطاع الشرطة – على سبيل المثال – تم تنظيمه بتجربة بسيطة: فُرضت ضرائب على المعابر. ولكن سأضرب مثالًا: الجامعات التي أُنشئت في إدلب – مثل جامعة إدلب – ما فعلوه أنهم نسخوا ولصقوا تجربة الدولة السورية؛ أخذوا قوانين ولوائح جامعة حلب أيام النظام (قبل الثورة)، وطبقوها كقوانين ومقررات ومواد في الجامعة. عمليًا هي تجربة مستنسخة جدًا من تجربة الحكومة السورية السابقة أيام بشار الأسد.

الأمر الثاني الآن: مثلًا المشاريع التي يُحكى عنها اليوم في وزارات النظام – مترو دمشق، أوتوسترادات عريضة – هذه كلها كانت مدرجة سابقًا ضمن خطط الحكومة السورية. يعني مترو دمشق عمليًا كان الحديث عنه قائمًا منذ 2004 و2005. وربما لديك فكرة أكثر يا ربيع حول هذا الموضوع؛ هم عمليًا فقط فتحوا الأدراج وأخرجوا الأوراق وقالوا: هذه هي إعادة الإعمار. حسنًا… أنا من أنصار نظرية استمرارية الدولة، بمعنى أنه ينبغي أن نُميّز بين الدولة والسلطة. إحدى المشاكل الأساسية التي نراها الآن هي أن الحكومة الحالية تقول لنا: “نحن الدولة” – عمليًا نفس ما كان يقوله النظام سابقًا – وهذه هي الكارثة الحقيقية بالنسبة لمستقبل سوريا. فإذا كل حكومة قادمة، أو كل سلطة معينة، ستقول “نحن الدولة”، فعمليًا سوف تنهار الدولة. وإذا انهارت الدولة فلا يمكن أن نعيد بناءها لا خلال 50 سنة ولا 100 سنة. لأن القوى الذاتية والخريطة الموجودة حاليًا في سوريا هي قوى غير قادرة على إنتاج دولة. الدولة تُبنى خلال خمسين سنة، عبر كوادر تمرّ وتروح وتأتي خلال عشرات السنين، وعبر أموال ومشاريع ضخمة. أما إذا بقينا على فكرة أن كل سلطة جديدة “هي الدولة”، فنحن سائرون باتجاه الجحيم خلال سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع على الأكثر.

أنصار جاسم: أظن أن هناك خطابًا نخبويًا بالفعل، لكن ليس في ما نتحدث عنه هنا. الخطاب النخبوي هو الخطاب الذي ينتظر: هل ستصبح سوريا دولة لامركزية أم مركزية، إلى آخره… وهو الخطاب الذي يتجاهل تمامًا الواقع الجاري على الأرض. لأن الناس على الأرض لا يستطيعون انتظار هذه القرارات؛ عليهم أن يعيشوا وأن يعملوا. وهم لم يكتفوا بالبقاء على قيد الحياة في السنوات الماضية، بل فعلوا أكثر من ذلك. خاصةً في الأشهر الماضية رأينا الكثير من الابتكارات لبدائل – بدائل متخيّلة لحياة أفضل. رأينا ابتكارات أو تجارب من نوع الاقتصاد المشترك. مثلًا في الساحل السوري هناك تجارب لمتاجر مشتركة أو تعاونيات جديدة ظهرت في الأشهر الماضية – نوع من الاقتصاد التضامني فعلاً بمعنى الكلمة. الأسعار فيها غير محددة: من يستطيع أن يدفع أكثر يدفع أكثر، ومن لا يستطيع الدفع لا يدفع لكنه يستطيع أن يأكل. لأن الواقع في سوريا هو أن غالبية الناس لا يملكون القدرة على المشاركة في السوق أصلاً، فبالتالي يجب أن يكون الردّ مناسبًا لذلك. وأنا أرى هذا الشيء يحدث ليس في الساحل فقط، بل في إدلب أيضًا. والأهم من هذا أنه توجد صلة بين هذه التجارب في المناطق المختلفة. وهذا شيء مهم جدًا وعلينا أن نقويه.

لقد رأينا – بين المزارعين مثلًا – في الأشهر الماضية أن المزارعين الذين فقدوا كل شيء في المجازر الأخيرة، تمت مساعدتهم عبر مزارعين في إدلب من خلال بذور غير هجينة (مفتوحة التلقيح)، أي بذور شعبية محلية. فالمزارعون في السويداء، الذين كانوا تحت الحصار، يستطيعون إعادة إكثار تلك البذور وزراعتها من جديد. هذا النوع من التضامن مهم جدًا ويجب أن نركز عليه. إضافة إلى ذلك، هم أيضًا يشكلون مواقف ويقومون بمبادرات. فإذا تم إنشاء – مثلاً – مكتبة بذور في مكان مثل السويداء تحت هذه الظروف، وفي أماكن أخرى كثيرة كذلك… هذا واقع لا مركزي. هؤلاء الناس لم ينتظروا قرارًا من فوق يقول لهم ماذا يفعلون؛ بل هم استجابوا للواقع الذي وجدوه من حولهم. ومن المهم جدًا أن نحاول تقوية هذا الواقع. كيف نفعل ذلك؟ يجب مثلًا أن نقوم به عبر تسليط الضوء وأيضًا فضح – بصراحة – سياسات المنظمات الإغاثية الأجنبية التي على سبيل المثال في سياقنا توزع بذورًا هجينة. لماذا توزع بذورًا هجينة؟ لم يصدر بعدُ قرار من الدولة إن كنا نريد هذا النوع من البذور أم لا. إذا لم يتم تحليل الواقع المحلي – فربما توجد بذور محلية بلدية – فبالتالي يجب استخدامها بدلًا من أن نجلب كل هذه الأمور من الخارج.

ربيع نصر: عظيم. الآن بالنسبة للسياسات الواقعية من وجهة نظرك، مؤيّد، التي تحترم فكرة الاستدامة البيئية ولكن في نفس الوقت تلبي الاحتياجات التي تحدثت عنها أنصار. اليوم الناس في أمسّ الحاجة مثلًا إلى السيادة الغذائية، إلى فرص عمل لائقة، إلى إعادة البنية التحتية. أنت حدثتني قبل تسجيل البودكاست عن فكرة رصانة الطاقة أو متانة الطاقة. برأيك، هل القضايا المتعلقة بسلوك الأفراد والشركات والمؤسسات – وحتى الجهات الحكومية ذاتها – يمكن أن تكون جسرًا لجعل السياسات صديقة للبيئة؟ أم أن هناك حاجة لشيء أكثر جذرية على مستوى سياسات الطاقة ونظرة إعادة الإعمار؟

مؤيّد الشيخ حسن: عمليًا هذه مفاهيم حديثة جدًا. موضوع رصانة الطاقة، وأداء الطاقة، وما إلى ذلك مفاهيم جديدة. طبعًا لها علاقة كبيرة جدًا بموضوع إعادة الإعمار. نحن الآن موجودون في لحظة تاريخية من عمر سوريا. نحن – كشعب سوري – قادرون على أن نحوّل هذه الألف… (أعتقد كان سيقول “هذه الألفية” أو “هذه المرحلة”) إلى فرصة تاريخية. عمليًا، في سوريا إما نستغل هذه الفرصة ونسير نحو المستقبل، أو لا نستغلها فنضيعها. لدينا نقطة انعطاف الآن هي إعادة الإعمار. إعادة الإعمار هذه إما أن نمضي بها باتجاه الاستدامة – فنتصدى لتحديات القرن الحادي والعشرين (التي هي تحديات حتى لأكبر الدول الزراعية في العالم) – أو… صراحةً الأرقام المخيفة جدًا تقول إن هناك تنبؤات مثلًا بأنه بحلول عام 2100 سترتفع درجات الحرارة 3 إلى 4 درجات مئوية بالمعدّل. وأنا أتوقع أن بلدانًا مثل العراق قد تصل الزيادة فيها إلى 7 درجات. هناك سيناريوهات سوداء كثيرة. عمليًا، مع وصولنا إلى سنة 2100… نحن أمام فرصة ذهبية في سوريا: إما أن نستغلها ونتجه نحو المستقبل، أو سندفع ثمنًا كبيرًا نتيجة السياسات التي ستُطبّق. سندفع ثمنًا غاليًا عمليًا إذا لم يكن الأثر البيئي جزءًا من الخطط التي توضع.

لأنه عمليًا يجب عليّ أن أحافظ على مواردي. ليس فقط أنني زرعتُ هذا العام ثم بعد عشر سنوات كيف سأزرع. هذا الأمر مرتبط كثيرًا بالنموذج الاقتصادي. لأننا عمليًا حتى هذه اللحظة ليس هناك نموذج واضح – مثلًا – لمدينة دمشق. مدينة دمشق أصلًا كانت تعيش ظروفًا صعبة قبل 2011، وفاقمتها الأزمة التي استمرت 15 سنة. الآن النموذج الموضوع لدمشق – الذي نراه – هو “مدينة الأبراج”. هل مدينة دمشق قادرة على تحمّل هذا النموذج؟ ما هو النموذج الاقتصادي الذي أريده؟ ما شكل مدينة دمشق الذي أخطط له؟ هذا سؤال أساسي جدًا. هل سأجعلها عاصمة أعمال (بزنس)، أم مدينة دمشق التي كانت وجهة سياحية – كانت كل الشعوب العربية تأتي لزيارتها – سأجعلها مدينة تجارية؟ هي ليست مدينة صناعية (الصناعة أساسًا محيطة بها). وبالتالي عليّ أن أحدد الهوية التي سأنتجها لمدينة دمشق. أنا أرى مثلًا مشاهد مخيفة حاليًا في دمشق: مثلًا يقومون ببناء فنادق على جبل قاسيون. جبل قاسيون جبل رملي، وفيه خطورة زلزالية عالية جدًا. هناك دراسات تقول إنه لو ضرب زلزال مدمر مدينة دمشق فإن جبل قاسيون سيكون من أكثر المتضررين، لأن الأمر يتعلق بطبيعة التربة وميكانيك التربة الخاصة بجبل قاسيون في دمشق. لقد رأينا مواجهات – حقيقةً – مثل التي تراها في العالم كله. في أوروبا مثلًا حدث أمر مشابه في حديقة الجاحظ بدمشق، وربما في حديقة عامة صغيرة أخرى في أبو رمانة: جاء مستثمر ليحوّل حديقة عامة صغيرة إلى مطعم أو مشروع استثماري؛ جاء ليقطع أشجارًا عمرها خمسون ومئة سنة. من خرج وتصدّى له؟ السكان المحليون. أي أننا بدأنا نرى مواجهات، حقيقةً، بين المستثمرين المستفيدين وبين السكان المحليين، ويمكننا أن نقول أيضًا بينها وبين النظام السياسي أو الأنظمة الاقتصادية الموجودة. هذا شيء خطير جدًا. وأتوقع أنه سيتفاقم كثيرًا في سوريا، خصوصًا عندما يتغير الواقع السياسي في مناطق زراعية كبيرة مثل شمال شرق سوريا، وأرياف حلب وغيرها، سيحدث صدام كبير جدًا.

ربيع نصر: برأيكِ أنصار، هذه فكرة الانخراط المجتمعي والتضامن التي تحدثتِ عنها، هل هي قابلة لأن تكون خارج إطار المشاريع الصغيرة المحلية؟ بمعنى: هل يمكن أن تصبح مشاريع كبرى لإعادة الإعمار؟ هل يمكن تعميم هذه الفكرة لتصبح على مستوى سياسات عامة؟ أم أنها مجرد حلول نقطية في مناطق محددة ضمن مجتمعات صغيرة؟ وقد لفتني أنكِ تحدثتِ عن السياسات الإغاثية. فكما ذكرتِ، هناك شيء يتعلق بالبذور، ولكن أيضًا هناك مسألة السلة الغذائية؛ أي أن تستوردي مواد غذائية لتوزيعها ضمن سلة على أشخاص (مثل المزارعين) هم قادرون على الإنتاج، أو أن السوق المحلية المحيطة قادرة على الإنتاج. فكان ذلك يضرب الإنتاج المحلي في وقت كان الناس بأمسّ الحاجة إلى فرص عمل. فأنا هنا فقط أحاول أن أفكر معك بصوت عال: ما إمكانية تطبيق هذا على نطاق واسع؟

أنصار جاسم: إنّه يجب أن يكون على نطاق واسع، ولكن ليس كمشاريع كبرى مركزية. فهذا الشكل يجب أن يتسع نعم، لكن لو تحوّل إلى مشاريع ضخمة مركزية فسيتناقض مع فكرة السيادة ويُفرّغها من مضمونها. أي لا نقوم – مثلًا – بالتفكير بطريقة تقليدية مركزية. لنأخذ مثال الزراعة العضوية الخالية من الكيميائيات: إذا قمنا بها على نطاق واسع جدًا وبأسلوب مركزي، فسنعود إلى زراعة أحادية (نوع واحد) على مساحة شاسعة جدًا، وهذا لا يؤدّي إلى أي نوع من السيادة. لأنه إذا – فيما بعد – في سنة من السنوات لم نكن بحاجة إلى كل تلك الكمية من البندورة، فماذا سنفعل بكل تلك الكميات؟ غير ذلك، أصلاً فكرة الزراعة البيئية مبنية على التنوع. فهي مستدامة وقوية بذاتها لأنها تضم التنوع. الحقول الصغيرة هي التي تحمي نفسها؛ مثلًا تزرع البندورة إلى جانب الريحان، لأن تلك النبتة (الريحان) لا تحبها الحشرات الضارة التي تحب البندورة. أي أن وجود المحاصيل المتنوعة جنبًا إلى جنب يوفر حماية طبيعية. هذا الشكل مهم جدًا. لكن لأنه ينبع من القاعدة ويبدو بشكل حقول صغيرة من الأسفل، فهذا لا يمنع أنه يمكن أن يكون سياسة واسعة النطاق. على العكس، ما الذي يمنع أن يكون في كل محافظة في سوريا مكتبة بذور؟ لماذا يجب أن تكون هناك مكتبة بذور مركزية واحدة؟ هذا أصلًا غير منطقي ولا مستدام. سوق مركزي أيضًا غير منطقي وغير مستدام، لا في الحرب ولا في السلم. يعني إذا زرعنا في منطقة معينة بندورة، ثم علينا أن نحرق كل هذا البنزين على الطريق حتى نحضرها إلى سوق الهال (سوق الجملة المركزي)، فكل هذا ليس مستدامًا أبدًا. خاصة إذا أدركنا فعلًا أننا في أزمة عالمية. تغير المناخ لم يأت من العدم؛ لقد جاء نتيجة سلوكيات معينة خلال المئة وخمسين سنة الأخيرة – سلوكيات رأسمالية، استهلاك مفرط للموارد – أوصلتنا إلى المرحلة التي نحن فيها الآن. وقد ذكر مؤيّد هذه النقطة: نحن اليوم لدينا فرصة في سوريا – وأنا هنا لا أتحدث بشكل رومانسي، لا أقول دعونا نخترع شيئًا جديدًا – أنا أقول إن الهياكل المجتمعية المطلوبة إما موجودة حاليًا أو تتشكّل. المناطق المختلفة تتعلم من بعضها بعضًا. مثلًا المناطق التي خلال السنوات الماضية أتيح لها أن تمارس زراعة حرة، واستطاع أهلها أن يقرروا كيف يزرعون – مثل إدلب نوعًا ما – كانت لديهم مساحة معينة لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم. أما مناطق أخرى الآن فبإمكانها أن تتعلم من تلك التجربة، وهذا التبادل يحصل بالفعل. فأنا أقول إن هذا النوع من اللامركزية هو الذي يمنح القوة والسيادة الحقيقية.

عندما تكون هناك منطقة معينة تتضرر – لنقل بسبب فيضان – فإذا كنتَ تزرع في تلك المنطقة نوعًا واحدًا فقط من المحاصيل، فأنت طوال السنة لن تحصل على ذلك المحصول. ولكن إذا كنت تنوّع وتوزّع الزراعات وتعددها، حينها ستكون في الجانب الآمن. وهذا الأمر لا يصدق في مجال الزراعة فقط؛ طبعًا هو صحيح أيضًا في مجال البناء والإعمار نفسه. كانت هناك تجارب في السنوات الماضية بخصوص التعاونيات في ريف حلب. هذا الأمر أدّى إلى أن كثيرًا من الناس الذين كانوا يعيشون – سواء في المخيمات أو تحت ظروف سيئة جدًا – صار لديهم ملكية بيت وتمكنوا من بناء شيء لأنفسهم. أعتقد أن السوريين قاموا بهذه التجارب على أصعدة كثيرة. واليوم يجب حقيقةً أن نأخذ قليلًا من الوقت لإعادة قراءة هذه التجارب. ما التجارب التي – كسياسة دولة – لو أرادت الدولة أن تفعل شيئًا مفيدًا أن تدعمها؟ ولكن بشكل… لنقل تشاركي.

مؤيّد الشيخ حسن: (مقاطعًا) هنا أحب أن أضيف تعليقًا: يتضح من كلامك أهمية اللامركزية الإدارية. هذا موضوع مهم جدًا ومرتبط بما تقولينه. عمومًا تحقيقه صعب كثيرًا في سوريا لأسباب متعددة، لكن ما تتحدثين عنه يتوافق جدًا مع فكرة اللامركزية الإدارية. يجب أن تكون هناك حالة لامركزية إدارية في سوريا للأسباب التي ذكرتِها: هناك تجارب ناجحة مختلفة من بيئة لأخرى؛ الزراعات المناسبة في ريف حلب غير مناسبة مثلًا في حمص أو غيرها. وبالتالي موضوع السياسات، وموضوع النظام الاقتصادي، والنموذج السياسي الذي نريد أن نبنيه، هذا شيء مهم جدًا. الديمقراطية أيضًا شيء مهم جدًا في الموضوع المتعلق بالسياسات البيئية.

ربيع نصر: مؤيّد، أقصد ما قلته في الأخير: أحيانًا اللامركزية قد تكون إعادة إنتاج للاستبداد على مستوى محلي. فمن الضروري بالتأكيد أن تكون الديمقراطية والتضامن هي الروح في هذا المشروع، لكي تتكامل اللامركزية والمركزية معًا لإعادة إنتاج الديمقراطية والتضامن. لأننا بكل بساطة رأينا تجارب كثيرة تحت شعار اللامركزية لكنها عمليًا كانت مجرد تقاسم نفوذ بين مستبدين. فالذي تفضلتما به مهم جدًا.

والآن أريد أن أسألك يا مؤيّد: إلى أي مدى نحن قادرون على إنتاج طاقة بديلة نظيفة في سوريا؟ هل يمكن أن يكون هذا على نطاق واسع؟

مؤيّد الشيخ حسن: عمليًا، موضوع الطاقة… بشكل عام الخطط العامة للدول لأي مشروع واسع النطاق تبدأ أولًا بتحديد هدف: مثلًا أن ننتج 30% من استطاعة الشبكة الكهربائية من الطاقات المتجددة. ولكن من الصعب جدًا القول إن بلدًا ما سينتج 50% مثلًا من طاقته عبر المتجددة؛ فعليًا لا توجد تجارب في العالم تصل لهذه النسبة. لأن الطاقات المتجددة عمليًا تلبي قطاعات معينة فقط من الحاجة الكلية. أما إذا تحدثنا علميًا: الطاقات المتجددة غير قادرة على تلبية حاجة الصناعة الثقيلة بشكل كامل. وبالتالي، برأيي توضع أهداف محددة معقولة. دول كثيرة مشابهة لوضعنا – مثل المغرب – حدّدت هدف 30% طاقة متجددة. تصوّري بالنسبة لسوريا أن أكثر من 30% (كهدف) سيكون أمرًا ممتازًا جدًا إذا تحقق. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تكون المصادر التقليدية أنظف؛ عمليًا نتخلص من الفيول (وقود الزيت الثقيل) ونَعتمد بشكل عام على الغاز. هذا في إطار شبكة الكهرباء العامة عمليًا التي تكون تحت إشراف الدولة.

أما في النطاقات المحلية، فأنا مع تشجيع استقلال الطاقة. بمعنى: إذا كان لدي معمل – فلا داعي لأن أشتري كهرباء من الدولة – بل أركّب نظام طاقة شمسية أو عنفة رياح… إلخ، وأعتمد على نفسي. أي أحقق استقلالية طاقية في هذا الجانب. ولكن بالنسبة للشبكة العامة، أتوقع أن أكثر من 30% سيكون صعب التحقيق في سوريا. هذه النسبة – 30% – إذا حددناها كهدف وحققناها ستكون جيدة جدًا. ويمكننا تحقيقها عبر الطاقة الشمسية؛ أنا من أنصار الطاقة الشمسية لأنها مناسبة لسوريا. موضوع طاقة الرياح أيضًا جيد، لكن الحديث عنه أشعر فيه ببعض المبالغة. يعني ما قيل مثلًا عن منطقة فتحة طرابلس في حمص: أنه يمكن أن يولد 1200 ميغاواط – أي ما يعادل استطاعة محطة حلب الحرارية – هذا الكلام برأيي موضوع مكلف جدًا. تقنيًا ليس سهلًا ومكلف ماديًا أيضًا، ويحتاج لشركات ضخمة جدًا. وبالتالي أرى أن 30% هدف جيد بالنسبة لسوريا.

عمليًا هذه الأهداف محددة ضمن أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وهناك تجارب كثيرة فعلًا يمكننا الاقتداء بها. مثلًا المغرب – بلد فيه نوع من التشابه مع سوريا: بلد يعتمد على الزراعة، بلد من دول العالم الثالث… بالنسبة لموضوع التقنيات: المغرب لديه خبرات وكفاءات عالية جدًا في هذا المجال؛ الكفاءات المغربية موجودة حول العالم كله. وكذلك – أعود لكِ أنصار – المغرب أيضًا مشهور بـ التعاونيات؛ لديهم قانون خاص بالاقتصاد التضامني الاجتماعي.

ربيع نصر: سأعود إليك أنصار في هذه النقطة: كيف يمكن أن تكون العلاقة بين ما نتحدث عنه وبين العدالة الانتقالية؟ هل استدامة أكبر وتمكين أكبر للمجتمعات المحلية يمكن أن يساعد في تجاوز آثار الحرب وتجاوز ثقافة الحرب وتحقيق عدالة انتقالية أفضل؟ أي إذا أردنا ربط هذا الموضوع بمسألة العدالة.

أنصار جاسم: ربما لأنكم ذكرتم المغرب أيضًا… طبعًا المغرب تجربة مهمة جدًا، وهناك شبكة للسيادة (شبكة سيادة غذائية) يقومون بإنتاج معرفة حول هذه المواضيع ونحن على تواصل معهم. هذه المسائل التي نتحدث عنها لسنا فقط نحاول أن نحلل الأضرار أو الدروس المستفادة السيئة من البلدان الأخرى – ذكرنا لبنان والعراق – بل نحاول أيضًا أن نستفيد من الدروس الجيدة. فإنتاج المعرفة القادم من المغرب، وكذلك الشبكات المعنية بالسيادة الغذائية التي تنشأ في لبنان، كلها تجارب مهمة جدًا. والآن – نعم – العمل النقابي كذلك… يعني هذه أمور مهمة جدًا. التعلم يجب أيضًا أن يحدث عبر الحدود. لكنني أحاول دائمًا أن أقول: بالتأكيد لدي مواقفي ورغباتي، ولكن أرى أن هذه الأمور تحدث فعلًا؛ هذا التبادل – تبادل المعرفة – يحدث.

بالنسبة لسؤالك: أظن أن العدالة البيئية هي جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية. أي لا يمكننا أن نفكر بفكرة العدالة بصورة منفصلة عن إطار العدالة الاجتماعية. إذا حصرنا مفهوم العدالة الانتقالية فقط في موضوع الجرائم والمرتكبين وما إلى ذلك، أعتقد أننا سنفقد شيئًا مهمًا جدًا. شيء يتعلق بالمشاركة: كيف يستطيع الناس المشاركة في هذه العملية؟ وإذا كانوا مشغولين فقط بالبقاء (على قيد الحياة)، فكيف سيستطيعون المشاركة في العمليات الديمقراطية؟ كيف يمكنهم أن يشاركوا في النقاش حول كيف يتصوّرون العدالة الانتقالية؟ فمن المهم جدًا أن يتم دعم تلك الفعاليات – الأنشطة التي رأيناها – والتي تقوي الناس حاليًا. ذكرنا الاقتصاد التضامني وما شابهه، وأظن أن هذه الأفعال نفسها هي جزء من العدالة الانتقالية. إذا رأينا أن الناس كوّنوا شبكات فيما بينهم عبر مناطق مختلفة، هذه المناطق ربما طوال 14 سنة لم تكن لديهم أي إمكانية للتواصل فيما بينهم أو للتعرف على بعضهم. فشيء مثل الاقتصاد التضامني – كأن يتم إنتاج بضاعة معينة في مكان ما وتُباع في مكان آخر عبر ذلك المحل التضامني الذي ذكرته – هذا الشيء يفتح مجالًا للحوار بين الناس. ولكنه على صعيد أبدًا ليس نخبويًا أو فلسفيًا بعيدًا عن واقع الناس، بل هو متعلق بشيء يمس حياتهم اليومية مباشرة. فلذلك أعتقد أنه جزء أساسي من العدالة الانتقالية ذاتها.

وأعيد التذكير أنه عندما رأينا الناس يتشاركون البذور ويتبادلونها فيما بينهم خلال الأشهر الماضية، رأيت في ذلك جزءًا من التعويض أو جبر الضرر الذي يحدث بين الناس أنفسهم. هذا يحصل واقعًا فيما بينهم، وهذا الأمر مهم جدًا. ويعيد تذكيرنا بأن الدولة لها دور مهم جدًا – خاصة في موضوع الجرائم التي حدثت وتحدث وملاحقتها – لكن المجتمع أيضًا له دور مهم جدًا، وهذا الدور سيبقى موجودًا. اليوم عندما نتحدث عن دور المجتمع المدني أو الأحزاب… الأحزاب لن تأخذ دور المجتمع المدني، وكل هذه الجهات مطلوبة لتشكيل مجتمع ديمقراطي. المجتمع الديمقراطي يحتاج كل هذه الأبعاد. المجتمع الديمقراطي بحاجة لاقتصاد تضامني، بحاجة إلى ألّا يعيش الناس في فقر – لأن الناس إذا عاشوا في فقر لن يستطيعوا المشاركة – الناس بحاجة إلى أن يتمكنوا من المشاركة في كل العمليات المختلفة.

ربيع نصر: عظيم. طبعًا حديث شيّق جدًا والكثير من القضايا بالغة الأهمية. أحب أن أسمع منكما إذا لديكما أي شيء تضيفانه قبل أن نختم.

مؤيّد الشيخ حسن: أنا أحب أن أضيف بسرعة نقطة تتعلق بموضوع علاقة الديمقراطية بالسياسات البيئية. هذا موضوع مهم جدًا جدًا عمليًا. لأنه في النهاية المتضرر الحقيقي هو المواطن، هم السكان المحليون. إذا لم تكن هناك صيغة تمثيلية للسكان المحليين تكون مقنعة ومرضية أمام الدولة كجهة حاكمة، فستحدث حالات احتكاك وصدام كبيرة مستقبلًا في سوريا. سأضرب مثالًا سريعًا حصل قبل يومين أو ثلاثة: موضوع مجلس البرلمان (مجلس الشعب)، حيث حصلت تعيينات بشكل مباشر (من قبل السلطة بدلاً من انتخابات). برأيي هذا خطأ كبير؛ لا يجوز أن يتم تعيين ممثلي المجتمعات اليوم. أيضًا منذ يومين في حلب، أصدر محافظ حلب تعميمًا بصيغة قانونية لا أعرف من أين أتى بها، سماها “مسؤول الكتلة”. قسّم مدينة حلب إلى كتل؛ كل بضعة أحياء شكّلت كتلة، وعيّن عليها أشخاصًا. أي قال: هذا الشخص مسؤول هذه الكتلة، أو مدير هذه الكتلة. لا أحد يعرف ما معنى ذلك. هل هو مثل المختار مثلًا؟ عمليًا من الضروري جدًا أن تكون هناك حالة تمثيلية حقيقية. لأنه إذا ستأتي الحكومة وتعيّن محافظًا لحلب، ومحافظ حلب سيعيّن هؤلاء مسؤولي الكتل… غدًا إذا قال المحافظ: حي مثل حي الميسّر – وهو حي متضرر شبه مهدّم في حلب القديمة – “أريد أن أهدمه وأقيم فيه بنايات حديثة”، إذا كان المختار والمسؤول عن هذا الحي (والذي من المفترض أن يكون ممثلًا للسكان المحليين) هو نفسه مُعيَّن (من السلطة) ولن يدافع عن الشعب، عن السكان المحليين، في وجه هذه السياسة… فهذه مشكلة. حقيقةً أهم شيء هو موضوع الديمقراطية التمثيلية بشكل من الأشكال – هذا ضروري جدًا.

أنا لن أتحدث عن ديمقراطيات عريقة مثل ألمانيا أو سويسرا، لكن يجب أن توجد حالة تمثيلية حقيقية. إذا لم توجد حالة تمثيلية، فأنا أتصوّر أن حياة البشر ستكون أسوأ بكثير. حياة البشر وأرزاقهم وممتلكاتهم العامة… ممكن الواحد بيته نفسه… مثلًا لدي بيت في حيِّي – لنقل حي الأنصاري في حلب – وهو مهدّم. بيتي هذا… حسنًا، إذا جاءوا وكل الكوادر الموجودين من طرف الحكومة، والحكومة أعطت المنطقة لشركة وقالت: “أريد أن أهدم حي الأنصاري”، فماذا يمكنني أن أفعل عمليًا؟ وكل ملكيتي في هذه الحياة هي ذلك البيت الذي أطمح للعودة إليه. وبالتالي موضوع الديمقراطية – بمعنى وجود التمثيل الحقيقي بشكل من الأشكال – مهم جدًا.

ربيع نصر: شكرًا جزيلًا على هذه الخاتمة من جهتك يا مؤيّد. ماذا عنك أنصار؟

أنصار جاسم: ربما فقط باختصار… تحدثنا اليوم كثيرًا عن الاستقرار. ومن المهم جدًا أن الاستقرار لا يُفرَض من فوق. وأظن أنه يجب علينا أن نذكر أيضًا الدول الأوروبية التي يهمها كثيرًا – منذ اليوم الأول بعد سقوط النظام – أن تبني علاقات مع الحكومة الجديدة (المؤقتة) بهدف إعادة السوريين من أوروبا إلى سوريا. من المهم أن نذكّرهم بأن الاستقرار ينمو من تحت؛ الاستقرار ينمو من خلال الرعاية المتبادلة، والتعاون، والمسؤولية المشتركة.

ربيع نصر:
حقًا، النقاش ممتع جدًا وأودّ أن يستمر. وإن شاء الله تتاح لنا فرص في المستقبل لحوارات – وربما أبحاث مشتركة – نتعمق فيها أكثر. أشكركم على المساهمات الغنية وهذه الحلقة المفيدة.

مؤيّد: شكرًا، شكرًا ربيع على هذه الفرصة.

أنصار: شكرًا جزيلًا.

كنتم تستمعون إلى بودكاست «سوريا، حوارات بديلة» ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.