الاقتصاد النسوي والنيوليبرالية: حوار مع د. فاطمة إبراهيم والباحثة فرح دعيبس
الحلقة 21 – 11 نوفمبر، 2025
في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة تستضيف سلام سعيد كلًّا من د. فاطمة إبراهيم (باحثة في الاقتصاد السياسي والمقاربات النسوية) وفرح دعيبس (ناشطة وباحثة نسوية) لفتح نقاش معمّق حول الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية وفكرٍ بديلٍ للسياسات النيوليبرالية السائدة في المنطقة. نتناول كيف يوسّع الاقتصاد النسوي معنى “الاقتصاد” ليشمل عمل الرعاية غير المدفوع والرفاه الاجتماعي والبيئي، ولماذا تُعدّ المقاربة التقاطعية أساسية لفهم اللامساواة.
أبرز المحاور:
– تعريف الاقتصاد النسوي وفروقه عن الاقتصاد التقليدي، ونقد صورة “الرجل الاقتصادي” العقلاني الأحادي.
– أثر النيوليبرالية على النساء والفئات المهمشة، ودور المؤسسات الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) في تعميق الدَّين وعدم المساواة.
– التقاطعية والاقتصاد النسوي الإيكولوجي: إعادة توجيه الموارد نحو استدامة الحياة (الصحة، التعليم، النقل المستدام، الأمن الغذائي).
– لماذا يغفل الناتج المحلي الإجمالي (GDP) قيمة أعمال الرعاية والعمل غير الرسمي، وكيف يؤثر ذلك على صنع السياسات.
– أمثلة من المنطقة (سوريا، غزة، مصر…): إعادة الإعمار بعد النزاعات، وضرورة موازنات جندرية تحويلية (إجازة أمومة وأبوة، حضانات عامة، خدمات رعاية).
– العلاقة بين النيوليبرالية والاستبداد السياسي، وأهمية تمركز الإنسان والبيئة في قلب السياسات الاقتصادية.
ضيفتا الحلقة:
فرح دعيبس:
نسوية فلسطينية أردنية تسعى من خلال عملها الى تسليط الضوء على العلاقة بين النظام الأبوي والأنظمة القمعية الأخرى التي تعززه – خاصة الرأسمالية والاستعمار. عملت فرح مع عدد من الجهات المهتمة بالعدالة الجندرية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا خلال العشر سنوات الماضية، مع التركيز على تمتين الحراكات النسوية والبناء التشاركي للمعرفة.
فرح حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع وتعمل حالياً كباحثة، مدربة، ومستشارة مستقلة
فاطمة ابراهيم:
باحثة نسوية متخصصة في قضايا الجندر والاقتصاد، مع تركيز على الهجرة، العمل، وأنظمة الرفاه من منظور نسوي ناقد. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، وهي زميلة مشاركة في الأكاديمية البريطانية للتعليم العالي (HEA)، وتتمحور خبرتها التدريسية حول النماذج الاقتصادية البديلة والابتكار الاجتماعي.
تركز فاطمة في عملها الأكاديمي على تفكيك البنى الاقتصادية السائدة التي تعزز اللامساواة ضد النساء بمختلف هوياتهن، مع إبراز الاستراتيجيات التي تطورها النساء في مجتمعاتهن المتنوعة لمواجهة السياسات الاقتصادية التمييزية.
إلى جانب عملها الأكاديمي، تنشط في التقاطعات بين التكنولوجيا والجندر والحقوق الجنسانية، وتشارك في مبادرات تعزز العدالة الجندرية والرقمية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
تحاورهما سلام سعيد: باحثة بالاقتصاد السياسي – مديرة مشروع سياسات اقتصادية من أجل عدالة اجتماعية لمؤسسة فريدريش إيبرت في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي
تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
سلام سعيد:
أهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة ضمن السلسلة التي يخصصها المركز السوري لبحوث السياسات لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، وذلك بالشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت. معكم سلام سعيد، مديرة مشروع سياسات اقتصادية من أجل عدالة اجتماعية لمؤسسة فريدريش إيبرت في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
في هذه الحلقة نريد تسليط الضوء على الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية وأيضاً كفكر اقتصادي لفهم الآثار العميقة للنيوليبرالية على المجتمعات وعلى النساء بشكل خاص. أيضاً نطرح تساؤلات حول معنى الاقتصاد النسوي، وكيف يختلف هذا الاقتصاد عن الاقتصاد التقليدي، ولماذا من الضروري اليوم إعادة التفكير في الأسس التي بُنيت عليها السياسات الاقتصادية السائدة، وبشكل خاص السياسات الاقتصادية الفاشلة.
نريد أيضاً أن ننظر إلى منطقتنا ونحاول أن نفهم: هل النهج النيوليبرالي السائد نجح فعلاً في بناء اقتصاد تنموي عادل يخدم الجميع؟ ونطرح سؤالاً عن البديل – وما إذا كان الاقتصاد النسوي كأداة تحليلية وكفكر اقتصادي قادرًا فعلاً على تقديم حلول وبدائل لما هو سائد الآن.
يسعدني اليوم أن أرحب بضيفتَين مميزتَين في حلقتنا، وهما الدكتورة فاطمة إبراهيم – وهي باحثة في الاقتصاد السياسي والمقاربات النسوية – أهلاً دكتورة فاطمة.
د. فاطمة إبراهيم: أهلاً وسهلاً.
سلام سعيد: وأيضاً معنا فرح دعيبس – وهي نسوية مهتمة بالتحليل النسوي التقاطعي لقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية – أهلاً وسهلاً بكِ فرح.
فرح دعيبس: شكراً لكِ سلام، سعيدةٌ بوجودي معكم.
سلام سعيد: قبل أن نبدأ النقاش، أودُّ بدايةً أن أعرّف بشكل مفصّل بالضيفتَين الموجودتَين معنا. سأبدأ بالتعريف عن فرح. فرح دعيبس هي نسوية فلسطينية أردنية تسعى من خلال عملها إلى تسليط الضوء على العلاقة بين النظام الأبوي والأنظمة القمعية الأخرى التي تعززه، خاصةً الرأسمالية والاستعمار. عملت فرح في عدد من الجهات المهتمة بالعدالة الجندرية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا خلال السنوات العشر الماضية، مع التركيز على تمكين الحراكات النسوية والبناء التشاركي للمعرفة. فرح حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع، وتعمل حالياً كباحثة ومدرّبة ومستشارة مستقلة.
الدكتورة فاطمة إبراهيم هي باحثة نسوية متخصصة في قضايا الجندر والاقتصاد، مع التركيز على الهجرة والعمل وأنظمة الرفاه من منظور نسوي ناقد. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، وهي زميلة مشاركة في الأكاديمية البريطانية للتعليم العالي. تتمحور خبرتها التدريسية حول النماذج الاقتصادية البديلة والابتكار الاجتماعي. تركّز فاطمة في عملها الأكاديمي على تفكيك البُنى الاقتصادية السائدة التي تعزز اللامساواة ضد المرأة بمختلف هوياتهنّ، مع إبراز الاستراتيجيات التي تطوّرها النساء في مجتمعاتهنّ المتنوعة لمواجهة السياسات الاقتصادية التمييزية. فاطمة – إلى جانب عملها الأكاديمي – تنشط في التقاطعات بين التكنولوجيا والجندر والحقوق الجنسانية، وتشارك في مبادرات تعزز العدالة الجندرية والرقمية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
سأبدأ معكِ دكتورة فاطمة بالسؤال الكبير والعريض: ما المقصود بمصطلح الاقتصاد النسوي، وكيف يختلف هذا الاقتصاد عن الاقتصاد التقليدي؟ ولماذا سُمّي بهذا الاسم – هل معناه اقتصاد النساء، أم أنه لا يقتصر فقط على عمل النساء؟
د. فاطمة إبراهيم: شكراً سلام على المقدمة. الاقتصاد بشكل عام – قبل أن نتكلم عن الاقتصاد النسوي – هو الموارد المتاحة لنا كبشر والتي تُسهم في استمرارية الحياة؛ كيف يتم إنتاج هذه الموارد، وكيف يتم توزيعها واستهلاكها، والعلاقات المعقدة التي تشكّل هذه العملية كلها وتؤثر فيها – كل ذلك يندرج تحت علم الاقتصاد. لكن في نظم الاقتصاد السائدة عالمياً الآن، التركيز يكون فقط على معاملات السوق والربح، ويتم تهميش كل التفاصيل الأخرى المتعلقة بالاقتصاد واللازمة لبناء اقتصاد عادل وشامل. كذلك يتم تهميش التفاصيل التي في الواقع يقوم عليها الاقتصاد الحالي ولا يستطيع الاستمرار من دونها. وهذا ما يحاول الاقتصاد النسوي معالجته وتصويبه.
الاقتصاد النسوي، بالتالي، هو مقاربة نقدية للاقتصاد السائد، ومحاولة لإعادة النظر في الفرضيات الاقتصادية التقليدية، وتقديم نموذج اقتصادي أكثر عدالةً وشمولاً، وأكثر مراعاةً لحدود الكوكب الذي نعيش عليه لضمان استمراريته. الاقتصاد النسوي بالتأكيد لا يقتصر فقط على ما يُسمى باقتصاد النساء. في جوهر الاقتصاد النسوي تحدٍّ للافتراضات الذكورية التي يقوم عليها الاقتصاد السائد، والتي تعزّز التقسيم الجندري غير العادل للعمل. يدفع الاقتصاد النسوي، في هذه الحالة، إلى تسليط الضوء على الأعمال والعمليات الاقتصادية غير المرئية وغير المقدّرة في النظام الاقتصادي السائد – مثل العمل غير المدفوع وأعمال الرعاية والأعمال المنزلية. كذلك فإن الفكر الاقتصادي النسوي يتحدّى النماذج الذكورية في الاقتصاد السائد التي تختزل الإنسان في صورة الرجل الاقتصادي العقلاني شديد الأنانية، الساعي دوماً إلى تحقيق منفعته الاقتصادية الخاصة – في صورة ربح مالي – على حساب أي شيء وأي شخص آخر. هذه الصورة يتحدّاها الاقتصاد النسوي. من خلال هذه التحديات، أصبح الاقتصاد النسوي طريقة تفكير جذرية جديدة في مفاهيم الاقتصاد بشكل عام، وإعادة تحديد لمن يعتبر فاعلاً في الاقتصاد، وما الذي يمكن أن نعدّه نشاطاً اقتصادياً. من الذي يستفيد من السياسات الاقتصادية ومن الذي يتم تهميشه؟ وما تعريف القيمة الاقتصادية؟ كل ذلك يُعاد النظر فيه.
بصورة عامة، إذن، الاقتصاد النسوي – كإطار وعدسة تحليلية – يحاول أن يقدّم منظوراً أكثر عدالةً وشمولاً واستمراريةً للاقتصاد بشكل عام، وليس فقط ما يُسمى باقتصاد النساء.
الاقتصاد النسوي يحاول أن يقدّم منظوراً أكثر عدالةً وشمولاً واستمراريةً للاقتصاد بشكل عام، وليس فقط ما يُسمى باقتصاد النساء.
سلام سعيد: حسناً، شكراً جزيلاً على هذا الشرح. دعيني أركّز مرة أخرى على نقطة مهمة ذكرتِها: عملياً، الاقتصاد أشمل بكثير من مجرد معاملات السوق والربح؛ فهو يشمل مسألة توزيع الموارد على المجتمع وأفراده، وتوزيع الثروة أيضاً. وهنا يكمن جوهر النقاش: كيف يمكن أن نجعل هذا التوزيع عادلاً؟ وكيف يمكن للأنظمة الاقتصادية أن تنظّم هذه العملية بطريقة تخدم جميع الناس؟
في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، تحدثنا كثيراً عن النيوليبرالية، ووجدنا من أهم مشكلات (أو لنقل ثغرات) النيوليبرالية أنها تستفيد من عملية توزيع الموارد في الاقتصاد – ولكن ليس لتحقيق توزيع عادل للثروة والموارد، وإنما لصالح فئة صغيرة معينة. ف… ما رأيكِ؟ سأنتقل الآن إلى فرح لأسألها: ما رأيكِ بالعلاقة بين الاقتصاد النسوي والنيوليبرالية؟ أو بشكل أعمّ، كيف ترين الفرق بين هذين النموذجين بشكل مقارِن؟
فرح دعيبس: شكراً سلام. ربما أودّ إضافة نقطة واحدة عندما ذكرتم توزيع الموارد وتوزيع الثروة – وأعيد وأؤكد عليها – وتوجيه طاقاتنا الإنتاجية أيضاً. فهذا أيضاً جزء من تحليلنا للاقتصاد: أين نضع طاقاتنا الإنتاجية ولماذا. حالياً كل الطاقات الإنتاجية موجّهة نحو تحقيق الربح – ما الذي يحقق أكبر ربح – وبالتالي نضع كل طاقاتنا في ذلك الاتجاه.
بالعودة إلى سؤالكِ، أظن أن هناك أكثر من جانب يمكن تناوله عند الحديث عن العلاقة بين النيوليبرالية والاقتصاد النسوي. ربما من المهم أولاً توضيح أنه هناك فاعلين في مجال الاقتصاد النسوي يتبنّون نهجاً ليبرالياً أو حتى نيوليبرالياً إلى حد ما – رغم أن العلاقة بين النيوليبرالية والنسوية عليها علامة استفهام كبيرة جداً، لأن النيوليبرالية أدّت إلى تدهور وضع معظم نساء العالم. بالتالي لست متأكدة كيف يمكن اعتبارها نهجاً “نسوياً”!
النهج الوحيد – برأيي وبرأي غيري طبعاً – القادر على مواجهة الاستغلال الاقتصادي الذي تواجهه نساء العالم وشعوب الجنوب العالمي هو نهج نسوي تقاطعي في النظر إلى الاقتصاد؛ نهج يرى الرأسمالية والاستعمار إلى جانب الأبوية كأنظمة لابد من مجابهتها لنصل إلى منظومة اقتصادية عادلة. في المقابل، النيوليبرالية تعزّز بشكل مباشر الاستعمار والرأسمالية والأبوية. نعرف مثلاً أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لهما دور كبير جداً في الضغط على الدول لتبنّي سياسات نيوليبرالية – من تقشّف إلى تحرير السوق إلى خصخصة الخدمات الأساسية وغيرها. حين تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من 80 سنة، كان الهدف أن تساهم هاتان المؤسستان في بناء نظام اقتصادي عالمي جديد يخدم المصالح الاقتصادية للغرب بعد الاستقلال الرسمي لمعظم دول الجنوب عن الحكم الاستعماري. واليوم، من أوضح الأمثلة على تطبيع الاستعمار في نظامنا المالي العالمي هو هيكلية الحوكمة في صندوق النقد والبنك الدوليين – لأن هاتين المؤسستين تمنحان الدول التي استعمرت تاريخياً صلاحيات أكبر وقدرة تأثير أعلى في القرارات من دول الجنوب التي كانت مستعمَرة تاريخياً. طبعاً يُبرَّر هذا الفصل العنصري الاقتصادي بحجة أن الدول الغنية تقدم حصصاً أكبر من التمويل لهذه المؤسسات. لكن هذه الحجة عليها انتقادات كثيرة، لأن قدرة الدول الغنية على توفير تمويل أكبر مرتبطة بالاستعمار ونهب الموارد والعمالة تاريخياً وفي الحاضر من دول الجنوب.
طبعاً هذه الصلاحيات في صنع القرار هدفها إعطاء الأولوية لمصالح دول الشمال على حساب دول الجنوب. مثلاً، نرى كيف تُجبَر دول الجنوب على دفع فوائد أعلى بكثير من دول الشمال العالمي (مثل أمريكا وألمانيا) على القروض التي تأخذها من هذه المؤسسات. وتُجبَر دول الجنوب على سداد الديون بعملات أجنبية، من دون أخذ تقلّبات أسعار الصرف في الحسبان – مما يفاقم المديونية في الجنوب العالمي. وتفرض هذه المؤسسات شروطاً “مخفية” كالنصائح، هدفها التأكد من أن تلك الدول ستستطيع سداد الديون التي تأخذها؛ لكن الأهم أن هذه الشروط تهدف أيضاً إلى ضمان نشر سياسات نيوليبرالية تعزّز الرأسمالية العالمية لخدمة الغرب – أو الأدق لنقول: لخدمة الأغنياء في الغرب.
تُظهر الدراسات اليوم أن قروض صندوق النقد والبنك الدولي تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في الجنوب العالمي. في العقود الثلاثة الأخيرة، ازداد الدين العام عالمياً خمسة أضعاف. أكثر من 90% من دول الجنوب العالمي تعاني حالياً من وضع حرج في المديونية. وجدت إحدى الدراسات مثلاً أن الدول التي تلقّت قروضاً من صندوق النقد الدولي حدث فيها ارتفاع في لامساواة الدخل. هذه القروض ترفع معدلات الانتحار وانتهاك حقوق الإنسان داخل البلدان التي تأخذ القروض. وطبعاً تطبيق تدابير التقشف التي تفرضها تلك المؤسسات يفاقم اللامساواة الجندرية، خصوصاً لأنها تضع على عاتق النساء دور امتصاص الصدمات والأزمات الاقتصادية. هذه التدابير تعتبر أن النساء موجودات دائماً لتقديم الرعاية والخدمات المطلوبة لاستمرار المجتمع عندما تخفّض الدولة الإنفاق العام وتقلّص الخدمات.
النهج الوحيد القادر على مواجهة الاستغلال الاقتصادي الذي تواجهه نساء العالم هو نهج نسوي تقاطعي في النظر إلى الاقتصاد؛ نهج يرى الرأسمالية والاستعمار إلى جانب الأبوية كأنظمة لابد من مجابهتها لنصل إلى منظومة اقتصادية عادلة. في المقابل، النيوليبرالية تعزّز بشكل مباشر الاستعمار والرأسمالية والأبوية.
سلام سعيد: أشكرك جزيل الشكر على إثارة هذه المسألة فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية. (سيكون هناك حلقة مخصصة لهذا الموضوع ضمن السلسلة.) لقد ذكرتِ نقطتين مهمتين: أولاً، أن هذه المؤسسات – بهيكلها المؤسسي وسياساتها – غير عادلة إطلاقاً، ولا يمكن اتخاذها نموذجاً لعملية توزيع عادلة للموارد، ولا حتى في عملية صنع القرار نفسها. نعرف أن صنع القرار يرتبط كثيراً بعملية التصويت وبقدر ما تمتلكين رأس مال وتساهمين في التمويل – بقدر ما تكون لكِ سلطة سياسية وسلطة في اتخاذ القرارات داخل هذه المؤسسات.
سأتوجّه مرة ثانية إليكِ، فاطمة. شرحتِ لنا مفهوم الاقتصاد النسوي وكيف يختلف عن غيره. نحن نعلم مثلاً أن المدرسة النيوليبرالية قديمة جداً، تعود عملياً إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتفرّعت ضمنها مدارس عديدة تختلف قليلاً عن بعضها لكنها تسير في الاتجاه نفسه. هل يمكنكِ أن تحدّثينا قليلاً عن التاريخ – متى ظهر مفهوم الاقتصاد النسوي في الأدبيات الاقتصادية، وما علاقته بالحركات النسوية تاريخياً؟ بمعنى آخر: هل خرج هذا الفكر من رحم الحركة النسوية (ولذلك سُمّي اقتصاداً نسوياً)، أم أنه ظهر أساساً كمدرسة اقتصادية مستقلة؟
د. فاطمة إبراهيم: تمام. يمكننا أن نرجع في البداية إلى ظهور مفهوم الجندر في العلوم الاقتصادية ربما في أوائل القرن العشرين، حين بدأ الاقتصاديون يتناولون قضايا تتعلق بمشاركة الرجال والنساء في سوق العمل. لكن الجندر في حد ذاته لم يكن يُستخدم كمفهوم تحليلي. التحليلات الاقتصادية آنذاك كانت تحاول فهم دور مشاركة النساء في سوق العمل، والفجوات في الأجور على أساس النوع الاجتماعي – مع تركيز أكبر على ديناميكيات السوق، دون التطرّق بشكل مباشر إلى دور الجندر في تشكيل الأسواق نفسها.
في بداية الستينات تقريباً، ظهر طرح لمقاربات اقتصادية جديدة ركّزت على ما يُسمّى اقتصاديات الأسرة الجديدة. من خلالها، استُخدمت مفاهيم السوق على إنتاجية الأسرة وكيفية تخصيص الوقت داخل الأسرة، وكيف يتم توزيع وقت أفراد الأسرة على المهام. هذا أسهم في تشكيل مفهوم التقسيم الجندري للعمل وسلوك الأفراد في السوق – ولكن كل ذلك كان لا يزال متمحوراً حول السوق والإنتاجية وأدوار الأفراد في سوق العمل.
بعد ذلك، في بداية السبعينات والثمانينات، توسّع هذا المفهوم ليشمل الاقتصاد الكلّي بشكل عام، مع تركيز على أزمات ما سُمي بديون العالم الثالث – وكان ذلك نقداً مباشراً للنيوليبرالية بعد برامج التكيّف الهيكلي التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كانت هناك محاولة لفهم تأثير تلك السياسات على دول الجنوب العالمي. طبعاً أظهرت الدراسات أن النساء كنّ من بين الفئات الأكثر عرضة لخسارة الرفاه الاجتماعي بسبب فرض ذلك البرنامج (برنامج التكيّف الهيكلي). من خلال تلك الدراسات، بدأ يظهر أكثر فأكثر مفهوم الجندر في تحليل الاقتصاد – على المستوى الكلّي (ماكرو) والجزئي (مايكرو).
وبالتأكيد، الفكر النسوي بشكل عام والحركة النسوية ألهما الموجة التالية وشكّلا جزءاً من تطوّر الفكر العام للاقتصاد النسوي، بحيث أصبح أعمق من مجرد مشاركة النساء أو تأثير السياسات الاقتصادية على النساء؛ صار هناك فهم أوسع وأعمق وتقاطعي أكثر في التحليل الاقتصادي. (وكما ذكرت فرح، المدارس النسوية الاقتصادية ليست كلها تقاطعية وليست مدرسة واحدة جامدة.) فهناك عدة مدارس اقتصادية نسوية تأخذ وتبني على مدارس اقتصادية سابقة – مثل النسوية الماركسية على سبيل المثال – والتي بدأت تفكر أكثر في أوضاع العمّال والطبقات المختلفة في الاقتصاد العالمي.
كل تلك الجهود بدأت تدريجياً تحسّن جودة البيانات المتاحة لنا عن الجندر وعن النساء، وعن الأفراد من طبقات مختلفة، وعن الأفراد المهمّشين والمهاجرين واللاجئين ضمن السياسات الاقتصادية العالمية والنظام الاقتصادي السائد. وبناءً على ذلك، في العقود الأخيرة، بدأت اللامساواة الاقتصادية على أساس النوع الاجتماعي والطبقة وكل التقاطعات المختلفة تظهر بشكل أكبر في التحليلات الاقتصادية. وبدأ يتبلور ما نعرفه الآن كنموذج الاقتصاد النسوي (Feminist Economics) المميّز عن المدارس الاقتصادية المختلفة. ظهرَت مجلات علمية مخصّصة للاقتصاد النسوي بشكل خاص (وليس فقط اقتصاد الجندر أو الاقتصاد المتعلق بالنساء أو بالطبقة)، أي أنه بات موجوداً على مستوى أكاديمي وتنموي كعدسة تحليلية حديثة يُرجع إليها، وتقدّم نظرة أشمل في هذا المجال. كما ظهرت معاجم متخصصة تتناول المصطلحات المتعلقة بالاقتصاد النسوي – كما قلتِ، أدبيات خاصة تتحدث عن الاقتصاد النسوي كمنظور وعدسة تقاطعية تدمج ليس مفهوم الجندر فقط، بل التقاطعات الأخرى التي تؤثر على السياسات الاقتصادية والنظام الاقتصادي العالمي.
(لست متأكدة إن كنتُ بذلك قد أجبتُ على سؤالكِ يا سلام؟)
سلام سعيد: شكراً جزيلاً. في الحقيقة لقد سلّطتِ تماماً الضوء على أمور مهمة كثيرة. أهمها – برأيي – الربط سياسياً وتاريخياً بين الحركات النسائية والتفكير في إيجاد اقتصاد يعكس قيم الحركة النسوية، وكذلك ارتباط هذا الفكر النسوي الاقتصادي بالفكر الماركسي مثلاً وبالحركات التقدمية العالمية.
أيضاً أنتما الإثنتان ذكرتم كلمة “تقاطعية” أكثر من مرة، وذُكر أن الاقتصاد النسوي – رغم الاسم – ليس معنياً بالنساء حصراً، بل يعني طبقات وفئات اجتماعية مختلفة بشكل شامل. هنا أريد أن أنتقل إلى فرح، وأطلب منك أن تفسّري لنا ما المقصود بالتقاطعية (Intersectionality)، ومتى نستخدم هذه الكلمة. وهل الاقتصاد النسوي متعلق بالنساء بشكل عام فقط، أم يشمل أيضاً طبقات أو فئات اجتماعية متعددة؟
فرح دعيبس: نعم، شكراً سلام. التقاطعية بشكل عام هي مفهوم يشير إلى أهمية النظر في العوامل المختلفة التي تؤثر على مكانة الأشخاص اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً – مثل الطبقة الاجتماعية، والجندر (النوع الاجتماعي)، والميول الجنسية، مثلاً القدرة ومكان السكن إلى آخره.
وبرأيي هناك مستوى آخر للتفكير بالتقاطعية، وهو النظر إلى تقاطع الأنظمة القمعية المختلفة وتحالفها مع بعضها لنفهم جذور القضايا التي نعمل عليها.
أحب أن أضيف هنا قليلاً على ما قالته فاطمة بخصوص المدارس النسوية، لأننا ذكرنا مثلاً المدرسة النسوية الماركسية. ظهرت المدرسة النسوية الماركسية كـردّ فعل على عدم إدماج المنظور النسوي في المدرسة الماركسية نفسها. فانطلقت أيضاً من فكرة أنه إذا أردنا النظر إلى الطبقة كعامل من عوامل القمع، فيجب أن ننظر كيف تختلف ظروف النساء عن ظروف الرجال في الطبقات العاملة. مثلاً، نبع من المدرسة النسوية الماركسية مفهوم “Double Shift” (النوبة المزدوجة) – إذ كانوا يقولون وقتها إن النساء يذهبن إلى المصانع للعمل من الصباح حتى المساء، ثم يعدن إلى البيت ليقمن بالوردية الثانية، وهي العمل الرعائي غير المدفوع الأجر. فهنا يرتبط الفكر النسوي الماركسي كثيراً مع الفكر الاقتصادي النسوي بشكل عام.
وحتى لو نظرنا إلى المدرسة النسوية الإيكولوجية (Ecofeminism)، التي تقول إن الطرق التي يتم بها استغلال عمل النساء من أجل الربح تشبه كثيراً الطرق التي يتم بها استغلال الموارد الطبيعية… إلى آخره. أرى أنه اليوم، وفي ظل الأزمة البيئية والخطر الحقيقي لانقراضنا على هذا الكوكب، لا يمكن أصلاً أن نتحدث عن إعادة بناء منظومة اقتصادية من دون أن نأخذ بالاعتبار الأبعاد المناخية والبيئية – لأن المنظومة الحالية تستنزف الموارد الطبيعية للربح من دون أي اعتبار لتداعيات هذا الاستنزاف والتلوّث وتدمير البيئة. لذلك أشعر أنه اليوم حين نتكلم عن الاقتصاد النسوي، يجب أيضاً أن يكون إيكولوجياً. وهناك مجال أكاديمي وحركات مجتمعية تدعم فكرة الاقتصاد النسوي الإيكولوجي. نقطة الانطلاق لهذا المجال هي أنه يمكن تحقيق الرفاه المجتمعي والتقدم من دون عمليات اقتصادية تدمّر البيئة وتستغلّ العمالة (بما فيها عمالة النساء المدفوعة وغير المدفوعة الأجر). تلبية الاحتياجات الأساسية للجميع لا تتطلب نمواً اقتصادياً كما تدّعي النظريات والممارسات الرأسمالية دائماً، بل تتطلب إعادة توزيع الثروة من خلال ضرائب تصاعدية مثلاً. كذلك لا تتطلب تدمير البيئة، بل تتطلب تغيير نمط حياة بعيد عن الترف والاستهلاك المبالغ فيه من قبل نسبة قليلة من الناس.
النماذج الاقتصادية النسوية الإيكولوجية مبنية على هذه الفكرة. وحتى التحوّل عن المنظومة الاقتصادية الرأسمالية الأبوية الاستعمارية، تسعى هذه النماذج لاتخاذ خطوات مختلفة؛ منها مثلاً تطوير واستخدام مؤشرات اقتصادية تقيس الرفاه الاجتماعي والبيئي – وليس فقط العمليات الاقتصادية الهادفة إلى تحفيز السوق (كما ذكرت فاطمة في البداية أن هذا محور التركيز حالياً). كذلك من الضروري إعادة تقييم مفهوم العمل: فالعمل لا يفترض أن يُعتبر عملاً فقط إذا كان مدفوع الأجر ومنتِجاً. كثير من الأعمال غير المدفوعة هي عنصر أساسي في استدامة نظامنا الاجتماعي والاقتصادي وتقدّمه. وهنا تغييرات كثيرة مطلوبة، سنتحدث ربما عن بعضها لاحقاً.
أيضاً مهم تعزيز الديمقراطية بمعناها الحقيقي والحوكمة الأفقية على كل المستويات: على مستوى النظام المالي الدولي، وعلى مستوى الحوكمة الوطنية والمحلية، وحوكمة السوق والشركات، وكذلك القرارات الأسريّة والفردية.
الأهم أيضاً – أو من أهم الأشياء – الانتقال من التركيز على الاستثمار في القطاعات المدمّرة للحياة (مثل استخراج النفط وتصنيع الأسلحة التي تحقق ربحاً هائلاً للأثرياء في العالم) إلى القطاعات التي تساهم في استدامة الحياة (مثل الصحة والتعليم والنقل المستدام والأمن الغذائي… كل القطاعات التي تساهم في استدامة الحياة). في حين أن النيوليبرالية تحاول خصخصة هذه القطاعات وجعلها مربحة، وتقلّصها في دولنا. فيمكن هنا أيضاً أن ننتبه لما تفعله السياسات النيوليبرالية بالمنظومة كلها.
باختصار، إذن، تضع النماذج الاقتصادية النسوية الإيكولوجية القيم والمبادئ النسوية – مثل الرعاية والتضامن والتعاون – في مركز المنظومة الاقتصادية. وتهدف إلى إعادة توجيه مواردنا وطاقاتنا الإنتاجية وعملنا لضمان إعادة إنتاج الحياة وكل ما هو ضروري لاستمرار الحياة على هذا الكوكب.
سلام سعيد: شكراً جزيلاً فرح على شرحك الوافي لمفهوم التقاطعية. لنُعيد تعريفها للتأكيد: التقاطعية تعني عدم النظر إلى الاقتصاد (أو أي قضية) وكأنه معزول عن بقية العوامل، بل ربطه بمواضيع مثل البيئة، والجندر، والهجرة… وغيرها من المنظومات.
ذكرتِ نقطة مهمة عن توجيه الموارد نحو صناعة السلاح، وأن ذلك يحرِم القطاعات التنموية والاجتماعية من هذه الموارد. هذه مشكلة. المشكلة الثانية برأيي هي أن هذه الأسلحة وهذه الصناعة قائمة على استخدامها لتدمير البُنى التنموية الاجتماعية نفسها – كما نرى الآن في الحروب والنزاعات (في غزّة والسودان وفي أي مكان). هناك إذن استثمار مالي هدفه التهديم وإعادة إنتاج المنظومة المدمّرة ذاتها، أكثر منه البناء والتنمية.
هل تحبّين إضافة شيء هنا، فرح؟
فرح دعيبس: نعم، فقط أود أن أذكر اقتباساً قرأته مرة على موقع الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية (WILPF): يقول إنه بمبلغ 300 مليار دولار أمريكي يمكننا أن نكسب ما يصل إلى 20 سنة لمعالجة الأزمة البيئية العالمية – ولكن الحقيقة المؤسفة هي أن العالم ينفق هذا المبلغ نفسه على الاستثمارات العسكرية كل 60 يوماً فقط! (تخيّلي: 20 سنة لحل الأزمة البيئية، و60 يوماً على العسكرة).
في العالم اليوم، ننفق 300 مليار دولار على التسلّح كل 60 يوماً، وهو المبلغ ذاته الكافي لحلّ الأزمة البيئية خلال 20 سنة!
سلام سعيد: للأسف الشديد… بالفعل هناك تناقضات هائلة. سياسياً – عالمياً ووطنياً ومحلياً – أحياناً ترفع الحكومات شعارات حماية البيئة، ولكن عندما ننظر إلى الحقائق والأرقام نجد أن ما يُصرّح به لا يعكس ما يتم فعلياً على الأرض.
سأعود إليكِ الآن، فاطمة. لديّ سؤالان لكِ. الأول: تحدثنا عن التقاطعية، وعن المدرسة النسوية والحركات النسائية والاقتصاد النسوي. هل برأيك هناك تعارضات بين مختلف المدارس النسوية – أو حتى المدارس المختلفة للاقتصاد النسوي؟ أم أنها دائماً في السياق نفسه وتكمل بعضها البعض؟
د. فاطمة إبراهيم: بالتأكيد هناك تعارضات بين المدارس النسوية. كما ذكرت فرح قبل قليل، مثلاً هناك ما يُسمّى بالمدرسة الاقتصادية النسوية النيوليبرالية. (النيوليبرالية في جوهرها نقدها هو موضوع الاقتصاد النسوي، فغريب قليلاً بالنسبة لي كيف يمكن أن تكون هناك مدرسة نسوية نيوليبرالية!) لكن عموماً، تركيز هذه المدارس لا يكون تقاطعياً، ويكون تركيزها ضيقاً على التحليل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية – وبالتالي في جوهرها تُهمّش فئات أخرى في عدساتها التحليلية أو في حراكها التنموي. على سبيل المثال، الحركات التي تركز فقط على تمكين النساء اقتصادياً من خلال القروض متناهية الصغر من دون أخذ الاعتبار للوضع الاقتصادي والسياسي والسياق التاريخي لتقديم هذه القروض، أو كيف يمكن أن تؤثر على النساء وعلى مكانتهن في بيوتهنّ ووضعهن في المجتمع. فالحركات النسوية “النيوليبرالية” التي لا تأخذ بالاعتبار التقاطعية ولا التاريخ الاستعماري الاقتصادي في دول الجنوب العالمي وتأثيره على النساء – موجودة ومنتشرة بكثرة في دول الشمال العالمي، وتؤثر بشكل كبير على الحراك النسوي والعمل الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد النسوي أيضاً. هي موجودة، ولكن طبعاً هناك طيف واسع وحراك نقدي تقاطعي كبير ضد هذا النوع من الفكر.
هناك ما يُسمّى بالمدرسة الاقتصادية النسوية النيوليبرالية، لكن تركيز هذه المدارس لا يكون تقاطعياً، ويكون تركيزها ضيقاً على التحليل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية – وبالتالي في جوهرها تُهمّش فئات أخرى في عدساتها التحليلية أو في حراكها التنموي.
كذلك هناك إقصاء لبعض الأفراد – أو النساء خاصةً – من هويات جندرية متنوعة داخل بعض هذا الحراك أو الفكر النسوي (الاقتصاد النسوي النيوليبرالي). وهناك تهميش أو تسطيح لفهم مشكلات النساء في هذا الفكر. مثلاً، فكر نسوي اقتصادي متبنٍّ للماركسية (كما قلنا) يقدّم رؤية مهمة تتعلق بالاختلافات الطبقية وتأثير النيوليبرالية على العمّال والأفراد العاملين، ولكنه يتجاهل الجندر بشكل كبير رغم محاولة إدخاله؛ وفي كثير من الأحيان يفقد التقاطعية. إذن هناك حراك نسوي واسع وأطياف نسوية واسعة تتحدث عن جوانب متنوعة من الحياة، والنقد بينها موجود – وأعتقد ضروري أن يكون هناك نقد متبادل وبنّاء. لكن العدسة التقاطعية، برأيي، هي الأكثر شمولاً – وهي العدسة التي أحب شخصياً أن ننمّيها ونعمل عليها أكثر ونتوسع فيها، خصوصاً كمنظور نسويات وأكاديميات في الجنوب العالمي.
أيضاً، هناك حركات أو أفكار أو أطر نظرية تحليلية تطوّرت بشكل موازٍ للاقتصاد النسوي وتتقاطع معه بشكل كبير، فيستلهم الاقتصاد النسوي منها أو العكس. كما ذكرت فرح عن الاقتصاد البيئي وتقاطعه مع الاقتصاد النسوي، هناك أيضاً الاقتصاد السلوكي وتقاطعه مع الاقتصاد النسوي. في الفكر الاقتصادي السلوكي نحاول أن نحلل القرارات الاقتصادية للبشر – للأفراد والأسر والشركات والمؤسسات – بعيداً عن الاختزال الشديد المبسّط الذي تقترحه النيوليبرالية بأن كل الأفراد هم أشخاص أنانيون عقلانيون بشكل مفرط وكل قراراتهم الاقتصادية نابعة من هدف الربح والمنفعة الخاصة. بينما يتم تجاهل أن الأفراد يتخذون قرارات اقتصادية لأسباب اجتماعية وثقافية ودينية معقدة جداً. الكثير من الناس يتخذون قرارات اقتصادية بدافع الحب – مثل النساء اللواتي يقمن بأعمال الرعاية والأعمال المنزلية من دون أي مقابل… قد يكون ذلك بدافع الحب، أو بدافع الإجبار الاجتماعي، أو بدافع الثقافة… دوافع كثيرة جداً تدفع الناس لاتخاذ قرارات اقتصادية قد يراها الاقتصاد السائد “غير عقلانية”، لكنها في سياقاتهم التاريخية والاقتصادية قد تكون عقلانية جداً.
أيضاً، كما تحدثت فرح بالتفصيل عن الاقتصاد البيئي، هناك كذلك اقتصاد مناهض للاستعمار – وهذا أيضاً ذكرناه ضمن نقاط عدة – يتقاطع بشكل مباشر مع الاقتصاد النسوي، وبالأخص الاقتصاد النسوي التقاطعي. هناك مفكرون اقتصاديون كثيرون فكّروا في تأثير السياسات الاقتصادية العالمية على دول الجنوب العالمي – مثل سمير أمين وآرتورو إسكوبار – بشكل عام. وجاء الاقتصاد النسوي ليفكر فيها ويحللها ويفكّكها ولكن وهو يُركّز على أوضاع النساء ومشاركة النساء في الاقتصاد العالمي، وتأثير تلك السياسات عليهنّ، وعلى رفاههنّ الاجتماعي وصحتهن بشكل عام، وعلى فجوة الأجور والثروات أيضاً.
هناك أيضاً ما يسمى “الاقتصاد الوردي” – وهو الذي يركّز على الأمور المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية والجنسانيات، وتأثير السياسات الاقتصادية العالمية على الأفراد المهمّشين حتى داخل النوع الاجتماعي (أي خارج ثنائية الرجال/النساء الاعتيادية)؛ مثلاً على مجتمع الميم-عين (LGBTQ+) من مثليين ومثليات ومتحوّلين ومتحوّلات جنسياً وثنائيّي الجنس… إلخ.
إذن مدارس الاقتصاد النسوي متعددة وتتقاطع حتى مع مدارس اقتصادية أخرى. طبعاً هناك أيضاً اقتصاد ما بعد النمو (Degrowth) – الذي يحاول إعادة تعريف القيمة الاقتصادية بحيث لا يكون الاقتصاد قائماً فقط على الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الذي يعتمد على قيمة صادرات وواردات دولة ما من دون أخذ صحة الأفراد ورفاههم الاجتماعي بالاعتبار. مثلاً نسبة من يعيشون فوق خط الفقر أو تحته… كيف نعيد مركزية الرفاه الاجتماعي كأحد أهم العوامل لقياس النمو الاقتصادي بشكل عام.
هناك مدارس أخرى كثيرة…
سلام سعيد: هذا كثير وممتاز! لقد عرضتِ أنواعاً عديدة من المدارس بشكل وافٍ. ومن الجميل أيضاً أنكِ وضّحتِ أن ليس كل ما يُقال عنه “نسوي” يكون بالضرورة نسوياً بالمعنى الذي نطمح إليه – أي الشامل الذي يأخذ بالاعتبار أشياء لا يراها الاقتصاد التقليدي. الاقتصاد النسوي يأخذ بعين الاعتبار أيضاً الفئات الاجتماعية المهمّشة، ويرى أشياء داخل علم الاقتصاد تُهملها المدارس السائدة عن قصد (بهدف خدمة سرديتها العامة التي تركز فقط على معدل النمو الاقتصادي الرقمي كغاية بذاته، بدلاً من التركيز على ماذا يجلب هذا النمو لكل أفراد المجتمع).
قبل أن ننتقل لموضوع الإحصاءات، لدي سؤال صغير لكما. (التفات إلى فرح) استخدمت فاطمة تعبير “أبيض” في سياق الحديث (المنظور “الأبيض”). هل يمكنك أن تشرحي لنا ما المقصود بكلمة “أبيض” هنا؟
فرح دعيبس: المقصود بـ“أبيض” هو منظور ينبع من أوضاع النساء البيض في الغرب – الذي يتجاهل تماماً واقع النساء في الجنوب العالمي، وواقع النساء من طبقات أفقر أيضاً. والذي يضحكني (ويرتبط بما كانت تقوله فاطمة) هو أن النسوية النيوليبرالية تم الترويج لها بشكل واسع من قبل إيفانكا ترامب وشيريل ساندبرج (التي كانت مديرة فيسبوك التنفيذية). هذا بحد ذاته يريكِ كم هو إقصائي هذا “التيار النسوي النيوليبرالي”!
هذه المدرسة تنبع من فكرة أن النساء اللواتي يردن تحسين أوضاعهن يستطعن ذلك – فقط هنّ “لا يبذلن الجهد الكافي” في نظرهم. فالمشكلة منظورها فردي تماماً. أشعر أيضاً أن الترويج لهذا النوع (وبالأخص النسوية النيوليبرالية) هدفه تمييع الحركات النسوية. يجعل الناس يقولون: “انظروا عمّ تتحدث النسويات!” – أي يُفرغ مطالبنا وخطابنا من مضمونه السياسي، ويحوّل النسوية من مشروع تحرّري جماعي إلى مشروع فردي يقع عبئه على المرأة وحدها (لا على الدولة ولا المجتمع ولا أحد؛ هي لوحدها إن أرادت تستطيع). أحببت أن أضيف هذه النقطة.
سلام سعيد: شكراً لكِ. إذاً المفهوم النسوي الذي نتحدث عنه مرتبط كثيراً بالسياق الاجتماعي والجغرافي والتاريخي الموجود فيه. النسوية مثلاً في دول الشمال (أوروبا) لها سياق تاريخي واجتماعي واقتصادي وسياسي مختلف عن النسوية التي نتحدث عنها في دول الجنوب. لديهم بالطبع مظلومية معينة، لكنها مختلفة عن المظلومية في دول الجنوب. وبناء الجسور بين الحركتين يواجه تحديات كثيرة بسبب العلاقة الأساسية التاريخية والسياسية بين الشمال والجنوب – العلاقة الاستعمارية القديمة المستمرة اقتصادياً (كما ذكرتِ في البداية دور المؤسسات كصندوق النقد والبنك الدولي، وكما ذكرتِ يا دكتورة فاطمة عن استمرار هذه السياسات في نهب الموارد، وخلق منظومة اقتصاد عالمي غير متكافئة؛ نمو غير متكافئ وعلاقات غير متكافئة بين الشمال والجنوب). فكما نعلم من سمير أمين ونظرية المركز والأطراف – بقيت المراكز في الغرب (أوروبا وأمريكا) رغم عقود طويلة. ظهرت اقتصادات جديدة كالصين وجنوب العالم، لكن حتى الآن الدول المهيمنة بقيت غربية، بسبب وجود تلك المؤسسات الدولية غير العادلة مؤسسياً وسياسياً.
دعونا الآن ننتقل بشكل خاص إلى منطقتنا – منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. برأيي منطقتنا فيها ثلاث فئات أساسية من الدول حالياً: دول تعاني نزاعات مسلحة دامية ومكثفة (مثل غزّة في فلسطين، والسودان… وغيرها). ودول لا تزال خارجة من نزاع أو ما زال فيها نزاع منخفض الحدة (مثل سوريا، ليبيا، العراق). وهناك الفئة الأخيرة – دول لا تعيش صراعاً مباشراً الآن لكن لديها تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة (مثل المغرب، تونس، مصر…).
برأيكم، ضمن البحث عن بدائل، هل يمكن أن يكون منظور الاقتصاد النسوي هو هذا البديل الذي نبحث عنه؟ (تلتفت إلى فاطمة)
د. فاطمة إبراهيم: شكراً سلام. طبعاً الوضع في منطقتنا – كما وصفتي – فيه مشكلات كثيرة جداً حالياً، ومتشابكة عوامل متعددة في تشكيلها. وكما قلتي، الاقتصاد النيوليبرالي ممكَّن ومهيمن بشكل كبير. أدوار الاستعمار – سواء الاستعمار العسكري المباشر الموجود حالياً في دول عدة في منطقتنا، أو الاستعمار الاقتصادي المستمر حتى في الدول التي تحررت نوعاً ما من الاستعمار العسكري – كل ذلك يسبّب مشاكل هائلة تقع وطأتها على عاتق الأفراد المهمّشين بشكل أكبر، وعلى أغلبية الشعب بشكل عام، مسببةً حالة كبيرة من عدم الرضا وتدنّي الرفاه والصحة.
الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية يمكن استخدامه في منطقتنا في جوانب عدة، ويمكن تطبيق مقاربات نسوية في مجالات عديدة لمحاولة إعادة البناء بشكل أكثر عدالةً وشمولاً. (وذلك بالطبع دون تجاهل تأثير المؤسسات العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد والتدخلات الاستعمارية المستمرة في المنطقة.) لكن يمكن أن يطرح الاقتصاد النسوي بديلاً عن الاقتصاد النيوليبرالي المسيطر حالياً.
هذا قد يحدث عبر العمل الأكاديمي: أن نفهم ونحلّل الأوضاع والتأثيرات، ونقدّم نقداً واضحاً لها. ويمكن أيضاً أن يحدث من خلال الحراك المدني والحراك النسوي عبر المناصرة وتقديم أدوات اقتصادية بديلة – مثلاً إدماج الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في السياسات العامة بشكل حقيقي وجذري (لا أن تكون مجرد ذكر للنساء أو نسبة مشاركتهن).
سلام سعيد: هل يمكن أن تعطينا مثالاً واضحاً هنا: كيف يمكن إدماج النوع الاجتماعي في الموازنات؟
د. فاطمة إبراهيم: سأفكر من ناحية أكاديمية أكثر ربما: في تحليلنا السياسي للسياسات الموجودة. أفكر مثلاً في الوضع الحالي في سوريا. سوريا الآن في مرحلة يُفترض أنها إعادة إعمار (مع رفع بعض العقوبات الاقتصادية). هنا يمكن أن نطرح أسئلة عن القطاعات الاقتصادية الموجودة أو الخارجة الآن، عبر مسح جندري لفهم من يهيمن على هذه القطاعات، وحجم مشاركة النساء فيها فعلياً. نحتاج بيانات عن التقسيم الحالي للأدوار: ما هي أدوار النساء الآن في فترة إعادة البناء؟ ما القطاعات الموجودة في سوريا حالياً ضمن إعادة الإعمار؟ وما نسبة هيمنة الرجال عليها مقابل تواجد النساء وتأثيرهن؟ أيضاً، ما الاستثمارات القادمة حالياً في مرحلة إعادة إعمار سوريا، ومن أين تأتي، وما هدفها، وما التنازلات المقدَّمة مقابلها؟ كيف ستؤثر على الفئات المهمشة بشكل عام (وليس النساء فقط) في مرحلة مضطربة جداً تمر بها الدولة السورية حالياً؟
من وجهة نظري الأكاديمية، نحتاج بيانات لنفهم التجارب الحياتية للأفراد المهمشين وتأثير هذه السياسات عليهم، وانعكاس ذلك على الحياة اليومية – وبناءً عليه نبدأ بوضع سياسات جديدة تأخذ بالاعتبار الأدوار المتنوعة للأفراد في المجتمع وكيف يمكن أن تكون إعادة الإعمار شمولية منذ البداية وأكثر عدالة من البداية، بدلاً من اتباع النظام النيوليبرالي الذي يعزز سلطة الاستعمار الاقتصادي في منطقتنا ويعطيه سلطات أوسع. مثل القرار الذي سمعنا عنه مؤخراً عن استيراد مصر للغاز الطبيعي من إسرائيل بمبلغ خرافي، علماً أن مصر كانت هي المنتِجة والمصدِّرة للغاز الطبيعي سابقاً. كل هذه التفاصيل تتقاطع مع بعضها لتوضح لنا الصورة بشكل أوسع وأكثر شمولاً. فمن المهم جداً أن نستثمر في التحليل الاقتصادي لهذه السياسات – خاصة في مراحل إعادة الإعمار – وإدراج الأدوات الاقتصادية النسوية في فهم تأثيرها على الأفراد المهمشين بشكل عام، ومحاولة بناء نظم جديدة تضم النساء والأفراد المهمشين في مرحلة إعادة الإعمار كفاعلين أساسيين (وليس مجرد كوتا رقمية في السياسات).
سلام سعيد: شكراً جزيلاً فاطمة على تسليط الضوء على الحالة السورية وإعطاء مثال من مصر. أعتقد أن منطقتنا تتوزع كما ذكرتُ: دول في نزاع مسلح حاد (غزة، السودان…)، دول خارجة من نزاع ولا يزال الوضع هشّ (سوريا، ليبيا، العراق)، ودول بدون نزاع مباشر لكن مع تحديات كبيرة (المغرب، تونس، مصر…).
باعتقادي، الاقتصاد النسوي كمنظور ليس وصفة واحدة جاهزة، إنما يقدّم حلولاً لكثير من السياقات. مثلاً، موضوع الموازنات – وهناك نوعان: موازنات مستجيبة جندرياً (تُدخل منظور النوع الاجتماعي في توزيع المخصصات) وموازنات تحويلية جندرياً (تذهب إلى جذور عدم المساواة الهيكلية وتقلب المعادلة). فمثلاً، في الموازنات المستجيبة، قد تضع الدولة بنداً لتغطية تكاليف إجازة الأمومة للنساء؛ أما في موازنة تحويلية جندرية، فتضع أيضاً بنداً لتغطية إجازة الأبوة للرجال. هذا مثال بسيط يوضح الفرق.
في دول تمر بإعادة إعمار بعد الحرب – كحالة سوريا – هذه فرصة مهمة لبناء كل شيء من البداية بشكل صحيح: معمارياً، سياسياً، جندرياً… إلخ. الموازنة التحويلية هنا تعني عدم فقط منح المرأة دوراً، بل دوراً تشاركياً حقيقياً لكل الناس في التخطيط واتخاذ القرار. وأيضاً إدماج التفكير في كيفية دعم المرأة كي لا يكون دورها الاجتماعي مقيداً: مثلاً بناء حضانات أطفال في المدن من البداية، بحيث لا تُلقى مسؤولية الرعاية بكاملها على المرأة؛ مراعاة احتياجات ذوي الإعاقة وكبار السن… إذا فكرنا في كل ذلك من البداية، سيكون الأثر إيجابياً جداً.
لكن ما نشهده حالياً عكس ذلك: هناك ارتداد للخلف في بعض الأماكن، وقمع اجتماعي للنساء لأداء أدوارهن. مثال ليبيا: حتى لو تم تخصيص حصص للنساء في البلديات، نرى تخويفاً وقمعاً للمرأة كي لا تمارس دورها. في سوريا أيضاً، القيادة الانتقالية الحالية ليست فقط غير ديمقراطية وأثبتت فشلها في إشراك كافة الأطراف، بل أثبتت فشلها في حماية المدنيين، وفيها عنصرية ضد فئات معينة، وغير قادرة على أن تكون نظاماً ديمقراطياً أو شاملاً. إنها دولة بامتياز طالب نجيب لكل سياسات التقشف النيوليبرالية – وصديق وفيّ لرؤساء كترامب وبوتين وأردوغان (أذكرهم تحديداً لأنهم رموز للرأسمالية وفرض منظومة تخدم الأقليّة على حساب الأكثرية).
برأيكم، ماذا يمكن أن يقدّم لنا الاقتصاد النسوي في ظل هذه الأنظمة؟ وهل تتفقان أن الاستبداد السياسي يلائم جداً النموذج الاقتصادي النيوليبرالي السائد؟
فرح دعيبس: بالنسبة لي، أعتبر أن النيوليبرالية والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة – فهما يأتيان معاً. النيوليبرالية بطبيعتها ضد مصالح الشعب، والاستبداد السياسي بطبيعته ضد مصالح الشعب. حين نتحدث عن الاقتصاد النسوي، فنحن أيضاً نتحدث عن مصالح الشعب (والشعب لا يعني الرجال فقط). ما يقدّمه مجال الاقتصاد النسوي – في رأيي – هو طريقة لإعادة التفكير وتفكيك الهرمية الاقتصادية بين الرجال والنساء، والهرمية بين الغني والفقير، والهرمية بين الدولة والشعب، والهرمية بين الإنسان والطبيعة.
أعيد التأكيد: النموذج الاقتصادي النسوي الإيكولوجي يستخدم القيم والمبادئ النسوية والاجتماعية (كالرعاية والتضامن والمساواة) في صلب التفكير الاقتصادي، ويهدف إلى تحرير الشعوب من الاستبداد الاقتصادي والسياسي… إلخ.
النيوليبرالية والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما يقوّض مصالح الشعوب ويُمعن في إقصاء النساء.
د. فاطمة إبراهيم: طبعاً أتفق مع فرح ومعكِ سلام أن النظام النيوليبرالي يؤثر سلباً على السياسات وإعادة البناء – لأنه، كما قالت فرح، هو ضد الإنسان وضد البيئة. من المهم جداً أن تكون السياسات التي يتم تصميمها الآن تمركز الإنسان (والحياة) في قلبها. وبدل أن نترك فكرة إعادة الإعمار للمستثمرين ورؤساء الدول التي ذكرتِها، يجب أن تكون موجهة من الناس أنفسهم، من الشعوب المتضررة. يجب أن يكون هناك قيادات نسوية محلية تضمن أن السياسات تراعي النوع الاجتماعي بشكل تحويلي، وأن يتم دعم الاحتياجات الأساسية للنساء التي تحميهنّ من الاستغلال والعنف أثناء عملية إعادة الإعمار. مثلاً، رأينا في سوريا أن النساء الآن غير آمنات في الخروج إلى الشارع للعمل أو المشاركة في الحياة العامة. يجب أن تكون هناك برامج موجّهة خصيصاً لحماية النساء والفئات المهمشة وضمان أمانهنّ في الفضاء العام يومياً لكي يستطعن المشاركة في عملية إعادة البناء. أيضاً، مهم أن يكون هناك استثمار في شبكات النساء ودعم المجتمع المدني النسوي في سوريا وفي الدول الأخرى التي تمرّ بإعادة بناء سياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية بعد سنين من العنف والصراع – بحيث تكون تلك السياسات مبنية على عدالة اقتصادية حقيقية، وليس مجرد حصص رقمية. يجب أن تكون هناك شبكات نسوية متواصلة ومدعومة بشكل مباشر، وأن يكون هناك آلية واضحة لأخذ ما يقمن به ويقترحْنه بعين الاعتبار في تصميم السياسات الاقتصادية وغيرها.
وطبعاً يجب أن تكون هناك مقاربات حقوقية وسياسية تدمج الاقتصاد كعدسة تحليلية (نسوية) لا تتجزأ من فترة إعادة الإعمار – فلا يصح أن نفصله كأنه أمر منفصل لا يؤثر على الحياة الاجتماعية اليومية. الاقتصاد عدسة لا تتجزأ من مرحلة إعادة الإعمار وتصميم السياسات فيها.
فرح دعيبس: ربما أختم بالقول: في هذه الأوقات حيث نحاصر بالموت في الدول حولنا، أي فكر بديل يضع الحياة في المركز – بمعنى أن يستطيع الناس الأكل والشرب والتنفس بهواء نظيف والحصول على سكن ورعاية صحية ورعاية لمن يحبونهم – هذا هو الاقتصاد النسوي باختصار… وضع الحياة أولاً.
سلام سعيد: شكراً جزيلاً لكِ فرح، وشكراً جزيلاً لكِ فاطمة على وقتكما ومشاركتكما اليوم. كانت حلقة مميزة فعلاً. وأيضاً شكراً لريم (التي دائماً تعمل خلف الكواليس لتسجيل الحلقة). نلقاكم قريباً في حلقات أخرى من سلسلة حوارات بديلة التي ينظمها المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا: حوارات بديلة” ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.
Episode references:
Recently released guide on Feminist Economics/ الاقتصادي النسوي – دليل معرفي
https://takatoat.github.io/Feminist-Economics—A-Knowledge-Guide/pdf/pdf.pdf
Publication on Feminist Ecological Economics: https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/20564.pdf (EN); https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/20736.pdf (AR)
Article titled “Capitalist Patriarchal Nightmare, Ecofeminist Awakening”: https://mena.fes.de/press/e/capitalist-patriarchal-nightmare-ecofeminist-awakening.html
The Financial Lives of Refugee Women in Scotland
Ibrahim Fatma Said Rez
https://researchonline.gcu.ac.uk/en/studentTheses/the-financial-lives-of-refugee-women-in-scotland
الحلقات السابقة، والتالية:
استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي
البودكاست
الاقتصاد النسوي والنيوليبرالية: حوار مع د. فاطمة إبراهيم والباحثة فرح دعيبس
الحلقة 21 – 11 نوفمبر، 2025
الاقتصاد النسوي والنيوليبرالية: حوار مع د. فاطمة إبراهيم والباحثة فرح دعيبس
الحلقة 21 – 11 نوفمبر، 2025
– هذه الحلقة باللغة العربية
في هذه الحلقة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة تستضيف سلام سعيد كلًّا من د. فاطمة إبراهيم (باحثة في الاقتصاد السياسي والمقاربات النسوية) وفرح دعيبس (ناشطة وباحثة نسوية) لفتح نقاش معمّق حول الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية وفكرٍ بديلٍ للسياسات النيوليبرالية السائدة في المنطقة. نتناول كيف يوسّع الاقتصاد النسوي معنى “الاقتصاد” ليشمل عمل الرعاية غير المدفوع والرفاه الاجتماعي والبيئي، ولماذا تُعدّ المقاربة التقاطعية أساسية لفهم اللامساواة.
أبرز المحاور:
– تعريف الاقتصاد النسوي وفروقه عن الاقتصاد التقليدي، ونقد صورة “الرجل الاقتصادي” العقلاني الأحادي.
– أثر النيوليبرالية على النساء والفئات المهمشة، ودور المؤسسات الدولية (صندوق النقد والبنك الدولي) في تعميق الدَّين وعدم المساواة.
– التقاطعية والاقتصاد النسوي الإيكولوجي: إعادة توجيه الموارد نحو استدامة الحياة (الصحة، التعليم، النقل المستدام، الأمن الغذائي).
– لماذا يغفل الناتج المحلي الإجمالي (GDP) قيمة أعمال الرعاية والعمل غير الرسمي، وكيف يؤثر ذلك على صنع السياسات.
– أمثلة من المنطقة (سوريا، غزة، مصر…): إعادة الإعمار بعد النزاعات، وضرورة موازنات جندرية تحويلية (إجازة أمومة وأبوة، حضانات عامة، خدمات رعاية).
– العلاقة بين النيوليبرالية والاستبداد السياسي، وأهمية تمركز الإنسان والبيئة في قلب السياسات الاقتصادية.
ضيفتا الحلقة:
فرح دعيبس:
نسوية فلسطينية أردنية تسعى من خلال عملها الى تسليط الضوء على العلاقة بين النظام الأبوي والأنظمة القمعية الأخرى التي تعززه – خاصة الرأسمالية والاستعمار. عملت فرح مع عدد من الجهات المهتمة بالعدالة الجندرية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا خلال العشر سنوات الماضية، مع التركيز على تمتين الحراكات النسوية والبناء التشاركي للمعرفة.
فرح حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع وتعمل حالياً كباحثة، مدربة، ومستشارة مستقلة
فاطمة ابراهيم:
باحثة نسوية متخصصة في قضايا الجندر والاقتصاد، مع تركيز على الهجرة، العمل، وأنظمة الرفاه من منظور نسوي ناقد. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، وهي زميلة مشاركة في الأكاديمية البريطانية للتعليم العالي (HEA)، وتتمحور خبرتها التدريسية حول النماذج الاقتصادية البديلة والابتكار الاجتماعي.
تركز فاطمة في عملها الأكاديمي على تفكيك البنى الاقتصادية السائدة التي تعزز اللامساواة ضد النساء بمختلف هوياتهن، مع إبراز الاستراتيجيات التي تطورها النساء في مجتمعاتهن المتنوعة لمواجهة السياسات الاقتصادية التمييزية.
إلى جانب عملها الأكاديمي، تنشط في التقاطعات بين التكنولوجيا والجندر والحقوق الجنسانية، وتشارك في مبادرات تعزز العدالة الجندرية والرقمية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
تحاورهم سلام سعيد: باحثة بالاقتصاد السياسي – مديرة مشروع سياسات اقتصادية من أجل عدالة اجتماعية لمؤسسة فريدريش إيبرت في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
إعداد وتنسيق الحلقة: ريم تكريتي
تأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة خاصة حول السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، من إنتاج المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
أهلاً بكم في بودكاست “سوريا حوارات بديلة” حيث نفتح مساحة لحوارات معمّقة مبنية على الأدلة. نتناول في هذا البرنامج التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية – المحلية منها والعابرة للحدود. في هذه السلسلة الخاصة، نناقش تأثير السياسات النيوليبرالية على التنمية والعدالة الاجتماعية في سوريا، مع التركيز على التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
سلام سعيد:
أهلاً بكم في حلقة جديدة من بودكاست سوريا: حوارات بديلة ضمن السلسلة التي يخصصها المركز السوري لبحوث السياسات لمناقشة السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة، وذلك بالشراكة مع مؤسسة فريدريش إيبرت. معكم سلام سعيد، مديرة مشروع سياسات اقتصادية من أجل عدالة اجتماعية لمؤسسة فريدريش إيبرت في جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
في هذه الحلقة نريد تسليط الضوء على الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية وأيضاً كفكر اقتصادي لفهم الآثار العميقة للنيوليبرالية على المجتمعات وعلى النساء بشكل خاص. أيضاً نطرح تساؤلات حول معنى الاقتصاد النسوي، وكيف يختلف هذا الاقتصاد عن الاقتصاد التقليدي، ولماذا من الضروري اليوم إعادة التفكير في الأسس التي بُنيت عليها السياسات الاقتصادية السائدة، وبشكل خاص السياسات الاقتصادية الفاشلة.
نريد أيضاً أن ننظر إلى منطقتنا ونحاول أن نفهم: هل النهج النيوليبرالي السائد نجح فعلاً في بناء اقتصاد تنموي عادل يخدم الجميع؟ ونطرح سؤالاً عن البديل – وما إذا كان الاقتصاد النسوي كأداة تحليلية وكفكر اقتصادي قادرًا فعلاً على تقديم حلول وبدائل لما هو سائد الآن.
يسعدني اليوم أن أرحب بضيفتَين مميزتَين في حلقتنا، وهما الدكتورة فاطمة إبراهيم – وهي باحثة في الاقتصاد السياسي والمقاربات النسوية – أهلاً دكتورة فاطمة.
د. فاطمة إبراهيم: أهلاً وسهلاً.
سلام سعيد: وأيضاً معنا فرح دعيبس – وهي نسوية مهتمة بالتحليل النسوي التقاطعي لقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية – أهلاً وسهلاً بكِ فرح.
فرح دعيبس: شكراً لكِ سلام، سعيدةٌ بوجودي معكم.
سلام سعيد: قبل أن نبدأ النقاش، أودُّ بدايةً أن أعرّف بشكل مفصّل بالضيفتَين الموجودتَين معنا. سأبدأ بالتعريف عن فرح. فرح دعيبس هي نسوية فلسطينية أردنية تسعى من خلال عملها إلى تسليط الضوء على العلاقة بين النظام الأبوي والأنظمة القمعية الأخرى التي تعززه، خاصةً الرأسمالية والاستعمار. عملت فرح في عدد من الجهات المهتمة بالعدالة الجندرية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا خلال السنوات العشر الماضية، مع التركيز على تمكين الحراكات النسوية والبناء التشاركي للمعرفة. فرح حاصلة على ماجستير في إدارة المشاريع، وتعمل حالياً كباحثة ومدرّبة ومستشارة مستقلة.
الدكتورة فاطمة إبراهيم هي باحثة نسوية متخصصة في قضايا الجندر والاقتصاد، مع التركيز على الهجرة والعمل وأنظمة الرفاه من منظور نسوي ناقد. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية، وهي زميلة مشاركة في الأكاديمية البريطانية للتعليم العالي. تتمحور خبرتها التدريسية حول النماذج الاقتصادية البديلة والابتكار الاجتماعي. تركّز فاطمة في عملها الأكاديمي على تفكيك البُنى الاقتصادية السائدة التي تعزز اللامساواة ضد المرأة بمختلف هوياتهنّ، مع إبراز الاستراتيجيات التي تطوّرها النساء في مجتمعاتهنّ المتنوعة لمواجهة السياسات الاقتصادية التمييزية. فاطمة – إلى جانب عملها الأكاديمي – تنشط في التقاطعات بين التكنولوجيا والجندر والحقوق الجنسانية، وتشارك في مبادرات تعزز العدالة الجندرية والرقمية في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا.
سأبدأ معكِ دكتورة فاطمة بالسؤال الكبير والعريض: ما المقصود بمصطلح الاقتصاد النسوي، وكيف يختلف هذا الاقتصاد عن الاقتصاد التقليدي؟ ولماذا سُمّي بهذا الاسم – هل معناه اقتصاد النساء، أم أنه لا يقتصر فقط على عمل النساء؟
د. فاطمة إبراهيم: شكراً سلام على المقدمة. الاقتصاد بشكل عام – قبل أن نتكلم عن الاقتصاد النسوي – هو الموارد المتاحة لنا كبشر والتي تُسهم في استمرارية الحياة؛ كيف يتم إنتاج هذه الموارد، وكيف يتم توزيعها واستهلاكها، والعلاقات المعقدة التي تشكّل هذه العملية كلها وتؤثر فيها – كل ذلك يندرج تحت علم الاقتصاد. لكن في نظم الاقتصاد السائدة عالمياً الآن، التركيز يكون فقط على معاملات السوق والربح، ويتم تهميش كل التفاصيل الأخرى المتعلقة بالاقتصاد واللازمة لبناء اقتصاد عادل وشامل. كذلك يتم تهميش التفاصيل التي في الواقع يقوم عليها الاقتصاد الحالي ولا يستطيع الاستمرار من دونها. وهذا ما يحاول الاقتصاد النسوي معالجته وتصويبه.
الاقتصاد النسوي، بالتالي، هو مقاربة نقدية للاقتصاد السائد، ومحاولة لإعادة النظر في الفرضيات الاقتصادية التقليدية، وتقديم نموذج اقتصادي أكثر عدالةً وشمولاً، وأكثر مراعاةً لحدود الكوكب الذي نعيش عليه لضمان استمراريته. الاقتصاد النسوي بالتأكيد لا يقتصر فقط على ما يُسمى باقتصاد النساء. في جوهر الاقتصاد النسوي تحدٍّ للافتراضات الذكورية التي يقوم عليها الاقتصاد السائد، والتي تعزّز التقسيم الجندري غير العادل للعمل. يدفع الاقتصاد النسوي، في هذه الحالة، إلى تسليط الضوء على الأعمال والعمليات الاقتصادية غير المرئية وغير المقدّرة في النظام الاقتصادي السائد – مثل العمل غير المدفوع وأعمال الرعاية والأعمال المنزلية. كذلك فإن الفكر الاقتصادي النسوي يتحدّى النماذج الذكورية في الاقتصاد السائد التي تختزل الإنسان في صورة الرجل الاقتصادي العقلاني شديد الأنانية، الساعي دوماً إلى تحقيق منفعته الاقتصادية الخاصة – في صورة ربح مالي – على حساب أي شيء وأي شخص آخر. هذه الصورة يتحدّاها الاقتصاد النسوي. من خلال هذه التحديات، أصبح الاقتصاد النسوي طريقة تفكير جذرية جديدة في مفاهيم الاقتصاد بشكل عام، وإعادة تحديد لمن يعتبر فاعلاً في الاقتصاد، وما الذي يمكن أن نعدّه نشاطاً اقتصادياً. من الذي يستفيد من السياسات الاقتصادية ومن الذي يتم تهميشه؟ وما تعريف القيمة الاقتصادية؟ كل ذلك يُعاد النظر فيه.
بصورة عامة، إذن، الاقتصاد النسوي – كإطار وعدسة تحليلية – يحاول أن يقدّم منظوراً أكثر عدالةً وشمولاً واستمراريةً للاقتصاد بشكل عام، وليس فقط ما يُسمى باقتصاد النساء.
الاقتصاد النسوي يحاول أن يقدّم منظوراً أكثر عدالةً وشمولاً واستمراريةً للاقتصاد بشكل عام، وليس فقط ما يُسمى باقتصاد النساء.
سلام سعيد: حسناً، شكراً جزيلاً على هذا الشرح. دعيني أركّز مرة أخرى على نقطة مهمة ذكرتِها: عملياً، الاقتصاد أشمل بكثير من مجرد معاملات السوق والربح؛ فهو يشمل مسألة توزيع الموارد على المجتمع وأفراده، وتوزيع الثروة أيضاً. وهنا يكمن جوهر النقاش: كيف يمكن أن نجعل هذا التوزيع عادلاً؟ وكيف يمكن للأنظمة الاقتصادية أن تنظّم هذه العملية بطريقة تخدم جميع الناس؟
في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، تحدثنا كثيراً عن النيوليبرالية، ووجدنا من أهم مشكلات (أو لنقل ثغرات) النيوليبرالية أنها تستفيد من عملية توزيع الموارد في الاقتصاد – ولكن ليس لتحقيق توزيع عادل للثروة والموارد، وإنما لصالح فئة صغيرة معينة. ف… ما رأيكِ؟ سأنتقل الآن إلى فرح لأسألها: ما رأيكِ بالعلاقة بين الاقتصاد النسوي والنيوليبرالية؟ أو بشكل أعمّ، كيف ترين الفرق بين هذين النموذجين بشكل مقارِن؟
فرح دعيبس: شكراً سلام. ربما أودّ إضافة نقطة واحدة عندما ذكرتم توزيع الموارد وتوزيع الثروة – وأعيد وأؤكد عليها – وتوجيه طاقاتنا الإنتاجية أيضاً. فهذا أيضاً جزء من تحليلنا للاقتصاد: أين نضع طاقاتنا الإنتاجية ولماذا. حالياً كل الطاقات الإنتاجية موجّهة نحو تحقيق الربح – ما الذي يحقق أكبر ربح – وبالتالي نضع كل طاقاتنا في ذلك الاتجاه.
بالعودة إلى سؤالكِ، أظن أن هناك أكثر من جانب يمكن تناوله عند الحديث عن العلاقة بين النيوليبرالية والاقتصاد النسوي. ربما من المهم أولاً توضيح أنه هناك فاعلين في مجال الاقتصاد النسوي يتبنّون نهجاً ليبرالياً أو حتى نيوليبرالياً إلى حد ما – رغم أن العلاقة بين النيوليبرالية والنسوية عليها علامة استفهام كبيرة جداً، لأن النيوليبرالية أدّت إلى تدهور وضع معظم نساء العالم. بالتالي لست متأكدة كيف يمكن اعتبارها نهجاً “نسوياً”!
النهج الوحيد – برأيي وبرأي غيري طبعاً – القادر على مواجهة الاستغلال الاقتصادي الذي تواجهه نساء العالم وشعوب الجنوب العالمي هو نهج نسوي تقاطعي في النظر إلى الاقتصاد؛ نهج يرى الرأسمالية والاستعمار إلى جانب الأبوية كأنظمة لابد من مجابهتها لنصل إلى منظومة اقتصادية عادلة. في المقابل، النيوليبرالية تعزّز بشكل مباشر الاستعمار والرأسمالية والأبوية. نعرف مثلاً أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لهما دور كبير جداً في الضغط على الدول لتبنّي سياسات نيوليبرالية – من تقشّف إلى تحرير السوق إلى خصخصة الخدمات الأساسية وغيرها. حين تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من 80 سنة، كان الهدف أن تساهم هاتان المؤسستان في بناء نظام اقتصادي عالمي جديد يخدم المصالح الاقتصادية للغرب بعد الاستقلال الرسمي لمعظم دول الجنوب عن الحكم الاستعماري. واليوم، من أوضح الأمثلة على تطبيع الاستعمار في نظامنا المالي العالمي هو هيكلية الحوكمة في صندوق النقد والبنك الدوليين – لأن هاتين المؤسستين تمنحان الدول التي استعمرت تاريخياً صلاحيات أكبر وقدرة تأثير أعلى في القرارات من دول الجنوب التي كانت مستعمَرة تاريخياً. طبعاً يُبرَّر هذا الفصل العنصري الاقتصادي بحجة أن الدول الغنية تقدم حصصاً أكبر من التمويل لهذه المؤسسات. لكن هذه الحجة عليها انتقادات كثيرة، لأن قدرة الدول الغنية على توفير تمويل أكبر مرتبطة بالاستعمار ونهب الموارد والعمالة تاريخياً وفي الحاضر من دول الجنوب.
طبعاً هذه الصلاحيات في صنع القرار هدفها إعطاء الأولوية لمصالح دول الشمال على حساب دول الجنوب. مثلاً، نرى كيف تُجبَر دول الجنوب على دفع فوائد أعلى بكثير من دول الشمال العالمي (مثل أمريكا وألمانيا) على القروض التي تأخذها من هذه المؤسسات. وتُجبَر دول الجنوب على سداد الديون بعملات أجنبية، من دون أخذ تقلّبات أسعار الصرف في الحسبان – مما يفاقم المديونية في الجنوب العالمي. وتفرض هذه المؤسسات شروطاً “مخفية” كالنصائح، هدفها التأكد من أن تلك الدول ستستطيع سداد الديون التي تأخذها؛ لكن الأهم أن هذه الشروط تهدف أيضاً إلى ضمان نشر سياسات نيوليبرالية تعزّز الرأسمالية العالمية لخدمة الغرب – أو الأدق لنقول: لخدمة الأغنياء في الغرب.
تُظهر الدراسات اليوم أن قروض صندوق النقد والبنك الدولي تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في الجنوب العالمي. في العقود الثلاثة الأخيرة، ازداد الدين العام عالمياً خمسة أضعاف. أكثر من 90% من دول الجنوب العالمي تعاني حالياً من وضع حرج في المديونية. وجدت إحدى الدراسات مثلاً أن الدول التي تلقّت قروضاً من صندوق النقد الدولي حدث فيها ارتفاع في لامساواة الدخل. هذه القروض ترفع معدلات الانتحار وانتهاك حقوق الإنسان داخل البلدان التي تأخذ القروض. وطبعاً تطبيق تدابير التقشف التي تفرضها تلك المؤسسات يفاقم اللامساواة الجندرية، خصوصاً لأنها تضع على عاتق النساء دور امتصاص الصدمات والأزمات الاقتصادية. هذه التدابير تعتبر أن النساء موجودات دائماً لتقديم الرعاية والخدمات المطلوبة لاستمرار المجتمع عندما تخفّض الدولة الإنفاق العام وتقلّص الخدمات.
النهج الوحيد القادر على مواجهة الاستغلال الاقتصادي الذي تواجهه نساء العالم هو نهج نسوي تقاطعي في النظر إلى الاقتصاد؛ نهج يرى الرأسمالية والاستعمار إلى جانب الأبوية كأنظمة لابد من مجابهتها لنصل إلى منظومة اقتصادية عادلة. في المقابل، النيوليبرالية تعزّز بشكل مباشر الاستعمار والرأسمالية والأبوية.
سلام سعيد: أشكرك جزيل الشكر على إثارة هذه المسألة فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية. (سيكون هناك حلقة مخصصة لهذا الموضوع ضمن السلسلة.) لقد ذكرتِ نقطتين مهمتين: أولاً، أن هذه المؤسسات – بهيكلها المؤسسي وسياساتها – غير عادلة إطلاقاً، ولا يمكن اتخاذها نموذجاً لعملية توزيع عادلة للموارد، ولا حتى في عملية صنع القرار نفسها. نعرف أن صنع القرار يرتبط كثيراً بعملية التصويت وبقدر ما تمتلكين رأس مال وتساهمين في التمويل – بقدر ما تكون لكِ سلطة سياسية وسلطة في اتخاذ القرارات داخل هذه المؤسسات.
سأتوجّه مرة ثانية إليكِ، فاطمة. شرحتِ لنا مفهوم الاقتصاد النسوي وكيف يختلف عن غيره. نحن نعلم مثلاً أن المدرسة النيوليبرالية قديمة جداً، تعود عملياً إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتفرّعت ضمنها مدارس عديدة تختلف قليلاً عن بعضها لكنها تسير في الاتجاه نفسه. هل يمكنكِ أن تحدّثينا قليلاً عن التاريخ – متى ظهر مفهوم الاقتصاد النسوي في الأدبيات الاقتصادية، وما علاقته بالحركات النسوية تاريخياً؟ بمعنى آخر: هل خرج هذا الفكر من رحم الحركة النسوية (ولذلك سُمّي اقتصاداً نسوياً)، أم أنه ظهر أساساً كمدرسة اقتصادية مستقلة؟
د. فاطمة إبراهيم: تمام. يمكننا أن نرجع في البداية إلى ظهور مفهوم الجندر في العلوم الاقتصادية ربما في أوائل القرن العشرين، حين بدأ الاقتصاديون يتناولون قضايا تتعلق بمشاركة الرجال والنساء في سوق العمل. لكن الجندر في حد ذاته لم يكن يُستخدم كمفهوم تحليلي. التحليلات الاقتصادية آنذاك كانت تحاول فهم دور مشاركة النساء في سوق العمل، والفجوات في الأجور على أساس النوع الاجتماعي – مع تركيز أكبر على ديناميكيات السوق، دون التطرّق بشكل مباشر إلى دور الجندر في تشكيل الأسواق نفسها.
في بداية الستينات تقريباً، ظهر طرح لمقاربات اقتصادية جديدة ركّزت على ما يُسمّى اقتصاديات الأسرة الجديدة. من خلالها، استُخدمت مفاهيم السوق على إنتاجية الأسرة وكيفية تخصيص الوقت داخل الأسرة، وكيف يتم توزيع وقت أفراد الأسرة على المهام. هذا أسهم في تشكيل مفهوم التقسيم الجندري للعمل وسلوك الأفراد في السوق – ولكن كل ذلك كان لا يزال متمحوراً حول السوق والإنتاجية وأدوار الأفراد في سوق العمل.
بعد ذلك، في بداية السبعينات والثمانينات، توسّع هذا المفهوم ليشمل الاقتصاد الكلّي بشكل عام، مع تركيز على أزمات ما سُمي بديون العالم الثالث – وكان ذلك نقداً مباشراً للنيوليبرالية بعد برامج التكيّف الهيكلي التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. كانت هناك محاولة لفهم تأثير تلك السياسات على دول الجنوب العالمي. طبعاً أظهرت الدراسات أن النساء كنّ من بين الفئات الأكثر عرضة لخسارة الرفاه الاجتماعي بسبب فرض ذلك البرنامج (برنامج التكيّف الهيكلي). من خلال تلك الدراسات، بدأ يظهر أكثر فأكثر مفهوم الجندر في تحليل الاقتصاد – على المستوى الكلّي (ماكرو) والجزئي (مايكرو).
وبالتأكيد، الفكر النسوي بشكل عام والحركة النسوية ألهما الموجة التالية وشكّلا جزءاً من تطوّر الفكر العام للاقتصاد النسوي، بحيث أصبح أعمق من مجرد مشاركة النساء أو تأثير السياسات الاقتصادية على النساء؛ صار هناك فهم أوسع وأعمق وتقاطعي أكثر في التحليل الاقتصادي. (وكما ذكرت فرح، المدارس النسوية الاقتصادية ليست كلها تقاطعية وليست مدرسة واحدة جامدة.) فهناك عدة مدارس اقتصادية نسوية تأخذ وتبني على مدارس اقتصادية سابقة – مثل النسوية الماركسية على سبيل المثال – والتي بدأت تفكر أكثر في أوضاع العمّال والطبقات المختلفة في الاقتصاد العالمي.
كل تلك الجهود بدأت تدريجياً تحسّن جودة البيانات المتاحة لنا عن الجندر وعن النساء، وعن الأفراد من طبقات مختلفة، وعن الأفراد المهمّشين والمهاجرين واللاجئين ضمن السياسات الاقتصادية العالمية والنظام الاقتصادي السائد. وبناءً على ذلك، في العقود الأخيرة، بدأت اللامساواة الاقتصادية على أساس النوع الاجتماعي والطبقة وكل التقاطعات المختلفة تظهر بشكل أكبر في التحليلات الاقتصادية. وبدأ يتبلور ما نعرفه الآن كنموذج الاقتصاد النسوي (Feminist Economics) المميّز عن المدارس الاقتصادية المختلفة. ظهرَت مجلات علمية مخصّصة للاقتصاد النسوي بشكل خاص (وليس فقط اقتصاد الجندر أو الاقتصاد المتعلق بالنساء أو بالطبقة)، أي أنه بات موجوداً على مستوى أكاديمي وتنموي كعدسة تحليلية حديثة يُرجع إليها، وتقدّم نظرة أشمل في هذا المجال. كما ظهرت معاجم متخصصة تتناول المصطلحات المتعلقة بالاقتصاد النسوي – كما قلتِ، أدبيات خاصة تتحدث عن الاقتصاد النسوي كمنظور وعدسة تقاطعية تدمج ليس مفهوم الجندر فقط، بل التقاطعات الأخرى التي تؤثر على السياسات الاقتصادية والنظام الاقتصادي العالمي.
(لست متأكدة إن كنتُ بذلك قد أجبتُ على سؤالكِ يا سلام؟)
سلام سعيد: شكراً جزيلاً. في الحقيقة لقد سلّطتِ تماماً الضوء على أمور مهمة كثيرة. أهمها – برأيي – الربط سياسياً وتاريخياً بين الحركات النسائية والتفكير في إيجاد اقتصاد يعكس قيم الحركة النسوية، وكذلك ارتباط هذا الفكر النسوي الاقتصادي بالفكر الماركسي مثلاً وبالحركات التقدمية العالمية.
أيضاً أنتما الإثنتان ذكرتم كلمة “تقاطعية” أكثر من مرة، وذُكر أن الاقتصاد النسوي – رغم الاسم – ليس معنياً بالنساء حصراً، بل يعني طبقات وفئات اجتماعية مختلفة بشكل شامل. هنا أريد أن أنتقل إلى فرح، وأطلب منك أن تفسّري لنا ما المقصود بالتقاطعية (Intersectionality)، ومتى نستخدم هذه الكلمة. وهل الاقتصاد النسوي متعلق بالنساء بشكل عام فقط، أم يشمل أيضاً طبقات أو فئات اجتماعية متعددة؟
فرح دعيبس: نعم، شكراً سلام. التقاطعية بشكل عام هي مفهوم يشير إلى أهمية النظر في العوامل المختلفة التي تؤثر على مكانة الأشخاص اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً – مثل الطبقة الاجتماعية، والجندر (النوع الاجتماعي)، والميول الجنسية، مثلاً القدرة ومكان السكن إلى آخره.
وبرأيي هناك مستوى آخر للتفكير بالتقاطعية، وهو النظر إلى تقاطع الأنظمة القمعية المختلفة وتحالفها مع بعضها لنفهم جذور القضايا التي نعمل عليها.
أحب أن أضيف هنا قليلاً على ما قالته فاطمة بخصوص المدارس النسوية، لأننا ذكرنا مثلاً المدرسة النسوية الماركسية. ظهرت المدرسة النسوية الماركسية كـردّ فعل على عدم إدماج المنظور النسوي في المدرسة الماركسية نفسها. فانطلقت أيضاً من فكرة أنه إذا أردنا النظر إلى الطبقة كعامل من عوامل القمع، فيجب أن ننظر كيف تختلف ظروف النساء عن ظروف الرجال في الطبقات العاملة. مثلاً، نبع من المدرسة النسوية الماركسية مفهوم “Double Shift” (النوبة المزدوجة) – إذ كانوا يقولون وقتها إن النساء يذهبن إلى المصانع للعمل من الصباح حتى المساء، ثم يعدن إلى البيت ليقمن بالوردية الثانية، وهي العمل الرعائي غير المدفوع الأجر. فهنا يرتبط الفكر النسوي الماركسي كثيراً مع الفكر الاقتصادي النسوي بشكل عام.
وحتى لو نظرنا إلى المدرسة النسوية الإيكولوجية (Ecofeminism)، التي تقول إن الطرق التي يتم بها استغلال عمل النساء من أجل الربح تشبه كثيراً الطرق التي يتم بها استغلال الموارد الطبيعية… إلى آخره. أرى أنه اليوم، وفي ظل الأزمة البيئية والخطر الحقيقي لانقراضنا على هذا الكوكب، لا يمكن أصلاً أن نتحدث عن إعادة بناء منظومة اقتصادية من دون أن نأخذ بالاعتبار الأبعاد المناخية والبيئية – لأن المنظومة الحالية تستنزف الموارد الطبيعية للربح من دون أي اعتبار لتداعيات هذا الاستنزاف والتلوّث وتدمير البيئة. لذلك أشعر أنه اليوم حين نتكلم عن الاقتصاد النسوي، يجب أيضاً أن يكون إيكولوجياً. وهناك مجال أكاديمي وحركات مجتمعية تدعم فكرة الاقتصاد النسوي الإيكولوجي. نقطة الانطلاق لهذا المجال هي أنه يمكن تحقيق الرفاه المجتمعي والتقدم من دون عمليات اقتصادية تدمّر البيئة وتستغلّ العمالة (بما فيها عمالة النساء المدفوعة وغير المدفوعة الأجر). تلبية الاحتياجات الأساسية للجميع لا تتطلب نمواً اقتصادياً كما تدّعي النظريات والممارسات الرأسمالية دائماً، بل تتطلب إعادة توزيع الثروة من خلال ضرائب تصاعدية مثلاً. كذلك لا تتطلب تدمير البيئة، بل تتطلب تغيير نمط حياة بعيد عن الترف والاستهلاك المبالغ فيه من قبل نسبة قليلة من الناس.
النماذج الاقتصادية النسوية الإيكولوجية مبنية على هذه الفكرة. وحتى التحوّل عن المنظومة الاقتصادية الرأسمالية الأبوية الاستعمارية، تسعى هذه النماذج لاتخاذ خطوات مختلفة؛ منها مثلاً تطوير واستخدام مؤشرات اقتصادية تقيس الرفاه الاجتماعي والبيئي – وليس فقط العمليات الاقتصادية الهادفة إلى تحفيز السوق (كما ذكرت فاطمة في البداية أن هذا محور التركيز حالياً). كذلك من الضروري إعادة تقييم مفهوم العمل: فالعمل لا يفترض أن يُعتبر عملاً فقط إذا كان مدفوع الأجر ومنتِجاً. كثير من الأعمال غير المدفوعة هي عنصر أساسي في استدامة نظامنا الاجتماعي والاقتصادي وتقدّمه. وهنا تغييرات كثيرة مطلوبة، سنتحدث ربما عن بعضها لاحقاً.
أيضاً مهم تعزيز الديمقراطية بمعناها الحقيقي والحوكمة الأفقية على كل المستويات: على مستوى النظام المالي الدولي، وعلى مستوى الحوكمة الوطنية والمحلية، وحوكمة السوق والشركات، وكذلك القرارات الأسريّة والفردية.
الأهم أيضاً – أو من أهم الأشياء – الانتقال من التركيز على الاستثمار في القطاعات المدمّرة للحياة (مثل استخراج النفط وتصنيع الأسلحة التي تحقق ربحاً هائلاً للأثرياء في العالم) إلى القطاعات التي تساهم في استدامة الحياة (مثل الصحة والتعليم والنقل المستدام والأمن الغذائي… كل القطاعات التي تساهم في استدامة الحياة). في حين أن النيوليبرالية تحاول خصخصة هذه القطاعات وجعلها مربحة، وتقلّصها في دولنا. فيمكن هنا أيضاً أن ننتبه لما تفعله السياسات النيوليبرالية بالمنظومة كلها.
باختصار، إذن، تضع النماذج الاقتصادية النسوية الإيكولوجية القيم والمبادئ النسوية – مثل الرعاية والتضامن والتعاون – في مركز المنظومة الاقتصادية. وتهدف إلى إعادة توجيه مواردنا وطاقاتنا الإنتاجية وعملنا لضمان إعادة إنتاج الحياة وكل ما هو ضروري لاستمرار الحياة على هذا الكوكب.
سلام سعيد: شكراً جزيلاً فرح على شرحك الوافي لمفهوم التقاطعية. لنُعيد تعريفها للتأكيد: التقاطعية تعني عدم النظر إلى الاقتصاد (أو أي قضية) وكأنه معزول عن بقية العوامل، بل ربطه بمواضيع مثل البيئة، والجندر، والهجرة… وغيرها من المنظومات.
ذكرتِ نقطة مهمة عن توجيه الموارد نحو صناعة السلاح، وأن ذلك يحرِم القطاعات التنموية والاجتماعية من هذه الموارد. هذه مشكلة. المشكلة الثانية برأيي هي أن هذه الأسلحة وهذه الصناعة قائمة على استخدامها لتدمير البُنى التنموية الاجتماعية نفسها – كما نرى الآن في الحروب والنزاعات (في غزّة والسودان وفي أي مكان). هناك إذن استثمار مالي هدفه التهديم وإعادة إنتاج المنظومة المدمّرة ذاتها، أكثر منه البناء والتنمية.
هل تحبّين إضافة شيء هنا، فرح؟
فرح دعيبس: نعم، فقط أود أن أذكر اقتباساً قرأته مرة على موقع الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية (WILPF): يقول إنه بمبلغ 300 مليار دولار أمريكي يمكننا أن نكسب ما يصل إلى 20 سنة لمعالجة الأزمة البيئية العالمية – ولكن الحقيقة المؤسفة هي أن العالم ينفق هذا المبلغ نفسه على الاستثمارات العسكرية كل 60 يوماً فقط! (تخيّلي: 20 سنة لحل الأزمة البيئية، و60 يوماً على العسكرة).
في العالم اليوم، ننفق 300 مليار دولار على التسلّح كل 60 يوماً، وهو المبلغ ذاته الكافي لحلّ الأزمة البيئية خلال 20 سنة!
سلام سعيد: للأسف الشديد… بالفعل هناك تناقضات هائلة. سياسياً – عالمياً ووطنياً ومحلياً – أحياناً ترفع الحكومات شعارات حماية البيئة، ولكن عندما ننظر إلى الحقائق والأرقام نجد أن ما يُصرّح به لا يعكس ما يتم فعلياً على الأرض.
سأعود إليكِ الآن، فاطمة. لديّ سؤالان لكِ. الأول: تحدثنا عن التقاطعية، وعن المدرسة النسوية والحركات النسائية والاقتصاد النسوي. هل برأيك هناك تعارضات بين مختلف المدارس النسوية – أو حتى المدارس المختلفة للاقتصاد النسوي؟ أم أنها دائماً في السياق نفسه وتكمل بعضها البعض؟
د. فاطمة إبراهيم: بالتأكيد هناك تعارضات بين المدارس النسوية. كما ذكرت فرح قبل قليل، مثلاً هناك ما يُسمّى بالمدرسة الاقتصادية النسوية النيوليبرالية. (النيوليبرالية في جوهرها نقدها هو موضوع الاقتصاد النسوي، فغريب قليلاً بالنسبة لي كيف يمكن أن تكون هناك مدرسة نسوية نيوليبرالية!) لكن عموماً، تركيز هذه المدارس لا يكون تقاطعياً، ويكون تركيزها ضيقاً على التحليل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية – وبالتالي في جوهرها تُهمّش فئات أخرى في عدساتها التحليلية أو في حراكها التنموي. على سبيل المثال، الحركات التي تركز فقط على تمكين النساء اقتصادياً من خلال القروض متناهية الصغر من دون أخذ الاعتبار للوضع الاقتصادي والسياسي والسياق التاريخي لتقديم هذه القروض، أو كيف يمكن أن تؤثر على النساء وعلى مكانتهن في بيوتهنّ ووضعهن في المجتمع. فالحركات النسوية “النيوليبرالية” التي لا تأخذ بالاعتبار التقاطعية ولا التاريخ الاستعماري الاقتصادي في دول الجنوب العالمي وتأثيره على النساء – موجودة ومنتشرة بكثرة في دول الشمال العالمي، وتؤثر بشكل كبير على الحراك النسوي والعمل الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد النسوي أيضاً. هي موجودة، ولكن طبعاً هناك طيف واسع وحراك نقدي تقاطعي كبير ضد هذا النوع من الفكر.
هناك ما يُسمّى بالمدرسة الاقتصادية النسوية النيوليبرالية، لكن تركيز هذه المدارس لا يكون تقاطعياً، ويكون تركيزها ضيقاً على التحليل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية – وبالتالي في جوهرها تُهمّش فئات أخرى في عدساتها التحليلية أو في حراكها التنموي.
كذلك هناك إقصاء لبعض الأفراد – أو النساء خاصةً – من هويات جندرية متنوعة داخل بعض هذا الحراك أو الفكر النسوي (الاقتصاد النسوي النيوليبرالي). وهناك تهميش أو تسطيح لفهم مشكلات النساء في هذا الفكر. مثلاً، فكر نسوي اقتصادي متبنٍّ للماركسية (كما قلنا) يقدّم رؤية مهمة تتعلق بالاختلافات الطبقية وتأثير النيوليبرالية على العمّال والأفراد العاملين، ولكنه يتجاهل الجندر بشكل كبير رغم محاولة إدخاله؛ وفي كثير من الأحيان يفقد التقاطعية. إذن هناك حراك نسوي واسع وأطياف نسوية واسعة تتحدث عن جوانب متنوعة من الحياة، والنقد بينها موجود – وأعتقد ضروري أن يكون هناك نقد متبادل وبنّاء. لكن العدسة التقاطعية، برأيي، هي الأكثر شمولاً – وهي العدسة التي أحب شخصياً أن ننمّيها ونعمل عليها أكثر ونتوسع فيها، خصوصاً كمنظور نسويات وأكاديميات في الجنوب العالمي.
أيضاً، هناك حركات أو أفكار أو أطر نظرية تحليلية تطوّرت بشكل موازٍ للاقتصاد النسوي وتتقاطع معه بشكل كبير، فيستلهم الاقتصاد النسوي منها أو العكس. كما ذكرت فرح عن الاقتصاد البيئي وتقاطعه مع الاقتصاد النسوي، هناك أيضاً الاقتصاد السلوكي وتقاطعه مع الاقتصاد النسوي. في الفكر الاقتصادي السلوكي نحاول أن نحلل القرارات الاقتصادية للبشر – للأفراد والأسر والشركات والمؤسسات – بعيداً عن الاختزال الشديد المبسّط الذي تقترحه النيوليبرالية بأن كل الأفراد هم أشخاص أنانيون عقلانيون بشكل مفرط وكل قراراتهم الاقتصادية نابعة من هدف الربح والمنفعة الخاصة. بينما يتم تجاهل أن الأفراد يتخذون قرارات اقتصادية لأسباب اجتماعية وثقافية ودينية معقدة جداً. الكثير من الناس يتخذون قرارات اقتصادية بدافع الحب – مثل النساء اللواتي يقمن بأعمال الرعاية والأعمال المنزلية من دون أي مقابل… قد يكون ذلك بدافع الحب، أو بدافع الإجبار الاجتماعي، أو بدافع الثقافة… دوافع كثيرة جداً تدفع الناس لاتخاذ قرارات اقتصادية قد يراها الاقتصاد السائد “غير عقلانية”، لكنها في سياقاتهم التاريخية والاقتصادية قد تكون عقلانية جداً.
أيضاً، كما تحدثت فرح بالتفصيل عن الاقتصاد البيئي، هناك كذلك اقتصاد مناهض للاستعمار – وهذا أيضاً ذكرناه ضمن نقاط عدة – يتقاطع بشكل مباشر مع الاقتصاد النسوي، وبالأخص الاقتصاد النسوي التقاطعي. هناك مفكرون اقتصاديون كثيرون فكّروا في تأثير السياسات الاقتصادية العالمية على دول الجنوب العالمي – مثل سمير أمين وآرتورو إسكوبار – بشكل عام. وجاء الاقتصاد النسوي ليفكر فيها ويحللها ويفكّكها ولكن وهو يُركّز على أوضاع النساء ومشاركة النساء في الاقتصاد العالمي، وتأثير تلك السياسات عليهنّ، وعلى رفاههنّ الاجتماعي وصحتهن بشكل عام، وعلى فجوة الأجور والثروات أيضاً.
هناك أيضاً ما يسمى “الاقتصاد الوردي” – وهو الذي يركّز على الأمور المتعلقة بالصحة الجنسية والإنجابية والجنسانيات، وتأثير السياسات الاقتصادية العالمية على الأفراد المهمّشين حتى داخل النوع الاجتماعي (أي خارج ثنائية الرجال/النساء الاعتيادية)؛ مثلاً على مجتمع الميم-عين (LGBTQ+) من مثليين ومثليات ومتحوّلين ومتحوّلات جنسياً وثنائيّي الجنس… إلخ.
إذن مدارس الاقتصاد النسوي متعددة وتتقاطع حتى مع مدارس اقتصادية أخرى. طبعاً هناك أيضاً اقتصاد ما بعد النمو (Degrowth) – الذي يحاول إعادة تعريف القيمة الاقتصادية بحيث لا يكون الاقتصاد قائماً فقط على الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الذي يعتمد على قيمة صادرات وواردات دولة ما من دون أخذ صحة الأفراد ورفاههم الاجتماعي بالاعتبار. مثلاً نسبة من يعيشون فوق خط الفقر أو تحته… كيف نعيد مركزية الرفاه الاجتماعي كأحد أهم العوامل لقياس النمو الاقتصادي بشكل عام.
هناك مدارس أخرى كثيرة…
سلام سعيد: هذا كثير وممتاز! لقد عرضتِ أنواعاً عديدة من المدارس بشكل وافٍ. ومن الجميل أيضاً أنكِ وضّحتِ أن ليس كل ما يُقال عنه “نسوي” يكون بالضرورة نسوياً بالمعنى الذي نطمح إليه – أي الشامل الذي يأخذ بالاعتبار أشياء لا يراها الاقتصاد التقليدي. الاقتصاد النسوي يأخذ بعين الاعتبار أيضاً الفئات الاجتماعية المهمّشة، ويرى أشياء داخل علم الاقتصاد تُهملها المدارس السائدة عن قصد (بهدف خدمة سرديتها العامة التي تركز فقط على معدل النمو الاقتصادي الرقمي كغاية بذاته، بدلاً من التركيز على ماذا يجلب هذا النمو لكل أفراد المجتمع).
قبل أن ننتقل لموضوع الإحصاءات، لدي سؤال صغير لكما. (التفات إلى فرح) استخدمت فاطمة تعبير “أبيض” في سياق الحديث (المنظور “الأبيض”). هل يمكنك أن تشرحي لنا ما المقصود بكلمة “أبيض” هنا؟
فرح دعيبس: المقصود بـ“أبيض” هو منظور ينبع من أوضاع النساء البيض في الغرب – الذي يتجاهل تماماً واقع النساء في الجنوب العالمي، وواقع النساء من طبقات أفقر أيضاً. والذي يضحكني (ويرتبط بما كانت تقوله فاطمة) هو أن النسوية النيوليبرالية تم الترويج لها بشكل واسع من قبل إيفانكا ترامب وشيريل ساندبرج (التي كانت مديرة فيسبوك التنفيذية). هذا بحد ذاته يريكِ كم هو إقصائي هذا “التيار النسوي النيوليبرالي”!
هذه المدرسة تنبع من فكرة أن النساء اللواتي يردن تحسين أوضاعهن يستطعن ذلك – فقط هنّ “لا يبذلن الجهد الكافي” في نظرهم. فالمشكلة منظورها فردي تماماً. أشعر أيضاً أن الترويج لهذا النوع (وبالأخص النسوية النيوليبرالية) هدفه تمييع الحركات النسوية. يجعل الناس يقولون: “انظروا عمّ تتحدث النسويات!” – أي يُفرغ مطالبنا وخطابنا من مضمونه السياسي، ويحوّل النسوية من مشروع تحرّري جماعي إلى مشروع فردي يقع عبئه على المرأة وحدها (لا على الدولة ولا المجتمع ولا أحد؛ هي لوحدها إن أرادت تستطيع). أحببت أن أضيف هذه النقطة.
سلام سعيد: شكراً لكِ. إذاً المفهوم النسوي الذي نتحدث عنه مرتبط كثيراً بالسياق الاجتماعي والجغرافي والتاريخي الموجود فيه. النسوية مثلاً في دول الشمال (أوروبا) لها سياق تاريخي واجتماعي واقتصادي وسياسي مختلف عن النسوية التي نتحدث عنها في دول الجنوب. لديهم بالطبع مظلومية معينة، لكنها مختلفة عن المظلومية في دول الجنوب. وبناء الجسور بين الحركتين يواجه تحديات كثيرة بسبب العلاقة الأساسية التاريخية والسياسية بين الشمال والجنوب – العلاقة الاستعمارية القديمة المستمرة اقتصادياً (كما ذكرتِ في البداية دور المؤسسات كصندوق النقد والبنك الدولي، وكما ذكرتِ يا دكتورة فاطمة عن استمرار هذه السياسات في نهب الموارد، وخلق منظومة اقتصاد عالمي غير متكافئة؛ نمو غير متكافئ وعلاقات غير متكافئة بين الشمال والجنوب). فكما نعلم من سمير أمين ونظرية المركز والأطراف – بقيت المراكز في الغرب (أوروبا وأمريكا) رغم عقود طويلة. ظهرت اقتصادات جديدة كالصين وجنوب العالم، لكن حتى الآن الدول المهيمنة بقيت غربية، بسبب وجود تلك المؤسسات الدولية غير العادلة مؤسسياً وسياسياً.
دعونا الآن ننتقل بشكل خاص إلى منطقتنا – منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. برأيي منطقتنا فيها ثلاث فئات أساسية من الدول حالياً: دول تعاني نزاعات مسلحة دامية ومكثفة (مثل غزّة في فلسطين، والسودان… وغيرها). ودول لا تزال خارجة من نزاع أو ما زال فيها نزاع منخفض الحدة (مثل سوريا، ليبيا، العراق). وهناك الفئة الأخيرة – دول لا تعيش صراعاً مباشراً الآن لكن لديها تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة (مثل المغرب، تونس، مصر…).
برأيكم، ضمن البحث عن بدائل، هل يمكن أن يكون منظور الاقتصاد النسوي هو هذا البديل الذي نبحث عنه؟ (تلتفت إلى فاطمة)
د. فاطمة إبراهيم: شكراً سلام. طبعاً الوضع في منطقتنا – كما وصفتي – فيه مشكلات كثيرة جداً حالياً، ومتشابكة عوامل متعددة في تشكيلها. وكما قلتي، الاقتصاد النيوليبرالي ممكَّن ومهيمن بشكل كبير. أدوار الاستعمار – سواء الاستعمار العسكري المباشر الموجود حالياً في دول عدة في منطقتنا، أو الاستعمار الاقتصادي المستمر حتى في الدول التي تحررت نوعاً ما من الاستعمار العسكري – كل ذلك يسبّب مشاكل هائلة تقع وطأتها على عاتق الأفراد المهمّشين بشكل أكبر، وعلى أغلبية الشعب بشكل عام، مسببةً حالة كبيرة من عدم الرضا وتدنّي الرفاه والصحة.
الاقتصاد النسوي كعدسة تحليلية يمكن استخدامه في منطقتنا في جوانب عدة، ويمكن تطبيق مقاربات نسوية في مجالات عديدة لمحاولة إعادة البناء بشكل أكثر عدالةً وشمولاً. (وذلك بالطبع دون تجاهل تأثير المؤسسات العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد والتدخلات الاستعمارية المستمرة في المنطقة.) لكن يمكن أن يطرح الاقتصاد النسوي بديلاً عن الاقتصاد النيوليبرالي المسيطر حالياً.
هذا قد يحدث عبر العمل الأكاديمي: أن نفهم ونحلّل الأوضاع والتأثيرات، ونقدّم نقداً واضحاً لها. ويمكن أيضاً أن يحدث من خلال الحراك المدني والحراك النسوي عبر المناصرة وتقديم أدوات اقتصادية بديلة – مثلاً إدماج الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي في السياسات العامة بشكل حقيقي وجذري (لا أن تكون مجرد ذكر للنساء أو نسبة مشاركتهن).
سلام سعيد: هل يمكن أن تعطينا مثالاً واضحاً هنا: كيف يمكن إدماج النوع الاجتماعي في الموازنات؟
د. فاطمة إبراهيم: سأفكر من ناحية أكاديمية أكثر ربما: في تحليلنا السياسي للسياسات الموجودة. أفكر مثلاً في الوضع الحالي في سوريا. سوريا الآن في مرحلة يُفترض أنها إعادة إعمار (مع رفع بعض العقوبات الاقتصادية). هنا يمكن أن نطرح أسئلة عن القطاعات الاقتصادية الموجودة أو الخارجة الآن، عبر مسح جندري لفهم من يهيمن على هذه القطاعات، وحجم مشاركة النساء فيها فعلياً. نحتاج بيانات عن التقسيم الحالي للأدوار: ما هي أدوار النساء الآن في فترة إعادة البناء؟ ما القطاعات الموجودة في سوريا حالياً ضمن إعادة الإعمار؟ وما نسبة هيمنة الرجال عليها مقابل تواجد النساء وتأثيرهن؟ أيضاً، ما الاستثمارات القادمة حالياً في مرحلة إعادة إعمار سوريا، ومن أين تأتي، وما هدفها، وما التنازلات المقدَّمة مقابلها؟ كيف ستؤثر على الفئات المهمشة بشكل عام (وليس النساء فقط) في مرحلة مضطربة جداً تمر بها الدولة السورية حالياً؟
من وجهة نظري الأكاديمية، نحتاج بيانات لنفهم التجارب الحياتية للأفراد المهمشين وتأثير هذه السياسات عليهم، وانعكاس ذلك على الحياة اليومية – وبناءً عليه نبدأ بوضع سياسات جديدة تأخذ بالاعتبار الأدوار المتنوعة للأفراد في المجتمع وكيف يمكن أن تكون إعادة الإعمار شمولية منذ البداية وأكثر عدالة من البداية، بدلاً من اتباع النظام النيوليبرالي الذي يعزز سلطة الاستعمار الاقتصادي في منطقتنا ويعطيه سلطات أوسع. مثل القرار الذي سمعنا عنه مؤخراً عن استيراد مصر للغاز الطبيعي من إسرائيل بمبلغ خرافي، علماً أن مصر كانت هي المنتِجة والمصدِّرة للغاز الطبيعي سابقاً. كل هذه التفاصيل تتقاطع مع بعضها لتوضح لنا الصورة بشكل أوسع وأكثر شمولاً. فمن المهم جداً أن نستثمر في التحليل الاقتصادي لهذه السياسات – خاصة في مراحل إعادة الإعمار – وإدراج الأدوات الاقتصادية النسوية في فهم تأثيرها على الأفراد المهمشين بشكل عام، ومحاولة بناء نظم جديدة تضم النساء والأفراد المهمشين في مرحلة إعادة الإعمار كفاعلين أساسيين (وليس مجرد كوتا رقمية في السياسات).
سلام سعيد: شكراً جزيلاً فاطمة على تسليط الضوء على الحالة السورية وإعطاء مثال من مصر. أعتقد أن منطقتنا تتوزع كما ذكرتُ: دول في نزاع مسلح حاد (غزة، السودان…)، دول خارجة من نزاع ولا يزال الوضع هشّ (سوريا، ليبيا، العراق)، ودول بدون نزاع مباشر لكن مع تحديات كبيرة (المغرب، تونس، مصر…).
باعتقادي، الاقتصاد النسوي كمنظور ليس وصفة واحدة جاهزة، إنما يقدّم حلولاً لكثير من السياقات. مثلاً، موضوع الموازنات – وهناك نوعان: موازنات مستجيبة جندرياً (تُدخل منظور النوع الاجتماعي في توزيع المخصصات) وموازنات تحويلية جندرياً (تذهب إلى جذور عدم المساواة الهيكلية وتقلب المعادلة). فمثلاً، في الموازنات المستجيبة، قد تضع الدولة بنداً لتغطية تكاليف إجازة الأمومة للنساء؛ أما في موازنة تحويلية جندرية، فتضع أيضاً بنداً لتغطية إجازة الأبوة للرجال. هذا مثال بسيط يوضح الفرق.
في دول تمر بإعادة إعمار بعد الحرب – كحالة سوريا – هذه فرصة مهمة لبناء كل شيء من البداية بشكل صحيح: معمارياً، سياسياً، جندرياً… إلخ. الموازنة التحويلية هنا تعني عدم فقط منح المرأة دوراً، بل دوراً تشاركياً حقيقياً لكل الناس في التخطيط واتخاذ القرار. وأيضاً إدماج التفكير في كيفية دعم المرأة كي لا يكون دورها الاجتماعي مقيداً: مثلاً بناء حضانات أطفال في المدن من البداية، بحيث لا تُلقى مسؤولية الرعاية بكاملها على المرأة؛ مراعاة احتياجات ذوي الإعاقة وكبار السن… إذا فكرنا في كل ذلك من البداية، سيكون الأثر إيجابياً جداً.
لكن ما نشهده حالياً عكس ذلك: هناك ارتداد للخلف في بعض الأماكن، وقمع اجتماعي للنساء لأداء أدوارهن. مثال ليبيا: حتى لو تم تخصيص حصص للنساء في البلديات، نرى تخويفاً وقمعاً للمرأة كي لا تمارس دورها. في سوريا أيضاً، القيادة الانتقالية الحالية ليست فقط غير ديمقراطية وأثبتت فشلها في إشراك كافة الأطراف، بل أثبتت فشلها في حماية المدنيين، وفيها عنصرية ضد فئات معينة، وغير قادرة على أن تكون نظاماً ديمقراطياً أو شاملاً. إنها دولة بامتياز طالب نجيب لكل سياسات التقشف النيوليبرالية – وصديق وفيّ لرؤساء كترامب وبوتين وأردوغان (أذكرهم تحديداً لأنهم رموز للرأسمالية وفرض منظومة تخدم الأقليّة على حساب الأكثرية).
برأيكم، ماذا يمكن أن يقدّم لنا الاقتصاد النسوي في ظل هذه الأنظمة؟ وهل تتفقان أن الاستبداد السياسي يلائم جداً النموذج الاقتصادي النيوليبرالي السائد؟
فرح دعيبس: بالنسبة لي، أعتبر أن النيوليبرالية والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة – فهما يأتيان معاً. النيوليبرالية بطبيعتها ضد مصالح الشعب، والاستبداد السياسي بطبيعته ضد مصالح الشعب. حين نتحدث عن الاقتصاد النسوي، فنحن أيضاً نتحدث عن مصالح الشعب (والشعب لا يعني الرجال فقط). ما يقدّمه مجال الاقتصاد النسوي – في رأيي – هو طريقة لإعادة التفكير وتفكيك الهرمية الاقتصادية بين الرجال والنساء، والهرمية بين الغني والفقير، والهرمية بين الدولة والشعب، والهرمية بين الإنسان والطبيعة.
أعيد التأكيد: النموذج الاقتصادي النسوي الإيكولوجي يستخدم القيم والمبادئ النسوية والاجتماعية (كالرعاية والتضامن والمساواة) في صلب التفكير الاقتصادي، ويهدف إلى تحرير الشعوب من الاستبداد الاقتصادي والسياسي… إلخ.
النيوليبرالية والاستبداد السياسي وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما يقوّض مصالح الشعوب ويُمعن في إقصاء النساء.
د. فاطمة إبراهيم: طبعاً أتفق مع فرح ومعكِ سلام أن النظام النيوليبرالي يؤثر سلباً على السياسات وإعادة البناء – لأنه، كما قالت فرح، هو ضد الإنسان وضد البيئة. من المهم جداً أن تكون السياسات التي يتم تصميمها الآن تمركز الإنسان (والحياة) في قلبها. وبدل أن نترك فكرة إعادة الإعمار للمستثمرين ورؤساء الدول التي ذكرتِها، يجب أن تكون موجهة من الناس أنفسهم، من الشعوب المتضررة. يجب أن يكون هناك قيادات نسوية محلية تضمن أن السياسات تراعي النوع الاجتماعي بشكل تحويلي، وأن يتم دعم الاحتياجات الأساسية للنساء التي تحميهنّ من الاستغلال والعنف أثناء عملية إعادة الإعمار. مثلاً، رأينا في سوريا أن النساء الآن غير آمنات في الخروج إلى الشارع للعمل أو المشاركة في الحياة العامة. يجب أن تكون هناك برامج موجّهة خصيصاً لحماية النساء والفئات المهمشة وضمان أمانهنّ في الفضاء العام يومياً لكي يستطعن المشاركة في عملية إعادة البناء. أيضاً، مهم أن يكون هناك استثمار في شبكات النساء ودعم المجتمع المدني النسوي في سوريا وفي الدول الأخرى التي تمرّ بإعادة بناء سياسات اقتصادية واجتماعية وسياسية بعد سنين من العنف والصراع – بحيث تكون تلك السياسات مبنية على عدالة اقتصادية حقيقية، وليس مجرد حصص رقمية. يجب أن تكون هناك شبكات نسوية متواصلة ومدعومة بشكل مباشر، وأن يكون هناك آلية واضحة لأخذ ما يقمن به ويقترحْنه بعين الاعتبار في تصميم السياسات الاقتصادية وغيرها.
وطبعاً يجب أن تكون هناك مقاربات حقوقية وسياسية تدمج الاقتصاد كعدسة تحليلية (نسوية) لا تتجزأ من فترة إعادة الإعمار – فلا يصح أن نفصله كأنه أمر منفصل لا يؤثر على الحياة الاجتماعية اليومية. الاقتصاد عدسة لا تتجزأ من مرحلة إعادة الإعمار وتصميم السياسات فيها.
فرح دعيبس: ربما أختم بالقول: في هذه الأوقات حيث نحاصر بالموت في الدول حولنا، أي فكر بديل يضع الحياة في المركز – بمعنى أن يستطيع الناس الأكل والشرب والتنفس بهواء نظيف والحصول على سكن ورعاية صحية ورعاية لمن يحبونهم – هذا هو الاقتصاد النسوي باختصار… وضع الحياة أولاً.
سلام سعيد: شكراً جزيلاً لكِ فرح، وشكراً جزيلاً لكِ فاطمة على وقتكما ومشاركتكما اليوم. كانت حلقة مميزة فعلاً. وأيضاً شكراً لريم (التي دائماً تعمل خلف الكواليس لتسجيل الحلقة). نلقاكم قريباً في حلقات أخرى من سلسلة حوارات بديلة التي ينظمها المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.
كنتم تستمعون إلى بودكاست “سوريا: حوارات بديلة” ضمن سلسلتنا الخاصة عن السياسات النيوليبرالية في سوريا والمنطقة. أُنتجت هذه السلسلة بالتعاون بين المركز السوري لبحوث السياسات ومنظمة فريدريش إيبرت.
Episode references:
Recently released guide on Feminist Economics/ الاقتصادي النسوي – دليل معرفي
https://takatoat.github.io/Feminist-Economics—A-Knowledge-Guide/pdf/pdf.pdf
Publication on Feminist Ecological Economics: https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/20564.pdf (EN); https://library.fes.de/pdf-files/bueros/beirut/20736.pdf (AR)
Article titled “Capitalist Patriarchal Nightmare, Ecofeminist Awakening”: https://mena.fes.de/press/e/capitalist-patriarchal-nightmare-ecofeminist-awakening.html
The Financial Lives of Refugee Women in Scotland
Ibrahim Fatma Said Rez
https://researchonline.gcu.ac.uk/en/studentTheses/the-financial-lives-of-refugee-women-in-scotland
الحلقات السابقة، والتالية:
استمعوا واكتشفوا المزيد من حلقات بودكاست سوريا حوارات بديلة، عبر متابعتنا على تطبيق سبوتيفاي



