البودكاست

دور المؤسسات المالية الدولية في صياغة السياسات الاقتصادية في المنطقة مع الباحث نبيل عبدو

     الحلقة 23                –                25 يناير، 2026
الاقتصاد التضامني

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، يحاور ربيع نصر الباحث نبيل عبدو في نقاش معمّق حول دور المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في صياغة السياسات الاقتصادية في المنطقة العربية، وانعكاسات هذه السياسات على اللامساواة، العدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، مع إسقاطات مباشرة على الحالة السورية.

تنطلق الحلقة من تفكيك الخلفيات الفكرية والهيكلية لهذه المؤسسات، وكيف تحوّلت منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية إلى أحد أبرز أعمدة المنظومة النيوليبرالية، التي تفرض برامج تقشفية وشروطًا اقتصادية موحّدة على دول الجنوب، غالبًا على حساب الفئات الاجتماعية الأضعف.

أبرز محاور الحلقة:

– لماذا تُعد اللامساواة مدخلًا سياسيًا لفهم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟
– كيف تعمل المؤسسات المالية الدولية؟
– علاقات القوة غير المتكافئة بين صندوق النقد والبنك الدولي ودول المنطقة.
– المشروطيات التقشفية: خفض الإنفاق العام، رفع الدعم، وزيادة الضرائب غير المباشرة.
– من يدفع كلفة “الإصلاح الاقتصادي”؟ ولماذا تتحملها الطبقات الوسطى والفقيرة؟
– كيف تُستخدم قضايا الحماية الاجتماعية، الجندر، والمناخ ضمن خطاب تقني يخدم المنطق النيوليبرالي؟
– دور هذه السياسات في تعميق التبعية الاقتصادية وتقويض السيادة الوطنية.
– العلاقة بين هذه المؤسسات والنزاعات، واقتصاديات الحرب، وإعادة الإعمار.
– مخاطر فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي في مراحل الانتقال.
– ما الذي يمكن لسوريا أن تتجنبه في مرحلة ما بعد النزاع؟
– إمكانيات بناء بدائل: الضرائب التصاعدية، الحماية الاجتماعية الشاملة، والتحالفات العابرة للحدود.

عن ضيف الحلقة:
نبيل عبدو: هو باحث متخصص في القضايا والسياسات الاجتماعية والاقتصادية ، وقد أجرى أبحاثًا حول التنمية والعمل والهجرة والاقتصاد غير الرسمي والضرائب والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. لديه خبرة واسعة في مجال البحث والعمل مع العديد من المؤسسات من بينها مكتب العمل الدولي و ANND. بالتوازي مع ذلك ، شغل مدرس اقتصاد في الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت.

حاصل على درجة الماجستير في التنمية المستدامة والمنظمات من جامعة باريس دوفين – فرنسا ، وشهادة البكالوريوس في الاقتصاد (دراسات سياسية ثانوية) من الجامعة الأمريكية في بيروت ، لبنان.

يشغل الآن منصب مستشار أول لشؤون المؤسسات المالية الدولية في منظمة أوكسفام ويركز عمله حول اللامساواة وصندوق النقد الدولي.

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة تناقش السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”. نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. هذه السلسلة تأتيكم بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت. ت

ربيع نصر:
تحياتي للجميع وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، الذي يُنتج بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومؤسسة فريدريش إيبرت ضمن هذه السلسلة الخاصة عن السياسات النيوليبرالية.
في الحلقات السابقة من هذه السلسلة تطرقنا إلى عدة مواضيع، منها قضايا الحماية الاجتماعية ودور الدولة في العملية التنموية، لكن حلقة اليوم ستركز على قضية تتعلق بالاقتصاد السياسي الدولي. هنا نركز على دور المنظمات الدولية – مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – في عملية التنمية والقضايا التنموية المتعلقة بسوريا والمنطقة. دائمًا هناك حديث عن الدور الكبير لهذه المنظمات؛ نسمع كثيرًا عن كيف أن صندوق النقد الدولي يفرض أسلوبًا معينًا في الإصلاحات من مصر إلى تونس إلى المغرب إلى الأردن وصولًا إلى سوريا. هذا الدور يمتزج بالتأثير المباشر، والذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بتأثيرات غير مرغوبة من قبل المجتمعات. فهل هذه الإجراءات مجرد “إصلاحات غير شعبوية” – كما يُقال – لمعالجة أخطاء سابقة؟ أم أن هذه السياسات تحوي اختلالات جوهرية تحاول المنظمات الدولية (بما فيها الصندوق والبنك) فرضها؟

طبعًا كما تعرفون، تأسس صندوق النقد والبنك الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن دورهما تغيّر كثيرًا عبر السنوات. سنحاول اليوم استكشاف هذا التحوّل مع ضيف عزيز وصديق متخصص جدًا في هذا الموضوع، الأستاذ نبيل عبده. الأستاذ نبيل عبده باحث متخصص في القضايا والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، له أبحاث كثيرة في مجالات التنمية وعمل الشباب والهجرة والاقتصاد غير الرسمي والضرائب والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. يتمتع بخبرة واسعة في مجال البحث والعمل مع العديد من المنظمات، منها منظمة العمل الدولية وشبكة المنظمات غير الحكومية للتنمية. بالإضافة إلى عمله كمدرّس للاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، نبيل حاصل على شهادة الماجستير في التنمية المستدامة من جامعة باريس (دوفين) في فرنسا، وعلى شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت. يشغل حاليًا منصب مستشار أول لشؤون المؤسسات المالية الدولية في منظمة أوكسفام، ويركز في عمله على قضية اللامساواة، واهتمامه الرئيسي بالقضايا المتعلقة بصندوق النقد الدولي. نبيل، نورتنا وأهلًا وسهلًا بك.

نبيل عبدو: شكرًا جزيلاً لك.

ربيع نصر: لا شكر على واجب. نبيل، سأبدأ معك بالسؤال عن موضوع اللامساواة تحديدًا. أعلم أنك تعمل منذ فترة مع عدة جهات غير ربحية، منها منظمة أوكسفام، وتركز دائمًا على قضية المساواة والعدالة. لذا دعني أسألك بدايةً: ما سرُّ اهتمامك ودافعك للعمل في هذا المجال تحديدًا والاستمرار فيه كل هذه السنوات؟

نبيل عبدو: أشكرك مجددًا على هذا الحوار، ربيع، وآمل أن يكون مفيدًا لجميع المشاهدين والمستمعين. تركيزي على مسألة اللامساواة قديم بالفعل. فمنذ الجامعة – وحتى قبلها – كنت منخرطًا بقوة في حركات ونضالات اجتماعية واقتصادية وسياسية في لبنان وعلى مستوى العالم. برأيي، اللامساواة مسألة أساسية جدًا، لأنها – بخلاف التركيز التقليدي على الفقر أو غيره – تعد مدخلًا سياسيًا لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. فتحليل اللامساواة يقتضي تسليط الضوء على التناقضات الطبقية في المجتمع؛ خاصة التناقض بين من هم الأثرياء في المجتمع (وعلى مستوى العالم) وبين الآخرين. لذلك فإن التركيز على اللامساواة ذو طابع سياسي بامتياز، لأنه يدفعنا أيضًا إلى التركيز على مسألة تركز الثروة وإعادة توزيعها والتدخل الحكومي كجزء أساسي في معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية.

هذا النهج يتطلب إظهار تلك التناقضات وبيان كيف يتحكم الأثرياء بالسياسة وبمفاصل المجتمع، بينما يتم في الوقت نفسه إلهاء الناس بقضايا أخرى – ولا سيما عبر التركيز على الفقر بمعزل عن سياقه. التركيز التقليدي على الفقر مثلًا يقتضي النظر إلى الفقراء على أنهم شريحة معزولة من المجتمع؛ فلا نعود نرى مشاكل الفقر مرتبطة ارتباطًا عضويًا بتركز الثروة والسلطة في أيدي قلة من الناس. وحين ندخل إلى المشاكل من هذه الزاوية، يُصبح الفقر قضية سياسية يجري التعامل معها عبر التطرّق إلى مسألة اللامساواة. وبرأيي هذا أمر جوهري جدًا، لأنني شخصيًا – في هذه القضايا – لا بد من إلقاء الضوء على هذه التناقضات وإبراز هذا الصراع. معالجة جميع هذه المسائل تفترض أن نأخذ قوةً وموارد من جهات معينة ونوزعها على المجتمع؛ وبالتالي من دون كشف هذا الأمر لا يمكن معالجة جوهر المشكلات. سننشغل حينها بقصص ثانوية، ونُلقي باللوم في الأزمة على المجتمع أو على الفقراء، دون التطرّق إلى دور الأغنياء وضرورة التصدي لسلطتهم. لهذا أرى أن التركيز على اللامساواة يُعيد إدخال السياسة في صلب العمل التنموي وفي صلب جميع النضالات القائمة – وهو أمر أساسي – إذ بدون ذلك سنعالج قشور المشاكل دون جوهرها.

ربيع نصر: برأيك، إلى أي مدى انتشرت بين العاملين في المجال التنموي أو في المجتمع المدني نزعة نزع الطابع السياسي عن قضايا اللامساواة والعدالة؟ هل تراها نزعة واسعة الانتشار، أم تشعر بأنه بات هناك وعي أكبر بأن قضية اللامساواة قضية سياسية وجوهرية يقوم عليها النظام نفسه؟

نبيل عبدو: برأيي، خلال العقود السابقة كان هناك بالفعل نوع من نزع الطابع السياسي – كما تفضلتَ – عن هذه القضايا. لكنني أعتقد أنه الآن بدأ يتشكل وعي أكبر حول الموضوع، وتسليط ضوء أقوى عليه، وعودة إلى وضع السياسة في صلب العمل التنموي، نظرًا للتغيرات التي تحدث في العالم. على سبيل المثال، ما شهدناه في السنوات الأخيرة – من مجازر إسرائيل في غزة، وصعود ترامب، وتفاقم المشاكل الاجتماعية واندلاع حركات اجتماعية – أعاد تذكير الكثيرين بضرورة البعد السياسي. في رأيي، ما حدث في العقود الماضية في مجال التنمية ارتبط بتيار سياسي أقرب إلى الديموقراطية الاجتماعية، الذي افترض إمكانية معالجة المشكلات الاجتماعية دون زعزعة بُنى المجتمع وبُنى القوة والسلطة القائمة. كانت الفكرة أنه يمكننا حل المشاكل الاجتماعية من دون تصادم اجتماعي أو مساس بجذور علاقات القوة، عبر افتراض وجود موارد كافية يمكن توزيعها دون الحاجة لإعادة هيكلة في المجتمع.

لكن اتضح عالميًا أن هذا التيار الوسطي – لا سيما ضمن أطياف اليسار – غير قابل للاستمرار، وأن الإصرار عليه أدى (وأدى عناده) إلى قدر من زعزعة البنى الديمقراطية في مجتمعات عديدة، بل وإلى تدميرها في بعض الحالات، وهذا المد يمتد إلى مجتمعات أخرى. أعتقد أنه بات واضحًا أنه لم يعد هناك متسع لهذا الحل الوسطي أو لفصل السياسة عن العمل التنموي ومعالجة القضايا الاجتماعية، لأن الناس أنفسهم باتوا يطالبون بإعادة السياسة إلى صلب الأمور. نرى ذلك مباشرةً في موجات الاحتجاج وفي نتائج الانتخابات – كيف يرفض الناس الحلول الوسطية العقيمة. هذا الأمر أجبر – إن صح التعبير – الكثير من العاملين في التنمية ومنظمات التنمية على أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، والقيام بتسليط أكبر للضوء على المشكلات وعلى اللامساواة باعتبارها عنصرًا أساسيًا، ليس فقط من أسباب الفقر، بل أيضًا سببًا رئيسيًا لتردّي الأوضاع وزعزعة أي نظام ديمقراطي (إن وُجد). فاستمرار اللامساواة يضعف ثقة الناس بالمؤسسات الديمقراطية وبإمكانية التغيير من خلال النظام، ولم يعد الناس مقتنعين بذلك بصورة متزايدة، والأمور تزداد سوءًا.

لذا أرى أنه في المرحلة الحالية تحاول المنظمات التنموية أن تُواكب تطلعات الناس – لكي تتمكن من ردم الهوة التي نشأت. عندي شيء من التفاؤل – رغم كل هذه التغيرات السلبية – بأن هناك حركة قوية جدًا تتبلور عالميًا لإعادة قضية اللامساواة إلى صلب العمل التنموي.

ربيع نصر: لو تحدثنا قليلًا الآن عن الإشكالية التالية: لماذا هناك هذا التصادم أو الصراع بين المجتمعات وهذه المنظمات المالية الدولية (كصندوق النقد والبنك الدولي)؟ كثيرًا ما يقول ممثلو هذه المؤسسات لنا: “نحن نطرح حلولًا بديهية لا يمكن الاستغناء عنها، وإلا فأنتم تناقضون المعادلات الرياضية؛ تنفقون أكثر مما تملكون، والسوق هو المنطق، وما تحاولون فعله إما عاطفي أو شعبوي.” برأيك، لماذا يحصل هذا التصادم بين المجتمعات وهذه المؤسسات؟

نبيل عبدو: هذا التصادم له أسباب عديدة. ربما من المفيد أولًا أن نفهم تركيبة هذه المنظمات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد. كما ذكرتَ، تأسسا في منتصف الأربعينيات بعد الحرب العالمية الثانية وانضما من حيث الاسم إلى منظومة الأمم المتحدة، لكن تأسيسهما كان مختلفًا عن بقية المنظمات الدولية في أمر جوهري: الدول غير متساوية فيهما. فهاتان المؤسستان قائمتان على مساهمات الدول وحجم اقتصاداتها، وليس على مبدأ صوت واحد لكل دولة. أي أن الدول تمتلك حصصًا في رأس مال المؤسستين بنسبة تعكس حجم اقتصادها. ولأنهما تأسستا عقب الحرب، كانت الدول الأكثر انتصارًا في الحرب – وعلى رأسها الولايات المتحدة – تمتلك الحصة الأكبر. على سبيل المثال، تمتلك الولايات المتحدة اليوم حوالي 16.5% من حصص التصويت في صندوق النقد الدولي، مما يخوّلها استخدام حق النقض (الفيتو) على القرارات الرئيسية التي تتطلب موافقة 85% من الأصوات. إذًا المشكلة الأولى هي هيمنة الاقتصادات الغربية الرأسمالية الكبرى على هذه المؤسسات – أمريكا وأوروبا واليابان – رغم دخول الصين بحصة مهمة أيضًا مؤخرًا، لكن تظل الولايات المتحدة والغرب المهيمنين، وتمتلك أمريكا حق النقض كما أسلفنا.

المشكلة الثانية: أن صندوق النقد الدولي مضبوط – إن صح التعبير – لحماية مصالح الدائنين أكثر من المقترضين. إنه فعليًا أشبه باتحاد للدائنين؛ فالصندوق يُقرض الدول بفائدة ويتوقع منها أن تسدد القروض، وهو ملتزم قانونيًا بإدارة أموال الدائنين بشكل آمِن يضمن استعادتها. وقد صُمم الصندوق بهذه الطريقة لأن الولايات المتحدة كانت أكبر دائن عالمي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (لـبريطانيا وغيرها)، فأرادت مؤسسة تفضل حقوق الدائنين على المقترضين. هذا عامل أساسي لفهم لماذا يحدث تصادم بين هذه المؤسسات والمجتمعات: لأن سياساتها منحازة للدائن (أصحاب رؤوس الأموال) على حساب المقترض (عموم المجتمع).

هذه المؤسسات تقدّم القروض للدول المحتاجة – وبالذات الدول النامية أو دول الجنوب – ولكن مقابل شروط صارمة. الاقتراض يكون مشروطًا بتنفيذ حزمة سياسات اقتصادية محددة (غالبًا ما تكون تقشفية) لضمان قدرة الدولة على السداد. فمن أهم هموم صندوق النقد والبنك الدولي أن تضمن الدول سداد ديونها للدائنين في الوقت المحدد؛ وأحيانًا تُعطى أولوية لسداد القرض على حساب انتعاش اقتصاد البلد نفسه. صحيح أن هناك خلافًا حول معنى “اقتصاد سليم” – ومعنى “غير سليم” – لكن بالنسبة لهم فكرة رد القروض أساسية جدًا يجب تحقيقها بأي ثمن.

من أهم هموم صندوق النقد والبنك الدولي أن تضمن الدول سداد ديونها للدائنين في الوقت المحدد؛ وأحيانًا تُعطى أولوية لسداد القرض على حساب انتعاش اقتصاد البلد نفسه.

لذلك تكون الشروط التي يفرضونها على الدول قاسية جدًا في الغالب. على سبيل المثال، إذا قرر لبنان الحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد، فهذا المبلغ لا يُصرف دفعة واحدة، بل على عدة دفعات، وكل دفعة مربوطة بتنفيذ الحكومة إصلاحات معينة يشترطها الصندوق. هكذا يمتلك الصندوق سلطة على البلد عبر هذه الشروط المرحلية. وغالبًا ما تكون هذه الشروط الإصلاحية إجراءات تقشفية: خفض الإنفاق العام – وخاصة الإنفاق الاجتماعي –؛ زيادة الضرائب غير المباشرة التي يدفعها عامة الناس (والتي تثقل كاهل الفقراء بنسبة أكبر)؛ تقليص كتلة أجور ورواتب العاملين في القطاع العام؛ تحرير سعر صرف العملة؛ وإعادة هيكلة أو استهداف برامج الحماية الاجتماعية (بالانتقال من نظام حماية شامل إلى دعم نقدي لفئات محدودة فقط)؛ وكذلك رفع الدعم عن السلع الأساسية كالمحروقات والمواد الغذائية. هذه السياسات ما نسميه شعبيًا “شد الحزام”، أي مطالبة الناس بالتضحية من أجل تحقيق هدف اقتصادي كخفض العجز المالي. ومن الواضح أن عبء هذه الإصلاحات يقع على المجتمع ككل – وخاصة على الطبقات الوسطى والفقيرة – لأنها الفئات الأسهل اقتطاعًا. بالمقابل، أصحاب النفوذ والثروة عادةً موجودون في مواقع السلطة أو على صلة بها، فيتم تفادي المساس بمصالحهم. إذًا هذه أيضًا سبب إضافي للتصادم: فالمجتمع يجد نفسه يدفع ثمن الإصلاحات التقشفية.

هناك نقطة مهمة أثرتها أنت يا ربيع: يتصرف صندوق النقد والبنك الدولي وكأنهما يملكان الحقيقة العلمية المطلقة – وخصوصًا اقتصاديّو هاتين المؤسستين. وللإنصاف، فإن في أروقة الصندوق والبنك بعضًا من أبرز الاقتصاديين في العالم من خريجي جامعات مرموقة (كجامعة هارفارد وغيرها)، والتي غالبًا ما تروّج للإيديولوجيا النيوليبرالية باعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق الازدهار. هؤلاء الخبراء يأتون بهذه العقلية المهيمنة. ونتيجة لذلك نسمع التشبيه الذي يحب موظفو الصندوق والبنك استخدامه: “نحن (لا سيما صندوق النقد) مثل الطبيب، والبلد الذي يأتي إلينا هو المريض” – يقولون “المريض مصاب بالسرطان، ويجب أن يخضع لعلاج كيميائي مؤلم جدًا وإلا سيموت؛ فلا خيار أمامه.” والفكرة هنا أنه عندما تأتي دولة إلى الصندوق، فهذا يعني – في نظرهم – أن كل الخيارات الأخرى قد استُنفدت، وأنها لم تلجأ إليهم إلا اضطرارًا. فإذا سألتهم عن بدائل أخرى، قالوا: “لقد كانت لديكم خيارات أخرى في السابق لكنكم لم تستغلّوها.” ويضربون مثلاً: “نصحنا بلدًا ما قبل 10 سنوات بإصلاحات معينة (كوقف دعم ما أو تخفيض عجز ما) ولم يفعل، فتراكمت مشكلاته. تمامًا كما لو أن الطبيب نصحك بالإقلاع عن التدخين ولم تستجب، فأُصبت بالسرطان لأنك لم تسمع النصيحة؛ أما الآن وقد وقع المرض، فعليك أن تفعل ما أقوله لك وإلا فالموت مصيرك.”

هذه العقلية جوهرية لدى هذه المؤسسات: يعتبرون أنفسهم الأطباء وأن الدول مرضى يفتقرون للمعرفة، فلا يحق للمريض مناقشة الطبيب أو الاختلاف معه. الطبيب (أي خبراء الصندوق) لديه المؤهلات والفحوصات وكل شيء، فمن تكون أنت – أيها البلد – لتقول: “أختلف معك”؟ عليك أن تأخذ برأي الطبيب وتنفذ الوصفة كما هي. هم يرون أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة العلمية. وبالتالي إذا لم تستمع الدولة إلى نصائحهم فهي – في نظرهم – تضع نفسها على طريق الانهيار الاقتصادي أو الزوال المالي. وعندما يقولون “البلد مصاب بالسرطان ويحتاج علاجًا كيميائيًا” فهم يقصدون أن الإصلاحات ستكون مؤلمة جدًا جدًا. والسؤال: من الذي سيتحمل ألم هذا العلاج؟ بطبيعة الحال عامة الناس، أي الطبقات الوسطى والفقيرة. ثم يبررون ذلك بقولهم: “يجب على البلد أن يقدم تضحيات من أجل الاقتصاد؛ الاقتصاد هو الأهم الآن، ويجب أن نضحي جميعًا لأجل إنقاذه.” ويضيفون: “علينا جميعًا أن نتحمل وزر هذا الإصلاح.” لكن الحقيقة أنه ليس جميعنا؛ فالأثرياء في هذه المجتمعات لا يتحملون شيئًا تقريبًا في نهاية المطاف – كل التضحيات تُطلب من الطبقات الوسطى والفقيرة. لذلك يحصل التصادم: الناس يُطلب منهم دفع الثمن، فيخرجون إلى الشوارع احتجاجًا، ويحصل صراع اجتماعي.

يتعامل صندوق النقد والبنك الدولي مع الدول كمرضى لا يحق لهم مناقشة الطبيب، ويفرضون إصلاحات مؤلمة بزعم أنها الحل الوحيد، بينما تدفع الطبقات الفقيرة وحدها ثمن هذه السياسات التي يُفترض أن تنقذ الاقتصاد.

أيضًا، أسلوب عمل هذه المؤسسات يُفاقم المشكلة. فالجمهور الذي تستمع إليه فعليًا هو الحكومات وليس بقية أطراف المجتمع. يكفي أن يبرم الصندوق أو البنك اتفاقًا مع الحكومة – على قرض وبرنامج إصلاحي – حتى يعتبروا مهمتهم ناجحة، دون أي إشراك حقيقي للمجتمع المدني أو النقابات أو غيرها من ممثلي المجتمع. وأي “تشاور” مع المجتمع المدني يحدث يكون شكليًا واختياريًا في أفضل الأحوال. لماذا يحدث ذلك؟ لأن هناك مشكلة أخرى: لديهم وصفة جاهزة يرونها صالحة لكل مكان. يقولون: “لدينا وصفة مضبوطة جرّبناها مرارًا.” وهكذا يأتون بهذه الوصفة إلى مختلف الدول.

على سبيل المثال، في كل البلدان العربية التي دخلها صندوق النقد – منذ بدء الربيع العربي حتى الآن – نراهم يطبقون نفس الوصفة تقريبًا: رفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية (رغم أنه أكثر ما يستفيد منه الفقراء وسيكونون أكبر المتضررين من رفعه)، خفض الإنفاق العام (خاصة تقليص كتلة أجور القطاع العام)، تحرير سعر الصرف، إعادة هيكلة برامج الحماية الاجتماعية (الانتقال من نظام حماية اجتماعية شامل إلى نظام يستهدف الأكثر فقرًا فقط)، زيادة الضرائب غير المباشرة (خصوصًا فرض أو رفع ضريبة القيمة المضافة)…إلخ. نجد هذه “الإصلاحات” في كل مكان تقريبًا. ومن الواضح أنها تستهدف بشكل مباشر الطبقتين الوسطى والفقيرة، لأنها الأسهل اقتطاعًا كما ذكرتُ – بينما أصحاب النفوذ والثروة غالبًا محصّنون وقريبون من دوائر صنع القرار، فيتجنب البرنامج إثقال كاهلهم. إذًا لديهم وصفة موحّدة يطبقونها في كل بلد.

وهم ينظرون إلى البلدان بطريقة مجردة جدًا: يرسلون بعثات تقييم للبلد ويجرون اجتماعات رسمية وما شابه، لكنهم لا ينزلون إلى مستوى أن يسمعوا صوت الناس مباشرة. لماذا؟ لأنهم يرون أنه إذا تحدثوا مع عامة الناس وشرائح المجتمع المختلفة، فسوف “تتلوث” وصفة الطبيب. كيف ذلك؟ إذا ذهبتَ إليهم كممثل عن العمال أو الفقراء وقلتَ: “لا تستطيع تطبيق هذا الإجراء لأننا سنتضرر، ويمكن بدلًا منه تطبيق إجراء آخر…” فهذا بالنسبة لهم كمن يقول للطبيب: “جرّب العلاج بالأعشاب بدل الكيميائي.” هذا كلام مرفوض تمامًا لديهم. لكي يستطيعوا فرض إصلاحاتهم يعتبرون أنه يجب عليهم أن يكونوا معزولين عن كل هذه الاعتبارات المحلية؛ فهم يزعمون أن وصفاتهم علمية جدًا وموضوعية ولا ينبغي أن “تلوثها” أي عوامل سياسية أو اجتماعية محلية.

هكذا يفكرون – كما لو أننا في جمهورية أفلاطون: الفلاسفة (وهنا الاقتصاديون) هم مَن يمتلك المعرفة، وعليهم فرض رؤيتهم. نتيجة ذلك نجد سياسات شديدة الصرامة والقسوة تُفرض من أعلى. وبالتالي يحصل التصادم مع الناس، لأن هذه الإصلاحات تُفرض بغلظة وتزيد الأعباء على المواطنين، فيخرج الناس إلى الشوارع رفضًا لها ويحدث الصدام. بالمحصلة، نجد أن الناس هم من يتحملون كلفة ما يُسمى “الإصلاح الهيكلي” وإنعاش الاقتصاد من أزمته – هذا إن تم إنعاشه أصلًا، وذلك موضوع آخر بحد ذاته. على كل حال… سأكتفي بهذا الحد حاليًا.

ربيع نصر:  لا، على العكس تمامًا، نبيل… مداخلتك غنية. في الثمانينات، توسّعت هذه المؤسسات بأقصى شكل – خاصة خلال أزمة الديون حينها – ونفّذت برامج التكيف الهيكلي وفرضت شروطها. لكن بعد عام 1997 (أي بعد الأزمة الآسيوية)، وأيضًا حوالي سنة 2000 داخل البنك الدولي، بدأ حديث جديد عن محاربة الفقر وتقييم السياسات السابقة واعتراف بفشل كبير فيها. ثم بعد 2008 والأزمة المالية العالمية، جرت مراجعات أخرى أقرت بوجود خلل كبير في السياسات التي تم تنفيذها، بما فيها سياسات تحرير القطاع المالي والانفتاح التجاري غير المشروط.

مع ذلك، حين وصلنا إلى الربيع العربي 2011، أذكر أن البنك الدولي مثلًا كان يعدّ دراسات يقول فيها: “لقد تجاهلنا قضايا رأسمالية المحاسيب (Crony Capitalism) وغضضنا الطرف عنها، واعتبرنا أن الإصلاحات تسير في الاتجاه الصحيح بغض النظر عمن هي القوى المسيطرة على الاقتصاد.” لكن بعدما تحوّل مسار الربيع العربي للأسف إلى اتجاهات سوداوية (كما نرى الآن في أزمات معيشية وبيئية خانقة)، نجد أنهم عادوا إلى السياسات السابقة بقوة. فبرأيك، ما سر هذه العودة القوية لفكرة “المعادلة البسيطة” – أي أنه “لا موارد لدينا لننفقها” – وكأن الموضوع يُختزل بمجرد حساب كم في الخزينة وكيف نصرفه، من دون النظر إلى من الذي ينفق، ومن الفاسد، ومن الذي يستغلّ من؟ وهل إذا تغيّر هذا النظام يمكن أن يزيد الإنتاج نظرًا لوجود رأس مال بشري وقوى اجتماعية وإبداع في المجتمع قد تغيّر طريقة التنمية؟ ما الذي تغير في الفترة الأخيرة – على الأقل في المنطقة العربية – حتى نراهم يعودون الآن إلى نفس نهج الثمانينات؟

نبيل عبدو: نعم، صحيح… دعني أكون منصفًا هنا: في عام 2008 وما تلاه – وصولًا إلى فترة الربيع العربي – حصل شيء مهم. برأيي، هذه المؤسسات ساهمت في إجهاض الثورات العربية بشكل أو بآخر. مثلًا بعد اندلاع الربيع العربي، وُجد ما سُمّي بـ**”شراكة دوفيل”** عام 2011 في فرنسا؛ حضرها قادة دول مجموعة السبع ثم الثماني (كان ذلك قبل تعليق عضوية روسيا)، ودول مجلس التعاون الخليجي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومؤسسات أخرى. أعلنوا في شراكة دوفيل أنهم موجودون لدعم التحول الديمقراطي في المنطقة العربية. لكن برأيي، ما حدث فعليًا هو فصل المسار السياسي عن المسار الاقتصادي تمامًا في تلك الدول. كانت شراكة دوفيل بمثابة رسالة إلى الشعوب مفادها: “تفضلوا أكملوا مساركم السياسي نحو الديمقراطية، أما الاقتصاد فلا تُقحموه في ثوراتكم.” بمعنى: الديمقراطية التي ندعمها لكم هي صناديق اقتراع وانتخابات حرة – لكن ليس الديمقراطية الاقتصادية. نعلم أن شعارات الثورات كانت تطالب بـ”خبز وحرية وعدالة اجتماعية”؛ هم عمليًا قالوا: سندعم الحرية السياسية فقط، أما الخبز والعدالة فبقيتا خارج المعادلة.

لذلك رأينا مباشرةً بعد انتفاضات الربيع العربي: حصلت تونس على برنامج قرض من صندوق النقد، ثم مصر بعد بضع سنوات (2015 تقريبًا)، ثم الأردن وغيرها… وكانت كل هذه البرامج تقشفية. أي أن التوجه الاقتصادي استمر كما كان قبل الثورات – بل أصبح أشد تقشفًا وليبرالية: رفع دعم، زيادة ضرائب غير مباشرة، خصخصة أصول… إلخ. أدى ذلك إلى فصل المسار السياسي عن الاقتصادي في عملية التغيير، وأسهم في إفراغ الثورات من مضمونها الاجتماعي والاقتصادي. لا أقول إن العامل الاقتصادي كان الوحيد في فشل الثورات، لكنه لعب دورًا كبيرًا برأيي.

في تلك الفترة قام صندوق النقد والبنك الدولي بنقلة خطابية في لهجتهما. على سبيل المثال، صدر عن صندوق النقد عام 2016 بحث بعنوان “النيوليبرالية: هل بيعت بأكثر من قيمتها؟” – اعترف فيه ضمنيًا بأن بعض السياسات النيوليبرالية أفرزت عواقب سلبية، وتحدث عن أهمية اللامساواة وغيرها من القضايا الاجتماعية. حصل إذًا تغيير في خطابهم، وتعديل طفيف في استراتيجياتهم. فمثلًا، وضع صندوق النقد بعد ذلك استراتيجية للحماية الاجتماعية، واستراتيجية متعلقة بالنوع الاجتماعي (الجندر)؛ وكذلك البنك الدولي وضع سياسات معلنة للتصدي للفقر ولتعزيز الإدماج الاجتماعي… قالوا فيها: “نعم، نعترف أن إصلاحاتنا ربما تترك آثارًا سلبية على شرائح معينة من المجتمع، ويجب علينا معالجتها.” فبدأ الصندوق يشترط أحيانًا في برامجه بعض الشروط الاجتماعية المخففة – كأن تقول الاتفاقية مع البلد: “يجب أن تنفق الحكومة على الأقل مبلغ كذا على الصحة والتعليم خلال مدة البرنامج”.

لكن بصراحة كانت هذه إصلاحات شكلية لتجميل البرنامج لا أكثر، دون أي إعادة نظر حقيقية في فلسفة التقشف الأساسية. أدخلوا بعض البنود بشأن قضايا النساء أو المناخ، لكن بطريقة تخدم مشروعهم الاقتصادي القائم. هم بارعون جدًا في قلب القضايا الاجتماعية العادلة إلى أدوات تخدم جدول أعمالهم التقشفي. مثلًا، قضية المناخ: يفاخر صندوق النقد بأنه يعالج قضايا المناخ منذ 30 أو 40 سنة، محتجًّا بأنه ظل طوال عقود يوصي الدول برفع الدعم عن الوقود والكهرباء – ويعتبر ذلك سياسة مناخية تقلل الاستهلاك! بالنسبة له، هو دائمًا كان صديقًا للبيئة بهذا المعنى.

أيضًا بالنسبة لـقضية تمكين المرأة: يقولون – خاصة عن منطقتنا العربية – إن انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل مشكلة كبيرة يجب معالجتها. هذا صحيح من حيث المبدأ، لكن ماذا يقترحون؟ يقترحون نظريتهم الخاصة: في رأيهم أن النساء يفضلن العمل في القطاع العام لأنه يمنح امتيازات وظيفية جيدة (رواتب ثابتة، إجازات أمومة، دوام أقصر أو تأمينات أفضل، إلخ)، وبالتالي إن لم تتوفر وظائف حكومية فإن الكثيرات يخرجن من سوق العمل بدل الانتقال للقطاع الخاص. إذًا ما “الحل” وفق تصورهم؟ يقولون: يجب تسوية الملعب بين القطاعين العام والخاص. ولكن بدل رفع مستوى القطاع الخاص وتحسين شروط العمل فيه، يقترحون خفض امتيازات القطاع العام! أي تقليص إجازات الأمومة وربما تخفيض بعض المنافع، وكذلك الحدّ من التوظيف الحكومي. النتيجة المتوخاة لديهم: بعد تراجع دور القطاع العام وفرصه، ستضطر النساء إلى التوجه للعمل في القطاع الخاص بأي شروط كانت. هكذا – بحسب منطقهم – ترتفع نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة!

هذا مثال على كيفية تحويرهم للقضايا الاجتماعية لتخدم المشروع التقشفي. كذلك بالنسبة لفكرة الحماية الاجتماعية الشاملة: نجدهم يقولون مثلًا إن دعم الغذاء أو الطاقة نوعٌ من الحماية الاجتماعية غير الموجّهة، وإن الأغنياء يستفيدون منه أيضًا، لذا فلنلغِ الدعم الشامل ولنستهدف فقط الأكثر فقرًا. والنتيجة – كما نعلم – تكون زيادة في اللامساواة، لأن إلغاء الدعم يضرُّ بالطبقة الوسطى والفقراء ويعمّق الفجوات. لكن الصندوق بارع في تسويق هذا المنطق على أنه إصلاح عادل وفعّال.

خلاصة القول: خلال العقدين الماضيين حاولوا إضافة بعض “البهارات” الاجتماعية على برامجهم التقشفية، لكن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة. في النهاية، إذا كنت تطالب الدولة بخفض الإنفاق العام بشكل صارم، فكيف لها في الوقت نفسه أن تزيد الإنفاق على الصحة والتعليم مثلًا؟ هذا تناقض جوهري. ما يحدث عمليًا أن الحكومة – كي تفي بشروط التقشف وتحصل على دفعات القرض – تجد نفسها تُخفّض الإنفاق الاجتماعي أيضًا رغم التعهدات، لأنها مضطرة للالتزام بسقف العجز المالي المحدد. بالتالي لم تنجح هذه المحاولات التلطيفية. كما قلتَ أنت يا ربيع، ظل نهجهم محاسبيًا ضيق الأفق: ينظرون إلى الدولة كأنها دكان أو أسرة صغيرة يجب أن تقلص مصاريفها.

هم دائمًا يطرحون المثال البسيط الذي يفهمه الناس ليكسبوا تأييدهم: يقولون لك “إذا كنتَ مثقلًا بالدين في بيتك، فعليك أن تخفّض مصروفك وإلا ستفلس…” الناس تفهم هذا التشبيه وتوافق عليه، لكن الدول والمجتمعات ليست كذلك حقًا. لا يمكن تشبيه اقتصاد بلد بميزانية أسرة. الحكومة وظيفتها الإنفاق على المواطنين لتوفير الخدمات والتنمية، وقد تقترض وتحقق عجزًا في سبيل ذلك. العجز الحكومي ليس بالضرورة أمرًا سيئًا على الإطلاق؛ قوة الدولة أنها تستطيع الإنفاق أكثر مما تجبي، خاصة إذا كان إنفاقها استثماريًا أو اجتماعيًا يعود بالنفع العام. الإنفاق الحكومي هو الأداة الرئيسية لتقليل اللامساواة وتلبية الحاجات الأساسية للمجتمع.

الدولة ليست أسرة مثقلة بالديون، وظيفتها الإنفاق لتأمين الحقوق الأساسية، لا تقليصها تحت شعار التقشف؛ فخفض العجز لا يبرر التضحية بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.

ربيع نصر:
اسمح لي أن أربط هذا الموضوع قليلاً بمسألة النزاعات التي تطرقتَ إليها. أذكر في عام 2015 تقريبًا، كنت في اجتماع قال فيه ممثل لمنظمة التجارة العالمية إن قطاع الاتصالات هو “أنجح القطاعات في المنطقة العربية” لأنه خُصخص ويعمل بكفاءة عالية. والمفارقة أن هذا القطاع في العديد من بلداننا محتكر من قبل قلة مرتبطة بالسلطة – بشكل مباشر أو غير مباشر – وتسيطر على كل ثرواته خارج إطار المنافسة والقانون. ما أود قوله: إن طريقة إدارة الاقتصاد والإنفاق تتم دون النظر إلى مَن المستفيد الحقيقي. حتى في أوج الخصخصة وانسحاب الدولة، نجد احتكارات يملكها مقربون من السلطة. الصندوق والبنك – في الحقيقة – لا يركزان على هذه التفاصيل؛ بل ربما يشجعان سياسات تؤدي إلى مثل هذا التناغم بين نخبة الحكم والنخب الاقتصادية.

لذلك نرى تناغمًا بين الحكومات والنخب الاقتصادية من جهة، وشروط صندوق النقد من جهة أخرى. لا نلحظ صدامًا كبيرًا بين الصندوق وهذه النخب – حتى في فترات النزاع والحروب – لأن برامج الصندوق كثيرًا ما تخدم مصالح من بيدهم السلطة والمال. حتى اقتصاديات الحرب وأمراء الحرب الذين يستفيدون من الفساد وتجارة السلاح، لا يجدون ما يطرحه الصندوق معارضًا لهم. وهنا يصل سؤالك تمامًا، ربيع…

من هذا المنطلق، أريد أن أسألك عن موضوع النزاع وإعادة الإعمار. كما تعلم، يكثر الحديث عن مرحلة “التعافي” (Recovery) ما بعد النزاع. برأيك، مع تقليص الإنفاق – الذي يفترض أنه استثمار للمستقبل كما قلتَ (فالدولة ليست كالعائلة، بل عليها جمع الموارد للاستثمار في مستقبل أفضل) – كيف ترى العلاقة بين النزاع ومرحلة إعادة الإعمار من جهة، وهذه المؤسسات الدولية من جهة أخرى؟

نبيل عبدو: هم أيضًا بدأوا بالحديث عن الدول الخارجة من النزاعات، وصار لديهم استراتيجيات لما يسمونه “الدول الهشّة” أو التي تمر بمرحلة انتقالية. قد يقولون الآن: “الإصلاحات التي نقترحها يجب أن تكون قابلة للتنفيذ، ويجب ترتيبها على مراحل، ومنح مرونة أكثر للدولة في التنفيذ.” ولكن هل تغير شيء في الجوهر؟ ما زالت الإصلاحات نفسها: ضرائب وتخصيصات وتقشف… فكيف تقيم مقاربتهم الحالية لمسألة الدول التي أنهكتها الصراعات وتحتاج إلى إعادة إعمار؟

بالفعل، لدى صندوق النقد والبنك الدولي الآن بعض الاستراتيجيات للتعامل مع ما يسمونه “الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات”، لكن – كما تفضلت – لم يتغير الكثير في الجوهر. هم يقولون: “نعم، يجب أن تكون الإصلاحات قابلة للتحقيق، وسنعطي فسحة زمنية أكبر ومرونة في التنفيذ”… لكن حين تنظر إلى مضمون هذه الاستراتيجيات، تجده نفس الوصفات التقليدية مع جدول زمني أطول لا غير. ربما يمنحون بعض المنح أو القروض الميسرة جدًا للدول الأشد فقرًا أو المنهارة تمامًا، لكن ذلك لا يمسّ لبّ السياسات المطلوبة.

المسألة الأساسية في إعادة الإعمار ليست فقط “من أين سآتي بالتمويل” أو “بأي شروط”، بل على أي أساس سأبني عملية إعادة الإعمار، ومن هي الفئات التي ستشارك ويُفترض إشراكها في وضع الرؤية الاقتصادية الجديدة. هنا المشكلة أن هذه المؤسسات – تاريخيًا – عندها عمى شبه تام عن الاقتصاد السياسي المحلي. لا يعرفون كيفية التعاطي السليم مع توازنات القوى الداخلية في البلد.

الاقتصاد السياسي المحلي يعني فهم من هي القوى المختلفة في المجتمع وكيف تتصارع أو تتشارك، ومن الخاسر والرابح من أي سياسة اقتصادية تُتبنى… هذا النوع من التحليل لا يدخله الصندوق والبنك عادة في صلب توصياتهما. ربما يحاولون الآن الحديث عن “الشمولية” أكثر، لكن حتى عندما يفعلون ذلك يكون الأمر سطحيًا جدًا. وكما قلنا سابقًا، مهما ظهروا “منفتحين” ويتحدثون مع بعض ممثلي المجتمع، فإن تعاطيهم الفعلي والحصري يبقى مع المسؤولين الرسميين – كرئيس الحكومة أو وزير المالية – أي مع من يمثل السلطة التنفيذية فقط. بالتالي فهم يفتقرون إلى فهم حساسيات المجتمع ودينامياته، وهذا عائق أساسي.

النقطة الثانية: رؤيتهم لدور الدولة في الاقتصاد. حاليًا – خاصة بعد موجة السياسة النيوليبرالية الشعبوية مؤخرًا (كفترة حكم ترامب وما شابه) – نجد توجهًا لديهم أكثر تشددًا لصالح القطاع الخاص. عقيدتهم الأساس هي: “كيف نخلق الظروف لازدهار القطاع الخاص، وكيف نجعل دور الدولة دور المنظم المنسحب من الاقتصاد.” مثلًا، إذا نظرنا إلى برنامج مصر الأخير مع صندوق النقد، نرى ضمنيًا رسالة مفادها: “ما يحدث في مصر دليل إضافي على أن الدولة يجب ألا تتدخل في الاقتصاد.” طبعًا هم لا يقولونها بهذا الوضوح، لكن السياسات المطلوبة .

الأمر الثالث الذي يجب الإشارة إليه هنا: كم يمتلك الصندوق والبنك من حرية تقنية مقابل التوجهات السياسية للدول الكبرى المساهمة فيهما؟ أي ما حدود القرار الاقتصادي البحت مقارنةً بمصالح الدول المالكة للحصص؟ الحقيقة أنه حتى لو رأى خبراء الصندوق مثلاً أن السياسة الأمثل هي س، فإن الدول الكبرى المساهمة (كالولايات المتحدة وأوروبا) إن كانت تفضّل ص أو ع وفق مصالحها، فسيتم توجيه المؤسسة نحوها. مصالح تلك الدول تطغى في المحصلة.

خذ مثالًا سوريا نفسها – أو لنقل لبنان لتبسيط الأمر – لا يعتبر بلدًا “هشًا” بالمعنى الحرفي لكنه يمر بأزمة. الجميع في لبنان يقول: لا يمكن الحصول على قرض من صندوق النقد دون تنفيذ الإصلاحات التي يطلبها. لكن في الحقيقة المانع لقرض لبنان حاليًا سياسي أكثر مما هو اقتصادي. لو نفذت الدولة اللبنانية بعض الشروط السياسية المطلوبة من قِبل أمريكا وأوروبا وغيرها، لأعطوها القرض مباشرة ولو لم تكن قد أنجزت كل الإصلاحات الاقتصادية. رأينا مثل هذه الحالات: تقرر الدول الكبرى منح دعم مالي لحكومةٍ ما رغم عدم استكمالها الإصلاحات، لأنها حققت شرطًا سياسيًا يهم تلك الدول.

للمستمعيين والمشاهدين كتير مهم تعرية هذه المؤسسات من ادعاءاتهم التكنوقراطية، لأنه هو أساسي بيقولوه باللبنان أو سوريا، وهو أن هذه المؤسسات تكنوقراطية تعمل على فقط على أساس الاقتصاد، لكنهم ليسوا كذلك بل هم مؤسسات تعمل بالسياسة.

إذن حين سيتدخل صندوق النقد أو البنك في إعادة إعمار سوريا، لن يكون ذلك بمعزل عن السياق السياسي الدولي. سيكونان أداة ضمن أدوات القوى الكبرى لرسم معالم الاقتصاد السوري بعد الحرب وفق مصالح تلك القوى. إذا عرض الصندوق إقراض سوريا مثلاً، فشروطه لن تقتصر على “ضبط العجز المالي” أو “استقرار سعر الصرف”. ستكون هناك شروط تتعلق بكيفية فتح الاقتصاد السوري أمام استثمارات أجنبية معينة، وربما استثناء أخرى؛ نوع النظام الضريبي المراد تطبيقه – غالبًا بطريقة تخفف الضرائب عن رأس المال وتضعها على الاستهلاك مثلاً –؛ وهكذا.

من الدروس التي ينبغي أن نتعلمها عن إعادة الإعمار أن هذه العملية – وكذلك التعافي الاقتصادي – هي في جوهرها فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. ليس فقط من حيث شكل النظام السياسي، بل خصوصًا من ناحية توزيع الموارد والأعباء. العنصر الأساسي في أي عقد اجتماعي اقتصادي جديد هو كيف سيتم الجباية والإنفاق في الدولة.
إذا انخرط صندوق النقد والبنك الدولي بقوة في رسم هذه التفاصيل أثناء إعادة إعمار سوريا – واعتقد أنهم يقومون ببعثات إلى سوريا الآن- فالدفع هنا يكون  ما النظام الضريبي الذي سيُعتمد، وعلى من ستقع كلفة الإنفاق العام بشكل أكبر، وما حجم القطاع العام وما الخدمات العامة التي ستضمنها الدولة (تعليم، صحة، حماية اجتماعية… إلخ).
والدفع ايضا نحو نموذجهم المفضل: خفض دور القطاع العام إلى الحد الأدنى، تقليص الدعم الحكومي، زيادة اعتماد الاقتصاد على القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية… سيقولون: “كان لديكم قطاع عام متضخّم لعقود، لا بد من تقليصه. كان لديكم دعم للسلع، يجب رفعه،…” إلى آخر هذه المعزوفة التي نعرفها.

الخطورة في مرحلة إعادة الإعمار هي أن يتركز اهتمام الجميع على المسار السياسي (تشكيل الحكومة، الدستور، تقاسم السلطة… إلخ) بينما يُهمَل تحديد شكل النظام الاقتصادي القادم، فيُترك هذا الملف للصندوق والبنك ودول قليلة لرسمه كما يريدون، بحجة أنه مسألة فنية أو اقتصادية بحتة. هذا حدث في بلدان عديدة – بعد الحرب الأهلية اللبنانية مثلاً، وفي دول أخرى – حيث أُنجزت تسويات سياسية ولم ينتبه الناس إلى أن سياسات اقتصادية نيوليبرالية فُرضت بالتوازي. أخشى أن يتكرر ذلك في سوريا بشكل كبير. لذا هذا الأمر برأيي بالغ الأهمية: علينا أن ننتبه ألا ننشغل تمامًا بالحل السياسي ونتجاهل الاقتصاد، وإلا فسنصحو لنجد النموذج الاقتصادي قد فُرض بالكامل من قبل هذه المؤسسات قبل أن يكون للمجتمع المحلي رأي فيه.

الخطر في إعادة الإعمار أن ننشغل بالحل السياسي، بينما يُفرض النموذج الاقتصادي من الخارج كأمر فني محض، دون مشاركة مجتمعية أو نقاش حقيقي حول مستقبل البلاد الاقتصادي.

ربيع نصر:
لا، بالعكس. كما تقول، فإن الكثير من الذين يستمعون إلينا والمهتمين بالشأن السوري يعلمون أنه خلال هذه الأشهر العشرة، أو ربما أكثر، مرّت بنا مشاهد متسارعة ناتجة عن هذه السياسات، حتى قبل أن يتدخل صندوق النقد والبنك الدولي. هناك توجه وكأن هذا التوجه هو الإصلاحي أو الأفضل للاقتصاد.


نبيل عبدو:
عفوًا يا ربيع، هناك أيضًا أمر يتعلق بهذا الموضوع، والذي حدث – بحسب اعتراف الصندوق نفسه – وهو أنه عادةً ما يحصل نوع من المبالغة في تأثير أو نتائج هذه السياسات. أعني، إن سياسات الصندوق – وغيرها – هي سياسات عادةً غير شعبية، كما ذكرنا. لذا، يحدث أحيانًا شيء مما يسمونه تفاؤلًا بالنمو (Growth Optimism). أي يقولون لك إنه إذا نفّذت السياسات التي نخبرك عنها، فإننا نتوقع أن يكون هناك نمو بنسبة 4% بعد سنتين، وأن ينخفض الدين العام – لنقل – من 80% إلى 60%، وإلى آخره.

ويعطونك صورة وردية عن كيفية تحقيق ذلك. ويتبيّن من خلال تقييم صندوق النقد نفسه – إذ لدى الصندوق مكتب تقييم مستقل – أن مسؤولي الصندوق في بعض الأحيان يفعلون هذا الأمر بشكل متعمّد لكي تتمكن الحكومات من تسويق البرامج، نظرًا لصعوبة أن نقول للناس مثلًا: “سيكون لديكم نمو 5%، لذا يجب أن ندعم كلّنا هذا البرنامج”، إلى آخره. ولكن في النهاية يتبيّن أن هذه التقديرات كانت متفائلة جدًا، وليس هذا ما وصلنا إليه.

من الممكن أيضًا أن يحدث الأمر نفسه مرة أخرى. وبدلًا من ذلك – خاصةً وأن العنصر الأساسي، لا سيما في مرحلة إعادة الإعمار، وبشكل عام في أي نوع من هذه الأزمات – هو أنك تكون أمام مشهد معقد جدًا، مشهد فوضوي جدًا. فوضوي بمعنى أن هناك الكثير من المجموعات، والكثير من اللاعبين، إلى آخره.
ثم يأتي صندوق النقد (أو البنك الدولي) ليقول لك: حسنًا، هذه هي السياسات التي عليكم تنفيذها لوضع سوريا على المسار الصحيح من أجل أن يقف اقتصادها على قدميه. وبعد بضع سنوات يتضح أن النتائج المرجوّة لم تظهر. لماذا؟ لأن هناك أمورًا معيّنة: إصلاحات لم تُنفَّذ، وإصلاحات تراجعت عنها الحكومة لأنها لم تكن شعبية.
فيأتي صندوق النقد والبنك الدولي ويقولان لك: هذه السياسات لم تنجح لأنكم لم تنفّذوها كما طلبنا. لكن البلد معقد؛ وجميع البلدان معقدة. لا يمكننا أن نكتب كل شيء على الورق ويتم تنفيذه بحذافيره. وكما قلنا، هناك تعقيدات ناجمة عن العلاقات الاجتماعية، والعلاقات السياسية، وعلاقات القوة، إلى آخره، والتي يمكن أن تدفع الأمور في هذا الاتجاه أو ذاك. وبالتالي يصبح اللوم على البلد نفسه، وليس على أننا لم نستطع صياغة سياسات ملائمة لواقع البلد وتعقيداته والصعوبات التي نواجهها – لا سيما وأن هذه الصعوبات موجودة.

ربيع نصر:
مثل الطبيب السيّئ الذي لم يتعلم جيدًا، فيقول للمريض: أنت لم تأخذ الدواء في موعده أو كان يجب أن تلتزم أكثر أو لقد كنت تحت ضغط نفسي، فيجد لك الأعذار. لكن النموذج الذي يقدّمونه أصلًا يتجاهل أمورًا. أعني أنهم يطرحون أمورًا متفائلين بها، لكنهم أيضًا يزيلون من الصورة النتائج السلبية أو قضايا أخرى. حتى إنه في النقاشات حول تقارير بعض الدول، لا يريدون طرح قضايا قد تثير حفيظة الحكومة. أي أنهم – حتى في تلك الدول الضعيفة – يعتبرون الحكومات هي الشريك بالنسبة لهم، وليس بقية الفئات.

وهنا أريد أن أسألك عن علاقتهم وتفاعلهم مع القطاع الخاص. لستُ أتحدث عن القطاع الخاص الكبير؛ بل أقصد القطاع الخاص الذي غالبيته في منطقتنا من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك عن المجتمع المدني. كيف ترى هذه العلاقة؟ هم يدّعون أنه أصبح هناك قنوات أكثر للتواصل مع القطاع الخاص الصغير والمتوسط والاهتمام به، ومع منظمات المجتمع المدني، من خلال اللقاءات الدورية التي يعقدونها. فبرأيك، هل هذه القنوات فعلًا تشكّل مسارًا للتغيير أو للإصلاح أو للتعديل؟ وإلى أي مدى تراها فعّالة، وهل ينبغي الاستفادة منها؟

نبيل عبده: الآن، هل هي فعّالة؟ لا، ليست فعّالة إن شئت رأيي. ربما تُحدث تغييرًا طفيفًا هنا أو هناك حسب علاقتك بهم، لكنني لا أعتقد أنها فعّالة حقًا. حسنًا، فيما يتعلق بسؤالك، سأعطيك بعض الأمثلة. على سبيل المثال، في ما يخص القطاع الخاص الصغير أولًا: في البلدان النامية بشكل خاص، ينظرون إلى هذا القطاع – إن شئت القول – من منظور الاقتصاد غير النظامي أو الاقتصاد غير الرسمي. أي أن همّهم هو: كيف يمكننا إدخال هذه المؤسسات، التي غالبًا ما تكون خارج الاقتصاد أو غير مسجّلة، إلى الاقتصاد النظامي كي نجري جباية ضريبية منها. هذا هو المنطق الأساسي بالنسبة لهم، بدلًا من التفكير في كيفية بناء اقتصاد منتج وهيكلية تعزّز نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإلى آخره. ولا سيما صندوق النقد، لأنه بطبيعته ينظر إلى الاقتصاد على المستوى الكلّي؛ فهم خبراء اقتصاد كلي ويركزون على استقرار المؤشرات العامة. أما البنك الدولي فربما يعمل بشكل أكبر – من خلال مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وهي ذراعه المعنيّة بالقطاع الخاص – على دعم القطاع الخاص الصغير والمتوسط. لكن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أيضًا باتت تلعب دورًا خطيرًا. مثلًا، من الأدوار التي تقوم بها الـIFC أنها تقدم دعمًا للقطاع الخاص في مجالات يوجد فيها قطاع عام، مثل الصحة والتعليم.

فقد قدموا دعمًا لمدارس؛ أي لمؤسسة تعليمية خاصة، وما إلى ذلك. وقد أدى ذلك إلى كوارث اجتماعية وانتهاكات في بلدان معينة. على سبيل المثال، ظهر أنه في إحدى المدارس الخاصة العالمية التي دعمها الـIFC حصلت انتهاكات جنسية بحق الأطفال، وما إلى ذلك. وبالتالي، هم أيضًا يلعبون دورًا خطيرًا في هذا المجال. عمومًا، لا يبدو أن هناك عملًا على إرساء بنى مستدامة لقطاع خاص صغير ومتوسط. بدلًا من ذلك، يتركز الاهتمام أكثر على كيفية توسيع الجباية الضريبية، وتوسيع المظلة الضريبية لتشمل هؤلاء المؤسسات الصغيرة، بدلًا من جباية الضرائب من الأثرياء أنفسهم. فمثلًا، هناك الكثير من التوصيات بخفض الحدّ الأدنى – ما يسمونه Threshold أو العتبة – التي عندها تُفرض ضريبة القيمة المضافة. لنفترض أن ضريبة القيمة المضافة تُفرض على الشركات التي يفوق حجم أعمالها 30 ألف دولار.

يقول لك الصندوق: يجب أن تُخفَّض هذه العتبة إلى 10 آلاف، إلى 5 آلاف، إلخ، بحيث يصبح الجميع يدفع ضريبة القيمة المضافة، إلى آخره. لذلك، دعم هذا القطاع (أي الصغير والمتوسط) لم نلمسه حقًا من خلال برامج الصندوق أو البنك الدولي، ولا نرى تكوين قطاع خاص مزدهر ومستقل. بل على العكس، عندما يحدث دفع نحو الخصخصة – كما في مصر مثلًا – تجد أن من يقوم بالشراء في عمليات الخصخصة هي جهات مثل الإمارات وغيرها، وكلهم – كما قلت – مرتبطون أو مقربون من النظام الحاكم، إلى آخره. وبالتالي، لا يوجد هذا الاهتمام الحقيقي بتنمية قطاع خاص محلي مستقل. قد يكون هناك بعض الدعم التقني وما إلى ذلك، وربما عبر قروض، ولكن ليس بالقدر الكافي.

أما موضوع المجتمع المدني، فأنا برأيي أن هذه الاجتماعات التي يعقدونها الآن – الاجتماعات الربيعية والسنوية المفتوحة للمجتمع المدني – هي ذات طابع تنفيسي أكثر. فمثلًا، قبل أن تصبح لدينا اجتماعات ربيعية وسنوية مفتوحة للمجتمع المدني، كانت هناك مظاهرات ضد صندوق النقد. فقاموا بتوسيع المظلة وقالوا: تعالوا تحدّثوا معنا، فصار هناك نوع من التنفيس. الآن، نحن في منظمة أوكسفام أجرينا دراسة حول كيفية تعاطي الصندوق مع المجتمع المدني في خمس أو ست بلدان، منها الأرجنتين وتونس ومصر ونيجيريا وغانا، وغيرها. ومن جملة ما وجدناه، أولًا: أن تعاطي الصندوق مع المجتمع المدني يكون دائمًا شكليًا؛ إذ يكون لديهم قائمة مراجعة (Checklist) يتبعونها. بمعنى أنه لا يكون جديًا جدًا في أغلب الأحيان، ويشاركون المجتمع المدني معلومات متوفرة مسبقًا ومنشورة أصلًا. لذلك، غالبًا ما تكون مشاركة المجتمع المدني صوريّة. ويقولون لك: “نحن نستمع بشكل غير رسمي (off the record)، رجاءً لا تخبروا أحدًا عن الاجتماع ولا تتحدثوا عنه علنًا”. ثم نذهب إلى الاجتماع فلا نجد أنهم يقولون لنا شيئًا جديدًا لم يقولوه من قبل – ربما منذ 20 سنة. ويتحدثون بلغة لا يفهمها المجتمع المدني؛ فعندما تتحدث أنت عن العدالة الاجتماعية أو المساواة، فهم لا يستوعبون كثيرًا ما نتحدث عنه. ودائمًا ما يرغبون في إعادة توجيه الحديث إلى ضرورة التقشّف، وما إلى ذلك.

ولكن ما لاحظناه – إن شئت يا ربيع – هو أنه في البلدان التي يمكن أن يكون فيها المجتمع المدني ذا تأثير، يختلف الوضع. وأقصد بالمجتمع المدني هنا ليس فقط المنظمات غير الحكومية (NGOs) بالمعنى الضيق، بل أيضًا الحركات والتنظيمات المجتمعية الأخرى. عندما يمتلك المجتمع المدني القدرة على التعطيل، عندها يضطر صندوق النقد للاستماع والأخذ بالاعتبار. مثلًا، في تونس استطاع الاتحاد العام التونسي للشغل أن يعطّل برنامجًا للصندوق عبر الإضرابات والاحتجاجات. الأمر الذي أجبر صندوق النقد – ليس فقط على الجلوس معه – بل أن يقول للحكومة: “اتفقوا مع اتحاد الشغل على خطة إصلاح قبل أن نستمر”. وكذلك الأمر في بلدان أخرى؛ في أمريكا اللاتينية مثلًا، تتمتع الحركات الاجتماعية بقوة كبيرة جدًا، وهذا يجعل الصندوق يأخذ بدرجة أكبر اعتبارات تتعلق بالمساواة والعدالة وما إلى ذلك، لأنه توجد قدرة على التعطيل. أما إذا لم تكن لديك قدرة على التعطيل، فلن يصغي إليك. وهذا ما اكتشفناه في دراستنا وفي تعاملنا مع موظفي الصندوق. وبالتالي، في غياب أي ضغط اجتماعي حقيقي، لا يوجد أي حافز يدفع صندوق النقد ليستمع إليك؛ فهو سيستمع للطرف الآخر. وهذا الأمر ليس جيدًا بالطبع، ولكنه – برأيي – يفتح أيضًا مجالًا لوضع استراتيجية حول كيفية التعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي بشكل يُجبرهم على الاستماع. أي ليس مجرد أن يصغوا إليك ثم يقولوا: نعم، أنتم محقّون ولكن ليس بيدنا شيء الآن، أو أنتم محقّون ولكن هناك ضرورات حالية…، وما شابه ذلك. هذا ما لاحظناه بالفعل.

ربيع نصر:
من هنا أريد أن أكمل معك فكرة الحلول والمخارج. النقطة الأولى هي أنه كما قلتَ: لديهم كل هذه القوة في وضع التصورات والتصميم – أي الدول الداعمة لهم والقوى النافذة في العالم. لكن لديهم أيضًا قدرات تقنية على صناعة السياق والسرديّة مقارنةً بالآخرين. المشكلة لدينا هي أنه فيما يتعلق بالضغط الاجتماعي – وأنا أتحدث عن تجارب بلداننا – فإن النموذج المناهض أو البديل للنموذج الذي يطرحونه غير موجود بالشكل الكافي. بمعنى أنه لا يوجد استثمار كافٍ في تطوير سياسات بديلة، لأن الحيّز المتاح ضيق، ولا تُستثمر الإمكانات بشكل مركّز لبناء نموذج آخر. لذلك فإن الطروحات التي تأتي من قبل المجتمع تكون غالبًا غير ناضجة أو غير قابلة للترجمة إلى سياسات قابلة للتنفيذ. برأيك، أين نقطة الانطلاق هنا؟ إذا اقتنعنا بأن الضغوط المجتمعية عامل مهم، فإن هذه الضغوط بأي اتجاه ينبغي أن تكون؟ ما هو النموذج أو السياسات المقابلة التي يجب أن نضغط باتجاهها؟ كيف يمكن أن يتطور ذلك؟ وبرأيك، من يمكن أن يكون اللاعبون هنا؟

نبيل عبدو:
حسنًا، اسمع يا ربيع… أحيانًا أشعر أننا ربما نكون قساة على أنفسنا في موضوع البدائل وما إلى ذلك. أعني أنه لا يمكنك أن تمنع برنامجًا لصندوق النقد أو تمنع قرضًا من البنك الدولي إذا كانت الدولة بحاجة إليه؛ لا تستطيع ذلك. في بعض الأوقات تكون هناك حاجة أساسية لوجود هذا الدعم المالي الخارجي. ربما لم نتحدث عن هذا الأمر سابقًا، لكنه مهم. فمثلًا، أهمية صندوق النقد أو مدى تأثيره تكمن في أن الكثير من الدول تلجأ إليه حين لا تجد من يُقرِضها، أو عندما تكون تكلفة الاقتراض من الأسواق (أي من سوق الدين الخاص) مرتفعة جدًا بسبب المشاكل الاقتصادية. هذه الدول تذهب إلى صندوق النقد لأن لديها حاجات فورية لا تستطيع تأمينها عبر الاقتراض من الأسواق أو عبر قروض ثنائية من دول أخرى. فيكون لديها مشاكل تتعلق بـ ميزان المدفوعات: هناك الكثير من الأموال التي تخرج من البلد، وليس هناك ما يكفي من الأموال الداخلة إليه، فلا تستطيع تمويل الاستيراد، إلى آخره، بالإضافة إلى أزمة دين. لذلك تلجأ إلى صندوق النقد.
وتكمن أهمية صندوق النقد هنا في أنه لا يقتصر على منحك قرضًا. فعادةً ما تكون قروض صندوق النقد صغيرة نسبيًا قياسًا إلى احتياجات الاقتصاد، ولا تغطي العجز بالكامل. بل يُعتبر الحصول على قرض من الصندوق بمنزلة ختم موافقة. لأنك عندما تأخذ قرضًا من صندوق النقد، فإنك تأخذه على أساس برنامج إصلاحي؛ أي أنك وضعت نفسك فعليًا تحت إدارة – أو وصاية – صندوق النقد. فيأتي المقرضون الآخرون، سواء الدول أو الدائنون من القطاع الخاص، ويقولون: حسنًا، هذا البلد ينفذ إصلاحات بإشراف صندوق النقد، فيمكننا إذن أن نقرضه أموالًا من جديد. فعندما لا تكون لديك أي مصادر أخرى لتمويل نفقاتك واقتصادك، ترجع في النهاية إلى صندوق النقد.

الأمر الثاني – وربما كنت أود التأكيد عليه سابقًا – هو أن تدخلات صندوق النقد والبنك الدولي كثيرًا ما تكون سياسية وليست مبنيّة على اعتبارات اقتصادية بحتة. سأعطيك مثالًا: الأردن. منذ عام 2012، حصل الأردن على أول قرض له بعد الربيع العربي، وكان ذلك في 2012. قبل ذلك، كان قد مضى نحو 10 أو 15 سنة دون أن يأخذ الأردن أي قرض من الصندوق. من عام 2012 حتى الآن، دخل الأردن في برنامج بعد برنامج مع صندوق النقد؛ برنامج يعقبه برنامج، وهكذا. نحن اليوم في عام 2025، أي قرابة 13 أو 14 سنة من وجود الصندوق المستمر هناك. من المفترض أن تكون تدخلاته قصيرة الأمد وجراحية (سريعة وتنتهي)، أما 14 سنة فهذا غير طبيعي أبدًا. هذا مثال ذو أبعاد سياسية في الحقيقة. وخذ مصر أيضًا: في آخر مراجعة لبرنامجها – علماً أن صندوق النقد يقوم بمراجعات دورية وعلى أساس كل مراجعة يقرّر صرف دفعة جديدة – تبيّن أن مصر نفّذت 18 شرطًا فقط من أصل 32 شرطًا في البرنامج. في الظروف الطبيعية، يعني ذلك تعليق القرض. ومع ذلك، لم يتوقف البرنامج ولم يُعلَّق صرف القرض. هذا أيضًا دليل على أن الاعتبارات السياسية تتغلغل في قراراتهم.

لكن أيضًا، كما ذكرتُ، نحن أحيانًا قساة على أنفسنا حين نفكّر أنه يجب أن يكون لدينا مشروع اقتصادي بديل متكامل لكي نقاوم هذه السياسات. بالطبع وجود بدائل واضحة أمر مهم، لكنه ليس الشرط الوحيد. إذا كنا نتحدث عن هاتين المؤسستين بالتحديد، فإن الشيء الأساسي الذي علينا التركيز عليه هو سؤال: من يجب أن يتحمّل كلفة الإصلاح؟ من الذي ينبغي أن يتحمل كلفة هذا التكيّف الهيكلي – إن صح التعبير – للاقتصاد؟ هذا هو المحور الذي يجب أن يكون مطلبنا الرئيسي. يجب أن نطالب بأن يتحمل الأكثر ثراءً – أي الـ10% أو الـ1% الأعلى في المجتمع – كامل كلفة الإصلاح الاقتصادي أو كلفة الأزمة الاقتصادية. بمعنى أنه بدلًا من أن يأتي صندوق النقد ويقول لك: ارفع ضريبة القيمة المضافة وزِدْ الضرائب على الجميع، نقول: لا، ارفع الضريبة على الثروة، وارفع ضريبة الأرباح، وفَرِض ضرائب تصاعدية على الممتلكات والعقارات… ما هي الأمور التي تستهدف الأكثر ثراءً في المجتمع؟ تلك هي التي يجب تنفيذها. لأنهم عندما يريدون خفض الإنفاق أو خفض العجز، هناك طرق عديدة لتحقيق ذلك. هناك طرق تتعلق بخفض الإنفاق العام، وطرق تتعلق بزيادة الإيرادات. فإذا أردت زيادة الإيرادات الضريبية، فعلى مَنْ ستفرض الضرائب الإضافية؟ وعندما تريد أن تخفّض الإنفاق، فعليك أن تختار ما الذي ستقوم بخفضه. في النهاية، سأتبنّى برنامجًا معينًا أدافع فيه عن خفض الإنفاق، فأدعو مثلًا إلى خفض الإنفاق على بنود غير ضرورية أو ذات أولوية أقل – ربما في الأمن (مثل أجهزة المخابرات) أو غير ذلك – بدلًا من خفض الإنفاق الاجتماعي الأساسي. ولذلك يجب القيام بهذا النوع من الإجراءات. أي بمعنى أنه عندما يكون هناك برنامج مع الصندوق أو البنك الدولي، يجب أن نعرف ما هي النقاط التي سنؤثر عليها لكي نجعل الكلفة أقل على عامة الناس وأكثر على الشرائح العليا في المجتمع.

بالطبع، العمل الآخر الذي يجب القيام به يتعلق بوجود بدائل على المدى الأوسع. هناك الكثير من البدائل الممكنة حتمًا، لكن في رأيي واحدة من البدائل الأساسية تتعلق بما هو خارج نطاق الدولة المنفردة. فهناك أمور يمكن للبلد أن يفعلها داخل حدوده، وأمور لا يمكنك كبلد واحد أن تقوم بها بمفردك. ينبغي أن تبحث عن مصادر تمويل بديلة، وألا يكون صندوق النقد الدولي هو الخيار الأوحد. ربما يمكنك الحصول على دعم أو قروض ميسرة من دول أخرى، مثلًا. وبرأيي، هذا الأمر – في منطقتنا – لا نقوم به كما يجب، سواء على مستوى المجتمع المدني أو على مستوى الحكومات. يجب على الحكومات أن تلعب دورًا أكبر في هذا المجال. برأيي، على بلداننا الانضمام إلى تكتلات دولية بديلة. بمعنى أنه لدينا الآن حديث كثير عن مجموعة البريكس (BRICS) وما شابهها، وهناك أيضًا دول أخرى وحركات أخرى. خلال السنتين الأخيرتين – ولا سيما منذ الحرب الروسية على أوكرانيا – بدأت تظهر تكتلات دولية بديلة تحاول تغيير البُنى المالية الدولية التي تحكم بلداننا. المشكلة الأولى هي أن حكوماتنا لم تنخرط بشكل جاد في هذه الجهود؛ فهي ما زالت بعيدة وتظل ملتصقة بالولايات المتحدة والغرب وما إلى ذلك. في الوقت نفسه، أعتقد – وربما تخالفني الرأي هنا – أن المجتمع المدني العربي أيضًا لا يدفع الحكومات للسير في هذا الاتجاه. ليس لدينا في المجتمع المدني رؤية واضحة تدفع نحو هذا المسار. أي أننا لا نمتلك تصورًا لكيفية تشجيع تكتلات دول الجنوب العالمي على تشكيل ثقل موازن لتكتلات القوى الأخرى، وهكذا.

في رأيي، جزء أساسي من مشكلاتنا ليس مرتبطًا فقط بما نفعله داخل بلداننا، بل يتعلق بما أسميه الهندسة المالية الدولية (International Financial Architecture). هذه تشمل مثلًا صندوق النقد والبنك الدولي ومجموعة العشرين ونادي باريس ومقرضي القطاع الخاص وكل تلك المنظومات. فكيف نتعامل مع قضايا الديون وقضايا التمويل وكل هذه الأمور؟ هذا أمر أساسي، ومجاله ليس محليًا صرفًا. لذلك أرى أنه من الضروري أن نعمل على التأثير على حكوماتنا – إن أمكننا ذلك – لكي تنخرط في هذه التكتلات البديلة وتتعاون أكثر مع تلك الدول التي تحاول إنشاء نظام مالي موازٍ أو بديل للنظام الحالي. مثلًا، رأينا بعض الدول الإفريقية تتجه إلى الأمم المتحدة وتضغط باتجاه مبادرات جديدة. هناك الآن زخم من أجل إقرار اتفاقية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة حول الضرائب، وهذا أمر بالغ الأهمية. فعندما تضع قواعد دولية للضرائب عبر الأمم المتحدة، فإنك تنتزع هذا الملف من هيمنة محافل أخرى كمجموعة العشرين أو صندوق النقد والبنك الدولي. كذلك هناك مساعٍ لوضع آلية أكثر عدالة ضمن إطار الأمم المتحدة لمعالجة أزمات الديون خارج نطاق صندوق النقد والبنك الدولي. وهناك أيضًا جهود تقودها دول كبرازيل وجنوب إفريقيا لطرح مسودات ومبادرات ضمن المنتديات الدولية بحيث تصبح هذه القضايا في صلب الأجندة العالمية. إضافة إلى ذلك، يوجد دفع نحو فرض ضرائب عالمية على الأكثر ثراءً في العالم، وما إلى ذلك من خطوات إصلاحية. فأين الدول العربية من هذه النقاشات؟ وأين المجتمع المدني العربي منها؟ أعتقد أن هذا أمر أساسي جدًا. وهذا يتطلب منا أيضًا، برأيي، أن نترفّع قليلًا عن بعض الاعتبارات أو الخلافات، وألا نتخذ دائمًا موقفًا معاديًا بشكل تلقائي من مبادرات ربما تقودها حكومات في الجنوب العالمي لمجرد تحفظاتنا عليها. وكذلك يجب أن نكون أكثر واقعية في نظرتنا إلى حكومات بلدان أخرى في الجنوب إذا كنا نريد بناء تحالفات معها. لقد أوجد تعنّت الدول الغربية في مواقفها – سواء تجاه روسيا وأوكرانيا أو تجاه غزة ودعمها للسياسات المدمّرة هناك – مجالًا وفرصة للدول العربية كي تتحرك خارج هذا الإطار التقليدي. برأيي هذا أمر أساسي ويتيح لنا نافذة للتحرك.

ربيع نصر:
لا، أنا أتفق معك أن الحل ليس محليًا فقط. صحيح أن المستوى المحلي يجب أن يشهد ابتكارًا في النموذج التنموي، لكنه أيضًا يجب أن يكون عابرًا للحدود، لأن القوى الأخرى تتكتل وتتضامن فيما بينها. النقاش صراحةً ممتع جدًا، وأشعر أننا يمكننا الاسترسال فيه لوقت أطول بكثير. ولكني أعتقد أنه يمكننا اعتبار ما توصلنا إليه خلاصة أولية مفيدة: أهمية الحراك المجتمعي والضغط الشعبي والعمل العابر للدول، والخروج من النطاق الضيق ليكون ذلك جزءًا أساسيًا من تغيير الواقع. هذا كله بالغ الأهمية في ظل ما نواجهه من عنف وتشرذم ومشكلة بيئية كبرى ومديونية ضخمة؛ لدينا تحديات هائلة أمامنا. آمل أن تكون هذه مجرد مقدمة لنقاش يمكن أن نتابعه في حلقات قادمة. وأود أن أترك لك المجال، إذا كنت ترغب، لتختم بفكرة أخيرة أو تضيف أي شيء ربما لم تذكره بعد.

نبيل عبده:
نعم، لكن أريد أن أقول وأكرر شيئًا أخيرًا. الآن، لا أدري إن كانت النظرة في سوريا لهاتين المؤسستين (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) هي نفسها في لبنان. في لبنان هناك نوع من الرجاء – خاصةً تجاه صندوق النقد – بأن يلعب دورًا أساسيًا في وضع الحكومة والاقتصاد على المسار الصحيح، وكأنه مؤسسة تضبط إيقاع الدولة المنفلتة. كما تعلم، في لبنان هناك دومًا ذاك الهاجس بأن الدولة فاشلة وتحتاج إلى من يفرض عليها الانضباط. فلا أعلم إن كان المزاج العام في سوريا مشابهًا أو أن لديكم تفكير مختلف في هذا الموضوع. على كل حال، نحن كأبناء هذه المنطقة يجب أن نتعلّم كثيرًا من التجارب التي مرّت، ليس فقط في منطقتنا، بل أيضًا ما نراه في دول أخرى – ما يحدث في الأرجنتين مثلًا مخيف جدًا. هاتان المؤسستان، أكرر، أولًا: ليستا جهتين تمتلكان العلم الكامل بكل شيء أو تعملان بحيادية وموضوعية تامة؛ يجب أن نزيل هذه الفكرة من أذهاننا، فهذا تصوّر خاطئ. وثانيًا: علينا أن نعرف كيف نقرأهما جيدًا ونراقبهما عن كثب، لأن لديهما القدرة على صياغة سياسات وإعادة تشكيل اقتصاد بلد بأكمله. ويمكن أن يبقيا في بلد ما لفترة طويلة جدًا، كما رأينا في حالة الأردن أو غيرها من البلدان. لذلك، برأيي، علينا أن نستعد لمثل هذه الاستحقاقات بشكل أفضل بكثير، من حيث كيفية الضغط وتشكيل تحالفات واسعة في المجتمع. ويجب علينا أيضًا أن نحدد بوضوح ما الذي نريده نحن حقًا. في النهاية، السؤال هو: من الذي سيفاوض هذه المؤسسات؟ وكيف نضمن أن يكون لنا مكان على طاولة المفاوضات ونتمكن من الدفع بأولوياتنا – خصوصًا وأننا قد ندخل مرحلة إعادة إعمار في سوريا هي خطرة جدًا ولكنها أيضًا فرصة كبيرة جدًا. نحن سنبني من الصفر تقريبًا؛ لديك فرصة أن تقوم بالأمور بشكل سليم وأن تحقق إعمارًا أكثر عدالة. لكن لا يجوز أن نتوقع من هذه المؤسسات أن تحقق لنا العدالة أو المحاسبة أو أي شيء من هذا القبيل إذا دخلنا العملية ونحن لا نعرف فعليًا ماذا نريد، أو من دون فهم وإدراك كافيين. فإذا لم نفعل ذلك، سنكون قد دخلنا متأخرين جدًا، وكل شيء سيكون قد تقرّر سلفًا، وفي النهاية سنعيش تبعاته لسنوات طويلة. فهذا هو الهدف الذي ينبغي أن نضعه نصب أعيننا.

ربيع نصر:
شكرًا جزيلًا لك، نبيل. أرى أن جزءًا أساسيًا من هذه الحوارات هو أننا نحاول، في هذه الفرصة التي تشهد تغييرًا جذريًا في سوريا، ألا تتكرر الأخطاء وألا نسير في مسارات شديدة الخطورة فيما يتعلق بالظلم وانعدام العدالة. فهذا بلد لديه أصلًا كل تلك المعاناة؛ وبالتالي فإن أغلبية شرائحه لا تحتمل أخطاءً جسيمة في مثل هذه اللحظات المفصلية.

وهناك مسألة أخرى مرتبطة بذلك: هل نحن حقًا نريد الخروج من النزاع أم لا؟ أي هل نخطط وننفّذ سياسات تُنقذ المجتمع من هذا التشرذم، أم نمضي في سياسات تعمّق الآليات نفسها التي أدّت إلى الدمار؟ لنأخذ مثالًا بسيطًا للتوضيح: في سوريا خلال عقدي الستينات والسبعينات ثم التسعينات والألفينيات، كانت معدلات النمو الاقتصادي من بين الأعلى في العالم – باستثناء فترة الثمانينات. فقد شهدنا نموًا اقتصاديًا مرتفعًا، وانتهينا – قبل عام 2011 – إلى مديونية منخفضة وإلى معدلات تضخم غير مرتفعة جدًا. لكن هذا لم يعكس أن التنمية كانت ناجحة في البلد. وهذا هو جوهر حديثنا اليوم: فبعض المؤشرات التي يدّعي البعض أنها دليل عافية الاقتصاد كانت بمثابة قناع يخفي مشاكله الجوهرية.

لذلك، آمل أن نستطيع من خلال هذه الحوارات أن نطوّر فهمنا ونتعلّم الدروس، وألا تتكرر الأخطاء التي تؤدي إلى نتائج كارثية كما رأينا في سوريا. أشكرك جزيل الشكر، نبيل، على هذا الحوار الرائع الذي استفدنا منه كثيرًا. وأتمنى أيضًا على المشاهدين والمستمعين الكرام، إذا كان لديهم أي تعليقات أو أسئلة، ألا يترددوا في مشاركتها. سنقوم بإرفاق روابط للأوراق البحثية الخاصة بنبيل وأيضًا أي أعمال مهمة جدًا حول قضايا اللامساواة لمَنْ يرغب في التوسع. شكرًا جزيلًا لك مرة أخرى، لقد نورتنا بحضورك.

Episode references:
مصادر الحلقة:

From Stunt to Substance: An assessment of IMF engagement with civil society 

Author(s) Abdo, Nabil, Daar Nadia, Ray Alex

https://policy-practice.oxfam.org/resources/from-stunt-to-substance-an-assessment-of-imf-engagement-with-civil-society-621479/?utm_source=chatgpt.com

For a Decade of Hope Not Austerity in the Middle East and North Africa

Towards a fair and inclusive recovery to fight inequality

Publisher: Oxfam’s Nabil Abdo, Shaddin Almasri

https://www.oxfamamerica.org/explore/research-publications/decade-hope-not-austerity-middle-east-and-north-africa/?utm_source=chatgpt.com

Not Everyone is in the same boat

Climate and Inequality in the Middle East and North Africa

https://webassets.oxfamamerica.org/media/documents/EN_Briefing_paper_Not_Everyone_Is_in_the_Same_Boat.pdf?_gl=1%E2%80%A6

The Middle East and North Africa Gap: Prosperity for the rich, austerity for the rest

https://policy-practice.oxfam.org/resources/the-middle-east-and-north-africa-gap-prosperity-for-the-rich-austerity-for-the-621549

he IMF and Lebanon: The long road ahead – An assessment of how Lebanon’s economy may be stabilized while battling a triple crisis and recovering from a deadly blast

https://policy-practice.oxfam.org/resources/the-imf-and-lebanon-the-long-road-ahead-an-assessment-of-how-lebanons-economy-621062

Taxes and Social Justice Policy Brief in Four Countries – Lebanon

https://www.annd.org/en/publications/details/taxes-and-social-justice-policy-brief-in-four-countries-lebanon

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

     البودكاست
     الحلقة 23                –                25 يناير، 2026
     البودكاست

دور المؤسسات المالية الدولية في صياغة السياسات الاقتصادية في المنطقة مع الباحث نبيل عبدو

     الحلقة 23                –                25 يناير، 2026
                     –                هذه الحلقة باللغة العربية

في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة، يحاور ربيع نصر الباحث نبيل عبدو في نقاش معمّق حول دور المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في صياغة السياسات الاقتصادية في المنطقة العربية، وانعكاسات هذه السياسات على اللامساواة، العدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، مع إسقاطات مباشرة على الحالة السورية.

تنطلق الحلقة من تفكيك الخلفيات الفكرية والهيكلية لهذه المؤسسات، وكيف تحوّلت منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية إلى أحد أبرز أعمدة المنظومة النيوليبرالية، التي تفرض برامج تقشفية وشروطًا اقتصادية موحّدة على دول الجنوب، غالبًا على حساب الفئات الاجتماعية الأضعف.

أبرز محاور الحلقة:
لماذا تُعد اللامساواة مدخلًا سياسيًا لفهم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟
كيف تعمل المؤسسات المالية الدولية؟
علاقات القوة غير المتكافئة بين صندوق النقد والبنك الدولي ودول المنطقة.
المشروطيات التقشفية: خفض الإنفاق العام، رفع الدعم، وزيادة الضرائب غير المباشرة.
من يدفع كلفة “الإصلاح الاقتصادي”؟ ولماذا تتحملها الطبقات الوسطى والفقيرة؟
كيف تُستخدم قضايا الحماية الاجتماعية، الجندر، والمناخ ضمن خطاب تقني يخدم المنطق النيوليبرالي؟
دور هذه السياسات في تعميق التبعية الاقتصادية وتقويض السيادة الوطنية.
العلاقة بين هذه المؤسسات والنزاعات، واقتصاديات الحرب، وإعادة الإعمار.
مخاطر فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي في مراحل الانتقال.
ما الذي يمكن لسوريا أن تتجنبه في مرحلة ما بعد النزاع؟
إمكانيات بناء بدائل: الضرائب التصاعدية، الحماية الاجتماعية الشاملة، والتحالفات العابرة للحدود.

عن ضيف الحلقة:
نبيل عبدو: هو باحث متخصص في القضايا والسياسات الاجتماعية والاقتصادية ، وقد أجرى أبحاثًا حول التنمية والعمل والهجرة والاقتصاد غير الرسمي والضرائب والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. لديه خبرة واسعة في مجال البحث والعمل مع العديد من المؤسسات من بينها مكتب العمل الدولي و ANND. بالتوازي مع ذلك ، شغل مدرس اقتصاد في الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت.

حاصل على درجة الماجستير في التنمية المستدامة والمنظمات من جامعة باريس دوفين – فرنسا ، وشهادة البكالوريوس في الاقتصاد (دراسات سياسية ثانوية) من الجامعة الأمريكية في بيروت ، لبنان.
يشغل الآن منصب مستشار أول لشؤون المؤسسات المالية الدولية في منظمة أوكسفام ويركز عمله حول اللامساواة وصندوق النقد الدولي.

تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة تناقش السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

أهلاً بكم في بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”. نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة، نتناول فيها التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. هذه السلسلة تأتيكم بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت. ت

ربيع نصر:
تحياتي للجميع وأهلاً وسهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست “سوريا: حوارات بديلة”، الذي يُنتج بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومؤسسة فريدريش إيبرت ضمن هذه السلسلة الخاصة عن السياسات النيوليبرالية.
في الحلقات السابقة من هذه السلسلة تطرقنا إلى عدة مواضيع، منها قضايا الحماية الاجتماعية ودور الدولة في العملية التنموية، لكن حلقة اليوم ستركز على قضية تتعلق بالاقتصاد السياسي الدولي. هنا نركز على دور المنظمات الدولية – مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – في عملية التنمية والقضايا التنموية المتعلقة بسوريا والمنطقة. دائمًا هناك حديث عن الدور الكبير لهذه المنظمات؛ نسمع كثيرًا عن كيف أن صندوق النقد الدولي يفرض أسلوبًا معينًا في الإصلاحات من مصر إلى تونس إلى المغرب إلى الأردن وصولًا إلى سوريا. هذا الدور يمتزج بالتأثير المباشر، والذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بتأثيرات غير مرغوبة من قبل المجتمعات. فهل هذه الإجراءات مجرد “إصلاحات غير شعبوية” – كما يُقال – لمعالجة أخطاء سابقة؟ أم أن هذه السياسات تحوي اختلالات جوهرية تحاول المنظمات الدولية (بما فيها الصندوق والبنك) فرضها؟

طبعًا كما تعرفون، تأسس صندوق النقد والبنك الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن دورهما تغيّر كثيرًا عبر السنوات. سنحاول اليوم استكشاف هذا التحوّل مع ضيف عزيز وصديق متخصص جدًا في هذا الموضوع، الأستاذ نبيل عبده. الأستاذ نبيل عبده باحث متخصص في القضايا والسياسات الاجتماعية والاقتصادية، له أبحاث كثيرة في مجالات التنمية وعمل الشباب والهجرة والاقتصاد غير الرسمي والضرائب والمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية. يتمتع بخبرة واسعة في مجال البحث والعمل مع العديد من المنظمات، منها منظمة العمل الدولية وشبكة المنظمات غير الحكومية للتنمية. بالإضافة إلى عمله كمدرّس للاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، نبيل حاصل على شهادة الماجستير في التنمية المستدامة من جامعة باريس (دوفين) في فرنسا، وعلى شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت. يشغل حاليًا منصب مستشار أول لشؤون المؤسسات المالية الدولية في منظمة أوكسفام، ويركز في عمله على قضية اللامساواة، واهتمامه الرئيسي بالقضايا المتعلقة بصندوق النقد الدولي. نبيل، نورتنا وأهلًا وسهلًا بك.

نبيل عبدو: شكرًا جزيلاً لك.

ربيع نصر: لا شكر على واجب. نبيل، سأبدأ معك بالسؤال عن موضوع اللامساواة تحديدًا. أعلم أنك تعمل منذ فترة مع عدة جهات غير ربحية، منها منظمة أوكسفام، وتركز دائمًا على قضية المساواة والعدالة. لذا دعني أسألك بدايةً: ما سرُّ اهتمامك ودافعك للعمل في هذا المجال تحديدًا والاستمرار فيه كل هذه السنوات؟

نبيل عبدو: أشكرك مجددًا على هذا الحوار، ربيع، وآمل أن يكون مفيدًا لجميع المشاهدين والمستمعين. تركيزي على مسألة اللامساواة قديم بالفعل. فمنذ الجامعة – وحتى قبلها – كنت منخرطًا بقوة في حركات ونضالات اجتماعية واقتصادية وسياسية في لبنان وعلى مستوى العالم. برأيي، اللامساواة مسألة أساسية جدًا، لأنها – بخلاف التركيز التقليدي على الفقر أو غيره – تعد مدخلًا سياسيًا لمعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية. فتحليل اللامساواة يقتضي تسليط الضوء على التناقضات الطبقية في المجتمع؛ خاصة التناقض بين من هم الأثرياء في المجتمع (وعلى مستوى العالم) وبين الآخرين. لذلك فإن التركيز على اللامساواة ذو طابع سياسي بامتياز، لأنه يدفعنا أيضًا إلى التركيز على مسألة تركز الثروة وإعادة توزيعها والتدخل الحكومي كجزء أساسي في معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية.

هذا النهج يتطلب إظهار تلك التناقضات وبيان كيف يتحكم الأثرياء بالسياسة وبمفاصل المجتمع، بينما يتم في الوقت نفسه إلهاء الناس بقضايا أخرى – ولا سيما عبر التركيز على الفقر بمعزل عن سياقه. التركيز التقليدي على الفقر مثلًا يقتضي النظر إلى الفقراء على أنهم شريحة معزولة من المجتمع؛ فلا نعود نرى مشاكل الفقر مرتبطة ارتباطًا عضويًا بتركز الثروة والسلطة في أيدي قلة من الناس. وحين ندخل إلى المشاكل من هذه الزاوية، يُصبح الفقر قضية سياسية يجري التعامل معها عبر التطرّق إلى مسألة اللامساواة. وبرأيي هذا أمر جوهري جدًا، لأنني شخصيًا – في هذه القضايا – لا بد من إلقاء الضوء على هذه التناقضات وإبراز هذا الصراع. معالجة جميع هذه المسائل تفترض أن نأخذ قوةً وموارد من جهات معينة ونوزعها على المجتمع؛ وبالتالي من دون كشف هذا الأمر لا يمكن معالجة جوهر المشكلات. سننشغل حينها بقصص ثانوية، ونُلقي باللوم في الأزمة على المجتمع أو على الفقراء، دون التطرّق إلى دور الأغنياء وضرورة التصدي لسلطتهم. لهذا أرى أن التركيز على اللامساواة يُعيد إدخال السياسة في صلب العمل التنموي وفي صلب جميع النضالات القائمة – وهو أمر أساسي – إذ بدون ذلك سنعالج قشور المشاكل دون جوهرها.

ربيع نصر: برأيك، إلى أي مدى انتشرت بين العاملين في المجال التنموي أو في المجتمع المدني نزعة نزع الطابع السياسي عن قضايا اللامساواة والعدالة؟ هل تراها نزعة واسعة الانتشار، أم تشعر بأنه بات هناك وعي أكبر بأن قضية اللامساواة قضية سياسية وجوهرية يقوم عليها النظام نفسه؟

نبيل عبدو: برأيي، خلال العقود السابقة كان هناك بالفعل نوع من نزع الطابع السياسي – كما تفضلتَ – عن هذه القضايا. لكنني أعتقد أنه الآن بدأ يتشكل وعي أكبر حول الموضوع، وتسليط ضوء أقوى عليه، وعودة إلى وضع السياسة في صلب العمل التنموي، نظرًا للتغيرات التي تحدث في العالم. على سبيل المثال، ما شهدناه في السنوات الأخيرة – من مجازر إسرائيل في غزة، وصعود ترامب، وتفاقم المشاكل الاجتماعية واندلاع حركات اجتماعية – أعاد تذكير الكثيرين بضرورة البعد السياسي. في رأيي، ما حدث في العقود الماضية في مجال التنمية ارتبط بتيار سياسي أقرب إلى الديموقراطية الاجتماعية، الذي افترض إمكانية معالجة المشكلات الاجتماعية دون زعزعة بُنى المجتمع وبُنى القوة والسلطة القائمة. كانت الفكرة أنه يمكننا حل المشاكل الاجتماعية من دون تصادم اجتماعي أو مساس بجذور علاقات القوة، عبر افتراض وجود موارد كافية يمكن توزيعها دون الحاجة لإعادة هيكلة في المجتمع.

لكن اتضح عالميًا أن هذا التيار الوسطي – لا سيما ضمن أطياف اليسار – غير قابل للاستمرار، وأن الإصرار عليه أدى (وأدى عناده) إلى قدر من زعزعة البنى الديمقراطية في مجتمعات عديدة، بل وإلى تدميرها في بعض الحالات، وهذا المد يمتد إلى مجتمعات أخرى. أعتقد أنه بات واضحًا أنه لم يعد هناك متسع لهذا الحل الوسطي أو لفصل السياسة عن العمل التنموي ومعالجة القضايا الاجتماعية، لأن الناس أنفسهم باتوا يطالبون بإعادة السياسة إلى صلب الأمور. نرى ذلك مباشرةً في موجات الاحتجاج وفي نتائج الانتخابات – كيف يرفض الناس الحلول الوسطية العقيمة. هذا الأمر أجبر – إن صح التعبير – الكثير من العاملين في التنمية ومنظمات التنمية على أخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، والقيام بتسليط أكبر للضوء على المشكلات وعلى اللامساواة باعتبارها عنصرًا أساسيًا، ليس فقط من أسباب الفقر، بل أيضًا سببًا رئيسيًا لتردّي الأوضاع وزعزعة أي نظام ديمقراطي (إن وُجد). فاستمرار اللامساواة يضعف ثقة الناس بالمؤسسات الديمقراطية وبإمكانية التغيير من خلال النظام، ولم يعد الناس مقتنعين بذلك بصورة متزايدة، والأمور تزداد سوءًا.

لذا أرى أنه في المرحلة الحالية تحاول المنظمات التنموية أن تُواكب تطلعات الناس – لكي تتمكن من ردم الهوة التي نشأت. عندي شيء من التفاؤل – رغم كل هذه التغيرات السلبية – بأن هناك حركة قوية جدًا تتبلور عالميًا لإعادة قضية اللامساواة إلى صلب العمل التنموي.

ربيع نصر: لو تحدثنا قليلًا الآن عن الإشكالية التالية: لماذا هناك هذا التصادم أو الصراع بين المجتمعات وهذه المنظمات المالية الدولية (كصندوق النقد والبنك الدولي)؟ كثيرًا ما يقول ممثلو هذه المؤسسات لنا: “نحن نطرح حلولًا بديهية لا يمكن الاستغناء عنها، وإلا فأنتم تناقضون المعادلات الرياضية؛ تنفقون أكثر مما تملكون، والسوق هو المنطق، وما تحاولون فعله إما عاطفي أو شعبوي.” برأيك، لماذا يحصل هذا التصادم بين المجتمعات وهذه المؤسسات؟

نبيل عبدو: هذا التصادم له أسباب عديدة. ربما من المفيد أولًا أن نفهم تركيبة هذه المنظمات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد. كما ذكرتَ، تأسسا في منتصف الأربعينيات بعد الحرب العالمية الثانية وانضما من حيث الاسم إلى منظومة الأمم المتحدة، لكن تأسيسهما كان مختلفًا عن بقية المنظمات الدولية في أمر جوهري: الدول غير متساوية فيهما. فهاتان المؤسستان قائمتان على مساهمات الدول وحجم اقتصاداتها، وليس على مبدأ صوت واحد لكل دولة. أي أن الدول تمتلك حصصًا في رأس مال المؤسستين بنسبة تعكس حجم اقتصادها. ولأنهما تأسستا عقب الحرب، كانت الدول الأكثر انتصارًا في الحرب – وعلى رأسها الولايات المتحدة – تمتلك الحصة الأكبر. على سبيل المثال، تمتلك الولايات المتحدة اليوم حوالي 16.5% من حصص التصويت في صندوق النقد الدولي، مما يخوّلها استخدام حق النقض (الفيتو) على القرارات الرئيسية التي تتطلب موافقة 85% من الأصوات. إذًا المشكلة الأولى هي هيمنة الاقتصادات الغربية الرأسمالية الكبرى على هذه المؤسسات – أمريكا وأوروبا واليابان – رغم دخول الصين بحصة مهمة أيضًا مؤخرًا، لكن تظل الولايات المتحدة والغرب المهيمنين، وتمتلك أمريكا حق النقض كما أسلفنا.

المشكلة الثانية: أن صندوق النقد الدولي مضبوط – إن صح التعبير – لحماية مصالح الدائنين أكثر من المقترضين. إنه فعليًا أشبه باتحاد للدائنين؛ فالصندوق يُقرض الدول بفائدة ويتوقع منها أن تسدد القروض، وهو ملتزم قانونيًا بإدارة أموال الدائنين بشكل آمِن يضمن استعادتها. وقد صُمم الصندوق بهذه الطريقة لأن الولايات المتحدة كانت أكبر دائن عالمي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (لـبريطانيا وغيرها)، فأرادت مؤسسة تفضل حقوق الدائنين على المقترضين. هذا عامل أساسي لفهم لماذا يحدث تصادم بين هذه المؤسسات والمجتمعات: لأن سياساتها منحازة للدائن (أصحاب رؤوس الأموال) على حساب المقترض (عموم المجتمع).

هذه المؤسسات تقدّم القروض للدول المحتاجة – وبالذات الدول النامية أو دول الجنوب – ولكن مقابل شروط صارمة. الاقتراض يكون مشروطًا بتنفيذ حزمة سياسات اقتصادية محددة (غالبًا ما تكون تقشفية) لضمان قدرة الدولة على السداد. فمن أهم هموم صندوق النقد والبنك الدولي أن تضمن الدول سداد ديونها للدائنين في الوقت المحدد؛ وأحيانًا تُعطى أولوية لسداد القرض على حساب انتعاش اقتصاد البلد نفسه. صحيح أن هناك خلافًا حول معنى “اقتصاد سليم” – ومعنى “غير سليم” – لكن بالنسبة لهم فكرة رد القروض أساسية جدًا يجب تحقيقها بأي ثمن.

من أهم هموم صندوق النقد والبنك الدولي أن تضمن الدول سداد ديونها للدائنين في الوقت المحدد؛ وأحيانًا تُعطى أولوية لسداد القرض على حساب انتعاش اقتصاد البلد نفسه.

لذلك تكون الشروط التي يفرضونها على الدول قاسية جدًا في الغالب. على سبيل المثال، إذا قرر لبنان الحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد، فهذا المبلغ لا يُصرف دفعة واحدة، بل على عدة دفعات، وكل دفعة مربوطة بتنفيذ الحكومة إصلاحات معينة يشترطها الصندوق. هكذا يمتلك الصندوق سلطة على البلد عبر هذه الشروط المرحلية. وغالبًا ما تكون هذه الشروط الإصلاحية إجراءات تقشفية: خفض الإنفاق العام – وخاصة الإنفاق الاجتماعي –؛ زيادة الضرائب غير المباشرة التي يدفعها عامة الناس (والتي تثقل كاهل الفقراء بنسبة أكبر)؛ تقليص كتلة أجور ورواتب العاملين في القطاع العام؛ تحرير سعر صرف العملة؛ وإعادة هيكلة أو استهداف برامج الحماية الاجتماعية (بالانتقال من نظام حماية شامل إلى دعم نقدي لفئات محدودة فقط)؛ وكذلك رفع الدعم عن السلع الأساسية كالمحروقات والمواد الغذائية. هذه السياسات ما نسميه شعبيًا “شد الحزام”، أي مطالبة الناس بالتضحية من أجل تحقيق هدف اقتصادي كخفض العجز المالي. ومن الواضح أن عبء هذه الإصلاحات يقع على المجتمع ككل – وخاصة على الطبقات الوسطى والفقيرة – لأنها الفئات الأسهل اقتطاعًا. بالمقابل، أصحاب النفوذ والثروة عادةً موجودون في مواقع السلطة أو على صلة بها، فيتم تفادي المساس بمصالحهم. إذًا هذه أيضًا سبب إضافي للتصادم: فالمجتمع يجد نفسه يدفع ثمن الإصلاحات التقشفية.

هناك نقطة مهمة أثرتها أنت يا ربيع: يتصرف صندوق النقد والبنك الدولي وكأنهما يملكان الحقيقة العلمية المطلقة – وخصوصًا اقتصاديّو هاتين المؤسستين. وللإنصاف، فإن في أروقة الصندوق والبنك بعضًا من أبرز الاقتصاديين في العالم من خريجي جامعات مرموقة (كجامعة هارفارد وغيرها)، والتي غالبًا ما تروّج للإيديولوجيا النيوليبرالية باعتبارها الطريق الوحيد لتحقيق الازدهار. هؤلاء الخبراء يأتون بهذه العقلية المهيمنة. ونتيجة لذلك نسمع التشبيه الذي يحب موظفو الصندوق والبنك استخدامه: “نحن (لا سيما صندوق النقد) مثل الطبيب، والبلد الذي يأتي إلينا هو المريض” – يقولون “المريض مصاب بالسرطان، ويجب أن يخضع لعلاج كيميائي مؤلم جدًا وإلا سيموت؛ فلا خيار أمامه.” والفكرة هنا أنه عندما تأتي دولة إلى الصندوق، فهذا يعني – في نظرهم – أن كل الخيارات الأخرى قد استُنفدت، وأنها لم تلجأ إليهم إلا اضطرارًا. فإذا سألتهم عن بدائل أخرى، قالوا: “لقد كانت لديكم خيارات أخرى في السابق لكنكم لم تستغلّوها.” ويضربون مثلاً: “نصحنا بلدًا ما قبل 10 سنوات بإصلاحات معينة (كوقف دعم ما أو تخفيض عجز ما) ولم يفعل، فتراكمت مشكلاته. تمامًا كما لو أن الطبيب نصحك بالإقلاع عن التدخين ولم تستجب، فأُصبت بالسرطان لأنك لم تسمع النصيحة؛ أما الآن وقد وقع المرض، فعليك أن تفعل ما أقوله لك وإلا فالموت مصيرك.”

هذه العقلية جوهرية لدى هذه المؤسسات: يعتبرون أنفسهم الأطباء وأن الدول مرضى يفتقرون للمعرفة، فلا يحق للمريض مناقشة الطبيب أو الاختلاف معه. الطبيب (أي خبراء الصندوق) لديه المؤهلات والفحوصات وكل شيء، فمن تكون أنت – أيها البلد – لتقول: “أختلف معك”؟ عليك أن تأخذ برأي الطبيب وتنفذ الوصفة كما هي. هم يرون أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة العلمية. وبالتالي إذا لم تستمع الدولة إلى نصائحهم فهي – في نظرهم – تضع نفسها على طريق الانهيار الاقتصادي أو الزوال المالي. وعندما يقولون “البلد مصاب بالسرطان ويحتاج علاجًا كيميائيًا” فهم يقصدون أن الإصلاحات ستكون مؤلمة جدًا جدًا. والسؤال: من الذي سيتحمل ألم هذا العلاج؟ بطبيعة الحال عامة الناس، أي الطبقات الوسطى والفقيرة. ثم يبررون ذلك بقولهم: “يجب على البلد أن يقدم تضحيات من أجل الاقتصاد؛ الاقتصاد هو الأهم الآن، ويجب أن نضحي جميعًا لأجل إنقاذه.” ويضيفون: “علينا جميعًا أن نتحمل وزر هذا الإصلاح.” لكن الحقيقة أنه ليس جميعنا؛ فالأثرياء في هذه المجتمعات لا يتحملون شيئًا تقريبًا في نهاية المطاف – كل التضحيات تُطلب من الطبقات الوسطى والفقيرة. لذلك يحصل التصادم: الناس يُطلب منهم دفع الثمن، فيخرجون إلى الشوارع احتجاجًا، ويحصل صراع اجتماعي.

يتعامل صندوق النقد والبنك الدولي مع الدول كمرضى لا يحق لهم مناقشة الطبيب، ويفرضون إصلاحات مؤلمة بزعم أنها الحل الوحيد، بينما تدفع الطبقات الفقيرة وحدها ثمن هذه السياسات التي يُفترض أن تنقذ الاقتصاد.

أيضًا، أسلوب عمل هذه المؤسسات يُفاقم المشكلة. فالجمهور الذي تستمع إليه فعليًا هو الحكومات وليس بقية أطراف المجتمع. يكفي أن يبرم الصندوق أو البنك اتفاقًا مع الحكومة – على قرض وبرنامج إصلاحي – حتى يعتبروا مهمتهم ناجحة، دون أي إشراك حقيقي للمجتمع المدني أو النقابات أو غيرها من ممثلي المجتمع. وأي “تشاور” مع المجتمع المدني يحدث يكون شكليًا واختياريًا في أفضل الأحوال. لماذا يحدث ذلك؟ لأن هناك مشكلة أخرى: لديهم وصفة جاهزة يرونها صالحة لكل مكان. يقولون: “لدينا وصفة مضبوطة جرّبناها مرارًا.” وهكذا يأتون بهذه الوصفة إلى مختلف الدول.

على سبيل المثال، في كل البلدان العربية التي دخلها صندوق النقد – منذ بدء الربيع العربي حتى الآن – نراهم يطبقون نفس الوصفة تقريبًا: رفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية (رغم أنه أكثر ما يستفيد منه الفقراء وسيكونون أكبر المتضررين من رفعه)، خفض الإنفاق العام (خاصة تقليص كتلة أجور القطاع العام)، تحرير سعر الصرف، إعادة هيكلة برامج الحماية الاجتماعية (الانتقال من نظام حماية اجتماعية شامل إلى نظام يستهدف الأكثر فقرًا فقط)، زيادة الضرائب غير المباشرة (خصوصًا فرض أو رفع ضريبة القيمة المضافة)…إلخ. نجد هذه “الإصلاحات” في كل مكان تقريبًا. ومن الواضح أنها تستهدف بشكل مباشر الطبقتين الوسطى والفقيرة، لأنها الأسهل اقتطاعًا كما ذكرتُ – بينما أصحاب النفوذ والثروة غالبًا محصّنون وقريبون من دوائر صنع القرار، فيتجنب البرنامج إثقال كاهلهم. إذًا لديهم وصفة موحّدة يطبقونها في كل بلد.

وهم ينظرون إلى البلدان بطريقة مجردة جدًا: يرسلون بعثات تقييم للبلد ويجرون اجتماعات رسمية وما شابه، لكنهم لا ينزلون إلى مستوى أن يسمعوا صوت الناس مباشرة. لماذا؟ لأنهم يرون أنه إذا تحدثوا مع عامة الناس وشرائح المجتمع المختلفة، فسوف “تتلوث” وصفة الطبيب. كيف ذلك؟ إذا ذهبتَ إليهم كممثل عن العمال أو الفقراء وقلتَ: “لا تستطيع تطبيق هذا الإجراء لأننا سنتضرر، ويمكن بدلًا منه تطبيق إجراء آخر…” فهذا بالنسبة لهم كمن يقول للطبيب: “جرّب العلاج بالأعشاب بدل الكيميائي.” هذا كلام مرفوض تمامًا لديهم. لكي يستطيعوا فرض إصلاحاتهم يعتبرون أنه يجب عليهم أن يكونوا معزولين عن كل هذه الاعتبارات المحلية؛ فهم يزعمون أن وصفاتهم علمية جدًا وموضوعية ولا ينبغي أن “تلوثها” أي عوامل سياسية أو اجتماعية محلية.

هكذا يفكرون – كما لو أننا في جمهورية أفلاطون: الفلاسفة (وهنا الاقتصاديون) هم مَن يمتلك المعرفة، وعليهم فرض رؤيتهم. نتيجة ذلك نجد سياسات شديدة الصرامة والقسوة تُفرض من أعلى. وبالتالي يحصل التصادم مع الناس، لأن هذه الإصلاحات تُفرض بغلظة وتزيد الأعباء على المواطنين، فيخرج الناس إلى الشوارع رفضًا لها ويحدث الصدام. بالمحصلة، نجد أن الناس هم من يتحملون كلفة ما يُسمى “الإصلاح الهيكلي” وإنعاش الاقتصاد من أزمته – هذا إن تم إنعاشه أصلًا، وذلك موضوع آخر بحد ذاته. على كل حال… سأكتفي بهذا الحد حاليًا.

ربيع نصر:  لا، على العكس تمامًا، نبيل… مداخلتك غنية. في الثمانينات، توسّعت هذه المؤسسات بأقصى شكل – خاصة خلال أزمة الديون حينها – ونفّذت برامج التكيف الهيكلي وفرضت شروطها. لكن بعد عام 1997 (أي بعد الأزمة الآسيوية)، وأيضًا حوالي سنة 2000 داخل البنك الدولي، بدأ حديث جديد عن محاربة الفقر وتقييم السياسات السابقة واعتراف بفشل كبير فيها. ثم بعد 2008 والأزمة المالية العالمية، جرت مراجعات أخرى أقرت بوجود خلل كبير في السياسات التي تم تنفيذها، بما فيها سياسات تحرير القطاع المالي والانفتاح التجاري غير المشروط.

مع ذلك، حين وصلنا إلى الربيع العربي 2011، أذكر أن البنك الدولي مثلًا كان يعدّ دراسات يقول فيها: “لقد تجاهلنا قضايا رأسمالية المحاسيب (Crony Capitalism) وغضضنا الطرف عنها، واعتبرنا أن الإصلاحات تسير في الاتجاه الصحيح بغض النظر عمن هي القوى المسيطرة على الاقتصاد.” لكن بعدما تحوّل مسار الربيع العربي للأسف إلى اتجاهات سوداوية (كما نرى الآن في أزمات معيشية وبيئية خانقة)، نجد أنهم عادوا إلى السياسات السابقة بقوة. فبرأيك، ما سر هذه العودة القوية لفكرة “المعادلة البسيطة” – أي أنه “لا موارد لدينا لننفقها” – وكأن الموضوع يُختزل بمجرد حساب كم في الخزينة وكيف نصرفه، من دون النظر إلى من الذي ينفق، ومن الفاسد، ومن الذي يستغلّ من؟ وهل إذا تغيّر هذا النظام يمكن أن يزيد الإنتاج نظرًا لوجود رأس مال بشري وقوى اجتماعية وإبداع في المجتمع قد تغيّر طريقة التنمية؟ ما الذي تغير في الفترة الأخيرة – على الأقل في المنطقة العربية – حتى نراهم يعودون الآن إلى نفس نهج الثمانينات؟

نبيل عبدو: نعم، صحيح… دعني أكون منصفًا هنا: في عام 2008 وما تلاه – وصولًا إلى فترة الربيع العربي – حصل شيء مهم. برأيي، هذه المؤسسات ساهمت في إجهاض الثورات العربية بشكل أو بآخر. مثلًا بعد اندلاع الربيع العربي، وُجد ما سُمّي بـ**”شراكة دوفيل”** عام 2011 في فرنسا؛ حضرها قادة دول مجموعة السبع ثم الثماني (كان ذلك قبل تعليق عضوية روسيا)، ودول مجلس التعاون الخليجي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومؤسسات أخرى. أعلنوا في شراكة دوفيل أنهم موجودون لدعم التحول الديمقراطي في المنطقة العربية. لكن برأيي، ما حدث فعليًا هو فصل المسار السياسي عن المسار الاقتصادي تمامًا في تلك الدول. كانت شراكة دوفيل بمثابة رسالة إلى الشعوب مفادها: “تفضلوا أكملوا مساركم السياسي نحو الديمقراطية، أما الاقتصاد فلا تُقحموه في ثوراتكم.” بمعنى: الديمقراطية التي ندعمها لكم هي صناديق اقتراع وانتخابات حرة – لكن ليس الديمقراطية الاقتصادية. نعلم أن شعارات الثورات كانت تطالب بـ”خبز وحرية وعدالة اجتماعية”؛ هم عمليًا قالوا: سندعم الحرية السياسية فقط، أما الخبز والعدالة فبقيتا خارج المعادلة.

لذلك رأينا مباشرةً بعد انتفاضات الربيع العربي: حصلت تونس على برنامج قرض من صندوق النقد، ثم مصر بعد بضع سنوات (2015 تقريبًا)، ثم الأردن وغيرها… وكانت كل هذه البرامج تقشفية. أي أن التوجه الاقتصادي استمر كما كان قبل الثورات – بل أصبح أشد تقشفًا وليبرالية: رفع دعم، زيادة ضرائب غير مباشرة، خصخصة أصول… إلخ. أدى ذلك إلى فصل المسار السياسي عن الاقتصادي في عملية التغيير، وأسهم في إفراغ الثورات من مضمونها الاجتماعي والاقتصادي. لا أقول إن العامل الاقتصادي كان الوحيد في فشل الثورات، لكنه لعب دورًا كبيرًا برأيي.

في تلك الفترة قام صندوق النقد والبنك الدولي بنقلة خطابية في لهجتهما. على سبيل المثال، صدر عن صندوق النقد عام 2016 بحث بعنوان “النيوليبرالية: هل بيعت بأكثر من قيمتها؟” – اعترف فيه ضمنيًا بأن بعض السياسات النيوليبرالية أفرزت عواقب سلبية، وتحدث عن أهمية اللامساواة وغيرها من القضايا الاجتماعية. حصل إذًا تغيير في خطابهم، وتعديل طفيف في استراتيجياتهم. فمثلًا، وضع صندوق النقد بعد ذلك استراتيجية للحماية الاجتماعية، واستراتيجية متعلقة بالنوع الاجتماعي (الجندر)؛ وكذلك البنك الدولي وضع سياسات معلنة للتصدي للفقر ولتعزيز الإدماج الاجتماعي… قالوا فيها: “نعم، نعترف أن إصلاحاتنا ربما تترك آثارًا سلبية على شرائح معينة من المجتمع، ويجب علينا معالجتها.” فبدأ الصندوق يشترط أحيانًا في برامجه بعض الشروط الاجتماعية المخففة – كأن تقول الاتفاقية مع البلد: “يجب أن تنفق الحكومة على الأقل مبلغ كذا على الصحة والتعليم خلال مدة البرنامج”.

لكن بصراحة كانت هذه إصلاحات شكلية لتجميل البرنامج لا أكثر، دون أي إعادة نظر حقيقية في فلسفة التقشف الأساسية. أدخلوا بعض البنود بشأن قضايا النساء أو المناخ، لكن بطريقة تخدم مشروعهم الاقتصادي القائم. هم بارعون جدًا في قلب القضايا الاجتماعية العادلة إلى أدوات تخدم جدول أعمالهم التقشفي. مثلًا، قضية المناخ: يفاخر صندوق النقد بأنه يعالج قضايا المناخ منذ 30 أو 40 سنة، محتجًّا بأنه ظل طوال عقود يوصي الدول برفع الدعم عن الوقود والكهرباء – ويعتبر ذلك سياسة مناخية تقلل الاستهلاك! بالنسبة له، هو دائمًا كان صديقًا للبيئة بهذا المعنى.

أيضًا بالنسبة لـقضية تمكين المرأة: يقولون – خاصة عن منطقتنا العربية – إن انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل مشكلة كبيرة يجب معالجتها. هذا صحيح من حيث المبدأ، لكن ماذا يقترحون؟ يقترحون نظريتهم الخاصة: في رأيهم أن النساء يفضلن العمل في القطاع العام لأنه يمنح امتيازات وظيفية جيدة (رواتب ثابتة، إجازات أمومة، دوام أقصر أو تأمينات أفضل، إلخ)، وبالتالي إن لم تتوفر وظائف حكومية فإن الكثيرات يخرجن من سوق العمل بدل الانتقال للقطاع الخاص. إذًا ما “الحل” وفق تصورهم؟ يقولون: يجب تسوية الملعب بين القطاعين العام والخاص. ولكن بدل رفع مستوى القطاع الخاص وتحسين شروط العمل فيه، يقترحون خفض امتيازات القطاع العام! أي تقليص إجازات الأمومة وربما تخفيض بعض المنافع، وكذلك الحدّ من التوظيف الحكومي. النتيجة المتوخاة لديهم: بعد تراجع دور القطاع العام وفرصه، ستضطر النساء إلى التوجه للعمل في القطاع الخاص بأي شروط كانت. هكذا – بحسب منطقهم – ترتفع نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة!

هذا مثال على كيفية تحويرهم للقضايا الاجتماعية لتخدم المشروع التقشفي. كذلك بالنسبة لفكرة الحماية الاجتماعية الشاملة: نجدهم يقولون مثلًا إن دعم الغذاء أو الطاقة نوعٌ من الحماية الاجتماعية غير الموجّهة، وإن الأغنياء يستفيدون منه أيضًا، لذا فلنلغِ الدعم الشامل ولنستهدف فقط الأكثر فقرًا. والنتيجة – كما نعلم – تكون زيادة في اللامساواة، لأن إلغاء الدعم يضرُّ بالطبقة الوسطى والفقراء ويعمّق الفجوات. لكن الصندوق بارع في تسويق هذا المنطق على أنه إصلاح عادل وفعّال.

خلاصة القول: خلال العقدين الماضيين حاولوا إضافة بعض “البهارات” الاجتماعية على برامجهم التقشفية، لكن ذلك لم يحقق النتائج المرجوة. في النهاية، إذا كنت تطالب الدولة بخفض الإنفاق العام بشكل صارم، فكيف لها في الوقت نفسه أن تزيد الإنفاق على الصحة والتعليم مثلًا؟ هذا تناقض جوهري. ما يحدث عمليًا أن الحكومة – كي تفي بشروط التقشف وتحصل على دفعات القرض – تجد نفسها تُخفّض الإنفاق الاجتماعي أيضًا رغم التعهدات، لأنها مضطرة للالتزام بسقف العجز المالي المحدد. بالتالي لم تنجح هذه المحاولات التلطيفية. كما قلتَ أنت يا ربيع، ظل نهجهم محاسبيًا ضيق الأفق: ينظرون إلى الدولة كأنها دكان أو أسرة صغيرة يجب أن تقلص مصاريفها.

هم دائمًا يطرحون المثال البسيط الذي يفهمه الناس ليكسبوا تأييدهم: يقولون لك “إذا كنتَ مثقلًا بالدين في بيتك، فعليك أن تخفّض مصروفك وإلا ستفلس…” الناس تفهم هذا التشبيه وتوافق عليه، لكن الدول والمجتمعات ليست كذلك حقًا. لا يمكن تشبيه اقتصاد بلد بميزانية أسرة. الحكومة وظيفتها الإنفاق على المواطنين لتوفير الخدمات والتنمية، وقد تقترض وتحقق عجزًا في سبيل ذلك. العجز الحكومي ليس بالضرورة أمرًا سيئًا على الإطلاق؛ قوة الدولة أنها تستطيع الإنفاق أكثر مما تجبي، خاصة إذا كان إنفاقها استثماريًا أو اجتماعيًا يعود بالنفع العام. الإنفاق الحكومي هو الأداة الرئيسية لتقليل اللامساواة وتلبية الحاجات الأساسية للمجتمع.

الدولة ليست أسرة مثقلة بالديون، وظيفتها الإنفاق لتأمين الحقوق الأساسية، لا تقليصها تحت شعار التقشف؛ فخفض العجز لا يبرر التضحية بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية.

ربيع نصر:
اسمح لي أن أربط هذا الموضوع قليلاً بمسألة النزاعات التي تطرقتَ إليها. أذكر في عام 2015 تقريبًا، كنت في اجتماع قال فيه ممثل لمنظمة التجارة العالمية إن قطاع الاتصالات هو “أنجح القطاعات في المنطقة العربية” لأنه خُصخص ويعمل بكفاءة عالية. والمفارقة أن هذا القطاع في العديد من بلداننا محتكر من قبل قلة مرتبطة بالسلطة – بشكل مباشر أو غير مباشر – وتسيطر على كل ثرواته خارج إطار المنافسة والقانون. ما أود قوله: إن طريقة إدارة الاقتصاد والإنفاق تتم دون النظر إلى مَن المستفيد الحقيقي. حتى في أوج الخصخصة وانسحاب الدولة، نجد احتكارات يملكها مقربون من السلطة. الصندوق والبنك – في الحقيقة – لا يركزان على هذه التفاصيل؛ بل ربما يشجعان سياسات تؤدي إلى مثل هذا التناغم بين نخبة الحكم والنخب الاقتصادية.

لذلك نرى تناغمًا بين الحكومات والنخب الاقتصادية من جهة، وشروط صندوق النقد من جهة أخرى. لا نلحظ صدامًا كبيرًا بين الصندوق وهذه النخب – حتى في فترات النزاع والحروب – لأن برامج الصندوق كثيرًا ما تخدم مصالح من بيدهم السلطة والمال. حتى اقتصاديات الحرب وأمراء الحرب الذين يستفيدون من الفساد وتجارة السلاح، لا يجدون ما يطرحه الصندوق معارضًا لهم. وهنا يصل سؤالك تمامًا، ربيع…

من هذا المنطلق، أريد أن أسألك عن موضوع النزاع وإعادة الإعمار. كما تعلم، يكثر الحديث عن مرحلة “التعافي” (Recovery) ما بعد النزاع. برأيك، مع تقليص الإنفاق – الذي يفترض أنه استثمار للمستقبل كما قلتَ (فالدولة ليست كالعائلة، بل عليها جمع الموارد للاستثمار في مستقبل أفضل) – كيف ترى العلاقة بين النزاع ومرحلة إعادة الإعمار من جهة، وهذه المؤسسات الدولية من جهة أخرى؟

نبيل عبدو: هم أيضًا بدأوا بالحديث عن الدول الخارجة من النزاعات، وصار لديهم استراتيجيات لما يسمونه “الدول الهشّة” أو التي تمر بمرحلة انتقالية. قد يقولون الآن: “الإصلاحات التي نقترحها يجب أن تكون قابلة للتنفيذ، ويجب ترتيبها على مراحل، ومنح مرونة أكثر للدولة في التنفيذ.” ولكن هل تغير شيء في الجوهر؟ ما زالت الإصلاحات نفسها: ضرائب وتخصيصات وتقشف… فكيف تقيم مقاربتهم الحالية لمسألة الدول التي أنهكتها الصراعات وتحتاج إلى إعادة إعمار؟

بالفعل، لدى صندوق النقد والبنك الدولي الآن بعض الاستراتيجيات للتعامل مع ما يسمونه “الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات”، لكن – كما تفضلت – لم يتغير الكثير في الجوهر. هم يقولون: “نعم، يجب أن تكون الإصلاحات قابلة للتحقيق، وسنعطي فسحة زمنية أكبر ومرونة في التنفيذ”… لكن حين تنظر إلى مضمون هذه الاستراتيجيات، تجده نفس الوصفات التقليدية مع جدول زمني أطول لا غير. ربما يمنحون بعض المنح أو القروض الميسرة جدًا للدول الأشد فقرًا أو المنهارة تمامًا، لكن ذلك لا يمسّ لبّ السياسات المطلوبة.

المسألة الأساسية في إعادة الإعمار ليست فقط “من أين سآتي بالتمويل” أو “بأي شروط”، بل على أي أساس سأبني عملية إعادة الإعمار، ومن هي الفئات التي ستشارك ويُفترض إشراكها في وضع الرؤية الاقتصادية الجديدة. هنا المشكلة أن هذه المؤسسات – تاريخيًا – عندها عمى شبه تام عن الاقتصاد السياسي المحلي. لا يعرفون كيفية التعاطي السليم مع توازنات القوى الداخلية في البلد.

الاقتصاد السياسي المحلي يعني فهم من هي القوى المختلفة في المجتمع وكيف تتصارع أو تتشارك، ومن الخاسر والرابح من أي سياسة اقتصادية تُتبنى… هذا النوع من التحليل لا يدخله الصندوق والبنك عادة في صلب توصياتهما. ربما يحاولون الآن الحديث عن “الشمولية” أكثر، لكن حتى عندما يفعلون ذلك يكون الأمر سطحيًا جدًا. وكما قلنا سابقًا، مهما ظهروا “منفتحين” ويتحدثون مع بعض ممثلي المجتمع، فإن تعاطيهم الفعلي والحصري يبقى مع المسؤولين الرسميين – كرئيس الحكومة أو وزير المالية – أي مع من يمثل السلطة التنفيذية فقط. بالتالي فهم يفتقرون إلى فهم حساسيات المجتمع ودينامياته، وهذا عائق أساسي.

النقطة الثانية: رؤيتهم لدور الدولة في الاقتصاد. حاليًا – خاصة بعد موجة السياسة النيوليبرالية الشعبوية مؤخرًا (كفترة حكم ترامب وما شابه) – نجد توجهًا لديهم أكثر تشددًا لصالح القطاع الخاص. عقيدتهم الأساس هي: “كيف نخلق الظروف لازدهار القطاع الخاص، وكيف نجعل دور الدولة دور المنظم المنسحب من الاقتصاد.” مثلًا، إذا نظرنا إلى برنامج مصر الأخير مع صندوق النقد، نرى ضمنيًا رسالة مفادها: “ما يحدث في مصر دليل إضافي على أن الدولة يجب ألا تتدخل في الاقتصاد.” طبعًا هم لا يقولونها بهذا الوضوح، لكن السياسات المطلوبة .

الأمر الثالث الذي يجب الإشارة إليه هنا: كم يمتلك الصندوق والبنك من حرية تقنية مقابل التوجهات السياسية للدول الكبرى المساهمة فيهما؟ أي ما حدود القرار الاقتصادي البحت مقارنةً بمصالح الدول المالكة للحصص؟ الحقيقة أنه حتى لو رأى خبراء الصندوق مثلاً أن السياسة الأمثل هي س، فإن الدول الكبرى المساهمة (كالولايات المتحدة وأوروبا) إن كانت تفضّل ص أو ع وفق مصالحها، فسيتم توجيه المؤسسة نحوها. مصالح تلك الدول تطغى في المحصلة.

خذ مثالًا سوريا نفسها – أو لنقل لبنان لتبسيط الأمر – لا يعتبر بلدًا “هشًا” بالمعنى الحرفي لكنه يمر بأزمة. الجميع في لبنان يقول: لا يمكن الحصول على قرض من صندوق النقد دون تنفيذ الإصلاحات التي يطلبها. لكن في الحقيقة المانع لقرض لبنان حاليًا سياسي أكثر مما هو اقتصادي. لو نفذت الدولة اللبنانية بعض الشروط السياسية المطلوبة من قِبل أمريكا وأوروبا وغيرها، لأعطوها القرض مباشرة ولو لم تكن قد أنجزت كل الإصلاحات الاقتصادية. رأينا مثل هذه الحالات: تقرر الدول الكبرى منح دعم مالي لحكومةٍ ما رغم عدم استكمالها الإصلاحات، لأنها حققت شرطًا سياسيًا يهم تلك الدول.

للمستمعيين والمشاهدين كتير مهم تعرية هذه المؤسسات من ادعاءاتهم التكنوقراطية، لأنه هو أساسي بيقولوه باللبنان أو سوريا، وهو أن هذه المؤسسات تكنوقراطية تعمل على فقط على أساس الاقتصاد، لكنهم ليسوا كذلك بل هم مؤسسات تعمل بالسياسة.

إذن حين سيتدخل صندوق النقد أو البنك في إعادة إعمار سوريا، لن يكون ذلك بمعزل عن السياق السياسي الدولي. سيكونان أداة ضمن أدوات القوى الكبرى لرسم معالم الاقتصاد السوري بعد الحرب وفق مصالح تلك القوى. إذا عرض الصندوق إقراض سوريا مثلاً، فشروطه لن تقتصر على “ضبط العجز المالي” أو “استقرار سعر الصرف”. ستكون هناك شروط تتعلق بكيفية فتح الاقتصاد السوري أمام استثمارات أجنبية معينة، وربما استثناء أخرى؛ نوع النظام الضريبي المراد تطبيقه – غالبًا بطريقة تخفف الضرائب عن رأس المال وتضعها على الاستهلاك مثلاً –؛ وهكذا.

من الدروس التي ينبغي أن نتعلمها عن إعادة الإعمار أن هذه العملية – وكذلك التعافي الاقتصادي – هي في جوهرها فرصة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. ليس فقط من حيث شكل النظام السياسي، بل خصوصًا من ناحية توزيع الموارد والأعباء. العنصر الأساسي في أي عقد اجتماعي اقتصادي جديد هو كيف سيتم الجباية والإنفاق في الدولة.
إذا انخرط صندوق النقد والبنك الدولي بقوة في رسم هذه التفاصيل أثناء إعادة إعمار سوريا – واعتقد أنهم يقومون ببعثات إلى سوريا الآن- فالدفع هنا يكون  ما النظام الضريبي الذي سيُعتمد، وعلى من ستقع كلفة الإنفاق العام بشكل أكبر، وما حجم القطاع العام وما الخدمات العامة التي ستضمنها الدولة (تعليم، صحة، حماية اجتماعية… إلخ).
والدفع ايضا نحو نموذجهم المفضل: خفض دور القطاع العام إلى الحد الأدنى، تقليص الدعم الحكومي، زيادة اعتماد الاقتصاد على القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية… سيقولون: “كان لديكم قطاع عام متضخّم لعقود، لا بد من تقليصه. كان لديكم دعم للسلع، يجب رفعه،…” إلى آخر هذه المعزوفة التي نعرفها.

الخطورة في مرحلة إعادة الإعمار هي أن يتركز اهتمام الجميع على المسار السياسي (تشكيل الحكومة، الدستور، تقاسم السلطة… إلخ) بينما يُهمَل تحديد شكل النظام الاقتصادي القادم، فيُترك هذا الملف للصندوق والبنك ودول قليلة لرسمه كما يريدون، بحجة أنه مسألة فنية أو اقتصادية بحتة. هذا حدث في بلدان عديدة – بعد الحرب الأهلية اللبنانية مثلاً، وفي دول أخرى – حيث أُنجزت تسويات سياسية ولم ينتبه الناس إلى أن سياسات اقتصادية نيوليبرالية فُرضت بالتوازي. أخشى أن يتكرر ذلك في سوريا بشكل كبير. لذا هذا الأمر برأيي بالغ الأهمية: علينا أن ننتبه ألا ننشغل تمامًا بالحل السياسي ونتجاهل الاقتصاد، وإلا فسنصحو لنجد النموذج الاقتصادي قد فُرض بالكامل من قبل هذه المؤسسات قبل أن يكون للمجتمع المحلي رأي فيه.

الخطر في إعادة الإعمار أن ننشغل بالحل السياسي، بينما يُفرض النموذج الاقتصادي من الخارج كأمر فني محض، دون مشاركة مجتمعية أو نقاش حقيقي حول مستقبل البلاد الاقتصادي.

ربيع نصر:
لا، بالعكس. كما تقول، فإن الكثير من الذين يستمعون إلينا والمهتمين بالشأن السوري يعلمون أنه خلال هذه الأشهر العشرة، أو ربما أكثر، مرّت بنا مشاهد متسارعة ناتجة عن هذه السياسات، حتى قبل أن يتدخل صندوق النقد والبنك الدولي. هناك توجه وكأن هذا التوجه هو الإصلاحي أو الأفضل للاقتصاد.


نبيل عبدو:
عفوًا يا ربيع، هناك أيضًا أمر يتعلق بهذا الموضوع، والذي حدث – بحسب اعتراف الصندوق نفسه – وهو أنه عادةً ما يحصل نوع من المبالغة في تأثير أو نتائج هذه السياسات. أعني، إن سياسات الصندوق – وغيرها – هي سياسات عادةً غير شعبية، كما ذكرنا. لذا، يحدث أحيانًا شيء مما يسمونه تفاؤلًا بالنمو (Growth Optimism). أي يقولون لك إنه إذا نفّذت السياسات التي نخبرك عنها، فإننا نتوقع أن يكون هناك نمو بنسبة 4% بعد سنتين، وأن ينخفض الدين العام – لنقل – من 80% إلى 60%، وإلى آخره.

ويعطونك صورة وردية عن كيفية تحقيق ذلك. ويتبيّن من خلال تقييم صندوق النقد نفسه – إذ لدى الصندوق مكتب تقييم مستقل – أن مسؤولي الصندوق في بعض الأحيان يفعلون هذا الأمر بشكل متعمّد لكي تتمكن الحكومات من تسويق البرامج، نظرًا لصعوبة أن نقول للناس مثلًا: “سيكون لديكم نمو 5%، لذا يجب أن ندعم كلّنا هذا البرنامج”، إلى آخره. ولكن في النهاية يتبيّن أن هذه التقديرات كانت متفائلة جدًا، وليس هذا ما وصلنا إليه.

من الممكن أيضًا أن يحدث الأمر نفسه مرة أخرى. وبدلًا من ذلك – خاصةً وأن العنصر الأساسي، لا سيما في مرحلة إعادة الإعمار، وبشكل عام في أي نوع من هذه الأزمات – هو أنك تكون أمام مشهد معقد جدًا، مشهد فوضوي جدًا. فوضوي بمعنى أن هناك الكثير من المجموعات، والكثير من اللاعبين، إلى آخره.
ثم يأتي صندوق النقد (أو البنك الدولي) ليقول لك: حسنًا، هذه هي السياسات التي عليكم تنفيذها لوضع سوريا على المسار الصحيح من أجل أن يقف اقتصادها على قدميه. وبعد بضع سنوات يتضح أن النتائج المرجوّة لم تظهر. لماذا؟ لأن هناك أمورًا معيّنة: إصلاحات لم تُنفَّذ، وإصلاحات تراجعت عنها الحكومة لأنها لم تكن شعبية.
فيأتي صندوق النقد والبنك الدولي ويقولان لك: هذه السياسات لم تنجح لأنكم لم تنفّذوها كما طلبنا. لكن البلد معقد؛ وجميع البلدان معقدة. لا يمكننا أن نكتب كل شيء على الورق ويتم تنفيذه بحذافيره. وكما قلنا، هناك تعقيدات ناجمة عن العلاقات الاجتماعية، والعلاقات السياسية، وعلاقات القوة، إلى آخره، والتي يمكن أن تدفع الأمور في هذا الاتجاه أو ذاك. وبالتالي يصبح اللوم على البلد نفسه، وليس على أننا لم نستطع صياغة سياسات ملائمة لواقع البلد وتعقيداته والصعوبات التي نواجهها – لا سيما وأن هذه الصعوبات موجودة.

ربيع نصر:
مثل الطبيب السيّئ الذي لم يتعلم جيدًا، فيقول للمريض: أنت لم تأخذ الدواء في موعده أو كان يجب أن تلتزم أكثر أو لقد كنت تحت ضغط نفسي، فيجد لك الأعذار. لكن النموذج الذي يقدّمونه أصلًا يتجاهل أمورًا. أعني أنهم يطرحون أمورًا متفائلين بها، لكنهم أيضًا يزيلون من الصورة النتائج السلبية أو قضايا أخرى. حتى إنه في النقاشات حول تقارير بعض الدول، لا يريدون طرح قضايا قد تثير حفيظة الحكومة. أي أنهم – حتى في تلك الدول الضعيفة – يعتبرون الحكومات هي الشريك بالنسبة لهم، وليس بقية الفئات.

وهنا أريد أن أسألك عن علاقتهم وتفاعلهم مع القطاع الخاص. لستُ أتحدث عن القطاع الخاص الكبير؛ بل أقصد القطاع الخاص الذي غالبيته في منطقتنا من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك عن المجتمع المدني. كيف ترى هذه العلاقة؟ هم يدّعون أنه أصبح هناك قنوات أكثر للتواصل مع القطاع الخاص الصغير والمتوسط والاهتمام به، ومع منظمات المجتمع المدني، من خلال اللقاءات الدورية التي يعقدونها. فبرأيك، هل هذه القنوات فعلًا تشكّل مسارًا للتغيير أو للإصلاح أو للتعديل؟ وإلى أي مدى تراها فعّالة، وهل ينبغي الاستفادة منها؟

نبيل عبده: الآن، هل هي فعّالة؟ لا، ليست فعّالة إن شئت رأيي. ربما تُحدث تغييرًا طفيفًا هنا أو هناك حسب علاقتك بهم، لكنني لا أعتقد أنها فعّالة حقًا. حسنًا، فيما يتعلق بسؤالك، سأعطيك بعض الأمثلة. على سبيل المثال، في ما يخص القطاع الخاص الصغير أولًا: في البلدان النامية بشكل خاص، ينظرون إلى هذا القطاع – إن شئت القول – من منظور الاقتصاد غير النظامي أو الاقتصاد غير الرسمي. أي أن همّهم هو: كيف يمكننا إدخال هذه المؤسسات، التي غالبًا ما تكون خارج الاقتصاد أو غير مسجّلة، إلى الاقتصاد النظامي كي نجري جباية ضريبية منها. هذا هو المنطق الأساسي بالنسبة لهم، بدلًا من التفكير في كيفية بناء اقتصاد منتج وهيكلية تعزّز نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإلى آخره. ولا سيما صندوق النقد، لأنه بطبيعته ينظر إلى الاقتصاد على المستوى الكلّي؛ فهم خبراء اقتصاد كلي ويركزون على استقرار المؤشرات العامة. أما البنك الدولي فربما يعمل بشكل أكبر – من خلال مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، وهي ذراعه المعنيّة بالقطاع الخاص – على دعم القطاع الخاص الصغير والمتوسط. لكن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أيضًا باتت تلعب دورًا خطيرًا. مثلًا، من الأدوار التي تقوم بها الـIFC أنها تقدم دعمًا للقطاع الخاص في مجالات يوجد فيها قطاع عام، مثل الصحة والتعليم.

فقد قدموا دعمًا لمدارس؛ أي لمؤسسة تعليمية خاصة، وما إلى ذلك. وقد أدى ذلك إلى كوارث اجتماعية وانتهاكات في بلدان معينة. على سبيل المثال، ظهر أنه في إحدى المدارس الخاصة العالمية التي دعمها الـIFC حصلت انتهاكات جنسية بحق الأطفال، وما إلى ذلك. وبالتالي، هم أيضًا يلعبون دورًا خطيرًا في هذا المجال. عمومًا، لا يبدو أن هناك عملًا على إرساء بنى مستدامة لقطاع خاص صغير ومتوسط. بدلًا من ذلك، يتركز الاهتمام أكثر على كيفية توسيع الجباية الضريبية، وتوسيع المظلة الضريبية لتشمل هؤلاء المؤسسات الصغيرة، بدلًا من جباية الضرائب من الأثرياء أنفسهم. فمثلًا، هناك الكثير من التوصيات بخفض الحدّ الأدنى – ما يسمونه Threshold أو العتبة – التي عندها تُفرض ضريبة القيمة المضافة. لنفترض أن ضريبة القيمة المضافة تُفرض على الشركات التي يفوق حجم أعمالها 30 ألف دولار.

يقول لك الصندوق: يجب أن تُخفَّض هذه العتبة إلى 10 آلاف، إلى 5 آلاف، إلخ، بحيث يصبح الجميع يدفع ضريبة القيمة المضافة، إلى آخره. لذلك، دعم هذا القطاع (أي الصغير والمتوسط) لم نلمسه حقًا من خلال برامج الصندوق أو البنك الدولي، ولا نرى تكوين قطاع خاص مزدهر ومستقل. بل على العكس، عندما يحدث دفع نحو الخصخصة – كما في مصر مثلًا – تجد أن من يقوم بالشراء في عمليات الخصخصة هي جهات مثل الإمارات وغيرها، وكلهم – كما قلت – مرتبطون أو مقربون من النظام الحاكم، إلى آخره. وبالتالي، لا يوجد هذا الاهتمام الحقيقي بتنمية قطاع خاص محلي مستقل. قد يكون هناك بعض الدعم التقني وما إلى ذلك، وربما عبر قروض، ولكن ليس بالقدر الكافي.

أما موضوع المجتمع المدني، فأنا برأيي أن هذه الاجتماعات التي يعقدونها الآن – الاجتماعات الربيعية والسنوية المفتوحة للمجتمع المدني – هي ذات طابع تنفيسي أكثر. فمثلًا، قبل أن تصبح لدينا اجتماعات ربيعية وسنوية مفتوحة للمجتمع المدني، كانت هناك مظاهرات ضد صندوق النقد. فقاموا بتوسيع المظلة وقالوا: تعالوا تحدّثوا معنا، فصار هناك نوع من التنفيس. الآن، نحن في منظمة أوكسفام أجرينا دراسة حول كيفية تعاطي الصندوق مع المجتمع المدني في خمس أو ست بلدان، منها الأرجنتين وتونس ومصر ونيجيريا وغانا، وغيرها. ومن جملة ما وجدناه، أولًا: أن تعاطي الصندوق مع المجتمع المدني يكون دائمًا شكليًا؛ إذ يكون لديهم قائمة مراجعة (Checklist) يتبعونها. بمعنى أنه لا يكون جديًا جدًا في أغلب الأحيان، ويشاركون المجتمع المدني معلومات متوفرة مسبقًا ومنشورة أصلًا. لذلك، غالبًا ما تكون مشاركة المجتمع المدني صوريّة. ويقولون لك: “نحن نستمع بشكل غير رسمي (off the record)، رجاءً لا تخبروا أحدًا عن الاجتماع ولا تتحدثوا عنه علنًا”. ثم نذهب إلى الاجتماع فلا نجد أنهم يقولون لنا شيئًا جديدًا لم يقولوه من قبل – ربما منذ 20 سنة. ويتحدثون بلغة لا يفهمها المجتمع المدني؛ فعندما تتحدث أنت عن العدالة الاجتماعية أو المساواة، فهم لا يستوعبون كثيرًا ما نتحدث عنه. ودائمًا ما يرغبون في إعادة توجيه الحديث إلى ضرورة التقشّف، وما إلى ذلك.

ولكن ما لاحظناه – إن شئت يا ربيع – هو أنه في البلدان التي يمكن أن يكون فيها المجتمع المدني ذا تأثير، يختلف الوضع. وأقصد بالمجتمع المدني هنا ليس فقط المنظمات غير الحكومية (NGOs) بالمعنى الضيق، بل أيضًا الحركات والتنظيمات المجتمعية الأخرى. عندما يمتلك المجتمع المدني القدرة على التعطيل، عندها يضطر صندوق النقد للاستماع والأخذ بالاعتبار. مثلًا، في تونس استطاع الاتحاد العام التونسي للشغل أن يعطّل برنامجًا للصندوق عبر الإضرابات والاحتجاجات. الأمر الذي أجبر صندوق النقد – ليس فقط على الجلوس معه – بل أن يقول للحكومة: “اتفقوا مع اتحاد الشغل على خطة إصلاح قبل أن نستمر”. وكذلك الأمر في بلدان أخرى؛ في أمريكا اللاتينية مثلًا، تتمتع الحركات الاجتماعية بقوة كبيرة جدًا، وهذا يجعل الصندوق يأخذ بدرجة أكبر اعتبارات تتعلق بالمساواة والعدالة وما إلى ذلك، لأنه توجد قدرة على التعطيل. أما إذا لم تكن لديك قدرة على التعطيل، فلن يصغي إليك. وهذا ما اكتشفناه في دراستنا وفي تعاملنا مع موظفي الصندوق. وبالتالي، في غياب أي ضغط اجتماعي حقيقي، لا يوجد أي حافز يدفع صندوق النقد ليستمع إليك؛ فهو سيستمع للطرف الآخر. وهذا الأمر ليس جيدًا بالطبع، ولكنه – برأيي – يفتح أيضًا مجالًا لوضع استراتيجية حول كيفية التعامل مع صندوق النقد والبنك الدولي بشكل يُجبرهم على الاستماع. أي ليس مجرد أن يصغوا إليك ثم يقولوا: نعم، أنتم محقّون ولكن ليس بيدنا شيء الآن، أو أنتم محقّون ولكن هناك ضرورات حالية…، وما شابه ذلك. هذا ما لاحظناه بالفعل.

ربيع نصر:
من هنا أريد أن أكمل معك فكرة الحلول والمخارج. النقطة الأولى هي أنه كما قلتَ: لديهم كل هذه القوة في وضع التصورات والتصميم – أي الدول الداعمة لهم والقوى النافذة في العالم. لكن لديهم أيضًا قدرات تقنية على صناعة السياق والسرديّة مقارنةً بالآخرين. المشكلة لدينا هي أنه فيما يتعلق بالضغط الاجتماعي – وأنا أتحدث عن تجارب بلداننا – فإن النموذج المناهض أو البديل للنموذج الذي يطرحونه غير موجود بالشكل الكافي. بمعنى أنه لا يوجد استثمار كافٍ في تطوير سياسات بديلة، لأن الحيّز المتاح ضيق، ولا تُستثمر الإمكانات بشكل مركّز لبناء نموذج آخر. لذلك فإن الطروحات التي تأتي من قبل المجتمع تكون غالبًا غير ناضجة أو غير قابلة للترجمة إلى سياسات قابلة للتنفيذ. برأيك، أين نقطة الانطلاق هنا؟ إذا اقتنعنا بأن الضغوط المجتمعية عامل مهم، فإن هذه الضغوط بأي اتجاه ينبغي أن تكون؟ ما هو النموذج أو السياسات المقابلة التي يجب أن نضغط باتجاهها؟ كيف يمكن أن يتطور ذلك؟ وبرأيك، من يمكن أن يكون اللاعبون هنا؟

نبيل عبدو:
حسنًا، اسمع يا ربيع… أحيانًا أشعر أننا ربما نكون قساة على أنفسنا في موضوع البدائل وما إلى ذلك. أعني أنه لا يمكنك أن تمنع برنامجًا لصندوق النقد أو تمنع قرضًا من البنك الدولي إذا كانت الدولة بحاجة إليه؛ لا تستطيع ذلك. في بعض الأوقات تكون هناك حاجة أساسية لوجود هذا الدعم المالي الخارجي. ربما لم نتحدث عن هذا الأمر سابقًا، لكنه مهم. فمثلًا، أهمية صندوق النقد أو مدى تأثيره تكمن في أن الكثير من الدول تلجأ إليه حين لا تجد من يُقرِضها، أو عندما تكون تكلفة الاقتراض من الأسواق (أي من سوق الدين الخاص) مرتفعة جدًا بسبب المشاكل الاقتصادية. هذه الدول تذهب إلى صندوق النقد لأن لديها حاجات فورية لا تستطيع تأمينها عبر الاقتراض من الأسواق أو عبر قروض ثنائية من دول أخرى. فيكون لديها مشاكل تتعلق بـ ميزان المدفوعات: هناك الكثير من الأموال التي تخرج من البلد، وليس هناك ما يكفي من الأموال الداخلة إليه، فلا تستطيع تمويل الاستيراد، إلى آخره، بالإضافة إلى أزمة دين. لذلك تلجأ إلى صندوق النقد.
وتكمن أهمية صندوق النقد هنا في أنه لا يقتصر على منحك قرضًا. فعادةً ما تكون قروض صندوق النقد صغيرة نسبيًا قياسًا إلى احتياجات الاقتصاد، ولا تغطي العجز بالكامل. بل يُعتبر الحصول على قرض من الصندوق بمنزلة ختم موافقة. لأنك عندما تأخذ قرضًا من صندوق النقد، فإنك تأخذه على أساس برنامج إصلاحي؛ أي أنك وضعت نفسك فعليًا تحت إدارة – أو وصاية – صندوق النقد. فيأتي المقرضون الآخرون، سواء الدول أو الدائنون من القطاع الخاص، ويقولون: حسنًا، هذا البلد ينفذ إصلاحات بإشراف صندوق النقد، فيمكننا إذن أن نقرضه أموالًا من جديد. فعندما لا تكون لديك أي مصادر أخرى لتمويل نفقاتك واقتصادك، ترجع في النهاية إلى صندوق النقد.

الأمر الثاني – وربما كنت أود التأكيد عليه سابقًا – هو أن تدخلات صندوق النقد والبنك الدولي كثيرًا ما تكون سياسية وليست مبنيّة على اعتبارات اقتصادية بحتة. سأعطيك مثالًا: الأردن. منذ عام 2012، حصل الأردن على أول قرض له بعد الربيع العربي، وكان ذلك في 2012. قبل ذلك، كان قد مضى نحو 10 أو 15 سنة دون أن يأخذ الأردن أي قرض من الصندوق. من عام 2012 حتى الآن، دخل الأردن في برنامج بعد برنامج مع صندوق النقد؛ برنامج يعقبه برنامج، وهكذا. نحن اليوم في عام 2025، أي قرابة 13 أو 14 سنة من وجود الصندوق المستمر هناك. من المفترض أن تكون تدخلاته قصيرة الأمد وجراحية (سريعة وتنتهي)، أما 14 سنة فهذا غير طبيعي أبدًا. هذا مثال ذو أبعاد سياسية في الحقيقة. وخذ مصر أيضًا: في آخر مراجعة لبرنامجها – علماً أن صندوق النقد يقوم بمراجعات دورية وعلى أساس كل مراجعة يقرّر صرف دفعة جديدة – تبيّن أن مصر نفّذت 18 شرطًا فقط من أصل 32 شرطًا في البرنامج. في الظروف الطبيعية، يعني ذلك تعليق القرض. ومع ذلك، لم يتوقف البرنامج ولم يُعلَّق صرف القرض. هذا أيضًا دليل على أن الاعتبارات السياسية تتغلغل في قراراتهم.

لكن أيضًا، كما ذكرتُ، نحن أحيانًا قساة على أنفسنا حين نفكّر أنه يجب أن يكون لدينا مشروع اقتصادي بديل متكامل لكي نقاوم هذه السياسات. بالطبع وجود بدائل واضحة أمر مهم، لكنه ليس الشرط الوحيد. إذا كنا نتحدث عن هاتين المؤسستين بالتحديد، فإن الشيء الأساسي الذي علينا التركيز عليه هو سؤال: من يجب أن يتحمّل كلفة الإصلاح؟ من الذي ينبغي أن يتحمل كلفة هذا التكيّف الهيكلي – إن صح التعبير – للاقتصاد؟ هذا هو المحور الذي يجب أن يكون مطلبنا الرئيسي. يجب أن نطالب بأن يتحمل الأكثر ثراءً – أي الـ10% أو الـ1% الأعلى في المجتمع – كامل كلفة الإصلاح الاقتصادي أو كلفة الأزمة الاقتصادية. بمعنى أنه بدلًا من أن يأتي صندوق النقد ويقول لك: ارفع ضريبة القيمة المضافة وزِدْ الضرائب على الجميع، نقول: لا، ارفع الضريبة على الثروة، وارفع ضريبة الأرباح، وفَرِض ضرائب تصاعدية على الممتلكات والعقارات… ما هي الأمور التي تستهدف الأكثر ثراءً في المجتمع؟ تلك هي التي يجب تنفيذها. لأنهم عندما يريدون خفض الإنفاق أو خفض العجز، هناك طرق عديدة لتحقيق ذلك. هناك طرق تتعلق بخفض الإنفاق العام، وطرق تتعلق بزيادة الإيرادات. فإذا أردت زيادة الإيرادات الضريبية، فعلى مَنْ ستفرض الضرائب الإضافية؟ وعندما تريد أن تخفّض الإنفاق، فعليك أن تختار ما الذي ستقوم بخفضه. في النهاية، سأتبنّى برنامجًا معينًا أدافع فيه عن خفض الإنفاق، فأدعو مثلًا إلى خفض الإنفاق على بنود غير ضرورية أو ذات أولوية أقل – ربما في الأمن (مثل أجهزة المخابرات) أو غير ذلك – بدلًا من خفض الإنفاق الاجتماعي الأساسي. ولذلك يجب القيام بهذا النوع من الإجراءات. أي بمعنى أنه عندما يكون هناك برنامج مع الصندوق أو البنك الدولي، يجب أن نعرف ما هي النقاط التي سنؤثر عليها لكي نجعل الكلفة أقل على عامة الناس وأكثر على الشرائح العليا في المجتمع.

بالطبع، العمل الآخر الذي يجب القيام به يتعلق بوجود بدائل على المدى الأوسع. هناك الكثير من البدائل الممكنة حتمًا، لكن في رأيي واحدة من البدائل الأساسية تتعلق بما هو خارج نطاق الدولة المنفردة. فهناك أمور يمكن للبلد أن يفعلها داخل حدوده، وأمور لا يمكنك كبلد واحد أن تقوم بها بمفردك. ينبغي أن تبحث عن مصادر تمويل بديلة، وألا يكون صندوق النقد الدولي هو الخيار الأوحد. ربما يمكنك الحصول على دعم أو قروض ميسرة من دول أخرى، مثلًا. وبرأيي، هذا الأمر – في منطقتنا – لا نقوم به كما يجب، سواء على مستوى المجتمع المدني أو على مستوى الحكومات. يجب على الحكومات أن تلعب دورًا أكبر في هذا المجال. برأيي، على بلداننا الانضمام إلى تكتلات دولية بديلة. بمعنى أنه لدينا الآن حديث كثير عن مجموعة البريكس (BRICS) وما شابهها، وهناك أيضًا دول أخرى وحركات أخرى. خلال السنتين الأخيرتين – ولا سيما منذ الحرب الروسية على أوكرانيا – بدأت تظهر تكتلات دولية بديلة تحاول تغيير البُنى المالية الدولية التي تحكم بلداننا. المشكلة الأولى هي أن حكوماتنا لم تنخرط بشكل جاد في هذه الجهود؛ فهي ما زالت بعيدة وتظل ملتصقة بالولايات المتحدة والغرب وما إلى ذلك. في الوقت نفسه، أعتقد – وربما تخالفني الرأي هنا – أن المجتمع المدني العربي أيضًا لا يدفع الحكومات للسير في هذا الاتجاه. ليس لدينا في المجتمع المدني رؤية واضحة تدفع نحو هذا المسار. أي أننا لا نمتلك تصورًا لكيفية تشجيع تكتلات دول الجنوب العالمي على تشكيل ثقل موازن لتكتلات القوى الأخرى، وهكذا.

في رأيي، جزء أساسي من مشكلاتنا ليس مرتبطًا فقط بما نفعله داخل بلداننا، بل يتعلق بما أسميه الهندسة المالية الدولية (International Financial Architecture). هذه تشمل مثلًا صندوق النقد والبنك الدولي ومجموعة العشرين ونادي باريس ومقرضي القطاع الخاص وكل تلك المنظومات. فكيف نتعامل مع قضايا الديون وقضايا التمويل وكل هذه الأمور؟ هذا أمر أساسي، ومجاله ليس محليًا صرفًا. لذلك أرى أنه من الضروري أن نعمل على التأثير على حكوماتنا – إن أمكننا ذلك – لكي تنخرط في هذه التكتلات البديلة وتتعاون أكثر مع تلك الدول التي تحاول إنشاء نظام مالي موازٍ أو بديل للنظام الحالي. مثلًا، رأينا بعض الدول الإفريقية تتجه إلى الأمم المتحدة وتضغط باتجاه مبادرات جديدة. هناك الآن زخم من أجل إقرار اتفاقية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة حول الضرائب، وهذا أمر بالغ الأهمية. فعندما تضع قواعد دولية للضرائب عبر الأمم المتحدة، فإنك تنتزع هذا الملف من هيمنة محافل أخرى كمجموعة العشرين أو صندوق النقد والبنك الدولي. كذلك هناك مساعٍ لوضع آلية أكثر عدالة ضمن إطار الأمم المتحدة لمعالجة أزمات الديون خارج نطاق صندوق النقد والبنك الدولي. وهناك أيضًا جهود تقودها دول كبرازيل وجنوب إفريقيا لطرح مسودات ومبادرات ضمن المنتديات الدولية بحيث تصبح هذه القضايا في صلب الأجندة العالمية. إضافة إلى ذلك، يوجد دفع نحو فرض ضرائب عالمية على الأكثر ثراءً في العالم، وما إلى ذلك من خطوات إصلاحية. فأين الدول العربية من هذه النقاشات؟ وأين المجتمع المدني العربي منها؟ أعتقد أن هذا أمر أساسي جدًا. وهذا يتطلب منا أيضًا، برأيي، أن نترفّع قليلًا عن بعض الاعتبارات أو الخلافات، وألا نتخذ دائمًا موقفًا معاديًا بشكل تلقائي من مبادرات ربما تقودها حكومات في الجنوب العالمي لمجرد تحفظاتنا عليها. وكذلك يجب أن نكون أكثر واقعية في نظرتنا إلى حكومات بلدان أخرى في الجنوب إذا كنا نريد بناء تحالفات معها. لقد أوجد تعنّت الدول الغربية في مواقفها – سواء تجاه روسيا وأوكرانيا أو تجاه غزة ودعمها للسياسات المدمّرة هناك – مجالًا وفرصة للدول العربية كي تتحرك خارج هذا الإطار التقليدي. برأيي هذا أمر أساسي ويتيح لنا نافذة للتحرك.

ربيع نصر:
لا، أنا أتفق معك أن الحل ليس محليًا فقط. صحيح أن المستوى المحلي يجب أن يشهد ابتكارًا في النموذج التنموي، لكنه أيضًا يجب أن يكون عابرًا للحدود، لأن القوى الأخرى تتكتل وتتضامن فيما بينها. النقاش صراحةً ممتع جدًا، وأشعر أننا يمكننا الاسترسال فيه لوقت أطول بكثير. ولكني أعتقد أنه يمكننا اعتبار ما توصلنا إليه خلاصة أولية مفيدة: أهمية الحراك المجتمعي والضغط الشعبي والعمل العابر للدول، والخروج من النطاق الضيق ليكون ذلك جزءًا أساسيًا من تغيير الواقع. هذا كله بالغ الأهمية في ظل ما نواجهه من عنف وتشرذم ومشكلة بيئية كبرى ومديونية ضخمة؛ لدينا تحديات هائلة أمامنا. آمل أن تكون هذه مجرد مقدمة لنقاش يمكن أن نتابعه في حلقات قادمة. وأود أن أترك لك المجال، إذا كنت ترغب، لتختم بفكرة أخيرة أو تضيف أي شيء ربما لم تذكره بعد.

نبيل عبده:
نعم، لكن أريد أن أقول وأكرر شيئًا أخيرًا. الآن، لا أدري إن كانت النظرة في سوريا لهاتين المؤسستين (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) هي نفسها في لبنان. في لبنان هناك نوع من الرجاء – خاصةً تجاه صندوق النقد – بأن يلعب دورًا أساسيًا في وضع الحكومة والاقتصاد على المسار الصحيح، وكأنه مؤسسة تضبط إيقاع الدولة المنفلتة. كما تعلم، في لبنان هناك دومًا ذاك الهاجس بأن الدولة فاشلة وتحتاج إلى من يفرض عليها الانضباط. فلا أعلم إن كان المزاج العام في سوريا مشابهًا أو أن لديكم تفكير مختلف في هذا الموضوع. على كل حال، نحن كأبناء هذه المنطقة يجب أن نتعلّم كثيرًا من التجارب التي مرّت، ليس فقط في منطقتنا، بل أيضًا ما نراه في دول أخرى – ما يحدث في الأرجنتين مثلًا مخيف جدًا. هاتان المؤسستان، أكرر، أولًا: ليستا جهتين تمتلكان العلم الكامل بكل شيء أو تعملان بحيادية وموضوعية تامة؛ يجب أن نزيل هذه الفكرة من أذهاننا، فهذا تصوّر خاطئ. وثانيًا: علينا أن نعرف كيف نقرأهما جيدًا ونراقبهما عن كثب، لأن لديهما القدرة على صياغة سياسات وإعادة تشكيل اقتصاد بلد بأكمله. ويمكن أن يبقيا في بلد ما لفترة طويلة جدًا، كما رأينا في حالة الأردن أو غيرها من البلدان. لذلك، برأيي، علينا أن نستعد لمثل هذه الاستحقاقات بشكل أفضل بكثير، من حيث كيفية الضغط وتشكيل تحالفات واسعة في المجتمع. ويجب علينا أيضًا أن نحدد بوضوح ما الذي نريده نحن حقًا. في النهاية، السؤال هو: من الذي سيفاوض هذه المؤسسات؟ وكيف نضمن أن يكون لنا مكان على طاولة المفاوضات ونتمكن من الدفع بأولوياتنا – خصوصًا وأننا قد ندخل مرحلة إعادة إعمار في سوريا هي خطرة جدًا ولكنها أيضًا فرصة كبيرة جدًا. نحن سنبني من الصفر تقريبًا؛ لديك فرصة أن تقوم بالأمور بشكل سليم وأن تحقق إعمارًا أكثر عدالة. لكن لا يجوز أن نتوقع من هذه المؤسسات أن تحقق لنا العدالة أو المحاسبة أو أي شيء من هذا القبيل إذا دخلنا العملية ونحن لا نعرف فعليًا ماذا نريد، أو من دون فهم وإدراك كافيين. فإذا لم نفعل ذلك، سنكون قد دخلنا متأخرين جدًا، وكل شيء سيكون قد تقرّر سلفًا، وفي النهاية سنعيش تبعاته لسنوات طويلة. فهذا هو الهدف الذي ينبغي أن نضعه نصب أعيننا.

ربيع نصر:
شكرًا جزيلًا لك، نبيل. أرى أن جزءًا أساسيًا من هذه الحوارات هو أننا نحاول، في هذه الفرصة التي تشهد تغييرًا جذريًا في سوريا، ألا تتكرر الأخطاء وألا نسير في مسارات شديدة الخطورة فيما يتعلق بالظلم وانعدام العدالة. فهذا بلد لديه أصلًا كل تلك المعاناة؛ وبالتالي فإن أغلبية شرائحه لا تحتمل أخطاءً جسيمة في مثل هذه اللحظات المفصلية.

وهناك مسألة أخرى مرتبطة بذلك: هل نحن حقًا نريد الخروج من النزاع أم لا؟ أي هل نخطط وننفّذ سياسات تُنقذ المجتمع من هذا التشرذم، أم نمضي في سياسات تعمّق الآليات نفسها التي أدّت إلى الدمار؟ لنأخذ مثالًا بسيطًا للتوضيح: في سوريا خلال عقدي الستينات والسبعينات ثم التسعينات والألفينيات، كانت معدلات النمو الاقتصادي من بين الأعلى في العالم – باستثناء فترة الثمانينات. فقد شهدنا نموًا اقتصاديًا مرتفعًا، وانتهينا – قبل عام 2011 – إلى مديونية منخفضة وإلى معدلات تضخم غير مرتفعة جدًا. لكن هذا لم يعكس أن التنمية كانت ناجحة في البلد. وهذا هو جوهر حديثنا اليوم: فبعض المؤشرات التي يدّعي البعض أنها دليل عافية الاقتصاد كانت بمثابة قناع يخفي مشاكله الجوهرية.

لذلك، آمل أن نستطيع من خلال هذه الحوارات أن نطوّر فهمنا ونتعلّم الدروس، وألا تتكرر الأخطاء التي تؤدي إلى نتائج كارثية كما رأينا في سوريا. أشكرك جزيل الشكر، نبيل، على هذا الحوار الرائع الذي استفدنا منه كثيرًا. وأتمنى أيضًا على المشاهدين والمستمعين الكرام، إذا كان لديهم أي تعليقات أو أسئلة، ألا يترددوا في مشاركتها. سنقوم بإرفاق روابط للأوراق البحثية الخاصة بنبيل وأيضًا أي أعمال مهمة جدًا حول قضايا اللامساواة لمَنْ يرغب في التوسع. شكرًا جزيلًا لك مرة أخرى، لقد نورتنا بحضورك.

Episode references:
مصادر الحلقة:

From Stunt to Substance: An assessment of IMF engagement with civil society

Author(s) Abdo, Nabil, Daar Nadia, Ray Alex

https://policy-practice.oxfam.org/resources/from-stunt-to-substance-an-assessment-of-imf-engagement-with-civil-society-621479/?utm_source=chatgpt.com

For a Decade of Hope Not Austerity in the Middle East and North Africa

Towards a fair and inclusive recovery to fight inequality

Publisher: Oxfam’s Nabil Abdo, Shaddin Almasri

https://www.oxfamamerica.org/explore/research-publications/decade-hope-not-austerity-middle-east-and-north-africa/?utm_source=chatgpt.com

Not Everyone is in the same boat

Climate and Inequality in the Middle East and North Africa

https://webassets.oxfamamerica.org/media/documents/EN_Briefing_paper_Not_Everyone_Is_in_the_Same_Boat.pdf?_gl=1%E2%80%A6

The Middle East and North Africa Gap: Prosperity for the rich, austerity for the rest

https://policy-practice.oxfam.org/resources/the-middle-east-and-north-africa-gap-prosperity-for-the-rich-austerity-for-the-621549

he IMF and Lebanon: The long road ahead – An assessment of how Lebanon’s economy may be stabilized while battling a triple crisis and recovering from a deadly blast

https://policy-practice.oxfam.org/resources/the-imf-and-lebanon-the-long-road-ahead-an-assessment-of-how-lebanons-economy-621062

Taxes and Social Justice Policy Brief in Four Countries – Lebanon

https://www.annd.org/en/publications/details/taxes-and-social-justice-policy-brief-in-four-countries-lebanon