الرئيسية / فعاليات / نحو حل استراتيجي للأزمة السورية: دور المجتمع المدني

نحو حل استراتيجي للأزمة السورية: دور المجتمع المدني

آنَ الأوان كي يلعب المجتمع المدني السوري دوراً فاعلاً في إيجاد وتنفيذ الحلول للأزمة السوريَّة، وبأن ينتقل من لعب دور المُتعامِل مع النتائج الكارثيَّة للأزمة، إلى دور اللاعب الفاعل في بناء الدولة الحديثة والشريك الأساسي على طاولة الحلول والمفاوضات، خصوصاً بعد أن ثبتَ عجزُ القوى السياسية في تقديم برامج عمل قابلةً للتنفيذ تنهي الأزمة وتحقّق إرادة السوريين.

إنّ المجتمع المدني الناشئ في سورية الآن، يلعب دوراً هاماً في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار خلال فترة الأزمة،  كما بدءَ بتقديمِ رؤيته الخاصّة لحلِّ الأزمة والتي تتّصف بأنها أكثر قرباً من واقع المجتمع السوري بحكم فعاليَّة هذا المُجتمع على أرض الواقع وقدرتهِ على فهم الجذور العميقة للأزمة و رصدِ أثرها على المجتمع.

لقد أدَّى تطوُّر المسار العنفي إلى إبعاد تركيز الإعلام وصنَّاع القرار عن  تطوُّر المجتمع المدني في سوريا في ظلّ الانفتاح النسبي للفضاء العام, لكن أيُّ حلٍّ سيكون منقوصاً بدون مشاركة هذا الطرف الفاعل بصمت. حالياً، يزداد الناشطون في المجتمع المدني داخل سورية من حيث العدد والفعاليَّة، مقارنةً بتناقُص عدد الناشطين في حقل السياسة، وذلك بسبب تساهل النظام النسبي معهم من جهة، وعدم قدرة المجموعات السياسية المسيطرة على المشهد على التطوُّر وتقديم استراتيجيَّة تشاركيَّة مقنعة تتناسب مع تطلعات السوريين من جهة أخرى، مما يؤكد على ضرورة أن يلعب المجتمع المدني دوراً أكبر في تحريك القوى المجتمعيَّة الكامنة في سورية، للخروج من الأزمة الحالية وبناء المؤسسات الدستورية والشفافة والعادلة،و لتحقيق تنمية مجتمعيَّة شاملة مركزها الإنسان.

يسعى المؤتمر وورش العمل المقترحة إلى تشخيص الدور الحالي للمجتمع المدني في سورية من قبل خبراء وناشطين مدنيين مما يطور فهم المعوقات والثغرات الرئيسية التي تمنع المجتمع المدني من أن يكون أكثر فعالية وتأثير. كما ستعمل هذه الورشة وبشكل تشاركي وممنهج على تطوير السيناريو البديل للخروج من الأزمة الحالية باتجاه مستقبل أفضل.

عُقد مؤتمر  “نحو حل استراتيجي للأزمة السورية: دور المجتمع المدني” ، في بيروت من 7 إلى 10 حزيران 2013، بمشاركة ناشطين من المجتمع المدني وخبراء سوريين من أكثر من أربعين منظّمة ومؤسسة مدنية وأكاديمية من داخل وخارج سوريا ومن خلفيات سياسية متنوعة، بهدف بحث جذور وآثار الأزمة في سوريا وتطوير سيناريوهات الأزمة واستشراف بدائل الحل، ووضع ملامح استراتيجية للوصول إلى السيناريو الأكثر تفضيلاً، وتشكيل فرق عمل فنية لتطوير السياسات والبرامج الملائمة ما بعد المؤتمر الذي يوجه نتائجه إلى المجتمع السوري بالدرجة الأولى.

يأتي هذا المؤتمر في إطار مشروع استشراف بدائل الحل للأزمة السورية، وهو امتداد  لبحوث وورشات عمل قام بها “المركز السوري لبحوث السياسات”، بمنهجية علمية تشاركيَّة لتحليل جذور الأزمة من النواحي المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعيَّة، ودراسة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة في سوريا. وتم عرض نتائج البحث المتعلق بسيناريوهات الأزمة الذي اعتمد على استبيان لآراء الخبراء السوريين في تقييم كل من هذه السيناريوهات لتحديد أكثرها احتمالاً وأكثرها تفضيلاً. كما استند المؤتمر إلى العديد من الأوراق والمداخلات التي تشخص حالة المجتمع المدني السوري، وعرضت نماذج عدة عن مبادرات و مشاريع مدنية.

ناقش المؤتمرون رؤيا مستقبلية لسوريا، بالإضافة إلى تحليل سلبيات وايجابيات السيناريوهات المطروحة وتم استخلاص السيناريو الأكثر تفضيلاً وبناء ملامح استراتيجية الوصول إليه من وجهة نظر المجتمع المدني السوري، وتحديد فرق عمل لبناء الاستراتيجية بشكل تفصيلي ما بعد المؤتمر.

توصل المشاركون إلى أن  السيناريو المفضل لحل الأزمة هو المفاوضات المدفوعة بأولويات المجتمع السوري، وبناء عليه تم تحديد أهداف المفاوضات ومناقشة آليات تحقيق هذا الخيار في إطار استراتيجية تعزز دور المجتمع المدني ليكون شريكاً أساسياً في الحل السياسي.

تم اختيار هذا السيناريو من بين ثمانية سيناريوهات مطروحة تضمنت خيارات الحسم العسكري لكل من الطرفين واستمرار النزاع المسلح والمفاوضات مدفوعة بأولويات المجتمع السوري أو القوى الخارجية بالإضافة إلى سيناريوهات التقسيم وانهيار الدولة. وقد تمت المفاضلة بين السيناريوهات على أساس أكثرها تحقيقاً للرؤيا سوريا المستقبلية.
إن الاتجاه نحو الحل السياسي المبني على الإرادة الوطنية والضغط من قبل المجتمع المدني السوري للابتعاد عن النزاع المسلح هو محور استراتيجية الحل المقترح من قبل المؤتمرين. فقد وضحت دراسة آثار الأزمة الخسائر الكارثية التي لحقت بسوريا، من شهداء وجرحى وعنف مسلح غير مسبوق واستقطاب حاد وتشظي النسيج الاجتماعي وانتشار اقتصاديات العنف. وأظهرت النتائج وجود أكثر من أربعة ملايين نازح داخل البلاد و2.6 مليون لاجئ ومهاجر يعيش معظمهم في ظروف إنسانية صعبة، وتراجع مؤشر التنمية البشرية إلى مستوى عام 1977 أي بخسارة 35 عاماً من التنمية. كما خسر الاقتصاد الوطني لغاية آذار 2013 أكثر من 84 مليار دولار بشكل مباشر وارتفعت معدلات البطالة إلى 48.8% وازداد عدد الفقراء نتيجة الأزمة بـ 6.7 مليون مواطن سوري. وذلك نتيجة الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والبنية الانتاجية وفقدان القدرة على التصدير وصعوبة النقل والقيام بالتحويلات المالية بالاضافة إلى شح مصادر الطاقة (المركز السوري لبحوث السياسات، آيار2013).

وحدد المؤتمرون الأهداف التالية لاستراتيجية حل الأزمة:

  • وقف النزيف الناجم عن الأزمة السورية
  • اعتماد أسس لعقد اجتماعي:
    • يحترم شخصية الإنسان
    • يضمن الحريات العامة والمدنية والفردية
    • يقطع مع الاستبداد بكافة أشكاله
    • يضمن العدالة في الحقوق والواجبات والفرص
  • تطبيق عدالة التصحيح لرأب الصدع الناتج عن الأزمة من خلال:
    • بناء خطة وآلية لتعويض المتضررين بشكل يكفل التضامن الوطني
    • تطوير إدارة المساعدات الإنسانية بطريقة تضمينية
  • التأسيس لمبادىء وقواعد وآليات وشروط بناء مؤسسات فاعلة وتشاركية وعادلة تضمن الحريات العامة وسيادة القانون والفصل بين السلطات
  • تطوير بيئة تمكينية مؤسساتية لعمل المجتمع المدني، تضمن مشاركته الفعالة في ضمان الحريات العامة والعملية التنموية وصناعة السياسات العامة والتقييم والرقابة والمساءلة
  • التأكيد على الاستقلالية والسيادة الوطنية في كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
  • التأسيس لتنمية محورها الإنسان تضمنينية وشاملة وعادلة

ستقوم فرق العمل بتطوير الآليات والبرامج للتأثير على القوى الفاعلة وتعزيز دور المجتمع المدني باتجاه الخروج من الأزمة بما يحقق الأهداف الاستراتيجية.

الأزمة السورية: الجذور التنموية
إن فهم جذور الأزمة التي تمر بها سورية لا يساعد على تجاوز آثار الأزمة فحسب بل يساهم أيضاً في معرفة الاستراتيجية الأفضل للوصول إلى مستقبل سورية المرغوب، حيث أن الأزمة في جوهرها هي أزمة حقوق ولايمكن أن تعالج فقط من خلال تفعيل وتحديث السياسات الاقتصادية والاجتماعية بل يجب أن يتم الحل في إطار تطوير مؤسساتي يراعي حقوق الإنسان ويأخذ بعين الاعتبار الإجماع الوطني والمشاركة الواسعة.

مزيد من التفاصيل

الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة السورية

قدّر المركز السوري لبحوث السياسات آثار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية حتى نهاية آذار 2013، وبيّن أن هذه الآثار مدمّرة بشكل مأساوي وأن استمرار النزاع المسلّح في سورية يرسم صورة قاتمة للمستقبل، ويقود إلى “تنمية عكسية” تتمثل في تأخر إنساني واقتصادي واجتماعي وثقافي، بما أنّه يعزّز العنف والعداء، ويفرّط في الاحترام للشخصية الإنسانية، ويخلق حوافزاً اقتصادية للعنف.

مزيد من التفاصيل

منهجية بناء السيناريوهات

إن تقدير السيناريوهات المحتملة والمفضلة للأزمة السورية خطوة مهمة باتجاه وضع الملامح الاستراتيجية الصحيحة لبناء سورية المستقبل، لذلك يجب التقدير على أسس منهجية وعلمية تستخدم التقنيات الاستشرافية للوصول إلى السيناريو الأكثر احتمالاً وتطبق التقنيات المعيارية لمعرفة السيناريو الأكثر تفضيلاً وفقاً للمبادىء والقيم الحاكمة لسورية المستقبل.

مزيد من التفاصيل

بناء وتقييم سيناريوهات الأزمة: النتائج الأولية للدراسة

حدد المركز السوري لبحوث السياسات سيناريوهات الأزمة وقيّمها مع عدد كبير من الخبراء والفاعلين السوريين، وأظهرت النتائج الثقل الكبير لتفاعل القوى الخارجية بعضها مع بعض على الأزمة السورية إضافة إلى تقارب احتمال حدوث أي من السيناريوهات المطروحة. أما بالنسبة للسيناريو الأكثر تفضيلاً، بينت النتائج أن المفاوضات التي تأخذ بعين الاعتبار أولويات المجتمع السوري هي السيناريو الأكثر تحقيقاً، وبفارق واسع عن باقي السيناريوهات، لمبادىء وقيم رؤيا سورية المستقبل.

مزيد من التفاصيل

  • فهم دور المجتمع المدني السوري (في الداخل والخارج) خلال الأزمة من المحاور التالية:
    • مؤسسات المجتمع المدني (الرسمية وغير الرسمية)
    • الخصائص والديناميكية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المدني
    • الدولة والمجتمع المدني
    • اقتصاديات العنف
    • التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر
    • الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والمجتمع المدني
    • دور المرأة في المجتمع المدني
    • المجتمع المدني السوري في الخارج من حيث: التمويل, التشبيك, السياسة, اللاجئين
  • بحث جذور وآثار الأزمة:
    • الاختناق المؤسساتي
    • التوازن عند الحد الأدنى
    • الأثر الاقتصادي والاجتماعي
    • الأثر المؤسساتي والسياسي
  • تطوير سيناريوهات الأزمة واستشراف بدائل الحل:
    • وضع مسودة لرؤيا سورية
    • مناقشة منهجية السيناريوهات
    • تحديد الفاعلين والعوامل الرئيسية في الأزمة
    • معرفة السيناريو (السيناريوهات) الأكثر احتمالاً
    • الاتفاق على السيناريو الأكثر تفضيلاً
  • إطار استراتيجية الوصول إلى السيناريو الأكثر تفضيلاً:
    • وضع الأهداف والأولويات
    • توضيح الفرص والتحديات
    • تشكيل فرق عمل فنية لتطوير السياسات والبرامج الملائمة
    • تحديد خيارات الحشد للمخرجات

 

تشهد سورية منذ شهر آذار2011 واحدًا من أخطر التحدّيات في تاريخها الحديث. يتمثّل هذا التحدّي بتحول الحراك الاجتماعي السياسي ضد الاستبداد إلى نزاع داخلي مسلّح. وقد كشفت هذه الأزمة عن تعقيد العوامل الداخلة فيها سياسيّاً، واقتصاديّاً، واجتماعيّاً، على المستويين الداخلي والخارجي. بيد أن الحراك الاجتماعي في سورية كان، ودون أدنى شك، سياسيّاً بامتياز. فمنذ اللحظة الأولى،  ثمَّن هذا الحراك من قيمة الحرّية، التي تشكّل مطلباً لمعظم الأطراف على مختلف أشكالهم وانتماءاتهم، والتزم بهذه القيمة على طول الخط. وقد تحوّلت الحريّة لتصبح تعبيراً عن جوهر الأزمة، المتمثّلة بالحرمان من الحريّات السياسية وغياب مؤسسات تمثيلية كفوءة وشفّافة.
يُعتبر النزاع المسلّح أحد الأبعاد المأساوية لهذه الأزمة، فالمناطق الواقعة في قلب النزاع تعاني كل يوم من خسائر في الأرواح، وسبل العيش، والبنية التحتية، والمساكن. وتأثّر بذلك كافة أرجاء الوطن، وتظهر يومياً مطالب كبيرة لإعادة الإعمار الاقتصادي، والاجتماعي، والمؤسساتي وحتّى الإنسانيّ!.
تشكّل الأزمات بشكل عام فرصة للتغييّر الجوهري في المؤسسات القائمة نحو الأفضل، لتحقيق تنمية مستدامة تضمن حياة إنسانية لائقة، أو نحو الأسوأ. وفي هذا الإطار، فإن الفشل المؤسساتي للنظام السياسي يعتبر جوهر استمرار تفاقم الأزمة في سورية. وتمثل هذا الفشل في عدم القدرة على فهم الحاجة إلى تأسيس مؤسسات تشاركية تضمن الحريات العامة وتحترم شخصية الإنسان وكرامته وتوجد نظام صارم للمساءلة يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من الفقر، وبالتالي، فإن الأزمة بجوهرها هي مشكلة تستند إلى الحقوق والانتفاض في وجه الاستبداد.
إن الشرخ الكبير الذي أصاب نسيج المجتمع السوري خلال الأزمة كان نتيجة لسلوك النظام الاستبدادي “التقليدي” من خلال المواجهة العنيفة للحراك وخنق الفضاء المدني، والتشدد في قمع كل أوجه النشاط المدنية والإنسانية والحقوقية، الأمر الذي أعاق الحل المدني السلمي الديمقراطي وفتح بوابات الخيارات المسلحة والعنيفة وراكم الاحتقان المجتمعي. واستثمر “الخارج” هذه الفجوة الخطيرة، ومولت بعض الدول الإقليمية والكبرى النظام وأخرى المعارضة المسلحة، مما يمهد لاستمرار الاقتتال الداخلي ويقوض استقلالية البلد ويدمر مقوماته.
وقد مرت المعارضة السورية خلال السنتين الأخيرتين بتشكيلات مختلفة من حَراك شعبي وتشكيل تنسيقيات وهيئات سياسية معارضة، ومعارضة مسلحة بما فيها الجيش الحر والكتائب ذات الصبغة الدينية. ولم تنجح المعارضة في تقديم مشروع واضح المعالم متكامل، يعبر عن أولويات المجتمع السوري ويوحد الجهود في جبهة واحدة، متأثرة بتضييق وعنف النظام والتدخل الخارجي الكبير بالاضافة إلى ضعف ثقافة المؤسسات وقلة الخبرة. وقد اتسمت الانقسامات بين أطراف المعارضة بالحدة وعدم الاتفاق على المبادئ العليا والاستراتيجيات، وترافق ذلك بضعف العمل التشاركي المؤسساتي والبعد عن طرح الأسئلة الكبرى التي يواجهها المجتمع السوري.
لقد فقدت البلاد قدراً كبيراً من استقلالها نتيجة لجوء الكثير من الأطراف الداخلية إلى قوى خارجية بطريقة تؤسس لتبعية مستقبلية والاعتماد إلى حد كبير على القوى الخارجية لحسم النزاع المسلح الحالي وتم بالتدريج التقليل من ثقل أولويات المجتمع السوري في خطة الحل مما يشكل خطراً في التأسيس لدولة جديدة لا تمثل إرادة السوريين بل قد تعاكسها في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, ومن هنا تأتي أهمية دور المجتمع المدني في إيجاد وتحقيق الحلول.o.

عن SCPR II

blog comments powered by Disqus