البودكاست

بين اللغة والتعلم: إعادة التفكير في اللغة العربية كلغة تدريس

     الحلقة 20                –                17 أكتوبر، 2025
التمكين الإنساني

 في هذه الحلقة من بودكاست سوريا حوارات بديلة، نستضيف الباحثة مايا الكاتب الشامي في حوار غني مع ربيع نصر من المركز السوري لبحوث السياسات. نناقش العلاقة بين لغة التدريس وجودة التعليم، وأهمية التعلّم باللغة الأم، ودور اللغة في بناء هوية ثقافية ومعرفية جامعة في سوريا. تستعرض الحلقة أدلة علمية من تجارب دولية، وتناقش التحديات التي تواجه اللغة العربية في التعليم عبر الدول العربية، وتتناول التعدد اللغوي في سوريا كمدخل للعدالة الاجتماعية والمصالحة المجتمعية. كما نسلّط الضوء على تجربة السوريين في المهجر، وأثر اللغة في الحفاظ على الروابط الاجتماعية والثقافية والوطنية.

 المحاور الرئيسية:

  • العلاقة بين التعليم باللغة الأم والتحصيل العلمي
  • اللغة العربية بين التعليم الرسمي والواقع اليومي
  • التعددية اللغوية في سوريا: الكردية، السريانية، الأرمنية وغيرها
  • اللغة كأداة للمصالحة المجتمعية وبناء المواطنة
  • تحديات اللغة والتعليم في المهجر وأثناء العودة

عن ضيفة الحلقة:

مايا الكاتب الشامي باحثة مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في التربية من جامعة هارفرد، مع تخصّص إضافي في الفلسفة. يركّز بحثها على تعليم القراءة والكتابة كقضية سياسية ومجتمعية، مع اهتمام خاص بالتعددية اللغوية، والتنوّع الثقافي، والعدالة المعرفية. وتتمحور أبحاثها التطبيقية حول أثر سياسات وممارسات لغة التدريس على نتائج التعلّم، من خلال دراسات مقارنة وأخرى للتعلم ثنائي اللغة في مواقع محددة. 

شغلت مايا عدداً من المناصب القيادية في جامعة كولومبيا، ومنظمة جسور، ومؤسسة كليات العالم المتحدة. وهي تحمل درجة الماجستير في اللغة وتعلم القراءة والكتابة من جامعة هارفرد، ودرجة الماجستير في تعليم الفنون من جامعة إنديانا في بلومنغتون، بالإضافة إلى إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق. وقد نُشرت أبحاثها مؤخراً في “مُحكّمة هارفرد التعليمية” و”المجلة الدولية لتنمية التعليم.”
يحاورها ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.

إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

أهلاً بكم في بودكاست سوريا حوارات بديلة الذي يوفر منصة لإجراء حوارات قائمة على الأدلة حول التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والعابرة للحدود التي برزت خلال النزاع السوري أنتج بالتعاون مع المركز السوري لبحوث السياسات ومعهد الدراسات العربية والأمن في سياقه.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، وأهلاً وسهلاً بكم في بودكاست سوريا حوارات بديلة. اليوم لدينا موضوع بالغ الأهمية؛ سنناقش اللغة ولغة التعليم، وتحديداً التعليم الرسمي. وكما نعلم هناك خلاف حول ما إذا كان يجب أن يتم التعليم باللغة الأم أو باللغة العربية في منطقتنا، خاصةً مع ازدياد تبنّي لغات أجنبية مثل اللغة الإنجليزية في عمليات التعليم، خصوصاً في المراحل الجامعية. اليوم سنفتح هذا النقاش بناءً على بحثٍ مميّز من باحثة مميزة هي مايا الكاتب، التي تبذل جهداً استثنائياً في هذه القضية – قضية التعليم وعلاقته مع اللغة. وبحكم المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا، وهذا التنوع والترابط اللغوي والإثني في سوريا، رأينا أنه من المناسب أن نطرح قضية لغة التعليم وأهمية لغة الأم في مستقبل السياسات التعليمية في سوريا. فاليوم نرحّب بكِ مايا، أهلاً وسهلاً فيكِ، نورتِينا.

مايا الكاتب:
شكراً كثير ربيع، شكراً على هذه الفرصة. أنا متحمسة للنقاش.

ربيع نصر:
طبعاً أحب أن أعرّف المستمعين والمشاهدين بضيفتنا مايا. مايا باحثة مرشّحة لنيل درجة الدكتوراه في التربية من جامعة هارفارد (Harvard University) مع تخصص إضافي في الفلسفة. تركّز في بحثها على تعليم القراءة والكتابة كقضية سياسية ومجتمعية، مع اهتمام خاص بالتعددية اللغوية والتنوع الثقافي والعدالة المعرفية. وتتركز أبحاثها التطبيقية على سياسات وممارسات لغة التدريس وأثرها على نتائج التعلّم، وذلك من خلال دراسات مقارنة ودراسات عن التعلّم ثنائي اللغة (bilingual) في بعض التجارب. سابقاً شغلت عدة مناصب قيادية في جامعة كولومبيا (Columbia University)، منظمة جسور (Jusoor)، ومؤسسة كليات العالم المتحد (United World Colleges). تحمل ماجستير في التربية من جامعة هارفارد (Harvard University) بتخصص اللغة وتعلّم القراءة والكتابة، وماجستير في تعليم الفنون من جامعة إنديانا (Indiana University, Bloomington)، بالإضافة إلى إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق (University of Damascus). نشرت أبحاثها في الدورية التعليمية المحكّمة التابعة لجامعة هارفارد (Harvard Educational Review) وفي المجلة الدولية لتنمية التعليم (International Journal of Educational Development). سنضع في وصف البودكاست روابط الأبحاث التي تقدمها ضيفتنا مايا الكاتب. فأهلاً وسهلاً بكِ. نحن فعلاً نناقش موضوعاً مهماً جداً اليوم، ونعلم أنكِ بذلتِ جهداً كبيراً للعمل تحديداً على هذه القضية. فلنبدأ أولاً بسؤال عام.

كملاحظة عامة: ما أهمية اللغة العربية بالنسبة للجمهور؟ وطبعاً لا أقصد اللغة العربية وحدها؛ فنحن نتحدث عن ظاهرة في منطقتنا وهي الابتعاد عن اللغة العربية. خاصةً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، نلاحظ أن جيلاً كاملاً يميل أكثر إلى عدم استخدام اللغة العربية. برأيكِ كيف تصفين هذه الظاهرة؟ ما إيجابياتها وما سلبياتها بحكم دراستكِ والبحث الذي تقدّمينه؟

مايا الكاتب:
شكراً ربيع، أنا كثير مبسوطة بهذه الفرصة للحوار اليوم، لأنه مثل ما قلت، حاسّة أن الموضوع مهم فيما يتعلق بتفكيرنا باللغة العربية كلغة تعليم في المدارس ليس في سوريا فقط بل في العالم العربي. التجربة في سوريا متميزة من ناحية استخدام التعليم باللغة العربية من مراحل الابتدائي والثانوي وصولاً إلى أعلى مراحل الدراسات الجامعية، بشكل فريد على مستوى العالم العربي. هذا يدعونا أن نفكّر في هذه التجربة ليس من باب ردود فعل، بل من ناحية: كيف نقارنها مع تجارب الدول الأخرى؟ ما الشيء المنيح فيها والشيء غير المنيح؟ ما الأسئلة التي يجب أن نطرحها؟ وكيف ممكن أن نستفيد من البحوث الموجودة في أماكن أخرى، كي لا تكون تصرفاتنا مجرد ردود فعل مدفوعة بأسباب عاطفية أو أيديولوجية – سواء لاعتقادنا أن هذا الشيء جيّد أو لاعتقادنا لنفس الأسباب أنه غير جيّد.

مايا الكاتب: في الشارع العربي بشكل عام، هناك استخدام متزايد للغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية، ممزوجاً مع العربية. البعض قد يقول هذا شيء جيّد، وآخرون يقولون ليس جيّداً. بغض النظر عن أنه واقع ويحصل فعلًا، أنا شخصياً أظن أنه ليس جيداً كثيراً. لكن أريد أن أفصل هذا عن خيار لغة التعليم في المدرسة، لأن هناك أموراً مهمة جداً متعلّقة باختيار لغة التعليم. هذه الأمور قد تؤثر طبعاً على النطاق الاجتماعي، ولكن بالرغم من ذلك من المهم أن نفكر فيها بشكل منفصل. كي لا نخسر أي جانب… لأن هناك عدة أسئلة هنا، ويجب أن نحاول أن نفكر بشكل أكبر وأعمق. جزء من الخلط بين العربية والإنجليزية، وكذلك الخلط بين العربية الفصحى والعامية (الذي سأحب أن أتطرق إليه لاحقاً في النقاش)، هو أمر ممكن أن يحدث، لكن أيضاً يمكن التفكير فيه ضمن ما يتعلق بالمدرسة بشكل محدد.

ربيع نصر:
عموماً، هناك طرح نواجهه دائماً: العلوم والمعارف تتطور باللغة الإنجليزية وبغيرها بوتيرة متسارعة، بينما قدرة اللغة العربية على التكيف تتراجع نتيجة نقص الإنتاج المعرفي بها. فكيف يمكن تحقيق التطور العلمي والمعرفي دون أن يكون هناك خسارة لهذا الجيل الذي يتعلم بالعربية، من ناحية اطّلاعه على ما يتقدم ويتطور في العالم والذي يراه الجيل الصغير كمستقبله؟

مايا الكاتب:
بالحقيقة، أنت تطرح سؤالاً أشعر أنه يتطلب إجابة غير مباشرة قليلاً. سأجيبك بتفصيل أكثر. يمكن أن ننظر إلى الموضوع من جانب تمكين أكبر عدد من أفراد المجتمع من قراءة الأبحاث بلغة أجنبية، ومن جانب آخر تمكين أكبر عدد من المجتمع من الوصول أصلاً إلى المرحلة الجامعية بكفاءة. إذا فكرت بشكل عام في أي دولة، نسبة الأشخاص الذين ينخرطون في البحث العلمي نسبة محدودة. معظم التعليم الجامعي يهدف لإعداد كوادر بشرية تستطيع خدمة المجتمع، سواء في الاقتصاد أو الطب أو الهندسة أو التعليم والتمريض وغيرها. الذين يطّلعون على البحث العلمي بشكل مباشر هم، من المفترض، الأساتذة الذين يدرّسون هذه الكوادر؛ وجزء من هذه الكوادر يتخصص وممكن أن يقوم بأبحاث على مستوى الدكتوراه ثم يكمل في البحث العلمي كمجال عمل. لكن معظم التدريب الجامعي ليس مخصّصاً لتمكين الناس من البحث العلمي، بل مخصّص لتمكينهم من العمل بشكل جيّد بناءً على ما نعرفه من نتائج البحث العلمي. وهذه النتائج يمكن أن يقرؤوها مباشرةً، أو عن طريق الترجمة، ومن الممكن أن يكون جزء من هذه النتائج غير مستورد بل محلي. وبالفعل، فيما يتعلق بتعميم نتائج البحث العلمي، هناك كثير من الأمور لا يجوز أن نعمّمها من مكان إلى آخر دون بحث علمي حول إمكانية تطبيقها في المكان الثاني. في المقابل، هناك أشياء يمكن نعمّمها مثلاً في الفيزياء أو في الرياضيات المجرّدة. أما الأمور الخاصة بالدراسات الاجتماعية فصعب تعميمها. وهذا لا يعني أنه لا يوجد بحث علمي يخص سوريا أو يخص مصر أو أماكن أخرى يحدث في البلاد الأجنبية، وحتى من قبل الأشخاص الذين تربّوا في هذه المنطقة. فمثلاً زملائي وأنا ممن ندرس في الخارج قد نركز في دراستنا على البيئات التي نعرفها أكثر، لكن ننشر بالإنجليزية لأن – كما قلت – هذا الواقع حالياً أن النشر العلمي معظمه بهذه اللغة.

برأيي، مسألة البحث العلمي ركّز عليها الناس أحياناً من ناحية أنه يجب أن نفعل كذا أو كذا… وأنا أقول: لا، أولاً علينا أن نفكر في الهدف. كم عدد الأشخاص الذين يجب أن ندرّبهم لإتقان اللغة الإنجليزية لدرجة أنهم يستطيعون إجراء الأبحاث العلمية وقراءة نتائج البحث العلمي؟ وثانياً، علينا ألا نفكر في اللغة من ناحية إما هذه أو تلك؛ فالإنسان قادر على تعلّم ليس لغتين فحسب بل أكثر من لغة، ويتعلّم أكثر من لغة بإتقان. السؤال الأساسي هو: ما استخدام اللغة في التعليم الذي يمكّن الأشخاص – أي الأطفال عندما يكبرون – من أن يكونوا أعضاء في المجتمع يستطيعون استخدام اللغات بالشكل الذي يخدمهم؟ وليس بالضرورة لغة واحدة فقط؛ من الممكن أكثر من لغة إذا كان هذا هو الهدف.

ربيع نصر:
طيب، أيضاً سؤال مباشر: تعلمنا منذ الصغر بلغتنا الأم؛ فكيف ينعكس ذلك على استيعابنا أولاً، وعلى مخرجات تعليمنا وأدائنا ثانياً؟ هل فعلاً هناك دليل على أنه ينعكس إيجاباً على الاستيعاب وعلى المشاركة في المجتمع؟

مايا الكاتب:
سؤال حلو كثير. بصراحة، هذا السؤال يشبه أسئلة سمعتها من قبل، خاصةً من مجتمع الأطباء السوريين عندما ألتقي بأشخاص هنا في المهجر. يعملون ويتأففون أنهم درسوا بالعربي طول حياتهم، وحتى الدراسات العلمية المتخصصة – كالطب البشري مثلاً – درسوها بالعربي، ويرون أن ذلك ما أفادهم؛ والآن يجب أن يدرسوا بالإنجليزية، أو يعتبرون اللغة العربية عقبة. رد فعلي على هذا النوع من الأسئلة هو: يا ترى، ممكن تكون اللغة العربية التي درسوا بها هي التي ساعدتهم ليصلوا للمكان الذي هم فيه، وليست هي العائق. أي ربما تمكّنهم من دراسة الإنجليزي كلغة أجنبية بشكل جيّد سببه أنهم درسوا بالعربي في كل المراحل قبلها.

سأشارك معك بعض الدراسات التي يمكن أن تجيبنا على هذا السؤال. لأنه ليس لدينا بحث محدّد حول حالة التعليم في سوريا، لكن هناك بعض الأبحاث من دول أخرى يمكن أن نطلع عليها بشكل مقارن تعطينا أدلة على ما يمكن أن تكون الإجابة. وبعد ذلك قد نجري بحثاً أكثر تخصّصاً، أو حتى دون أن ننتظر 100% بحوثاً حاسمة، يمكننا أن نبدأ برؤية ما نفعله، وهل هو جيّد أم لا. فمثلاً، أنا قمت بدراسة مقارنة لنتائج التعليم الأساسي في 56 دولة، ونظرتُ إلى شيئين: من طرف، قدرة الأطفال على القراءة والفهم البسيط بعمر العشر سنوات – أو يمكن أن تقول إنهم ليسوا أميّين بهذا العمر، أي قراءة نص بسيط في عمر 10 سنوات. ومن طرف آخر، نسبة الأطفال في كل من تلك الدول الذين لغة التعليم في البيت والمدرسة عندهم متماثلة أو متنافرة. فكانت النتيجة أنه كلما زادت نسبة الأطفال في أي دولة الذين يتعلمون في المدرسة بلغة ليست هي اللغة التي يتحدثونها في البيت، كلما زادت نسبة الأطفال الذين لا يعرفون أن يقرؤوا ويكتبوا. هذه العلاقة قوية، ذات دلالة إحصائية، ومستمرة فيما يتعلق بكل تلك الدول الـ56 – من ست قارات. فمثلاً في اليابان وبولندا وإستونيا، الأطفال يتعلمون باليابانية والبولندية والإستونية في المدرسة، وعندهم نتائج أعلى من ناحية هذه الكفاءة الأساسية في القراءة والكتابة التي ذكرتها. وعلى سبيل المثال، دول أخرى خلفيتها استعمارية تاريخياً سببت أن لغة التدريس ليست مثل لغة الأطفال – مثل بوركينا فاسو أو هايتي، حيث يدرس الطلاب بالفرنسية ويتكلمون  بالبيت بلغات أخرى – هي التي فيها كفاءة الطلاب في التعليم الأساسي أدنى. طبعاً يمكن أن نقول: حسناً، ربما تلك الدول لديها موارد أقل، وربما بوركينا فاسو وهايتي مواردهما الضعيفة هي السبب وليس اللغة. ما يميز هذه النتائج هو أنه في الدول متوسطة الدخل كانت العلاقة بين المتغيرين أقوى شيء. وتفسيري لذلك هو أنه ربما الموارد تساعد في الدول الأعلى دخلاً، وربما عوامل مثل الفقر المدقع والتسرّب المدرسي وغياب المعلمين وكثرة الطلاب في الصف في الدول الفقيرة جداً تسهم في تدني النتائج. ولكن في الدول متوسطة الدخل أيضاً العلاقة قوية، وكانت الأقوى إذا صنّفنا الدول حسب مستوى دخلها. فهناك شيء متعلق بلغة التدريس مهم في النتائج.

كلما زادت نسبة الأطفال في أي دولة الذين يتعلمون في المدرسة بلغة ليست هي اللغة التي يتحدثونها في البيت، كلما زادت نسبة الأطفال الذين لا يعرفون أن يقرؤوا ويكتبوا

وإذا نظرنا أيضاً إلى هذه العلاقة بشكل عام عبر الدول… هذا الأمر من دراستي التي قمت بها. بالإضافة لذلك، دخلتُ في تفاصيل كيف يتعلم الطفل القراءة والكتابة بشكل عام سواءً بلغة واحدة أو بأكثر من لغة، وتحديداً في حالة الطفل ثنائي اللغة (bilingual) في دراستي. دائماً، التعلم – سواء تعلم اللغة أو أي تعلم – يبني على الشيء الذي نعرفه من قبل. فالطالب لا يدخل المدرسة دون أن يعرف شيئاً؛ هو يعرف أشياء كثيرة عن محيطه وعن المجتمع، ويعرف أشياء عن اللغة ذاتها لأنه يتحدث بها منذ خمس أو ست سنوات قبل أن يدخل المدرسة. وعندما يتعلم الطالب بلغة تماثل المعرفة التي لديه شفهياً، يصير بإمكانه أن يتعلم القراءة والكتابة بها بشكل أسرع بكثير. ومع استمراره في ذلك، تزيد معرفته اللغوية والمعرفة عن العالم عبر اللغة – لأن اللغة تحمل المعرفة بشكل عام – فتزداد، ونستطيع أن نبني عليها ليصير أفضل وأفضل. أما عندما يدخل الطلاب إلى مدرسة تكون لغة التدريس فيها لا تكافئ اللغة التي يتحدثونها في البيت، يحصل أول شيء أنهم لا يستطيعون البناء بهذه الطريقة المتسارعة، ويضطرون أن يأخذوا خطوة إلى الوراء. غالباً ما تُخفَّض لهم المعايير في هذه الحالة. حسب خبرتي، في الدول التي فيها مهاجرون كثر مع طلاب محليين لغتهم الأم هي لغة المدرسة، يساعد وجود هؤلاء الطلاب على الحفاظ على المعيار الأعلى، أما في الدول التي – مثلاً حالة السوريين في لبنان حيث قد يُدرّس الأطفال بالإنجليزية من الأول – الأساتذة والجميع يعرف أن هذا صعب عليهم، فيُخفَض لهم المعيار. فبدل أن نتوقع من الطفل أن ينجز واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة بحلول الصف الثاني، نتوقع منه فقط إنجاز واحد فقط ونعتبره جيداً جداً لأنه يتعلم بلغة أجنبية. وهذا الأمر صحيح (أن المعيار يُخفَّض)، ولكن لو كان المعيار مبنياً على أننا نزيد معرفته باللغة التي يعرفها، لتمكّنا من رفع هذا المعيار، ومن الممكن طبعاً إضافة لغات أجنبية للتعليم – ممكن أن نتعلمها.

بالفعل، هناك بحوث علمية تخبرنا – وسأذكر لك مثالاً بالتفصيل – تخبرنا أنه عندما يتعلم الطالب في سنوات الدراسة الأولى بلغته الأم، تكون لاحقاً نتائجه في اللغة الثانية أفضل. ليست فقط في لغته الأولى، بل في اللغة الثانية نفسها تكون أفضل. آسفة إن أطلت عليك بالإجابة، لكن دعني أخبرك هذا المثال: هناك دراسة مذهلة من جنوب أفريقيا (ويوجد هناك الكثير من الدراسات حول لغة التدريس هناك). نظروا في هذه الدراسة إلى نتائج كل مدارس الدولة – حوالي 9000 مدرسة ابتدائية – ونظروا إلى نوعين من المدارس: مدارس تدرّس بالإنجليزية من الصف الأول، ومدارس تدرّس بلغة الأم للأطفال في الصف الأول والثاني والثالث، ثم يلحقون الأطفال باللغة الإنجليزية كلغة تدريس في الصف الرابع. كما تعرف، جنوب أفريقيا فيها لغات كثيرة وفيها 11 لغة رسمية. في المدارس من النوع الثاني، يدرّسون الأطفال بلغتهم الأم في الصف الأول، ويبدؤون بتدريسهم باللغة الإنجليزية كلغة تدريس في الصف الرابع. طبعاً في جنوب أفريقيا، الامتحانات النهائية في الثانوي تُجرى فقط بالإنجليزية أو بالأفريكانز، فكل الطلاب في النهاية يتحولون إلى إحدى هاتين اللغتين لأسباب تاريخية تتعلق بهذا البلد.

هناك بحوث علمية تخبرنا أنه عندما يتعلم الطالب في سنوات الدراسة الأولى بلغته الأم، تكون لاحقاً نتائجه في اللغة الثانية أفضل. ليست فقط في لغته الأولى، بل في اللغة الثانية نفسها تكون أفضل.


السؤال الذي طرحه الباحثون هناك: لدينا امتحانات رسمية في الصف الرابع والخامس والسادس عبر جنوب أفريقيا، ويمكننا أن نقارن: من الذي قدّم أداءً أفضل في هذه الامتحانات (وهي كلّها باللغة الإنجليزية) في الصف الرابع، حيث الجميع يتعلمون بالإنجليزية؟ هل هم الطلاب الذين دُرّسوا بالإنجليزية منذ الصف الأول، أم الطلاب الذين درسوا بلغتهم الأم منذ الصف الأول ثم حُوّلوا إلى الإنجليزية في الصف الرابع كلغة تدريس؟ طبعاً عندما أقول لغة التدريس أعني اللغة المستخدمة عبر كل مواد المنهاج، وليس فقط في مادة اللغة.

ما توقّعك للجواب؟ – اللغة الأم! اتضح أن الطلاب الذين درسوا بالإنجليزية من الصف الأول نتائجهم كانت أقل (في الامتحانات التي أجريت بالإنجليزية) من الطلاب الذين درسوا بلغتهم الأم ثم أضافوا الإنجليزية لاحقاً. وهذه النتيجة استطاع الباحثون وصفها بأنها سببية، لأنهم بفضل نوع الدراسة وجمع الإحصاءات وكمية البيانات تمكّنوا إحصائياً من عمل شيء يسمى controlling for fixed effects (التحكّم بالتأثيرات الثابتة). يعني أمكنهم أن يقولوا أن هناك أموراً أخرى مثل الوضع الاقتصادي للعائلات، ومستوى تعليم الأهالي، والمنطقة الجغرافية الموجودة فيها المدرسة – لا تؤثر على الظاهرة التي نراقبها. في هذه الدراسة تمكنوا من تثبيت هذه العوامل المتغيرة، وقالوا أن السبب هو لغة التدريس فقط التي أثرت على النتائج.

هناك أيضاً دراسات مقارنة من نوع المراجعات العلمية للأبحاث السابقة عبر عدة سنوات تجمع الدراسات وتنظر لكل النتائج. هناك باحثان في أمريكا قاما بالنظر إلى نتائج الطلاب في الإنجليزية، وقارنا بين الطلاب الذين درسوا بالإسبانية أولاً… في مدارس ثنائية اللغة أو نوع من المدارس يبدؤون فيها بالإسبانية مثلاً بنسبة 80% والإنجليزية 20%، ثم تتغير النسبة تدريجياً حتى تنعكس. فيتخرج الطالب وقد تعلم الإنجليزية. ووجد الباحثان أن الطلاب الذين يدرسون لمدة خمس أو ست سنوات بلغتهم الأم تكون نتائجهم أفضل في اللغة الإنجليزية. فهذه هي النقطة الثانية من سؤالك: أننا لا نفكر بالموضوع على أنه إما هذه أو تلك. نفكر أول شيء بالهدف. وأنا متأكدة أن الهدف لمعظم السوريين هو الاثنين معاً، ولكن علينا أن نقول: إلى أي درجة نريد نوع الكفاءة في هذه ونوع الكفاءة في تلك، وماذا يجب أن نفعل لنصل إلى هذه النتيجة.

ربيع نصر:
رائع جداً بصراحة. هذا كلام مهم جداً، ومن المهم أيضاً أن نفكر – إلى جانب النتائج التعليمية المباشرة – في العلاقات الاجتماعية وكيف تتطور، وكيف تنعكس على المشاعر وعلى الفهم المشترك وغير ذلك. أعرف كم أن اللغة الأم تكون بمثابة خزان ثقافي واجتماعي. الآن سأنتقل قليلاً بالحديث نحو سوريا وسأستخدم اللغة العربية كمدخل. أريد أن أسمع رأيكِ حول التدريس باللغة العربية من حيث النوعية والانتشار، ومدى احتراف الأساتذة الذين قادرين على استخدامها. لأن الأمر لا يخص مدرّسي مادة اللغة العربية نفسها فحسب – كما ذكرتِ – بل كل من يدرّس المواد الأخرى باللغة العربية. فكيف تقيمين الوضع حالياً، خاصةً أننا لدينا 14 سنة حصل فيها تدهور، ودخلت لغات أجنبية على المناهج من كل حدب وصوب – من الروسية إلى التركية إلى غيرها – ودخلت بطريقة غير منظمة. وصار لدينا كل جزء من الجغرافيا السورية يتعرض لمناهج جديدة ولغات مختلفة. فما تقييمكِ للغة العربية في هذا الفضاء التعليمي السوري حالياً؟

مايا الكاتب:
شكراً لسؤالك ربيع. الآن أنا أريد أن أعطي جواباً معقداً أكثر من أن أقول إنها جيدة أو غير جيدة. من ناحية استخدام العربي كلغة تدريس عبر المواد، أعتقد أن التجربة السورية مهمة لأنها تمكّن الطالب من زيادة معارفه بشكل كبير، بحيث عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يعرف أشياء كثيرة تمكنه من الدراسة العليا. بشكل عام، النظام التعليمي نوعيته بالتأكيد جيدة؛ نحن نرى ذلك مباشرة من نتائجه. فعلى سبيل المثال، قبل عام 2010 وبمقارنة سوريا مع دول بنفس المستوى الاقتصادي، كانت نسبة الطلاب الذين يصلون فيها للتعليم العالي حوالي 26% مقارنةً بـ19% فقط في الدول متوسطة الدخل الأخرى في ذلك الوقت. هذا يعني أن نظام التعليم السوري كان قادراً على إيصال نسبة كبيرة من الناس إلى التعليم العالي رغم الموارد المحدودة. ونحن نعرف أن سوريا تمتعت باكتفاء ذاتي تقريباً من ناحية عدم الحاجة لاستيراد المهارات من الخارج؛ فعندما تنظر إلى المجتمع، الكادر البشري كان يؤمّن محلياً البنية التحتية البشرية في مجالات الخدمات والصحة والتعليم والصناعة وغيرها. هذه البنية التي تؤهّل الكوادر محلياً هي نقطة إيجابية يجب أن نأخذها بالاعتبار ونقول إنها أمر جيّد، كي لا نرجع إلى الوراء.

في الوقت نفسه، طبعاً هدفنا ليس فقط الحد الأدنى من الكفاءات – ولا أقول إن سوريا كانت حدّاً أدنى، لأن فيها كفاءات أعلى من الحد الأدنى – لكننا نريد الأفضل دائماً. فما الذي يمكن عمله بشكل أفضل؟ كما ذكرتَ، استخدام اللغة العربية في الحياة اليومية، خاصة بين الشباب، ليس كبيراً، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الأمر لا شك فيه. بل أكثر من ذلك: أتصور أنه ربما لو طلبت من أحدهم في السنة الأولى جامعة – أو خريج ثانوي – أن يكتب رسالة أو بريد إلكتروني بالعربي، فقد لا يستطيع كتابتها. هذا لا يعني أنه لا يعرف أن يقرأ بالعربي أو لا يعرف كل ما تعلّمه في المدرسة، لكن هناك خلل جوهري في المحتوى الذي يُدرَّس عندما نعلّم اللغة العربية. فمثلاً، عندما نكتب في المدرسة لا نتعلم كيف نكتب بشكل نستخدمه في حياتنا. (لا أعرف إن كان الوضع تحسّن منذ كنتُ أنا في المرحلة الثانوية، ولكني لا أتصور ذلك). نتعلم كتابة مواضيع إنشائية، نقرأ شعراً، نقرأ أشياء لا نستخدمها في حياتنا اليومية. يا ريت مثلاً نقرأ شيئاً من الجريدة، أو نتعلم كتابة مقال، أو نتعلم كتابة إيميل أو رسالة رسمية، أو رسالة لصديق في المهجر – شيء قريب من حياتنا الواقعية.

هناك خلل جوهري في المحتوى الذي يُدرَّس عندما نعلّم اللغة العربية. فمثلاً، عندما نكتب في المدرسة لا نتعلم كيف نكتب بشكل نستخدمه في حياتنا.

هذا من ناحية المحتوى. ومن ناحية أخرى، هناك تركيز مفرط على القواعد بشكل مخيف. نعلّم قواعد اللغة العربية بدرجة ربما لا يحتاجها إلا شخص مختص في اللغة والنحو في الجامعة! لدينا تركيز كبير جداً على القواعد بشكل لا يفيد في التواصل. فهدف تعليم اللغة في المدرسة هو أن نعلم اللغة لاستخدامها في التواصل بشكل فعّال، بحيث يستطيع الشخص أن يقرأ ويكتب ويشارك من خلال القراءة والكتابة. نحن نخرج أناساً لا يقرؤون في الحياة الحقيقية بعد تخرجهم من المدرسة إلا إذا اضطروا، ولا يكتبون بلغتهم. إذا كتبوا، ربما يكتبون باللغة الثانية التي ربما حصلوا على تدريس بها بشكل يحلّ المشكلة التي ذكرتها: فالتدريس مثلاً بالإنجليزية يكون 100% مركزاً على الشيء الذي يهمهم استخدامه في حياتهم، فيتعلّمون ويحاولون تحسين أنفسهم في الشيء المفيد لهم؛ بينما بالعربية يتعلمونها بشكل نظري ومنفصل عن حياتهم.

أود أن أعطي مثالاً صغيراً من تجربتي الشخصية للمقارنة. ابني في المدرسة هنا – هو الآن في الصف الثالث – منذ الصف الأول (بل منذ الروضة)، علّموا الأولاد أن يكتبوا من دون أن يصححوا لهم الإملاء نهائياً. في السنة الماضية (الصف الثاني) بدؤوا يصححون لهم قليلاً، والآن في الصف الثالث ربما سيصححون أكثر. المهم أن الطفل كان يعبّر ويكتب؛ يكتب قصة كاملة ويذكر الشخصيات ويرسم. المهم أنه يكتب بحرية ويعبّر عن نفسه دون أن نوقفه لنصحح له التهجئة. الهدف أن يحب الكتابة ويستمر في التعبير. طبعاً هذا الأسلوب جديد نسبياً. أما في مدارسنا، فعندما يكتب الطالب يقوم الأستاذ بتصحيح كل الأخطاء – الإملائية والنحوية – فوراً. وحتى حين نتحدث شفهياً، إذا حاول أحدنا أن يتحدث بالفصحى نجد من يصحح له التشكيل! هذا غير مفيد أبداً مقارنةً بالكم الكبير من تعليم اللغة الذي من المفترض أن يركّز على استخدام اللغة في الحياة الحقيقية.

 وهذا الأمر – برأيي – ليس تجربة استثنائية خاصة بسوريا، بل ينعكس على وضع التعليم بالعربية عبر العالم العربي بشكل عام. هناك انفصال بين اللغة العربية الأكاديمية التي تُدرس في المدارس وبين لغة الحياة اليومية، ما يقلل القراءة ويخلق حلقة مفرغة. لأنه كلما ابتعدت الفجوة بين العامية والفصحى، قلّت القراءة (والكتابة)، والعكس صحيح.

هناك انفصال بين اللغة العربية الأكاديمية التي تُدرس في المدارس وبين لغة الحياة اليومية، ما يقلل القراءة ويخلق حلقة مفرغة. لأنه كلما ابتعدت الفجوة بين العامية والفصحى، قلّت القراءة (والكتابة)، والعكس صحيح.

ربيع نصر:
صحيح. أنا أتفق معك. دائماً كنت أرى أن حصة التعبير هي الحصة الأكثر غُبناً – لا تأخذ حقها مقارنةً بحصص القواعد والنحو. أتفق تماماً مع ما تطرحينه. الآن سأطرح قضية لها جانب آخر. أنتِ تقدمين لنا أدلة على أهمية التعلّم باللغة الأم وإيجابياته. لدينا أيضاً جانب ثقافي اجتماعي: حرمان بعض المكوّنات الإثنية أو العرقية داخل سوريا من التعلم أو استخدام لغتهم الأم في الحياة العامة. نعلم أنه في سوريا تنوع كبير جداً: لدينا الكرد والسريان والأرمن والتركمان والشركس وإلى آخره، وجميعهم لديهم لغات يعتزون بها وهي لغاتهم الأم بطبيعة الحال. كان هناك تضييق – مثلاً على الكرد بشكل محدد أكثر من غيرهم – على استخدام لغتهم. هذه التجربة بدأت تتغير في نطاق شمال شرق سوريا حالياً. برأيك، كيف يمكن لهذا الطرح الذي تقدّمينه حول أهمية التعلّم باللغة الأم أن يكون ذا وجهين إيجابيين؟ الوجه الأول: أن تتعزز فكرة لغة الأم بالنسبة للعربية أو الكردية أو غيرها في السياسات التعليمية المستقبلية. والوجه الثاني: أن يساهم في المصالحة المجتمعية في المرحلة الانتقالية، حيث يشعر الناس بأنهم يعبّرون عن أنفسهم باللغة والثقافة التي يرونها مناسبة.

مايا الكاتب:
حلو كثير هذا السؤال. أولاً أدعو – وأدعو الجميع – أن نفصل بين الأهداف والوسائل عند التفكير في هذه القضية، لأنه هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة حول تعليم اللغة تحديداً، وأفكار شائعة حول ما يمكننا فعله. مثلاً يقول البعض: ارمه في بحر اللغة الثانية وسيتعلمها وحده! هذا الكلام خاطئ وغير مفيد. أحياناً نخلط بين ماذا يجب أن نفعل وبين ما هدفنا، ولا نفكر بشكل عميق في الاثنين معاً. من ناحية الهدف: شخصياً أنا سعيدة جداً أن هذه الفكرة مهمة بالنسبة لك، لأنني أؤمن بأن سوريا يجب أن تكون دولة جامعة لكل السوريين عبر اختلافاتهم، وألا يُحصر تعريف السوري بهوية واحدة من مكوّنات هويته يفترض أن يشترك فيها جميع السوريين. في هذه الرؤية التي أطمح لها، يجب أن تكون الدولة السورية دولة تحتضن هذا الاختلاف.

من ناحية أخرى، إحدى القيم المهمة جداً بالنسبة لي هي حق الأطفال في التعليم – سواء في سوريا أو في أي مكان. لأن التعليم وتمكّن الطفل من القراءة والكتابة تحديداً يفتحان الآفاق أمامه، ويمكنان الفرد من التعبير عن ذاته بأعمق شكل ممكن، ومن امتلاك أدوات التفكير المستقل ومن قراءة ما كتبه الذين سبقوه سواء في أماكن أخرى أو عبر التاريخ. فعندما نقرأ، يصبح المحيط الذي نتفاعل معه أكبر بكثير من محيطنا المباشر. يلتقي القارئ بأفكار الآخرين ويفكر بها بشكل أعمق، ويستطيع أن يلتقي بأفكار حتى من لا يتفق معهم دون أن يكون رد فعله مباشراً بالرفض؛ بل قد يقول: لنسمع القصة كاملة، لنسمع وجهة النظر هذه بعمق، لنفكر بالموضوع بكل تعقيداته وجوانبه قبل أن نحكم على الشخص الآخر أو المجموعة الأخرى أو القضية المطروحة.

القيمة التي عندي هي هذا الإيمان العميق بأن كل طفل يستحق أن يقرأ ويكتب. وأحد الأسباب هو ما قلته: كي يتفاعل مع الآخرين. فتفاعل الطفل مع المجموعة البشرية التي ينتمي لها مهم جداً. وإذا لم تدعه يتعلم بلغته – مثلاً إذا لم نسمح للطفل الكردي أن يتعلم بالكردية – فكيف سيستطيع أن يتفاعل مع المجموعة الكردية التي ينتمي لها وتهمّه؟ وبشكل أعمق، كيف سيتفاعل مع تاريخ هذه المجموعة وأفكار أبنائها – ما كتبه مثقفوها وشعراؤها – أو حتى مع ذاته بعمق؟ هذه نقطة مهمة جداً. في الوقت نفسه، اللغة مهمة جداً للتواصل مع المجموعة البشرية المباشرة و مع المجموعة البشرية الأكبر. وعندما ينتمي الناس لدولة واحدة فمن المنطقي أيضاً أن يمتلكوا مهارات تواصل باللغة التي تمكنهم من المشاركة المجتمعية على النطاق الأوسع. طبعاً ليس بالضرورة أن تكون درجة الكفاءة في اللغتين 100% متساوية؛ يمكن أن نقول: نريد للفرد أن يتقن هذه اللغة كلغة أم، وهذه كلغة ثانية – وحتى ربما لغة ثالثة كلغة مادة في المدرسة. هذا ممكن. إذن من ناحية الأهداف، الهدف هو تمكين الشخص (عندما يصبح راشداً) من استخدام اللغات بشكل يخدمه – وقد لا تكون لغة واحدة فقط، قد تكون أكثر من لغة إذا كان هذا هو الهدف.

إذا لم نسمح للطفل الكردي أن يتعلم بالكردية – فكيف سيستطيع أن يتفاعل مع المجموعة الكردية التي ينتمي لها وتهمّه؟ وبشكل أعمق، كيف سيتفاعل مع تاريخ هذه المجموعة وأفكار أبنائها – ما كتبه مثقفوها وشعراؤها – أو حتى مع ذاته بعمق؟اللغة مهمة جداً للتواصل مع المجموعة البشرية المباشرة و مع المجموعة البشرية الأكبر.

الآن من ناحية الوسائل: شاركتُ معك بعض الأبحاث والأفكار المتعلقة بأن التعليم باللغة الأم في المراحل الدراسية الأولى لا يساعد فقط في تلك اللغة، بل يساعد في تعلّم اللغة الثانية أيضاً بشكل أفضل. فمن المنطقي – لدعم تعليم الأقليات السورية – أن تقدّم المدارس الحكومية التعليم الأساسي (على الأقل) بلغة الأطفال التي يتحدثونها في المنزل، ثم تتم إضافة العربية كلغة ثانية بالتدريج لتصبح هي لغة المنهاج في المراحل الأعلى، مع استمرار تدريس لغة الأم كمادة لغة. هذا يعني أن المدارس الحكومية في تلك المناطق تقدّم التعليم الأساسي بلغة الأطفال الأم، وبعدها نضيف العربية كلغة ثانية. يمكن بالتدريج أن تصبح العربية هي لغة المنهاج، ويستمر تعليمة اللغة الأم كمادة لغة. (بصراحة ليس لدي معلومات كافية لأقول لك ما إذا كانت تتوفر حالياً مسارات للدراسة الجامعية بالكردية أو السريانية مثلاً، أو إلى أي درجة تم تطوير المصطلحات لتدريس العلوم في هذه اللغات. قد لا يكون ذلك متوفراً بعد، ولكن على الأقل يجب أن يبدأ التعليم الأساسي باللغة التي تدعم تعلّم الطلاب بأفضل شكل، مع إضافة العربية كلغة ثانية منذ البداية). ثم، كما قلت، بالتدريج تصبح العربية هي لغة المنهاج في المراحل الأعلى، وتستمر لغة الأم كمادة دراسية.

ربيع نصر:
عظيم جداً. هذه فكرة مهمة أيضاً. أعتقد أن الناس عندما يقرؤون ويتثقفون، يقل التعصّب، ويستطيعون تقبّل الاختلاف مع الآخر، وتخفّ حدة التشنج. كلما زاد التعصب كبّرنا حجم الخلاف مع الآخر. فأفكار كهذه مهمة جداً لكي يقرأ الناس بشكل منطقي – كما قلتِ – الأدوات التي توصلنا لهدفنا المطلوب. الآن هناك تحدٍّ إضافي: عندنا حجم لجوء كبير جداً، بالإضافة – للأسف – لجيل لم يستطع الدخول في العملية التعليمية (خلال الحرب). هاتان قضيتان كبيرتان: هناك تحدٍّ فيمن فاتهم التعليم، ولكن بالنسبة لدول اللجوء لدينا طلاب باتوا يتكلمون ويتعلمون بالتركية؛ من ذهب إلى لبنان صارت لغته الإنجليزية أو الفرنسية أقوى. وبالتالي صار عندنا أشكال متعددة من التعرّض لأنظمة تعليمية ولغات مختلفة. وفي حال تحسّن الوضع وصارت هناك عودة، سنواجه – وقد بدأنا نرى – تناقضات في اللغة التي تم التدريس بها. برأيكِ ما الوسيلة أو الحل لكي نتجاوز هذا التعقيد أو هذه النتيجة التي ظهرت نتيجة فوضى الحرب؟

مايا الكاتب:
الحقيقة أن موضوع التعليم ليس سهلاً بشكل عام سواء في الظروف الطبيعية أو في الظروف الاستثنائية مثل التي تمرّ بها سوريا. لكني متأكدة أن لدينا الخبرات والكفاءات والمعرفة ضمن الكادر التعليمي المحلي القادرة – إذا حصلت على الدعم والتحسين – أن تستوعب هذا الوضع، خاصةً مع الوقت. بالنسبة للطلاب العائدين (اللاجئين الذين سيعودون) ممن عندهم ضعف في العربي ويجب أن ينخرطوا في المدرسة، فمن الأفضل أن يحصلوا على دعم إضافي. ربما يمكن تنظيم حصص تقوية خاصة لهم في المدرسة، بحيث يُجمعون حسب مستوى حاجتهم ويكون هناك أستاذ إضافي مختص يساعدهم لكي يندمجوا بأسرع ما يمكن. من الممكن أن يتم هذا الدعم على مستوى المدرسة، بأن يبقوا مع زملائهم في الصف ويتفاعلون باللغة العربية ضمن الحصة الأساسية، ولكن يُستثمر وقت إضافي لمساعدتهم على تعويض الفجوة. هذه نقطة. وفي نفس الوقت، حالياً التعليم ككل بحاجة لتحسين من ناحية المعايير والمحتوى – وهذا يفيد الطلاب كلهم سواء الذين مرّوا بتجربة لجوء أو لا. فحالياً لا بد من رفع جودة التعليم والمناهج بشكل عام بالتوازي مع حل مشكلة العائدين.

بالنسبة للموجودين في دول اللجوء (وقد لا يرجعون قريباً أو أبداً)، من ملاحظتي العامة السوريون في الغرب لا يدرّسون أولادهم العربية كثيراً. وطبعاً لا نلومهم؛ عندما يكون نظام التعليم في الدولة المضيفة لا يدعم اللغة الأم، يكون من الصعب على العائلات – خاصةً لو كانت معزولة عن جاليات تتحدث نفس اللغة – أن تعلم أبناءها اللغة وحدها. لكن في المقابل هناك قليل من المسؤولية علينا جميعاً كجالية سورية في المهجر (وأنا منهم) أن نستمر في تعليم اللغة العربية لأولادنا لكي يظلّوا قادرين على التواصل مع بعضهم ومع سوريا، ولا تُمحى اللغة خلال جيلين. هذا يمكن أن يحدث عبر مبادرات محلية للتعليم في كل مكان – ليس بالضرورة بمسؤولية دولة مركزية فقط، بل ربما كل مجموعة تنظّم شيئاً بنفسها. التجربة الأرمنية الحقيقة على مستوى العالم هي تجربة رائدة في التعليم باللغة الأرمنية والحفاظ على الهوية الأرمنية. الترابط بين أفراد هذا المجتمع – ليس فقط للسلام والتحيات بينهم؛ عندما يكون هذا الترابط موجوداً، المجتمع يستطيع أن يساعد بعضه أكثر: يتعاونون اقتصادياً وتجارياً، يتعاونون في العمل وفي المساعدة الاجتماعية… يساعدون بعضهم في فرص العمل. كل الأشياء التي يمكن أن يتعاون فيها مجتمع بشري ليُسند أفراده ويصبحوا أقوى كمجموعة. فعندما يكون الأفراد متفرقين ولا يجمعهم تواصل لغوي، يخسرون تلك القوة المشتركة.

 هذه نقطة مهمة جداً فيما يتعلق بالموجودين في المهجر. طبعاً، لا أقول إن المسؤولية كاملة على عاتق العائلات وحدها؛ من الصعب جداً تنمية الموارد اللغوية بلغة ثانية عندما لا تدعمها المدرسة. وجزء أساسي من تركيزنا في هذا النقاش هو أيضاً على الوضع داخل سوريا حالياً، لأنه معقّد وله جوانب كثيرة – المهجرون خارج سوريا، الموجودون داخلها، العائدون، اللاجئون في تركيا، في لبنان… كل مجموعة تواجه مشاكلها وتحدياتها. لكن أود أن أركّز خاصةً على الوضع داخل سوريا حالياً لأنه ربما هناك أمور كثيرة علينا التركيز عليها.

عندما يكون نظام التعليم في الدولة المضيفة لا يدعم اللغة الأم، يكون من الصعب على العائلات – خاصةً لو كانت معزولة عن جاليات تتحدث نفس اللغة – أن تعلم أبناءها اللغة وحدها. لكن في المقابل هناك قليل من المسؤولية علينا جميعاً كجالية سورية في المهجر أن نستمر في تعليم اللغة العربية لأولادنا لكي يظلّوا قادرين على التواصل مع بعضهم ومع سوريا، ولا تُمحى اللغة خلال جيلين.

ومع ذلك، يمكن أيضاً للدولة أن تساعد قليلاً بطريقة ليست صعبة أو مكلفة كثيراً: مثلاً عبر توفير مناهج جيدة للتعليم باللغة العربية على الإنترنت (للمغتربين). على سبيل المثال، في مدرسة ابني هنا في المهجر لديه زميلة والداها من فرنسا. هي تدرس في المدرسة الحكومية بالإنجليزية، لكن بالإضافة إلى ذلك أهلها لديهم منهج دراسي متاح عبر موقع السفارة الفرنسية، يستخدمونه – ليساعدوها لو قرروا العودة إلى فرنسا – أن تكون متمكنة من نظام التعليم الفرنسي. هذا المنهاج طبعاً ليس 100% مطابق لمنهاج المدرسة في فرنسا لأنه معدّ للطلاب الذين في الخارج، لكنه مفيد. أتصور أن شيئاً كهذا ممكن أن يساعد أيضاً في حالتنا.

ربيع نصر:
ممتاز. أيضاً فكرة التعليم عبر الإنترنت تسهّل مثل هذا النوع من التعليم للمغتربين. الآن أود أن أربط مع موضوع آخر: نحن ربما التقينا شخصياً في 2010 في موضوع عن التراث اللامادي، وتحدثنا حينها عن أهمية اللغة كجزء من هذا التراث. وكما ذكرتِ، اللغة الأم ليست بالضرورة فقط من خلال التعليم الرسمي نقطة الربط الثقافي. فمثلاً التراث الشفهي – الأغاني التقليدية، الأمثال الشعبية، عدد كبير من عناصر التراث اللامادي – يمكن أن يجعل اللغة نقطة وصل وربط بين المجتمع بالداخل والخارج كسوريين، أو حتى يُعيد بناء الثقة أو رأس المال الاجتماعي بينهم، لا أعرف ماذا سنسميه. إذا أحببتِ، أود أن تربطي موضوع اللغة بالتراث اللامادي والثقافة أيضاً.

مايا الكاتب:
شكراً شكراً ربيع. فعلاً تاريخ من التعاون بيننا في الحقيقة. مثل ما قلت، بدأتُ مسيرتي المهنية في مجال الثقافة، وما زال هذا المجال يعني لي كثيراً. وبصراحة لا يوجد سبب واحد محدد جعلني أعمل الآن على موضوع اللغة – هناك عدة أسباب – لكن واحداً من الأسباب المهمة جداً هو الارتباط بين اللغة والثقافة. وإحساسي أن الطلاب يستحقون حق أن يتعلموا القراءة والكتابة، وكما شرحتُ لك سابقاً: كل الأمور المهمة المتعلقة بالقراءة والكتابة.. تلك الأفكار. ولكن في الوقت نفسه أصبح عندي السؤال الذي فوراً لحق هذه النقطة: حسناً، اتفقنا أن عليهم أن يتعلموا أن يقرؤوا ويكتبوا ويتعلموا… وإذا كان لهم هذا الحق – طيب، الحق أن يتعلموا أن يقرؤوا ويكتبوا بأية لغة؟

ليس بالضرورة أن يكون الجواب بلغة واحدة. ممكن أن يكون أكثر من لغة. لكن الفكرة المحفزة بالنسبة لي – جزء من هذه العلاقة – هي الارتباط الكبير جداً بين اللغة والثقافة. اللغة كحامل للثقافة. فعندما تأخذ – أو تحذف – هذا المورد من الفرد، إلى أي حد سيتمكن بعد ذلك من أن يتفاعل مع الأشخاص حوله ضمن مجموعته؟

أعتذر، سأذكر فكرة أيضاً… لدي صديقة والدتها موجودة هنا (الجدة)، من سوريا، وتتحدث عن الأحفاد – أن الأحفاد لا يتحدثون العربية. تقول لي: “ليس لأي سبب، فقط مشان العاطفة!” بكلماتها البسيطة. هي تشعر أنه هناك خلل في الارتباط العاطفي بأحفادها لأنهم لا يتكلمون لغتها

لا أريد أن ألوم الأهالي أو الناس الموجودين في وضعنا؛ بصراحة من الصعب جداً تنمية الموارد اللغوية بلغة ثانية عندما لا تدعمها المدرسة. وجزء أساسي من محور نقاشنا هذا يتعلق أيضاً بالوضع داخل سوريا كما قلت، فالوضع معقّد وهناك جوانب كثيرة له – المهجّرون داخل سوريا، العائدون، المهاجرون في الغرب، المهاجرون في تركيا، اللاجئون في لبنان، إلخ – وكل فئة لديها مشاكلها وتحدياتها الخاصة. لكن أرغب أن أعود للتركيز على هذه النقطة: إذا كان هناك تردد في استخدام العربي في التعليم، آمل أن مشاركتي في هذه الجلسة تسلّط الضوء على ما نعرفه من أماكن أخرى حول ما هو الأفضل استخدامه فيما يتعلق باللغة في التدريس – كلغة أولى أو كلغة ثانية. وكما قلتُ بدايةً: شعور البعض أن العربية جافة أو أنها لا تساعدنا، أو شعور بعض الأطباء (الذين ذكرتهم) أنهم “أضاعوا وقتهم” لأنهم درسوا بالعربية – لنحاول أن نسأل: يا ترى هل كان التعليم بالعربي هو سبب نجاحهم وليس سبب فشلهم؟ يعني عندما نرى اليوم – على سبيل المثال، اطلعتُ أيضاً على إحصاءات قبل جلستنا– هناك أكثر من 6000 طبيب وطبيبة سوريين في ألمانيا حالياً شهاداتهم من سوريا. هؤلاء يمارسون عملهم حالياً، ومن جزء من المتطلبات لممارسة المهنة في ألمانيا أن يتقنوا اللغة الألمانية إلى حد معين. فنحن متأكدون 100% أن هؤلاء الـ6000 شخص لا يعرفون الطب بالعربية فقط، بل يعرفون الطب بالألمانية (وربما بالإنجليزية أيضاً) إلى حد ما. فلا نعتبر أن اللغة هي التحدي المستحيل. النقطة الثانية: بعض الدول اختارت أن تدرّس التعليم العالي – أو حتى الثانوي والعالي – بالإنجليزية. لا أتخيل أن نصل في سوريا لهذه الدرجة، لكن دعنا نفكر مجرد تفكير: ما الهدف؟ هل الهدف أن نعدّ كوادر بشرية للتصدير (للهجرة)، أم الهدف أن نعدّ كوادر بشرية لتخدم البلد؟ طبعاً، سأضيف أيضاً: إعداد كوادر بشرية تخدم البلد لا يعني أن هذه الكوادر لا تستطيع تعلم لغة أجنبية ثانية بإتقان وتقرأ بها البحث العلمي أو تشارك فيه، أو تسافر لفترة للدراسة ثم تعود، أو حتى أن جزءاً منها يهاجر. لكن ليس الهدف أن يهاجر الجميع، فما الفكرة عندها؟”

ربيع نصر:
صحيح. بصراحة نقاش ممتع جداً وأنا شخصياً تعلّمتُ كثيراً منه. ومتأكد أن المتابعين سيجدون فيه أفكاراً غنية. إن شاء الله في المستقبل ممكن أن نعمل حلقات أخرى، لأن واضح أن البحث مهم جداً وبحاجة إلى ترجمة عملية ليستفيد منه الناس. هل لديك شيء تحبّين إضافته قبل أن نختم؟

مايا الكاتب:
نعم، أود أن أضيف فكرة ربما تفصيلية قليلاً عن العلاقة بين العامية والفصحى في التعليم. نحن قارنا العربية بلغة ثانية، لكن لم أتحدث كثيراً عن الوضع المحدد للغة العربية – وهو أنه لدينا العامية والفصحى. هذا الأمر ليس محصوراً بالعربية وحدها؛ مثلاً اللغة اليونانية فيها الشيء نفسه، وفي الحقيقة كل لغات العالم لغة المدرسة ليست 100% مثل اللغة التي تُحكى في البيت، حتى لو اعتُبر أنها نفس اللغة. مثلاً في الإنجليزية ما نحكيه في البيت يختلف عن الذي نستخدمه في المدرسة، وهذا الأمر ليس فقط للفئات الظاهرة مثل لهجة السود في أمريكا (African American Vernacular English) التي تراكيبها تختلف أكثر عن الإنجليزية المدرسية، لكن حتى لهجات البيض في أمريكا تختلف قليلاً عن ما يستخدم في المدرسة.

النقطة الأولى التي أريد قولها: دائماً هناك اختلاف، ويجب أن نبني على ما يعرفه الطالب في البيت لكي نعلّمه لغة المدرسة. في الوقت نفسه قد يسأل أحدهم: لماذا لا نعلّمه بالعامية فقط طالما هي لغته الأم؟ الجواب من جهتين: الأولى، أن اللغة العامية مهيّأة للتفاعل في مضامين محددة، وكلما ارتفع مستوى التخصص وازدادت الحاجة لمصطلحات تتعلق بالحياة المدرسية أو الأكاديمية أو العلمية، احتجنا لغة أغنى – هي اللغة المعيارية المقنّنة، وعادةً ما تكون الفصحى – والتي قد تكون أقرب أو أبعد عن الحياة اليومية. بالعربية السورية هي أبعد قليلاً، وحالة سوريا محظوظة أن الفصحى ليست بعيدة جداً عن العامية مقارنةً ببعض الدول العربية الأخرى.

المثال الذي يخطر لي: التجارب الرائدة على ويكيبيديا. لدينا ويكيبيديا العربية بالفصحى، ولدينا أيضاً ويكيبيديا بالعامية المصرية وويكيبيديا بالدارجة المغربية. أنا أعتبرهما تجارب جيدة لأنها تشجّع على الكتابة والقراءة والتفاعل المجتمعي والثقافي والعلمي. لكن كلما تنظر إلى المقالات الاختصاصية في ويكيبيديا بالعامية، تجد أنها تشبه الفصحى كثيراً؛ فكلما ازدادت الحاجة للتعبير عن فكرة متخصصة، يضطر الكاتب أن يستخدم الأدوات اللغوية بالفصحى. بالتالي لا يجب أن نعتبرهما لغتين منفصلتين تماماً، بل استمرارية واحدة فيها طيف من الأساليب. وبسبب قلة القراءة والكتابة عبر العالم العربي، حصلت فجوة بين الأسلوبين (العامي والفصيح). عندما يصبح المجتمع قارئاً ومثقفاً، تضيق الفجوة. وهذا الأمر واضح 100% في تلك الويكيبيديات، لأنه عندما تكتب أكثر وأكثر يصبح واضحاً أنك تستخدم الاثنين معاً.

أحببتُ أن أضيف هذه الفكرة، لأن زميلة لي سألتني: أنتِ تقولين اللغة الأم، لكن هل الفصحى لغة أم أصلاً؟ فأحببت أن أوضّح: وجود فرق بين العامية والفصحى لا يعني أننا نتحدث عن لغتين منفصلتين تماماً. اللغة العربية – بمعناها الواسع – هي لغة أم. يجب أن نستغل ما يعرفه الطالب بالعامية للبناء عليه للوصول إلى الفصحى. وليس بطريقة تصاعدية نقول هذه أدنى وتلك أعلى؛ سأعتبر أن لهما نفس القيمة. العامية لها قيمة والفصحى لها قيمة، والهدف أن نصبح مجتمعاً منتجاً معرفياً. لا نريد فقط أن نستورد المعرفة. مثلاً قلتَ أننا نستورد أبحاثاً بالإنجليزية… لا نريد أن نستورد المعرفة للأبد؛ نريد أن نصبح منتجين للمعرفة، لأن المعرفة – لنفرض أنه ليست لدينا موارد طبيعية – هي بحد ذاتها مورد يمكن أن نصدّره. قدرة سوريا الآن على تصدير الخبرات – حتى لو كان ذلك بسبب اللجوء أو الهجرة وليس كسياسة مقصودة – هي ثروة. قدرة سوريا على أن تملك الكفاءات وألا تضطر لاستيراد كفاءات من الخارج هي ثروة أيضاً. وهذا يتحقق عبر بناء مجتمع مثقف يستطيع إنتاج المعرفة.

وجود فرق بين العامية والفصحى لا يعني أننا نتحدث عن لغتين منفصلتين تماماً. اللغة العربية – بمعناها الواسع – هي لغة أم. يجب أن نستغل ما يعرفه الطالب بالعامية للبناء عليه للوصول إلى الفصحى.

ربيع نصر:
ختاماً، كانت هذه خاتمة رائعة لنقاش غني جداً. أشكركِ جزيل الشكر مايا الكاتب على هذا النقاش الغني، وعلى نتائج البحث التي ستنشرينها قريباً. أعتقد أنها ستكون مفيدة جداً على المستوى المعرفي، ومفيدة جداً لسوريا في الوضع الذي تمرّ به.

مايا الكاتب:
شكراً ربيع، شكراً على هذه الفرصة. وإن شاء الله إلى لقاءات قادمة في المستقبل.

ربيع نصر:
إن شاء الله. شكراً جزيلاً. تحياتي لكم متابعينا.

كنتم تستمعون إلى بودكاست سوريا حوارات بديلة، المُنتَج بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومعهد الدراسات العربية والأمن في سياقه. إلى لقاءات قادمة!


Episode`s reference

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

     البودكاست
     الحلقة 20                –                17 أكتوبر، 2025
     البودكاست

بين اللغة والتعلم: إعادة التفكير في اللغة العربية كلغة تدريس

     الحلقة 20                –                17 أكتوبر، 2025
                     –                هذه الحلقة باللغة العربية

 في هذه الحلقة من بودكاست سوريا حوارات بديلة، نستضيف الباحثة مايا الكاتب الشامي في حوار غني مع ربيع نصر من المركز السوري لبحوث السياسات. نناقش العلاقة بين لغة التدريس وجودة التعليم، وأهمية التعلّم باللغة الأم، ودور اللغة في بناء هوية ثقافية ومعرفية جامعة في سوريا. تستعرض الحلقة أدلة علمية من تجارب دولية، وتناقش التحديات التي تواجه اللغة العربية في التعليم عبر الدول العربية، وتتناول التعدد اللغوي في سوريا كمدخل للعدالة الاجتماعية والمصالحة المجتمعية. كما نسلّط الضوء على تجربة السوريين في المهجر، وأثر اللغة في الحفاظ على الروابط الاجتماعية والثقافية والوطنية.

 المحاور الرئيسية:

  • العلاقة بين التعليم باللغة الأم والتحصيل العلمي
  • اللغة العربية بين التعليم الرسمي والواقع اليومي
  • التعددية اللغوية في سوريا: الكردية، السريانية، الأرمنية وغيرها
  • اللغة كأداة للمصالحة المجتمعية وبناء المواطنة
  • تحديات اللغة والتعليم في المهجر وأثناء العودة

عن ضيفة الحلقة:

مايا الكاتب الشامي باحثة مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في التربية من جامعة هارفرد، مع تخصّص إضافي في الفلسفة. يركّز بحثها على تعليم القراءة والكتابة كقضية سياسية ومجتمعية، مع اهتمام خاص بالتعددية اللغوية، والتنوّع الثقافي، والعدالة المعرفية. وتتمحور أبحاثها التطبيقية حول أثر سياسات وممارسات لغة التدريس على نتائج التعلّم، من خلال دراسات مقارنة وأخرى للتعلم ثنائي اللغة في مواقع محددة. 

شغلت مايا عدداً من المناصب القيادية في جامعة كولومبيا، ومنظمة جسور، ومؤسسة كليات العالم المتحدة. وهي تحمل درجة الماجستير في اللغة وتعلم القراءة والكتابة من جامعة هارفرد، ودرجة الماجستير في تعليم الفنون من جامعة إنديانا في بلومنغتون، بالإضافة إلى إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق. وقد نُشرت أبحاثها مؤخراً في “مُحكّمة هارفرد التعليمية” و”المجلة الدولية لتنمية التعليم.”
يحاورها ربيع نصر: باحث ومؤسس في المركز السوري لبحوث السياسات.

إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي

أهلاً بكم في بودكاست سوريا حوارات بديلة الذي يوفر منصة لإجراء حوارات قائمة على الأدلة حول التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحلية والعابرة للحدود التي برزت خلال النزاع السوري أنتج بالتعاون مع المركز السوري لبحوث السياسات ومعهد الدراسات العربية والأمن في سياقه.

ربيع نصر:
تحياتي للجميع، وأهلاً وسهلاً بكم في بودكاست سوريا حوارات بديلة. اليوم لدينا موضوع بالغ الأهمية؛ سنناقش اللغة ولغة التعليم، وتحديداً التعليم الرسمي. وكما نعلم هناك خلاف حول ما إذا كان يجب أن يتم التعليم باللغة الأم أو باللغة العربية في منطقتنا، خاصةً مع ازدياد تبنّي لغات أجنبية مثل اللغة الإنجليزية في عمليات التعليم، خصوصاً في المراحل الجامعية. اليوم سنفتح هذا النقاش بناءً على بحثٍ مميّز من باحثة مميزة هي مايا الكاتب، التي تبذل جهداً استثنائياً في هذه القضية – قضية التعليم وعلاقته مع اللغة. وبحكم المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها سوريا، وهذا التنوع والترابط اللغوي والإثني في سوريا، رأينا أنه من المناسب أن نطرح قضية لغة التعليم وأهمية لغة الأم في مستقبل السياسات التعليمية في سوريا. فاليوم نرحّب بكِ مايا، أهلاً وسهلاً فيكِ، نورتِينا.

مايا الكاتب:
شكراً كثير ربيع، شكراً على هذه الفرصة. أنا متحمسة للنقاش.

ربيع نصر:
طبعاً أحب أن أعرّف المستمعين والمشاهدين بضيفتنا مايا. مايا باحثة مرشّحة لنيل درجة الدكتوراه في التربية من جامعة هارفارد (Harvard University) مع تخصص إضافي في الفلسفة. تركّز في بحثها على تعليم القراءة والكتابة كقضية سياسية ومجتمعية، مع اهتمام خاص بالتعددية اللغوية والتنوع الثقافي والعدالة المعرفية. وتتركز أبحاثها التطبيقية على سياسات وممارسات لغة التدريس وأثرها على نتائج التعلّم، وذلك من خلال دراسات مقارنة ودراسات عن التعلّم ثنائي اللغة (bilingual) في بعض التجارب. سابقاً شغلت عدة مناصب قيادية في جامعة كولومبيا (Columbia University)، منظمة جسور (Jusoor)، ومؤسسة كليات العالم المتحد (United World Colleges). تحمل ماجستير في التربية من جامعة هارفارد (Harvard University) بتخصص اللغة وتعلّم القراءة والكتابة، وماجستير في تعليم الفنون من جامعة إنديانا (Indiana University, Bloomington)، بالإضافة إلى إجازة في العلوم السياسية من جامعة دمشق (University of Damascus). نشرت أبحاثها في الدورية التعليمية المحكّمة التابعة لجامعة هارفارد (Harvard Educational Review) وفي المجلة الدولية لتنمية التعليم (International Journal of Educational Development). سنضع في وصف البودكاست روابط الأبحاث التي تقدمها ضيفتنا مايا الكاتب. فأهلاً وسهلاً بكِ. نحن فعلاً نناقش موضوعاً مهماً جداً اليوم، ونعلم أنكِ بذلتِ جهداً كبيراً للعمل تحديداً على هذه القضية. فلنبدأ أولاً بسؤال عام.

كملاحظة عامة: ما أهمية اللغة العربية بالنسبة للجمهور؟ وطبعاً لا أقصد اللغة العربية وحدها؛ فنحن نتحدث عن ظاهرة في منطقتنا وهي الابتعاد عن اللغة العربية. خاصةً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، نلاحظ أن جيلاً كاملاً يميل أكثر إلى عدم استخدام اللغة العربية. برأيكِ كيف تصفين هذه الظاهرة؟ ما إيجابياتها وما سلبياتها بحكم دراستكِ والبحث الذي تقدّمينه؟

مايا الكاتب:
شكراً ربيع، أنا كثير مبسوطة بهذه الفرصة للحوار اليوم، لأنه مثل ما قلت، حاسّة أن الموضوع مهم فيما يتعلق بتفكيرنا باللغة العربية كلغة تعليم في المدارس ليس في سوريا فقط بل في العالم العربي. التجربة في سوريا متميزة من ناحية استخدام التعليم باللغة العربية من مراحل الابتدائي والثانوي وصولاً إلى أعلى مراحل الدراسات الجامعية، بشكل فريد على مستوى العالم العربي. هذا يدعونا أن نفكّر في هذه التجربة ليس من باب ردود فعل، بل من ناحية: كيف نقارنها مع تجارب الدول الأخرى؟ ما الشيء المنيح فيها والشيء غير المنيح؟ ما الأسئلة التي يجب أن نطرحها؟ وكيف ممكن أن نستفيد من البحوث الموجودة في أماكن أخرى، كي لا تكون تصرفاتنا مجرد ردود فعل مدفوعة بأسباب عاطفية أو أيديولوجية – سواء لاعتقادنا أن هذا الشيء جيّد أو لاعتقادنا لنفس الأسباب أنه غير جيّد.

مايا الكاتب: في الشارع العربي بشكل عام، هناك استخدام متزايد للغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية، ممزوجاً مع العربية. البعض قد يقول هذا شيء جيّد، وآخرون يقولون ليس جيّداً. بغض النظر عن أنه واقع ويحصل فعلًا، أنا شخصياً أظن أنه ليس جيداً كثيراً. لكن أريد أن أفصل هذا عن خيار لغة التعليم في المدرسة، لأن هناك أموراً مهمة جداً متعلّقة باختيار لغة التعليم. هذه الأمور قد تؤثر طبعاً على النطاق الاجتماعي، ولكن بالرغم من ذلك من المهم أن نفكر فيها بشكل منفصل. كي لا نخسر أي جانب… لأن هناك عدة أسئلة هنا، ويجب أن نحاول أن نفكر بشكل أكبر وأعمق. جزء من الخلط بين العربية والإنجليزية، وكذلك الخلط بين العربية الفصحى والعامية (الذي سأحب أن أتطرق إليه لاحقاً في النقاش)، هو أمر ممكن أن يحدث، لكن أيضاً يمكن التفكير فيه ضمن ما يتعلق بالمدرسة بشكل محدد.

ربيع نصر:
عموماً، هناك طرح نواجهه دائماً: العلوم والمعارف تتطور باللغة الإنجليزية وبغيرها بوتيرة متسارعة، بينما قدرة اللغة العربية على التكيف تتراجع نتيجة نقص الإنتاج المعرفي بها. فكيف يمكن تحقيق التطور العلمي والمعرفي دون أن يكون هناك خسارة لهذا الجيل الذي يتعلم بالعربية، من ناحية اطّلاعه على ما يتقدم ويتطور في العالم والذي يراه الجيل الصغير كمستقبله؟

مايا الكاتب:
بالحقيقة، أنت تطرح سؤالاً أشعر أنه يتطلب إجابة غير مباشرة قليلاً. سأجيبك بتفصيل أكثر. يمكن أن ننظر إلى الموضوع من جانب تمكين أكبر عدد من أفراد المجتمع من قراءة الأبحاث بلغة أجنبية، ومن جانب آخر تمكين أكبر عدد من المجتمع من الوصول أصلاً إلى المرحلة الجامعية بكفاءة. إذا فكرت بشكل عام في أي دولة، نسبة الأشخاص الذين ينخرطون في البحث العلمي نسبة محدودة. معظم التعليم الجامعي يهدف لإعداد كوادر بشرية تستطيع خدمة المجتمع، سواء في الاقتصاد أو الطب أو الهندسة أو التعليم والتمريض وغيرها. الذين يطّلعون على البحث العلمي بشكل مباشر هم، من المفترض، الأساتذة الذين يدرّسون هذه الكوادر؛ وجزء من هذه الكوادر يتخصص وممكن أن يقوم بأبحاث على مستوى الدكتوراه ثم يكمل في البحث العلمي كمجال عمل. لكن معظم التدريب الجامعي ليس مخصّصاً لتمكين الناس من البحث العلمي، بل مخصّص لتمكينهم من العمل بشكل جيّد بناءً على ما نعرفه من نتائج البحث العلمي. وهذه النتائج يمكن أن يقرؤوها مباشرةً، أو عن طريق الترجمة، ومن الممكن أن يكون جزء من هذه النتائج غير مستورد بل محلي. وبالفعل، فيما يتعلق بتعميم نتائج البحث العلمي، هناك كثير من الأمور لا يجوز أن نعمّمها من مكان إلى آخر دون بحث علمي حول إمكانية تطبيقها في المكان الثاني. في المقابل، هناك أشياء يمكن نعمّمها مثلاً في الفيزياء أو في الرياضيات المجرّدة. أما الأمور الخاصة بالدراسات الاجتماعية فصعب تعميمها. وهذا لا يعني أنه لا يوجد بحث علمي يخص سوريا أو يخص مصر أو أماكن أخرى يحدث في البلاد الأجنبية، وحتى من قبل الأشخاص الذين تربّوا في هذه المنطقة. فمثلاً زملائي وأنا ممن ندرس في الخارج قد نركز في دراستنا على البيئات التي نعرفها أكثر، لكن ننشر بالإنجليزية لأن – كما قلت – هذا الواقع حالياً أن النشر العلمي معظمه بهذه اللغة.

برأيي، مسألة البحث العلمي ركّز عليها الناس أحياناً من ناحية أنه يجب أن نفعل كذا أو كذا… وأنا أقول: لا، أولاً علينا أن نفكر في الهدف. كم عدد الأشخاص الذين يجب أن ندرّبهم لإتقان اللغة الإنجليزية لدرجة أنهم يستطيعون إجراء الأبحاث العلمية وقراءة نتائج البحث العلمي؟ وثانياً، علينا ألا نفكر في اللغة من ناحية إما هذه أو تلك؛ فالإنسان قادر على تعلّم ليس لغتين فحسب بل أكثر من لغة، ويتعلّم أكثر من لغة بإتقان. السؤال الأساسي هو: ما استخدام اللغة في التعليم الذي يمكّن الأشخاص – أي الأطفال عندما يكبرون – من أن يكونوا أعضاء في المجتمع يستطيعون استخدام اللغات بالشكل الذي يخدمهم؟ وليس بالضرورة لغة واحدة فقط؛ من الممكن أكثر من لغة إذا كان هذا هو الهدف.

ربيع نصر:
طيب، أيضاً سؤال مباشر: تعلمنا منذ الصغر بلغتنا الأم؛ فكيف ينعكس ذلك على استيعابنا أولاً، وعلى مخرجات تعليمنا وأدائنا ثانياً؟ هل فعلاً هناك دليل على أنه ينعكس إيجاباً على الاستيعاب وعلى المشاركة في المجتمع؟

مايا الكاتب:
سؤال حلو كثير. بصراحة، هذا السؤال يشبه أسئلة سمعتها من قبل، خاصةً من مجتمع الأطباء السوريين عندما ألتقي بأشخاص هنا في المهجر. يعملون ويتأففون أنهم درسوا بالعربي طول حياتهم، وحتى الدراسات العلمية المتخصصة – كالطب البشري مثلاً – درسوها بالعربي، ويرون أن ذلك ما أفادهم؛ والآن يجب أن يدرسوا بالإنجليزية، أو يعتبرون اللغة العربية عقبة. رد فعلي على هذا النوع من الأسئلة هو: يا ترى، ممكن تكون اللغة العربية التي درسوا بها هي التي ساعدتهم ليصلوا للمكان الذي هم فيه، وليست هي العائق. أي ربما تمكّنهم من دراسة الإنجليزي كلغة أجنبية بشكل جيّد سببه أنهم درسوا بالعربي في كل المراحل قبلها.

سأشارك معك بعض الدراسات التي يمكن أن تجيبنا على هذا السؤال. لأنه ليس لدينا بحث محدّد حول حالة التعليم في سوريا، لكن هناك بعض الأبحاث من دول أخرى يمكن أن نطلع عليها بشكل مقارن تعطينا أدلة على ما يمكن أن تكون الإجابة. وبعد ذلك قد نجري بحثاً أكثر تخصّصاً، أو حتى دون أن ننتظر 100% بحوثاً حاسمة، يمكننا أن نبدأ برؤية ما نفعله، وهل هو جيّد أم لا. فمثلاً، أنا قمت بدراسة مقارنة لنتائج التعليم الأساسي في 56 دولة، ونظرتُ إلى شيئين: من طرف، قدرة الأطفال على القراءة والفهم البسيط بعمر العشر سنوات – أو يمكن أن تقول إنهم ليسوا أميّين بهذا العمر، أي قراءة نص بسيط في عمر 10 سنوات. ومن طرف آخر، نسبة الأطفال في كل من تلك الدول الذين لغة التعليم في البيت والمدرسة عندهم متماثلة أو متنافرة. فكانت النتيجة أنه كلما زادت نسبة الأطفال في أي دولة الذين يتعلمون في المدرسة بلغة ليست هي اللغة التي يتحدثونها في البيت، كلما زادت نسبة الأطفال الذين لا يعرفون أن يقرؤوا ويكتبوا. هذه العلاقة قوية، ذات دلالة إحصائية، ومستمرة فيما يتعلق بكل تلك الدول الـ56 – من ست قارات. فمثلاً في اليابان وبولندا وإستونيا، الأطفال يتعلمون باليابانية والبولندية والإستونية في المدرسة، وعندهم نتائج أعلى من ناحية هذه الكفاءة الأساسية في القراءة والكتابة التي ذكرتها. وعلى سبيل المثال، دول أخرى خلفيتها استعمارية تاريخياً سببت أن لغة التدريس ليست مثل لغة الأطفال – مثل بوركينا فاسو أو هايتي، حيث يدرس الطلاب بالفرنسية ويتكلمون  بالبيت بلغات أخرى – هي التي فيها كفاءة الطلاب في التعليم الأساسي أدنى. طبعاً يمكن أن نقول: حسناً، ربما تلك الدول لديها موارد أقل، وربما بوركينا فاسو وهايتي مواردهما الضعيفة هي السبب وليس اللغة. ما يميز هذه النتائج هو أنه في الدول متوسطة الدخل كانت العلاقة بين المتغيرين أقوى شيء. وتفسيري لذلك هو أنه ربما الموارد تساعد في الدول الأعلى دخلاً، وربما عوامل مثل الفقر المدقع والتسرّب المدرسي وغياب المعلمين وكثرة الطلاب في الصف في الدول الفقيرة جداً تسهم في تدني النتائج. ولكن في الدول متوسطة الدخل أيضاً العلاقة قوية، وكانت الأقوى إذا صنّفنا الدول حسب مستوى دخلها. فهناك شيء متعلق بلغة التدريس مهم في النتائج.

كلما زادت نسبة الأطفال في أي دولة الذين يتعلمون في المدرسة بلغة ليست هي اللغة التي يتحدثونها في البيت، كلما زادت نسبة الأطفال الذين لا يعرفون أن يقرؤوا ويكتبوا

وإذا نظرنا أيضاً إلى هذه العلاقة بشكل عام عبر الدول… هذا الأمر من دراستي التي قمت بها. بالإضافة لذلك، دخلتُ في تفاصيل كيف يتعلم الطفل القراءة والكتابة بشكل عام سواءً بلغة واحدة أو بأكثر من لغة، وتحديداً في حالة الطفل ثنائي اللغة (bilingual) في دراستي. دائماً، التعلم – سواء تعلم اللغة أو أي تعلم – يبني على الشيء الذي نعرفه من قبل. فالطالب لا يدخل المدرسة دون أن يعرف شيئاً؛ هو يعرف أشياء كثيرة عن محيطه وعن المجتمع، ويعرف أشياء عن اللغة ذاتها لأنه يتحدث بها منذ خمس أو ست سنوات قبل أن يدخل المدرسة. وعندما يتعلم الطالب بلغة تماثل المعرفة التي لديه شفهياً، يصير بإمكانه أن يتعلم القراءة والكتابة بها بشكل أسرع بكثير. ومع استمراره في ذلك، تزيد معرفته اللغوية والمعرفة عن العالم عبر اللغة – لأن اللغة تحمل المعرفة بشكل عام – فتزداد، ونستطيع أن نبني عليها ليصير أفضل وأفضل. أما عندما يدخل الطلاب إلى مدرسة تكون لغة التدريس فيها لا تكافئ اللغة التي يتحدثونها في البيت، يحصل أول شيء أنهم لا يستطيعون البناء بهذه الطريقة المتسارعة، ويضطرون أن يأخذوا خطوة إلى الوراء. غالباً ما تُخفَّض لهم المعايير في هذه الحالة. حسب خبرتي، في الدول التي فيها مهاجرون كثر مع طلاب محليين لغتهم الأم هي لغة المدرسة، يساعد وجود هؤلاء الطلاب على الحفاظ على المعيار الأعلى، أما في الدول التي – مثلاً حالة السوريين في لبنان حيث قد يُدرّس الأطفال بالإنجليزية من الأول – الأساتذة والجميع يعرف أن هذا صعب عليهم، فيُخفَض لهم المعيار. فبدل أن نتوقع من الطفل أن ينجز واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة بحلول الصف الثاني، نتوقع منه فقط إنجاز واحد فقط ونعتبره جيداً جداً لأنه يتعلم بلغة أجنبية. وهذا الأمر صحيح (أن المعيار يُخفَّض)، ولكن لو كان المعيار مبنياً على أننا نزيد معرفته باللغة التي يعرفها، لتمكّنا من رفع هذا المعيار، ومن الممكن طبعاً إضافة لغات أجنبية للتعليم – ممكن أن نتعلمها.

بالفعل، هناك بحوث علمية تخبرنا – وسأذكر لك مثالاً بالتفصيل – تخبرنا أنه عندما يتعلم الطالب في سنوات الدراسة الأولى بلغته الأم، تكون لاحقاً نتائجه في اللغة الثانية أفضل. ليست فقط في لغته الأولى، بل في اللغة الثانية نفسها تكون أفضل. آسفة إن أطلت عليك بالإجابة، لكن دعني أخبرك هذا المثال: هناك دراسة مذهلة من جنوب أفريقيا (ويوجد هناك الكثير من الدراسات حول لغة التدريس هناك). نظروا في هذه الدراسة إلى نتائج كل مدارس الدولة – حوالي 9000 مدرسة ابتدائية – ونظروا إلى نوعين من المدارس: مدارس تدرّس بالإنجليزية من الصف الأول، ومدارس تدرّس بلغة الأم للأطفال في الصف الأول والثاني والثالث، ثم يلحقون الأطفال باللغة الإنجليزية كلغة تدريس في الصف الرابع. كما تعرف، جنوب أفريقيا فيها لغات كثيرة وفيها 11 لغة رسمية. في المدارس من النوع الثاني، يدرّسون الأطفال بلغتهم الأم في الصف الأول، ويبدؤون بتدريسهم باللغة الإنجليزية كلغة تدريس في الصف الرابع. طبعاً في جنوب أفريقيا، الامتحانات النهائية في الثانوي تُجرى فقط بالإنجليزية أو بالأفريكانز، فكل الطلاب في النهاية يتحولون إلى إحدى هاتين اللغتين لأسباب تاريخية تتعلق بهذا البلد.

هناك بحوث علمية تخبرنا أنه عندما يتعلم الطالب في سنوات الدراسة الأولى بلغته الأم، تكون لاحقاً نتائجه في اللغة الثانية أفضل. ليست فقط في لغته الأولى، بل في اللغة الثانية نفسها تكون أفضل.


السؤال الذي طرحه الباحثون هناك: لدينا امتحانات رسمية في الصف الرابع والخامس والسادس عبر جنوب أفريقيا، ويمكننا أن نقارن: من الذي قدّم أداءً أفضل في هذه الامتحانات (وهي كلّها باللغة الإنجليزية) في الصف الرابع، حيث الجميع يتعلمون بالإنجليزية؟ هل هم الطلاب الذين دُرّسوا بالإنجليزية منذ الصف الأول، أم الطلاب الذين درسوا بلغتهم الأم منذ الصف الأول ثم حُوّلوا إلى الإنجليزية في الصف الرابع كلغة تدريس؟ طبعاً عندما أقول لغة التدريس أعني اللغة المستخدمة عبر كل مواد المنهاج، وليس فقط في مادة اللغة.

ما توقّعك للجواب؟ – اللغة الأم! اتضح أن الطلاب الذين درسوا بالإنجليزية من الصف الأول نتائجهم كانت أقل (في الامتحانات التي أجريت بالإنجليزية) من الطلاب الذين درسوا بلغتهم الأم ثم أضافوا الإنجليزية لاحقاً. وهذه النتيجة استطاع الباحثون وصفها بأنها سببية، لأنهم بفضل نوع الدراسة وجمع الإحصاءات وكمية البيانات تمكّنوا إحصائياً من عمل شيء يسمى controlling for fixed effects (التحكّم بالتأثيرات الثابتة). يعني أمكنهم أن يقولوا أن هناك أموراً أخرى مثل الوضع الاقتصادي للعائلات، ومستوى تعليم الأهالي، والمنطقة الجغرافية الموجودة فيها المدرسة – لا تؤثر على الظاهرة التي نراقبها. في هذه الدراسة تمكنوا من تثبيت هذه العوامل المتغيرة، وقالوا أن السبب هو لغة التدريس فقط التي أثرت على النتائج.

هناك أيضاً دراسات مقارنة من نوع المراجعات العلمية للأبحاث السابقة عبر عدة سنوات تجمع الدراسات وتنظر لكل النتائج. هناك باحثان في أمريكا قاما بالنظر إلى نتائج الطلاب في الإنجليزية، وقارنا بين الطلاب الذين درسوا بالإسبانية أولاً… في مدارس ثنائية اللغة أو نوع من المدارس يبدؤون فيها بالإسبانية مثلاً بنسبة 80% والإنجليزية 20%، ثم تتغير النسبة تدريجياً حتى تنعكس. فيتخرج الطالب وقد تعلم الإنجليزية. ووجد الباحثان أن الطلاب الذين يدرسون لمدة خمس أو ست سنوات بلغتهم الأم تكون نتائجهم أفضل في اللغة الإنجليزية. فهذه هي النقطة الثانية من سؤالك: أننا لا نفكر بالموضوع على أنه إما هذه أو تلك. نفكر أول شيء بالهدف. وأنا متأكدة أن الهدف لمعظم السوريين هو الاثنين معاً، ولكن علينا أن نقول: إلى أي درجة نريد نوع الكفاءة في هذه ونوع الكفاءة في تلك، وماذا يجب أن نفعل لنصل إلى هذه النتيجة.

ربيع نصر:
رائع جداً بصراحة. هذا كلام مهم جداً، ومن المهم أيضاً أن نفكر – إلى جانب النتائج التعليمية المباشرة – في العلاقات الاجتماعية وكيف تتطور، وكيف تنعكس على المشاعر وعلى الفهم المشترك وغير ذلك. أعرف كم أن اللغة الأم تكون بمثابة خزان ثقافي واجتماعي. الآن سأنتقل قليلاً بالحديث نحو سوريا وسأستخدم اللغة العربية كمدخل. أريد أن أسمع رأيكِ حول التدريس باللغة العربية من حيث النوعية والانتشار، ومدى احتراف الأساتذة الذين قادرين على استخدامها. لأن الأمر لا يخص مدرّسي مادة اللغة العربية نفسها فحسب – كما ذكرتِ – بل كل من يدرّس المواد الأخرى باللغة العربية. فكيف تقيمين الوضع حالياً، خاصةً أننا لدينا 14 سنة حصل فيها تدهور، ودخلت لغات أجنبية على المناهج من كل حدب وصوب – من الروسية إلى التركية إلى غيرها – ودخلت بطريقة غير منظمة. وصار لدينا كل جزء من الجغرافيا السورية يتعرض لمناهج جديدة ولغات مختلفة. فما تقييمكِ للغة العربية في هذا الفضاء التعليمي السوري حالياً؟

مايا الكاتب:
شكراً لسؤالك ربيع. الآن أنا أريد أن أعطي جواباً معقداً أكثر من أن أقول إنها جيدة أو غير جيدة. من ناحية استخدام العربي كلغة تدريس عبر المواد، أعتقد أن التجربة السورية مهمة لأنها تمكّن الطالب من زيادة معارفه بشكل كبير، بحيث عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يعرف أشياء كثيرة تمكنه من الدراسة العليا. بشكل عام، النظام التعليمي نوعيته بالتأكيد جيدة؛ نحن نرى ذلك مباشرة من نتائجه. فعلى سبيل المثال، قبل عام 2010 وبمقارنة سوريا مع دول بنفس المستوى الاقتصادي، كانت نسبة الطلاب الذين يصلون فيها للتعليم العالي حوالي 26% مقارنةً بـ19% فقط في الدول متوسطة الدخل الأخرى في ذلك الوقت. هذا يعني أن نظام التعليم السوري كان قادراً على إيصال نسبة كبيرة من الناس إلى التعليم العالي رغم الموارد المحدودة. ونحن نعرف أن سوريا تمتعت باكتفاء ذاتي تقريباً من ناحية عدم الحاجة لاستيراد المهارات من الخارج؛ فعندما تنظر إلى المجتمع، الكادر البشري كان يؤمّن محلياً البنية التحتية البشرية في مجالات الخدمات والصحة والتعليم والصناعة وغيرها. هذه البنية التي تؤهّل الكوادر محلياً هي نقطة إيجابية يجب أن نأخذها بالاعتبار ونقول إنها أمر جيّد، كي لا نرجع إلى الوراء.

في الوقت نفسه، طبعاً هدفنا ليس فقط الحد الأدنى من الكفاءات – ولا أقول إن سوريا كانت حدّاً أدنى، لأن فيها كفاءات أعلى من الحد الأدنى – لكننا نريد الأفضل دائماً. فما الذي يمكن عمله بشكل أفضل؟ كما ذكرتَ، استخدام اللغة العربية في الحياة اليومية، خاصة بين الشباب، ليس كبيراً، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الأمر لا شك فيه. بل أكثر من ذلك: أتصور أنه ربما لو طلبت من أحدهم في السنة الأولى جامعة – أو خريج ثانوي – أن يكتب رسالة أو بريد إلكتروني بالعربي، فقد لا يستطيع كتابتها. هذا لا يعني أنه لا يعرف أن يقرأ بالعربي أو لا يعرف كل ما تعلّمه في المدرسة، لكن هناك خلل جوهري في المحتوى الذي يُدرَّس عندما نعلّم اللغة العربية. فمثلاً، عندما نكتب في المدرسة لا نتعلم كيف نكتب بشكل نستخدمه في حياتنا. (لا أعرف إن كان الوضع تحسّن منذ كنتُ أنا في المرحلة الثانوية، ولكني لا أتصور ذلك). نتعلم كتابة مواضيع إنشائية، نقرأ شعراً، نقرأ أشياء لا نستخدمها في حياتنا اليومية. يا ريت مثلاً نقرأ شيئاً من الجريدة، أو نتعلم كتابة مقال، أو نتعلم كتابة إيميل أو رسالة رسمية، أو رسالة لصديق في المهجر – شيء قريب من حياتنا الواقعية.

هناك خلل جوهري في المحتوى الذي يُدرَّس عندما نعلّم اللغة العربية. فمثلاً، عندما نكتب في المدرسة لا نتعلم كيف نكتب بشكل نستخدمه في حياتنا.

هذا من ناحية المحتوى. ومن ناحية أخرى، هناك تركيز مفرط على القواعد بشكل مخيف. نعلّم قواعد اللغة العربية بدرجة ربما لا يحتاجها إلا شخص مختص في اللغة والنحو في الجامعة! لدينا تركيز كبير جداً على القواعد بشكل لا يفيد في التواصل. فهدف تعليم اللغة في المدرسة هو أن نعلم اللغة لاستخدامها في التواصل بشكل فعّال، بحيث يستطيع الشخص أن يقرأ ويكتب ويشارك من خلال القراءة والكتابة. نحن نخرج أناساً لا يقرؤون في الحياة الحقيقية بعد تخرجهم من المدرسة إلا إذا اضطروا، ولا يكتبون بلغتهم. إذا كتبوا، ربما يكتبون باللغة الثانية التي ربما حصلوا على تدريس بها بشكل يحلّ المشكلة التي ذكرتها: فالتدريس مثلاً بالإنجليزية يكون 100% مركزاً على الشيء الذي يهمهم استخدامه في حياتهم، فيتعلّمون ويحاولون تحسين أنفسهم في الشيء المفيد لهم؛ بينما بالعربية يتعلمونها بشكل نظري ومنفصل عن حياتهم.

أود أن أعطي مثالاً صغيراً من تجربتي الشخصية للمقارنة. ابني في المدرسة هنا – هو الآن في الصف الثالث – منذ الصف الأول (بل منذ الروضة)، علّموا الأولاد أن يكتبوا من دون أن يصححوا لهم الإملاء نهائياً. في السنة الماضية (الصف الثاني) بدؤوا يصححون لهم قليلاً، والآن في الصف الثالث ربما سيصححون أكثر. المهم أن الطفل كان يعبّر ويكتب؛ يكتب قصة كاملة ويذكر الشخصيات ويرسم. المهم أنه يكتب بحرية ويعبّر عن نفسه دون أن نوقفه لنصحح له التهجئة. الهدف أن يحب الكتابة ويستمر في التعبير. طبعاً هذا الأسلوب جديد نسبياً. أما في مدارسنا، فعندما يكتب الطالب يقوم الأستاذ بتصحيح كل الأخطاء – الإملائية والنحوية – فوراً. وحتى حين نتحدث شفهياً، إذا حاول أحدنا أن يتحدث بالفصحى نجد من يصحح له التشكيل! هذا غير مفيد أبداً مقارنةً بالكم الكبير من تعليم اللغة الذي من المفترض أن يركّز على استخدام اللغة في الحياة الحقيقية.

 وهذا الأمر – برأيي – ليس تجربة استثنائية خاصة بسوريا، بل ينعكس على وضع التعليم بالعربية عبر العالم العربي بشكل عام. هناك انفصال بين اللغة العربية الأكاديمية التي تُدرس في المدارس وبين لغة الحياة اليومية، ما يقلل القراءة ويخلق حلقة مفرغة. لأنه كلما ابتعدت الفجوة بين العامية والفصحى، قلّت القراءة (والكتابة)، والعكس صحيح.

هناك انفصال بين اللغة العربية الأكاديمية التي تُدرس في المدارس وبين لغة الحياة اليومية، ما يقلل القراءة ويخلق حلقة مفرغة. لأنه كلما ابتعدت الفجوة بين العامية والفصحى، قلّت القراءة (والكتابة)، والعكس صحيح.

ربيع نصر:
صحيح. أنا أتفق معك. دائماً كنت أرى أن حصة التعبير هي الحصة الأكثر غُبناً – لا تأخذ حقها مقارنةً بحصص القواعد والنحو. أتفق تماماً مع ما تطرحينه. الآن سأطرح قضية لها جانب آخر. أنتِ تقدمين لنا أدلة على أهمية التعلّم باللغة الأم وإيجابياته. لدينا أيضاً جانب ثقافي اجتماعي: حرمان بعض المكوّنات الإثنية أو العرقية داخل سوريا من التعلم أو استخدام لغتهم الأم في الحياة العامة. نعلم أنه في سوريا تنوع كبير جداً: لدينا الكرد والسريان والأرمن والتركمان والشركس وإلى آخره، وجميعهم لديهم لغات يعتزون بها وهي لغاتهم الأم بطبيعة الحال. كان هناك تضييق – مثلاً على الكرد بشكل محدد أكثر من غيرهم – على استخدام لغتهم. هذه التجربة بدأت تتغير في نطاق شمال شرق سوريا حالياً. برأيك، كيف يمكن لهذا الطرح الذي تقدّمينه حول أهمية التعلّم باللغة الأم أن يكون ذا وجهين إيجابيين؟ الوجه الأول: أن تتعزز فكرة لغة الأم بالنسبة للعربية أو الكردية أو غيرها في السياسات التعليمية المستقبلية. والوجه الثاني: أن يساهم في المصالحة المجتمعية في المرحلة الانتقالية، حيث يشعر الناس بأنهم يعبّرون عن أنفسهم باللغة والثقافة التي يرونها مناسبة.

مايا الكاتب:
حلو كثير هذا السؤال. أولاً أدعو – وأدعو الجميع – أن نفصل بين الأهداف والوسائل عند التفكير في هذه القضية، لأنه هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة حول تعليم اللغة تحديداً، وأفكار شائعة حول ما يمكننا فعله. مثلاً يقول البعض: ارمه في بحر اللغة الثانية وسيتعلمها وحده! هذا الكلام خاطئ وغير مفيد. أحياناً نخلط بين ماذا يجب أن نفعل وبين ما هدفنا، ولا نفكر بشكل عميق في الاثنين معاً. من ناحية الهدف: شخصياً أنا سعيدة جداً أن هذه الفكرة مهمة بالنسبة لك، لأنني أؤمن بأن سوريا يجب أن تكون دولة جامعة لكل السوريين عبر اختلافاتهم، وألا يُحصر تعريف السوري بهوية واحدة من مكوّنات هويته يفترض أن يشترك فيها جميع السوريين. في هذه الرؤية التي أطمح لها، يجب أن تكون الدولة السورية دولة تحتضن هذا الاختلاف.

من ناحية أخرى، إحدى القيم المهمة جداً بالنسبة لي هي حق الأطفال في التعليم – سواء في سوريا أو في أي مكان. لأن التعليم وتمكّن الطفل من القراءة والكتابة تحديداً يفتحان الآفاق أمامه، ويمكنان الفرد من التعبير عن ذاته بأعمق شكل ممكن، ومن امتلاك أدوات التفكير المستقل ومن قراءة ما كتبه الذين سبقوه سواء في أماكن أخرى أو عبر التاريخ. فعندما نقرأ، يصبح المحيط الذي نتفاعل معه أكبر بكثير من محيطنا المباشر. يلتقي القارئ بأفكار الآخرين ويفكر بها بشكل أعمق، ويستطيع أن يلتقي بأفكار حتى من لا يتفق معهم دون أن يكون رد فعله مباشراً بالرفض؛ بل قد يقول: لنسمع القصة كاملة، لنسمع وجهة النظر هذه بعمق، لنفكر بالموضوع بكل تعقيداته وجوانبه قبل أن نحكم على الشخص الآخر أو المجموعة الأخرى أو القضية المطروحة.

القيمة التي عندي هي هذا الإيمان العميق بأن كل طفل يستحق أن يقرأ ويكتب. وأحد الأسباب هو ما قلته: كي يتفاعل مع الآخرين. فتفاعل الطفل مع المجموعة البشرية التي ينتمي لها مهم جداً. وإذا لم تدعه يتعلم بلغته – مثلاً إذا لم نسمح للطفل الكردي أن يتعلم بالكردية – فكيف سيستطيع أن يتفاعل مع المجموعة الكردية التي ينتمي لها وتهمّه؟ وبشكل أعمق، كيف سيتفاعل مع تاريخ هذه المجموعة وأفكار أبنائها – ما كتبه مثقفوها وشعراؤها – أو حتى مع ذاته بعمق؟ هذه نقطة مهمة جداً. في الوقت نفسه، اللغة مهمة جداً للتواصل مع المجموعة البشرية المباشرة و مع المجموعة البشرية الأكبر. وعندما ينتمي الناس لدولة واحدة فمن المنطقي أيضاً أن يمتلكوا مهارات تواصل باللغة التي تمكنهم من المشاركة المجتمعية على النطاق الأوسع. طبعاً ليس بالضرورة أن تكون درجة الكفاءة في اللغتين 100% متساوية؛ يمكن أن نقول: نريد للفرد أن يتقن هذه اللغة كلغة أم، وهذه كلغة ثانية – وحتى ربما لغة ثالثة كلغة مادة في المدرسة. هذا ممكن. إذن من ناحية الأهداف، الهدف هو تمكين الشخص (عندما يصبح راشداً) من استخدام اللغات بشكل يخدمه – وقد لا تكون لغة واحدة فقط، قد تكون أكثر من لغة إذا كان هذا هو الهدف.

إذا لم نسمح للطفل الكردي أن يتعلم بالكردية – فكيف سيستطيع أن يتفاعل مع المجموعة الكردية التي ينتمي لها وتهمّه؟ وبشكل أعمق، كيف سيتفاعل مع تاريخ هذه المجموعة وأفكار أبنائها – ما كتبه مثقفوها وشعراؤها – أو حتى مع ذاته بعمق؟اللغة مهمة جداً للتواصل مع المجموعة البشرية المباشرة و مع المجموعة البشرية الأكبر.

الآن من ناحية الوسائل: شاركتُ معك بعض الأبحاث والأفكار المتعلقة بأن التعليم باللغة الأم في المراحل الدراسية الأولى لا يساعد فقط في تلك اللغة، بل يساعد في تعلّم اللغة الثانية أيضاً بشكل أفضل. فمن المنطقي – لدعم تعليم الأقليات السورية – أن تقدّم المدارس الحكومية التعليم الأساسي (على الأقل) بلغة الأطفال التي يتحدثونها في المنزل، ثم تتم إضافة العربية كلغة ثانية بالتدريج لتصبح هي لغة المنهاج في المراحل الأعلى، مع استمرار تدريس لغة الأم كمادة لغة. هذا يعني أن المدارس الحكومية في تلك المناطق تقدّم التعليم الأساسي بلغة الأطفال الأم، وبعدها نضيف العربية كلغة ثانية. يمكن بالتدريج أن تصبح العربية هي لغة المنهاج، ويستمر تعليمة اللغة الأم كمادة لغة. (بصراحة ليس لدي معلومات كافية لأقول لك ما إذا كانت تتوفر حالياً مسارات للدراسة الجامعية بالكردية أو السريانية مثلاً، أو إلى أي درجة تم تطوير المصطلحات لتدريس العلوم في هذه اللغات. قد لا يكون ذلك متوفراً بعد، ولكن على الأقل يجب أن يبدأ التعليم الأساسي باللغة التي تدعم تعلّم الطلاب بأفضل شكل، مع إضافة العربية كلغة ثانية منذ البداية). ثم، كما قلت، بالتدريج تصبح العربية هي لغة المنهاج في المراحل الأعلى، وتستمر لغة الأم كمادة دراسية.

ربيع نصر:
عظيم جداً. هذه فكرة مهمة أيضاً. أعتقد أن الناس عندما يقرؤون ويتثقفون، يقل التعصّب، ويستطيعون تقبّل الاختلاف مع الآخر، وتخفّ حدة التشنج. كلما زاد التعصب كبّرنا حجم الخلاف مع الآخر. فأفكار كهذه مهمة جداً لكي يقرأ الناس بشكل منطقي – كما قلتِ – الأدوات التي توصلنا لهدفنا المطلوب. الآن هناك تحدٍّ إضافي: عندنا حجم لجوء كبير جداً، بالإضافة – للأسف – لجيل لم يستطع الدخول في العملية التعليمية (خلال الحرب). هاتان قضيتان كبيرتان: هناك تحدٍّ فيمن فاتهم التعليم، ولكن بالنسبة لدول اللجوء لدينا طلاب باتوا يتكلمون ويتعلمون بالتركية؛ من ذهب إلى لبنان صارت لغته الإنجليزية أو الفرنسية أقوى. وبالتالي صار عندنا أشكال متعددة من التعرّض لأنظمة تعليمية ولغات مختلفة. وفي حال تحسّن الوضع وصارت هناك عودة، سنواجه – وقد بدأنا نرى – تناقضات في اللغة التي تم التدريس بها. برأيكِ ما الوسيلة أو الحل لكي نتجاوز هذا التعقيد أو هذه النتيجة التي ظهرت نتيجة فوضى الحرب؟

مايا الكاتب:
الحقيقة أن موضوع التعليم ليس سهلاً بشكل عام سواء في الظروف الطبيعية أو في الظروف الاستثنائية مثل التي تمرّ بها سوريا. لكني متأكدة أن لدينا الخبرات والكفاءات والمعرفة ضمن الكادر التعليمي المحلي القادرة – إذا حصلت على الدعم والتحسين – أن تستوعب هذا الوضع، خاصةً مع الوقت. بالنسبة للطلاب العائدين (اللاجئين الذين سيعودون) ممن عندهم ضعف في العربي ويجب أن ينخرطوا في المدرسة، فمن الأفضل أن يحصلوا على دعم إضافي. ربما يمكن تنظيم حصص تقوية خاصة لهم في المدرسة، بحيث يُجمعون حسب مستوى حاجتهم ويكون هناك أستاذ إضافي مختص يساعدهم لكي يندمجوا بأسرع ما يمكن. من الممكن أن يتم هذا الدعم على مستوى المدرسة، بأن يبقوا مع زملائهم في الصف ويتفاعلون باللغة العربية ضمن الحصة الأساسية، ولكن يُستثمر وقت إضافي لمساعدتهم على تعويض الفجوة. هذه نقطة. وفي نفس الوقت، حالياً التعليم ككل بحاجة لتحسين من ناحية المعايير والمحتوى – وهذا يفيد الطلاب كلهم سواء الذين مرّوا بتجربة لجوء أو لا. فحالياً لا بد من رفع جودة التعليم والمناهج بشكل عام بالتوازي مع حل مشكلة العائدين.

بالنسبة للموجودين في دول اللجوء (وقد لا يرجعون قريباً أو أبداً)، من ملاحظتي العامة السوريون في الغرب لا يدرّسون أولادهم العربية كثيراً. وطبعاً لا نلومهم؛ عندما يكون نظام التعليم في الدولة المضيفة لا يدعم اللغة الأم، يكون من الصعب على العائلات – خاصةً لو كانت معزولة عن جاليات تتحدث نفس اللغة – أن تعلم أبناءها اللغة وحدها. لكن في المقابل هناك قليل من المسؤولية علينا جميعاً كجالية سورية في المهجر (وأنا منهم) أن نستمر في تعليم اللغة العربية لأولادنا لكي يظلّوا قادرين على التواصل مع بعضهم ومع سوريا، ولا تُمحى اللغة خلال جيلين. هذا يمكن أن يحدث عبر مبادرات محلية للتعليم في كل مكان – ليس بالضرورة بمسؤولية دولة مركزية فقط، بل ربما كل مجموعة تنظّم شيئاً بنفسها. التجربة الأرمنية الحقيقة على مستوى العالم هي تجربة رائدة في التعليم باللغة الأرمنية والحفاظ على الهوية الأرمنية. الترابط بين أفراد هذا المجتمع – ليس فقط للسلام والتحيات بينهم؛ عندما يكون هذا الترابط موجوداً، المجتمع يستطيع أن يساعد بعضه أكثر: يتعاونون اقتصادياً وتجارياً، يتعاونون في العمل وفي المساعدة الاجتماعية… يساعدون بعضهم في فرص العمل. كل الأشياء التي يمكن أن يتعاون فيها مجتمع بشري ليُسند أفراده ويصبحوا أقوى كمجموعة. فعندما يكون الأفراد متفرقين ولا يجمعهم تواصل لغوي، يخسرون تلك القوة المشتركة.

 هذه نقطة مهمة جداً فيما يتعلق بالموجودين في المهجر. طبعاً، لا أقول إن المسؤولية كاملة على عاتق العائلات وحدها؛ من الصعب جداً تنمية الموارد اللغوية بلغة ثانية عندما لا تدعمها المدرسة. وجزء أساسي من تركيزنا في هذا النقاش هو أيضاً على الوضع داخل سوريا حالياً، لأنه معقّد وله جوانب كثيرة – المهجرون خارج سوريا، الموجودون داخلها، العائدون، اللاجئون في تركيا، في لبنان… كل مجموعة تواجه مشاكلها وتحدياتها. لكن أود أن أركّز خاصةً على الوضع داخل سوريا حالياً لأنه ربما هناك أمور كثيرة علينا التركيز عليها.

عندما يكون نظام التعليم في الدولة المضيفة لا يدعم اللغة الأم، يكون من الصعب على العائلات – خاصةً لو كانت معزولة عن جاليات تتحدث نفس اللغة – أن تعلم أبناءها اللغة وحدها. لكن في المقابل هناك قليل من المسؤولية علينا جميعاً كجالية سورية في المهجر أن نستمر في تعليم اللغة العربية لأولادنا لكي يظلّوا قادرين على التواصل مع بعضهم ومع سوريا، ولا تُمحى اللغة خلال جيلين.

ومع ذلك، يمكن أيضاً للدولة أن تساعد قليلاً بطريقة ليست صعبة أو مكلفة كثيراً: مثلاً عبر توفير مناهج جيدة للتعليم باللغة العربية على الإنترنت (للمغتربين). على سبيل المثال، في مدرسة ابني هنا في المهجر لديه زميلة والداها من فرنسا. هي تدرس في المدرسة الحكومية بالإنجليزية، لكن بالإضافة إلى ذلك أهلها لديهم منهج دراسي متاح عبر موقع السفارة الفرنسية، يستخدمونه – ليساعدوها لو قرروا العودة إلى فرنسا – أن تكون متمكنة من نظام التعليم الفرنسي. هذا المنهاج طبعاً ليس 100% مطابق لمنهاج المدرسة في فرنسا لأنه معدّ للطلاب الذين في الخارج، لكنه مفيد. أتصور أن شيئاً كهذا ممكن أن يساعد أيضاً في حالتنا.

ربيع نصر:
ممتاز. أيضاً فكرة التعليم عبر الإنترنت تسهّل مثل هذا النوع من التعليم للمغتربين. الآن أود أن أربط مع موضوع آخر: نحن ربما التقينا شخصياً في 2010 في موضوع عن التراث اللامادي، وتحدثنا حينها عن أهمية اللغة كجزء من هذا التراث. وكما ذكرتِ، اللغة الأم ليست بالضرورة فقط من خلال التعليم الرسمي نقطة الربط الثقافي. فمثلاً التراث الشفهي – الأغاني التقليدية، الأمثال الشعبية، عدد كبير من عناصر التراث اللامادي – يمكن أن يجعل اللغة نقطة وصل وربط بين المجتمع بالداخل والخارج كسوريين، أو حتى يُعيد بناء الثقة أو رأس المال الاجتماعي بينهم، لا أعرف ماذا سنسميه. إذا أحببتِ، أود أن تربطي موضوع اللغة بالتراث اللامادي والثقافة أيضاً.

مايا الكاتب:
شكراً شكراً ربيع. فعلاً تاريخ من التعاون بيننا في الحقيقة. مثل ما قلت، بدأتُ مسيرتي المهنية في مجال الثقافة، وما زال هذا المجال يعني لي كثيراً. وبصراحة لا يوجد سبب واحد محدد جعلني أعمل الآن على موضوع اللغة – هناك عدة أسباب – لكن واحداً من الأسباب المهمة جداً هو الارتباط بين اللغة والثقافة. وإحساسي أن الطلاب يستحقون حق أن يتعلموا القراءة والكتابة، وكما شرحتُ لك سابقاً: كل الأمور المهمة المتعلقة بالقراءة والكتابة.. تلك الأفكار. ولكن في الوقت نفسه أصبح عندي السؤال الذي فوراً لحق هذه النقطة: حسناً، اتفقنا أن عليهم أن يتعلموا أن يقرؤوا ويكتبوا ويتعلموا… وإذا كان لهم هذا الحق – طيب، الحق أن يتعلموا أن يقرؤوا ويكتبوا بأية لغة؟

ليس بالضرورة أن يكون الجواب بلغة واحدة. ممكن أن يكون أكثر من لغة. لكن الفكرة المحفزة بالنسبة لي – جزء من هذه العلاقة – هي الارتباط الكبير جداً بين اللغة والثقافة. اللغة كحامل للثقافة. فعندما تأخذ – أو تحذف – هذا المورد من الفرد، إلى أي حد سيتمكن بعد ذلك من أن يتفاعل مع الأشخاص حوله ضمن مجموعته؟

أعتذر، سأذكر فكرة أيضاً… لدي صديقة والدتها موجودة هنا (الجدة)، من سوريا، وتتحدث عن الأحفاد – أن الأحفاد لا يتحدثون العربية. تقول لي: “ليس لأي سبب، فقط مشان العاطفة!” بكلماتها البسيطة. هي تشعر أنه هناك خلل في الارتباط العاطفي بأحفادها لأنهم لا يتكلمون لغتها

لا أريد أن ألوم الأهالي أو الناس الموجودين في وضعنا؛ بصراحة من الصعب جداً تنمية الموارد اللغوية بلغة ثانية عندما لا تدعمها المدرسة. وجزء أساسي من محور نقاشنا هذا يتعلق أيضاً بالوضع داخل سوريا كما قلت، فالوضع معقّد وهناك جوانب كثيرة له – المهجّرون داخل سوريا، العائدون، المهاجرون في الغرب، المهاجرون في تركيا، اللاجئون في لبنان، إلخ – وكل فئة لديها مشاكلها وتحدياتها الخاصة. لكن أرغب أن أعود للتركيز على هذه النقطة: إذا كان هناك تردد في استخدام العربي في التعليم، آمل أن مشاركتي في هذه الجلسة تسلّط الضوء على ما نعرفه من أماكن أخرى حول ما هو الأفضل استخدامه فيما يتعلق باللغة في التدريس – كلغة أولى أو كلغة ثانية. وكما قلتُ بدايةً: شعور البعض أن العربية جافة أو أنها لا تساعدنا، أو شعور بعض الأطباء (الذين ذكرتهم) أنهم “أضاعوا وقتهم” لأنهم درسوا بالعربية – لنحاول أن نسأل: يا ترى هل كان التعليم بالعربي هو سبب نجاحهم وليس سبب فشلهم؟ يعني عندما نرى اليوم – على سبيل المثال، اطلعتُ أيضاً على إحصاءات قبل جلستنا– هناك أكثر من 6000 طبيب وطبيبة سوريين في ألمانيا حالياً شهاداتهم من سوريا. هؤلاء يمارسون عملهم حالياً، ومن جزء من المتطلبات لممارسة المهنة في ألمانيا أن يتقنوا اللغة الألمانية إلى حد معين. فنحن متأكدون 100% أن هؤلاء الـ6000 شخص لا يعرفون الطب بالعربية فقط، بل يعرفون الطب بالألمانية (وربما بالإنجليزية أيضاً) إلى حد ما. فلا نعتبر أن اللغة هي التحدي المستحيل. النقطة الثانية: بعض الدول اختارت أن تدرّس التعليم العالي – أو حتى الثانوي والعالي – بالإنجليزية. لا أتخيل أن نصل في سوريا لهذه الدرجة، لكن دعنا نفكر مجرد تفكير: ما الهدف؟ هل الهدف أن نعدّ كوادر بشرية للتصدير (للهجرة)، أم الهدف أن نعدّ كوادر بشرية لتخدم البلد؟ طبعاً، سأضيف أيضاً: إعداد كوادر بشرية تخدم البلد لا يعني أن هذه الكوادر لا تستطيع تعلم لغة أجنبية ثانية بإتقان وتقرأ بها البحث العلمي أو تشارك فيه، أو تسافر لفترة للدراسة ثم تعود، أو حتى أن جزءاً منها يهاجر. لكن ليس الهدف أن يهاجر الجميع، فما الفكرة عندها؟”

ربيع نصر:
صحيح. بصراحة نقاش ممتع جداً وأنا شخصياً تعلّمتُ كثيراً منه. ومتأكد أن المتابعين سيجدون فيه أفكاراً غنية. إن شاء الله في المستقبل ممكن أن نعمل حلقات أخرى، لأن واضح أن البحث مهم جداً وبحاجة إلى ترجمة عملية ليستفيد منه الناس. هل لديك شيء تحبّين إضافته قبل أن نختم؟

مايا الكاتب:
نعم، أود أن أضيف فكرة ربما تفصيلية قليلاً عن العلاقة بين العامية والفصحى في التعليم. نحن قارنا العربية بلغة ثانية، لكن لم أتحدث كثيراً عن الوضع المحدد للغة العربية – وهو أنه لدينا العامية والفصحى. هذا الأمر ليس محصوراً بالعربية وحدها؛ مثلاً اللغة اليونانية فيها الشيء نفسه، وفي الحقيقة كل لغات العالم لغة المدرسة ليست 100% مثل اللغة التي تُحكى في البيت، حتى لو اعتُبر أنها نفس اللغة. مثلاً في الإنجليزية ما نحكيه في البيت يختلف عن الذي نستخدمه في المدرسة، وهذا الأمر ليس فقط للفئات الظاهرة مثل لهجة السود في أمريكا (African American Vernacular English) التي تراكيبها تختلف أكثر عن الإنجليزية المدرسية، لكن حتى لهجات البيض في أمريكا تختلف قليلاً عن ما يستخدم في المدرسة.

النقطة الأولى التي أريد قولها: دائماً هناك اختلاف، ويجب أن نبني على ما يعرفه الطالب في البيت لكي نعلّمه لغة المدرسة. في الوقت نفسه قد يسأل أحدهم: لماذا لا نعلّمه بالعامية فقط طالما هي لغته الأم؟ الجواب من جهتين: الأولى، أن اللغة العامية مهيّأة للتفاعل في مضامين محددة، وكلما ارتفع مستوى التخصص وازدادت الحاجة لمصطلحات تتعلق بالحياة المدرسية أو الأكاديمية أو العلمية، احتجنا لغة أغنى – هي اللغة المعيارية المقنّنة، وعادةً ما تكون الفصحى – والتي قد تكون أقرب أو أبعد عن الحياة اليومية. بالعربية السورية هي أبعد قليلاً، وحالة سوريا محظوظة أن الفصحى ليست بعيدة جداً عن العامية مقارنةً ببعض الدول العربية الأخرى.

المثال الذي يخطر لي: التجارب الرائدة على ويكيبيديا. لدينا ويكيبيديا العربية بالفصحى، ولدينا أيضاً ويكيبيديا بالعامية المصرية وويكيبيديا بالدارجة المغربية. أنا أعتبرهما تجارب جيدة لأنها تشجّع على الكتابة والقراءة والتفاعل المجتمعي والثقافي والعلمي. لكن كلما تنظر إلى المقالات الاختصاصية في ويكيبيديا بالعامية، تجد أنها تشبه الفصحى كثيراً؛ فكلما ازدادت الحاجة للتعبير عن فكرة متخصصة، يضطر الكاتب أن يستخدم الأدوات اللغوية بالفصحى. بالتالي لا يجب أن نعتبرهما لغتين منفصلتين تماماً، بل استمرارية واحدة فيها طيف من الأساليب. وبسبب قلة القراءة والكتابة عبر العالم العربي، حصلت فجوة بين الأسلوبين (العامي والفصيح). عندما يصبح المجتمع قارئاً ومثقفاً، تضيق الفجوة. وهذا الأمر واضح 100% في تلك الويكيبيديات، لأنه عندما تكتب أكثر وأكثر يصبح واضحاً أنك تستخدم الاثنين معاً.

أحببتُ أن أضيف هذه الفكرة، لأن زميلة لي سألتني: أنتِ تقولين اللغة الأم، لكن هل الفصحى لغة أم أصلاً؟ فأحببت أن أوضّح: وجود فرق بين العامية والفصحى لا يعني أننا نتحدث عن لغتين منفصلتين تماماً. اللغة العربية – بمعناها الواسع – هي لغة أم. يجب أن نستغل ما يعرفه الطالب بالعامية للبناء عليه للوصول إلى الفصحى. وليس بطريقة تصاعدية نقول هذه أدنى وتلك أعلى؛ سأعتبر أن لهما نفس القيمة. العامية لها قيمة والفصحى لها قيمة، والهدف أن نصبح مجتمعاً منتجاً معرفياً. لا نريد فقط أن نستورد المعرفة. مثلاً قلتَ أننا نستورد أبحاثاً بالإنجليزية… لا نريد أن نستورد المعرفة للأبد؛ نريد أن نصبح منتجين للمعرفة، لأن المعرفة – لنفرض أنه ليست لدينا موارد طبيعية – هي بحد ذاتها مورد يمكن أن نصدّره. قدرة سوريا الآن على تصدير الخبرات – حتى لو كان ذلك بسبب اللجوء أو الهجرة وليس كسياسة مقصودة – هي ثروة. قدرة سوريا على أن تملك الكفاءات وألا تضطر لاستيراد كفاءات من الخارج هي ثروة أيضاً. وهذا يتحقق عبر بناء مجتمع مثقف يستطيع إنتاج المعرفة.

وجود فرق بين العامية والفصحى لا يعني أننا نتحدث عن لغتين منفصلتين تماماً. اللغة العربية – بمعناها الواسع – هي لغة أم. يجب أن نستغل ما يعرفه الطالب بالعامية للبناء عليه للوصول إلى الفصحى.

ربيع نصر:
ختاماً، كانت هذه خاتمة رائعة لنقاش غني جداً. أشكركِ جزيل الشكر مايا الكاتب على هذا النقاش الغني، وعلى نتائج البحث التي ستنشرينها قريباً. أعتقد أنها ستكون مفيدة جداً على المستوى المعرفي، ومفيدة جداً لسوريا في الوضع الذي تمرّ به.

مايا الكاتب:
شكراً ربيع، شكراً على هذه الفرصة. وإن شاء الله إلى لقاءات قادمة في المستقبل.

ربيع نصر:
إن شاء الله. شكراً جزيلاً. تحياتي لكم متابعينا.

كنتم تستمعون إلى بودكاست سوريا حوارات بديلة، المُنتَج بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومعهد الدراسات العربية والأمن في سياقه. إلى لقاءات قادمة!

Episode’s references:


Episode`s reference

الحلقات السابقة، والتالية:

استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

اقرأ المزيد

مقالات ذات صلة

الإصدارات